القراءة المعاصرة للقصص القرآني

د.محمد كنفودي
6/7/2017

القراءة المعاصرة للقصص القرآني

قراءة محمد شحرور

دراسة تحليلية نقدية تكميلية

د. محمد كنفودي

غرة القول:

يُعدُّ موضوع «القصص القرآني» من أهم المواضيع التي تحتاج إلى تعديد الدراسات وتجديدها؛ سواء تعلق بما وقع في الأزمنة السالفة، أو بما سيقع في الأزمنة الآتية، أو بما وقع زمن النبي - عليه الصلاة والسلام -؛ بالنظر إلى كثرة النصوص المتعلقة به في الوحي المنزل، علاوة عن ما ألحق به وليس منه تاريخيًا، انطلاقًا من العلامات والمؤشرات المنصوص عليها في الوحي المنزل، بعيدًا عن مطلق المعينات الخارجية المُحملة؛ سواء كانت نصوصًا كتابية أو بشرية، أو كانت مقررات اكتشافات علمية حديثة وغير ذلك، اللهم إلَّا من باب الاستئناس لا البناء، أو من باب التعزيز لا الإثبات أو النفي. وتلاحظ اليوم أنَّ موضوع «القصص القرآني» قد غدا من أهم مواضيع البحوث والدراسات وتجديد منهج النظر في فضاء الفكر الإسلامي المعاصر، خصوصًا بعد أن ظهرت نظريات عدة في ساحة «القصة» في بعدها الأدبي ([1]). وتأتي مساهمة محمد شحرور في هذا السياق العام، مع الاجتهاد قصد التفرد ببعض المفاهيم والدلالات وأسس منهج الترتيل في القراءة. ونحاول في هذا السياق رصد أهم المعالم العامة التي تشكل قراءة محمد شحرور المعاصرة لموضوع «القصص القرآني» عمومًا، و«القصص المحمدي» تحديدًا بناء على ما يلي:

أولًا: المنطلقات العامة للقراءة المعاصرة لموضوع القصصي القرآني:

تحكمت في قراءة محمد شحرور لآيات القصص القرآني جملة منطلقات عامة، عبارة عن مسلمات منهجية ومعرفية معًا، نورد بعضًا منها:

(1) القصص القرآني الوارد في نصوص الوحي المنزل ليس من باب التأريخ للأحداث التاريخانية وفواعلها تصْويرًا وتحديدًا، وليس أيضًا رواية قصصية غايتها التسلية وإلهاب الخيال، بل إنَّ القصص القرآني في عمومه بناء نظري نسقي متكامل لتفسير حركة التاريخ وقوانينه العامة المتحكمة في تقلباته وظواهره؛ ذلك أن القصص القرآني لا يورد الظواهر كما وقعت وكيف وقعت لذاتها، بل يجرد منها ألقابًا رمزية معبرة عن ظواهر بالإمكان أن تتجدد دوما ([2])، مثل الظاهرة الفرعونية، فهي ليست ظاهرة مضت وانقضى أثرها بانقضاء متعلقها الأول، بل هي تتجدد بتجدد ممثلها دومًا. بناء عليه؛ فإنَّ الجهد تعين أن ينصب كما يؤكد محمد شحرور على ضرورة إخراج القصص القرآني من إطار السرد التاريخاني إلى إطاره الحقيقي، كونه يؤسس لنواظم السنن والقوانين التاريخية، أو أنَّه يضع المعالم الأولى لفلسفة التاريخ الإنساني ([3]).

(2) كون القصص القرآني يؤسس لفلسفة تاريخية إنسانية مجردة نظير نصها ([4])، فهي ليست من جنس الفلسفات التاريخية التي يضعها هذا أو ذاك من الناس، والقائمة في عمومها على التخمين والظن والاحتمال، فضلًا عن التحيز المذهبي والأيديولوجي، بل هي قائمة على القطع واليقين نظير نصها ([5])، الذي يعكس حركة التاريخ الجدلية المطردة والموضوعية، بين الإنسان وأخيه الإنسان، أو بين الإنسان والوحي، أو بين الإنسان والطبيعة كعلاقات واعية على مستوى الفعل أو رد الفعل؛ وذلك حسب مقامي الربوبية والألوهية ([6]).

(3) القراءة المعاصرة للقصص القرآني تسطر الفلسفة القرآنية التاريخية المجردة والمطردة بناء على ما يثبته نص الوحي المنزل من علامات وإشارات دالة، فضلًا عن الاهتداء بالعلوم والأنساق المعرفية الغربية المعاصرة؛ لجعل تناوله يتم وفق أفق إنساني وعالمي، وليس مجرد تناول عربي أو إسلامي نظير نصه؛ وذلك كله لا يتحقق إلا بعد أن تتحقق أمور منها: رفع التلبسات التاريخية والأيديولوجية التي ألصقت بالقصص عبر مراحل متعاقبة تترَا ([7]).

(4) اعتماد «مبدأ القطيعة المطلقة» مع التفسير الموروث ومختلف مقاراباته لموضوع «آيات القصص القرآني»؛ بالنظر إلى أعطاب المنهج الذي تم التوسل به، وهو في جوهره قائم على عدم التمييز بين آيات الرسالة والأحكام، وآيات القصص والأخبار؛ بحيث إن استنباط الأحكام الإلزامية كان يتم من خلال آيات القصص، فضلًا عن جريهم وراء ملء مختلف الفراغات التي تصوروها بمختلف الروايات والأخبار التي وجدوها؛ سواء كانت متعلقة بالنصوص المقدسة، أو بنصوص تاريخية تلمودية إسرائيلية، أو آراء واجتهادات منقولة عن أهل الكتاب من اليهود تحديدًا، خصوصًا الذين أسلموا زمن التدوين والترسيم، فوقعوا من ثمة في مبدأ «الخلط الشنيع»، الذي بقدر ما شوه ما بقي من الصحة في الكتب المقدسة، شوه أيضًا دلالات آيات القصص القرآني. وإن من أولى الهمام الأساسية في هذا المضمار قبل أي شيء آخر، هو الكشف والنشر الموضوعي العلمي للخلط الحاصل، وفصل ما لحق القصص القرآني وليس منه في مختلف أزمنة التأويل في تاريخ الفكر الإسلامي. فضلًا عن ضرورة التمييز بين المحتوى في النصوص المقدسة ومختلف النصوص والاجتهادات التاريخانية لأهل الكتاب، للوقوف على معالم الفرق الذي صنع الفرق بين مختلف النصوص المتعلقة بأمر مشترك ([8]).

(5) مختلف آيات «القصص القرآني» عمومًا، و«القصص المحمدي» خصوصًا، تعد مصدرًا لأخذ العبر والعظات واستدرار القوانين والسنن، أو مصدرًا للتوجيهات والإرشادات التي لا إلزام تشريعي فيها، ولا علاقة لها إطلاقًا بالأحكام الشرعية الإلزامية المصنفة في دائرة افعل أو لا تفعل، وإلَّا وقعنا في شراك أعطاب التفسير الموروث ([9]). وعليه؛ فهي من هذا المنظار تعتبر متحركة دومًا على مستوى القراءة والتأويل والتركيب والاستنتاج، وإن كانت في أصلها نصوصًا ثابتة على مستوى المادة والنص، ثبات مادة نصها الحامل ([10]).

تأسيسًا على منطلقات الإطار العام السالف الذكر، تعين بناء البحث والاجتهاد في موضوع آيات القصص القرآني ترتيلًا من منظور محمد شحرور.

ثانيًا: المفاهيم العامة المؤطرة لقراءة آيات القصص القرآني قراءة معاصرة:

اجتهد محمد شحرور في تأسيس عدة مفاهيم ودلالات، قصد مقاربة موضوع آيات «القصص القرآني» مقاربة معاصرة إمكانية مغايرة لما هو سائد في تاريخ الفكر الإسلامي وتحييناته الجديدة، ومن تلك المفاهيم والدلالات:

(1) مفهوم «القصص المحمدي» - نسبة إلى محمد عليه الصلاة والسلام -:

ويقصد به مجمل نصوص الوحي المنزل التي وردت من أجل تغطية تحركات وغزوات النبي - عليه الصلاة والسلام -، أو هو مجمل النصوص التي تعكس اجتهادات النبي - عليه السلام -. وبالتبع؛ فهو يعكس أول تفاعل للرسالة المجردة مع أرض الواقع زمن النزول. وكل النصوص المتعلقة بذلك تعد مصدرًا للعبر فقط، ولا علاقة لها ألبتة بالأحكام، ما دام أنها تتضمن تعليمات وتوجيهات تاريخية محضة ([11]). والقصص المحمدي يعتبر الجانب الديني من السيرة النبوية، الذي يتعين الإيمان والتسليم به؛ لأنَّه جزء من القرآن بقي على أصله الأول المنزل به لم يشب بغيره. أما ما يسمى بكتب السيرة النبوية كسيرة ابن هشام، فهي السيرة التي تعكس الجانب التاريخي من سيرة النبي - عليه السلام -، الذي شابه ما ليس من أصله كالجانب الأسطوري والثقافي والاجتماعي والشعبي ونحو ذلك ([12]). وبالتبع؛ فهي ليست من الدين ولا يجب الإيمان أو التسليم بها ألبتة، وهذا التصور يشمل أو ينسحب على مطلق قصص الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام -.

(2) مفهوم القصص القرآني:

ضم نص القرآن بوصفه الجزء الأكبر من نص النبوة، الذي هو وقسيمه نص الرسالة يشكلان ماهية الكتاب المنزل على محمد - عليه الصلاة والسلام -، مجموعة نصوص قرآنية قصصية تاريخية متعلقة بالأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام -، الذي تم ذكر قصصهم في الوحي المنزل، وإن كانت في أصلها نصوصًا منزلة أو موحى بها، وهي التي تعتبر الجزء المتغير من القرآن؛ بمعنى أنَّها تعكس القوانين المفتوحة القابلة للتصرف الإنساني، بدليل قوله - تعالى -: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى} [يوسف: 111]، كما سبق أن رأينا ([13]). والقصص القرآني بوصفه أحداثًا تاريخية قد تلازم فيها «الإنزال»، و«التنزيل». وأحداث القصص التاريخية بعد وقوعها إنسانيًا جرت عملية أرشفتها مباشرة بعد تصنيفها وحفظها في «الإمام المبين». يقول - تعالى -: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} [يس: 11]. و«الإمام المبين» هو أرشيف الأحداث التاريخية والإنسانية الفردية والجماعية، ومنه جاء «الكتاب المبين». يقول - تعالى -: {طسم تلك آيات الكتاب المبين} [الشعراء: 1]. وقوله: {طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين} [النمل: 1]. وقوله: {طسم تلك آيات الكتاب المبين} [القصص: 1]. وقوله: {ألر تلك آيات الكتاب المبين} [يوسف: 1]. والموضوع الجامع بين هذه السور موضوع القصص= الكتاب المبين ([14]).

(3) مفهوم السنة التاريخية:

في شقها الإنساني تتحقق ماهيتها بناء على عدة عوامل متداخلة، بين ما هو ديني وثقافي واجتماعي ونحو ذلك؛ لذلك يستحيل التنبؤ بها أو اعتبارها ثابتة أو حتمية أو تتكرر بشكل متطابق نظير القانون الطبيعي، وإلا ألغينا كينونة وحرية وإرادة الإنسان، سيرورة تطور وعيه الذي له الدور الأكبر في وجودها وجهة ونوعًا. وعليه؛ فهي تغير غير منضبط بشكل صارم حتمي. وكون الله - تعالى - قد وصفها بعدم التبدل والتحول في قوله - تعالى -: {فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلًا ولن تجد لسنت الله تحويلًا} [فاطر: 43، 44]. فذلك متعلق بكونها موجودة في «الإمام المبين»= الأرشيف التاريخي للأحداث. ومن هذا المنظور لا يمكن أن نطابق بين منهج النظر في موضوع الطبيعة والخلق، وموضوع التاريخ والمجتمع ([15]).

(4) مفهوم العبرة:

القصص القرآني بوصفه أنباء غيبية: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك} [هود: 49]، {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} [يوسف: 102]. وبوصفه أيضًا حقًّا {نحن نقص عليك نبأهم بالحق} [الكهف: 13]، {يقص الحق وهو خير الفاصلين} [الأنعام: 58]. فالعبر بتلك المحددات الوجودية، عبارة عن مجمل الدروس والنتائج المستخلصة بالنظر في نصوص القصص القرآني ترتيلًا. وكونها لصيقة بالنظر الإنساني المحدود، تخضع لمعيار الصواب والخطإ؛ بالنظر إلى النظر الاجتهادي اللاحق لا إلى إنيّة موضوع النظر؛ إذ هو حقيقة موضوعية ثابتة. ومفعول وأثر السنن المتضمنة في «القصص القرآني» متعدي إلى مطلق الأجيال والأزمان. وعبر وسنن القصص تعد من أهم الأسناد التي تسعف الوجود الإنساني وأحوال عمرانه نحو ما هو أحسن دومًا؛ لذا فإنَّ قراءة آيات القصص متجددة دومًا دون توقف، ما دام سعي وحركة الإنسان قائمة ([16]).

ثالثًا: الضوابط العامة المتحكمة في القراءة المعاصرة لموضوع آيات القصص القرآني:

وضع محمد شحرور عدة ضوابط منهجية لقراءة آيات «القصص القرآني» قراءة معاصرة مغايرة لقراءات التفسير الموروث ومختلف تحييناته المتجددة، ومن تلك الضوابط:

(1) النظر إلى آيات «القصص القرآني» ليس بمنظار أنَّها وردت من باب التسلية وتثبيت فؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالقول بذلك لا يعدوا أن يكون عبثيًّا، بل تعين النظر إليها بوصفها تحتوي على منظومة قوانين وسنن إنسانية مثلى متفاعلة مع مطلق المراحل التي يمر بها الوجود الإنساني وتقلبات أحوال عمرانه. فبدل أن يتم البحث في ملء فراغات القصص، أو تحديد الأزمنة والأمكنة والأعداد، فلو تحقق ذلك يعد مجرد رجم بالغيب يفوّت القصد الأول، بل تعين أن ينصرف الجهد نحو اقتفاء السنن والقوانين بوصفها المقصودة من إيراد القصص ([17]).

(2) النظر إلى آيات «القصص القرآني» عمومًا و«القصص المحمدي» خصوصًا؛ بوصفها تتضمن تعليمات أو توجيهات محمولة على محمل الإرشاد خاصة بالمجتمع الذي عاش فيه الأنبياء أو النبي - عليهم الصلاة والسلام -. وبالتبع، فهي مناسبة لذلك الزمن وأهله لا لمطلق الأزمنة وأهلها. أما أن نعمد إلى إطلاق الأحكام الشرعية الإلزامية استنادًا إلى آيات «القصص القرآني»؛ فذلك مخل بالمنهج الأسلم، ما دام أنه يوقعنا في مآزق وجودية شتى ([18]).

(3) النظر إلى آيات «القصص القرآني» بوصفها تنتمي إلى عالم الغيب بالنظر إلينا، وخبرًا بالنظر إلى أهل زمانه. يقول - تعالى -: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} [يوسف: 102] ([19]). وبالتبع؛ فإنَّ أي إقحام لما هو خارجي عن مادة نصوص «القصص القرآني» يعد رجمًا بالغيب أولًا، ومفض إلى تشويه دلالات «القصص القرآني» ثانيًا؛ لذا فإنَّ أمر قراءتها بنفسها أو بذاتها ممكن ترتيلًا. ما دام أن نصوص القصص وإن تناثرت مكمل بعضها بعضًا نسقًا للوصول إلى المراد على مستوى السنن والقوانين ([20]).

(4) النظر إلى آيات «القصص القرآني» وَفق المستجدات المعاصرة، خصوصًا ما تعلق منها بالبحث التاريخي والأثري، الذي كشف عدة حقائق ظلت مجهولة أزمنة متعددة ([21]). فإذا كان الاجتهاد في آيات القصص محمود ابتداء، فلم التعويل على ما هو خارجي مُحمل عن نصوص القصص، إذا كانت مادتها كافية لاستنباط المراد، خصوصًا إذا استحضرنا أن القصص ليس مجرد أخبار فقط، بل أنباء غيبية، وأنى للبحث الإنساني مهما تجرد وتعمق أن يدرك أو يحيط بالغيب، أو أن يحكم عليه، ومن رام ذلك، كمن رام أن يرن الجبال بميزان الذهب؛ وذلك طمع في محال ([22]).

(5) النظر إلى آيات «القصص القرآني» بوصفها حاملة لمفهوم التطور والتراكم معًا، خصوصًا على مستوى وعي الإنسان، إذ قد حصلت تاريخيًا قفزة نوعية مشهودة، تجلت في الانتقال مما هو مجسد/مشخص إلى ما هو مجرد/نظري. ولولا هذا الانتقال لما تحققت للإنسانية مظاهر التطور والزحزحات المعرفية والتشريعية والحضارية والوجودية بشكل عام ([23]). والناظر في آيات القصص يلاحظ ذلك جليًّا، وبالتحديد على مستوى مفهوم «الإيمان»، قابل قوله - تعالى -: {وإذ قلتم يا موسى لن نومن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} [البقرة: 54]. وقوله - سبحانه -: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} [النساء: 152]. بقوله - تعالى -: {وقالوا لن نومن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا... قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولا} [الإسراء: 90 - 93]. وقوله - سبحانه -: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي... ويجعل لك قصورًا} [الفرقان: 8 - 10].

بناء عليه؛ فإن «معجزة» الوحي المنزل على الرسول - عليه الصلاة والسلام -، تتحدد في كونها قد أرست معالم منظور «التجريد»، الذي لولاه لما تحقق للإنسانية البناء النسقي المعرفي والعلمي والحضاري المشهود. وبالتبع، فإن أي قراءة تراثية أو معاصرة تستبدله بمنظور «التجسيد»، أو تؤسس لكل ما من شأنه هدم وتدمير أسس وقوانين «التجريد»، عد كل ذلك دالة على تهافتها أصلًا وفصلًا ([24]).

رابعًا: المقاصد العامة لسَوق آيات القصص القرآني ضمن نص الوحي المنزل الخاتم:

إنَّ الناظر في نص الوحي المنزل يلاحظ كثرة آيات القصص مقارنة مع آيات مواضيع أخرى، كموضوع الوضوء أو الصلاة أو الزواج أوالطلاق ونحو ذلك، إلا أن الاهتمام المبالغ فيه في تاريخ اجتهادات الفكر الإسلامي، انصب على آيات الوضوء والصلاة وغيرها، في حين غيب الاهتمام كما ينبغي بآيات القصص، وهذه أمارة جلية دالة على خلل تعين تصحيحه أو تداركه. في هذا السياق حاول محمد شحرور مجتهدًا في سبيل إعادة الاعتبار لموضوع آيات القصص بمنظور معاصر مخالف؛ إذ هي كما ينص لم يرد ألبتة من أجل التسلية أو إلهاب الخيال، أو استلهام النماذج الأخلاقية السلوكية، بل وردت من أجل تحقيق مقاصد أعظم وأكبر، ومن ذلك:

(1) إن أخذ آيات القصص القرآني بعين الاعتبار تأويلًا وترتيلًا، يعد من أهم الأسس التي تسْعف في إزالة «وهم الناسخ و المنسوخ» بين نصوص الوحي المنزل، فمثلًا قوله - تعالى -: {فإذا انسخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحْصًرُوهم واقْعُدُوا لهم كلَّ مَرْصَد} [التوبة: 5]. قد نسخ كل معاملة حسنة للمخالف في الدين. مثل نسخه لقوله - تعالى -: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 255]، وقوله: {وقولوا للناس حسنًا} [البقرة: 82]، وقوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125]، ونحو ذلك من الآيات، وقد تقررت هذه الرؤية التراثية إلى نصوص الوحي حسب محمد شحرور انطلاقًا من عدم التمييز بين آيات القصص التي تؤخذ منها العبر فقط، وآيات الرسالة التي تؤخذ منها الأحكام؛ فآية السيف من سورة التوبة عدها محمد شحرور من آيات «القصص القرآني المحمدي». وبالتبع، لا تنسخ ما عداها مع التسليم بمشروعية وجدوى النسخ؛ إذ هو متحقق بين «آيات الأحكام»، لا بين «آيات الأخبار» كما هو مقرر، والقصص المحمدي من آيات الأخبار ([25]).

(2) ورد القصص القرآني في نص الوحي المنزل من أجل التعريف بما سماه محمد شحرور بـ «عملية الأنسَنة»، التي تمت تاريخيًا من خلال انتقال البشر إلى الإنسان بواسطة عملية «نفخ الروح». إذن فالروح هي سر الأنسنة لا سر الحياة كما هو مسلم به تراثيًا ([26]). وظهر تبعًا لذلك في التاريخ الإنساني مفهوم الخير والشر والحلال والحرام ومطلق ما يحكم السلوك والعلاقات الإنسانية الواعية؛ وذلك أسلم إلى ما سماه محمد شحرور بـ «أنسنة الثقافات»، عن طريق تحفيز مبدإ التطور والتراكم على مستوى القيم العليا ومطلق إبداعات الإنسان ([27]). وتحقيق ما سلف، كان تمهيدًا لأجل إرساء دعائم مرحلة ما بعد الرسالات، التي بفضلها يتحقق الرشد الإنساني العام ([28]). ورشد الإنسانية حسب محمد شحرور قد تجلى في ثلاثة محاور كبرى هي: «محور التشريعات»، و«محور الأخلاقيات»، و«محور الاسترجاع النقدي لقصص الأنبياء والرسل السابقين»؛ وذلك ظاهر في ثنايا آيات القصص القرآني ([29]).

(3) إن إيراد آيات القصص القرآني في نص الوحي المنزل كان من أجل التعرف على معالم مبدإ التطور والتراكم الذي تحقق على مستوى مفهوم الدين - الإسلام تاريخيًا، والذي تم في أحضان مطلق النبوات والرسالات. وقد تجلى التطور الديني منذ نوح إلى محمد - عليهما الصلاة والسلام - في عدة مجالات عامة منها: «مجال التشريعات»؛ إذ قد تطورت من مراعاة الفهم العيني الحدي العام إلى مراعاة الوعي القيمي بالضوابط الحدودية العامة. و«مجال الشعائر»؛ إذ الصلاة - مثلًا - قد تطورت من عهد إبراهيم إلى عهد محمد - عليهما الصلاة والسلام - على مستوى الصور والكيفيات والعدد ونحو ذلك، واختلافها أو تنوعها كان يتم ضمن إطار الصلة العامة بالله تعالى. و«مجال القيم العليا»؛ إذ قد تطورت منذ عهد نوح إلى عهد محمد - عليهما الصلاة والسلام - خصوصًا على مستوى العدد، كما سبق أن رأينا في مفهوم الفرقان والوصايا. و«مجال الوعي الإنساني»؛ إذ قد تطورت من خلال توسيع رؤية إدراكه لمحيطه وعالمه وسيرورة انتقاله من الإدراك الشخصي إلى الإدراك المجرد، وهذا يعد اللبنة الأساس لتشكل الوعي الإنساني عبر حقب تاريخية متوالية ([30]).

إنَّ هذه التطورات المتحققة وغيرها تعكس جليًّا دور الوحي المنزل في كل ذلك؛ إذ لولاه لما تحقق الإنسانية ما تحقق. إذن فالوحي - الدين يعد محفزًا ومنشئًا، وليس مُخَدِّرًا أو مُخَمِّرًا. وقد أكد محمد شحرور أن مختلف مظاهر التطور السالفة كانت تتم جنبًا إلى جنب مع تطور البناء المعرفي والحضاري بشكل عام، وفي أحضان الدين تتأسس ([31]).

(4) سيقت آيات القصص القرآني مساق بيان جدل الإنسان مع المقدس/الوحي، ومع ذاته والطبيعة والتاريخ ومطلق التفاعلات الأخرى، مع بيان الأسس العامة التي تحكمت في كل ذلك. فضلًا عن جدل الحق والباطل وعيًا وسلوكًا، مع بيان سبل انتصار الحق على الباطل من خلال «المعجز/المعجزة»؛ بوصفها قفزة معرفية غير معهودة ولا مألوفة في تطويع قوانين الكون والطبيعة ([32]).

(5) تم التركيز على القصص القرآني في الوحي المنزل لكونه يعكس عموم السنن والقوانين الحاكمة لحركة التاريخ وقيام و سقوط الدول والحضارات؛ لذلك حث الله - تعالى - على ضرورات التفكر و التدبر في آيات القصص قصد الاستلهام والاعتبار ([33]).

وهكذا يتبيَّن بشكل جلي صريح، أن آيات القصص القرآني تكتنز مقاصد إنسانية شتى، مقومة للسلوك وموجهة لحركة الوجود ومفيدة في البناء المعرفي والحضاري الإنساني معًا، وما على الاجتهاد سوى الجهاد في سبيل تحقيق ذلك بمنهج علمي موضوعي ترتيلًا.

خامسًا: القصص المُحمدي وإشكالية تاريخية نص الوحي المنزل:

إنَّ الناظر في آيات القصص القرآني يجدها معبرة في جوهرها عن رؤية الله - تعالى - المتعالية للأحداث التاريخية كما وقعت تمامًا نتيجة اختيارات الناس في عصرهم وظروفهم وتفاعلهم مع المقدس-الوحي، وإيراد القصص ليس من باب كونه يعبر عن ما أراد الله - تعالى - إطلاقًا ([34]). وقد جرت عملية أرشفة الأحداث وتسجيلها وتصنيفها بعد وقوعها في «كتاب مبين» من «الإمام المبين» ([35]). ومفهوم القصص ليس القصد منه مجرد إيراد تتابع الأخبار زمانيًا، بل المبتغى أن يؤسس الإنسان بناء عليه دلالة مفهوم الربط استلهامًا واعتبارًا. خصوصًا إذا علمنا أن مادة القصص القرآني عبارة عن حقيقة وحق. يقول - تعالى -: {نحن نقص عليك نبأهم بالحق} [الكهف: 13]. وقوله - سبحانه -: {يقص الحق وهو خير الفاصلين} [الأنعام: 58] ([36]). فضلًا عن أنَّ القصص ليس ممَّا هو عيني، بل مما هو رمزي؛ لذلك لم يعمد الوحي المنزل إلى بسط القول في القصص تفصيلًا، بل اكتفى بما يسعف الإنسان جلبًا للمصلحة والنفع، ودرءًا للمفسدة والضرر.

إذا كان الوحي المنزل عبارة عن «صيغة نظرية مجردة منطوقة (الذكر)» ([37])، فإن جزء القصص منه؛ سواء تعلق بالرسل والأنبياء مع أقوالهم، أو تعلق بمحمد عليه الصلاة والسلام أثناء مرحلة النزول-زمن النبوة، يعد من جنس ما هو «تاريخي»، بمعنى أنه مصدر «للعبر والتوجيهات والإرشادات، لا للأحكام التكليفية الإلزامية أمرًا ونهيًا»، أو قل، كون القصص المحمدي تحديدًا آياته تاريخية «لا تنشأ أحكامًا شرعية» خارج إطار عصر وزمكان النبي محمد - عليه الصلاة والسلام -» ([38]).

يتضمن نص الوحي المنزل العديد من «آيات القصص المحمدي»، ويقصد به محمد شحرور: «مجمل الآيات التي وردت من أجل تغطية تحركات وغزوات الرسول - عليه السلام -، أو مجمل النصوص التي تعكس اجتهادات النبي - عليه السلام - من أجل تنظيم أحوال العمران المدني زمن النزول» ([39]). ومما يدل على القصص المحمدي من سور وآيات نذكر: سورة الأنفال ومحمد والتوبة والفتح والأحزاب وما تضمنته سورة آل عمران وعموم الآيات المصدرة {يا أيها النبي} وآيتي الشورى ([40]) وآيات الحج من سورة الحج ونحو ذلك ([41])، ولبيان تاريخية القصص المحمدي من منظور محمد شحرور نذكر بعض ما يدل على ذلك:

§    يقول الله - تعالى -: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المومنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يوذين وكان الله غفورًا رحيمًا} [الأحزاب: 59].

بناء على التقسيم الذي أقام عليه محمد شحرور بين دلالة مفهوم (النبي)، و(الرسول)، قدم قراءته المعاصرة للآية؛ ذلك أن مفهوم (النبوة - النبي) في نص الكتاب حقله احتمال التصديق والتكذيب، ما دام أنه نبأ بالنسبة لمن وجد خارج زمن النزول، فهو بذلك لا علاقة له بمفهوم الطاعة والعصمة أبدًا، عكس دلالة مفهوم (الرسالة - الرسول) في نص الوحي المنزل الذي حقله القبول أو الرفض، فهو بذلك مسيج بمفهوم الطاعة والعصمة معًا ([42]). وعليه؛ فإنَّ النص القرآني يتضمن تعليمًا أو حكمًا توجيهيًّا مرحليًّا يتعلق بالمظهر العام الذي يجب على المرأة المؤمنة في تلك الحقبة الزمنية مراعاته. فعلى المؤمنة تعليمًا أن تغطي وتستر من جسدها الأجزاء التي إن كشفتها تسببت لها في الأذى بنوعيه؛ الطبيعي والاجتماعي أو هما معًا. وعقوبة مخالفة الحكم وقتئذ هو ما تتعرض له من الأذى الطبيعي أو الاجتماعي، دون أن تترتب عن مخالفتها أي تبعة عند الله - تعالى - من ثواب أو عقاب، على اعتبار أنَّ صورة المرأة على مستوى اللباس تندرج ضمن مفهوم الحياء والعيب، وليس ضمن الحلال والحرام أو الإسلام والإيمان ([43]).

وعليه؛ فإنَّ العبرة التي تؤخذ من النص القرآني بوصفه من القصص المحمدي، وأساس القصص أخذ العبر لا تشريع الأحكام، أن يكون الحجاب أو لباس المرأة المؤمنة في مطلق الزمان والمكان خاضع للتقاليد والأعراف والتطور الحاصل على مستوى الوعي والصناعة والتجارة والمناخ ونحو ذلك لا غير.

§    يقول - تعالى -: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159]. وقوله - سبحانه -: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} [الشورى: 35].

إنَّ الأحكام والقوانين التي تضبط حركة الوجود الإسلامي الفردي والجمعي معًا، لا ينبغي أن تكون منوطة بـ «منطق الفتوى والإفتاء»، بل يتعين أن تكون رهينة «منطق الاستفتاء والتصويب البرلماني» ([44]). والشورى بوصفها قيمة إنسانية هامة وعامة، تقتضي على مستوى التفعيل جانبًا تقنيًا، وهو خاضع لمبدأ التطور حسب تطور وعي الناس وأحوال عمرانهم. وقد تطورت قيمة «الشورى» تاريخيًا إلى أن وصلت إلى درجة «الديمقراطية». وتعد الديمقراطية هي «الشكل التقني الأمثل للشورى». وما يناسبها على مستوى بنية الدولة، «أن تكون الدولة مدنية لا دينية» ([45]).

وعليه؛ فإن العبرة التي تؤخذ من آيتي الشورى، تحتم تطبيق الديمقراطية الليبرالية؛ بوصفها أحدث وأنسب آلية لممارسة الشورى، والتي تتأسس عمومًا على البنود الآتية: الدستور والميثاق، فصل السلطات، فضلًا عن المواطنة ([46]).

سادسًا. نماذج مختارة من آيات القصص القرآني من منظور القراءة المعاصرة:

قدم محمد شحرور قراءته المعاصرة لمجمل قصص الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - الوارد ذكرهم في نص الوحي المنزل، ونختار نماذج من ذلك باعتبار أنَّها تعكس ما هو مشترك إنساني حي عام؛ لإبراز معاصرة الطرح وجديد الدلالة، ومن ذلك:

(1)  قصة آدم من تحريرها من أسر منطق الرواية الخبرية، إلى أسرها بمنطق اجتهاد العلم:

تحقيق النظر في القراءة المعاصرة لمحمد شحرور يجعلك تلاحظ أنه يجاهد كثيرًا من أجل التخلص كليًا من تراكمات وترسبات منهج التفسير الموروث القائم في صلبه على قانون أو منطق الرواية الخبرية، مع سعيه الحثيث في المقابل إلى ربط نصوص الوحي المنزل على مستوى تفكيك سننه التعبيري والدلالي معًا بمختلف العلوم الغربية المعاصرة؛ بوصف منهجهًا قائمًا في صلبه على قانون أو منطق التأمل العقلي والاختبار التجريبي. بناء على هذا المنطلق العام نتوقف عند بعض أهم ملامح قصة آدم - عليه السلام - للبرهنة على ما سلف.

بداية لاحظ محمد شحرور أن قصة آدم تعد من أعرق وأكثر القصص الإنساني الذي أحيط برُكام من الأساطير والخرافات والغرائب المدهشة والعجيبة؛ بوصفها كما يقول محمد أركون من «التراث الإنساني المشترك الحي»، خصوصًا بين «أصحاب الظاهرات الدينية» ([47])، فمنه بدأت الخطيئة، وإليه تعود دونية المرأة واستلاب حرية الإنسان وإسقاط العقل ونحو ذلك ([48]). وورود قصة آدم - عليه السلام - في روايات التاريخ والتفسير الإسلامي الموروث، يكاد يكون متطابقًا كليًا مع نصوص التوراة والتلمود. وهذا الأمر دال على النقل عن بني إسرائيل دون تمحيص أو غربلة، فغلب منطق الرواية القائم على الثقة والتسليم الإيماني، على منطق المراجعة وإعادة النظر القائم على مبدأ النقد والتشكيك؛ ليثبت الصحيح من الزائف، والأصيل من الدخيل ([49]). فكان من عواقب ذلك تشويه القصص القرآني خصوصًا على مستوى ملء فراغات القصص من خلال النصوص الإسرائيلية، التي أتت على طريقة أو رؤية التناول فضلًا عن «القيم المضافة» ([50]).

يرى محمد شحرور أنَّ الوحي المنزل يطرح قصة آدم - عليه السلام - من خلال بعدين مهمين: الأول: يرتبط بخلق الإنسان وتطوره فيزيولوجيًّا وعقليًّا، ولفهم ذلك تحقيقًا، يتعين أن يتدخل العلم المضبوط، وخصوصًا علم الآثار وعلم الإنسان والفيزيولوجيا لتتبع كل ذلك. ما دام أن من القواعد العامة التي ينطلق منها محمد شحرور، أن ما توصل إليه العلم فالوحي لا يناقضه، وإن تحقق وجود التناقض جليًا صريحًا تعين الهروع إلى تأويل النص المنزل ([51])، خصوصًا إذا تم الأخذ بعين الاعتبار أنَّ عملية «التأويل» بوصفها بحثًا وتتبعًا أركيولوجيًا، وليس مجرد تأمل وتدبر عقلي فحسب، بل تعد أيضًا عبارة عن كشوف مرحلية تترَا إلى حين استقرار النبإ ([52]). أما الثاني: فيرتبط برصد ملامح التطور الإدراكي والاجتماعي للإنسان انتقالًا من طور شبيه بالقرد/الحيوان الهمجي، إلى طور الكائن الإنساني، وهو الذي عبر عنه الوحي المنزل بانتقال آدم من مرحلة البشر إلى مرحلة الآنسنة. وتم تحقيق ذلك من خلال «نفخ الروح»، و«تقليم الأسماء»، ونحو ذلك ([53]). والبحث التحقيقي في هذا الأمر قائم على بعد تأويلي فلسفي وفق منهجية تحليلية للسانية نص الوحي المنزل ([54]).

إنَّ قصة آدم - عليه السلام - كما هي عليه في نصوص الوحي - القصص القرآني، تعكس من منظور محمد شحرور «نظرية التطور»؛ وذلك من خلال:

§    إن مفهوم (الخلق) في نص الوحي المنزل، خصوصًا عند يتعلق بآدم - عليه السلام -، لم يكن فجائيًّا خارج نواميس الوجود وصيرورة التطور أبدًا، بل في كل ذلك انضوى وانصهر ([55]).

§    إنَّ مفهوم (البشر) يعكس الشكل المادي الحيواني الفيزيولوجي للإنسان؛ بمعنى دلالته على مرحلة كائن همجي يمشي على أربع. أما مفهوم (الإنسان) فيعكس كائنًا بشريًا مستأنسًا اجتماعيًا غير متوحش، وقد تحقق ذلك كله بعد عملية (نفخ الروح)؛ بوصف (الروح سر الأنسنة، وليست أبدًا سر الحياة). فآدم - عليه السلام - يرمز إلى هذه المرحلة الوسيطة بين البشر المتوحش والإنسان المستأنس؛ لذا اعتبر محمد شحرور أن (نظرية التطور) لداروين أقرب إلى الوحي المنزل والعلم معًا، من كلية الروايات والمنقولات الواردة في النصوص الإسرائيلية والتراثية معًا؛ إلَّا أنَّ الحلقة المفقودة في نظرية داروين كما يرى محمد شحرور هي مرحلة (نفخ الروح) ([56]). وممَّا يعزز ما سلف أن الوحي المنزل يتناول مفهوم الخلق بوصفه عبارة عن مراحل تطورية في العديد من النصوص منها: قوله - تعالى -: {مالكم لا ترجون لله وقارًا وقد خلقكم أطوارًا} [نوح: 13، 14]. وقوله - تعالى -: {الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 7، 8]. وقوله - تعالى -: {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا} [الكهف: 36]. وقوله أيضًا: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [الحجر: 29]. [ص: 71]. وقوله - سبحانه -: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} [الأعراف: 10].

§    إن آدم - عليه السلام - إذن يعدّ (أب الإنسان) العاقل الواعي وليس (والد البشر)؛ إذ منه بدأت مرحلة الأنسنة والمجتمع الإنساني ونشوء المعرفة والعلم تقليمًا وتسطيرًا ([57]).

§    بعد تحقق (مرحلة الأنسنة) بكل أبعادها، تم (اصطفاء) آدم - عليه السلام – بالخلافة - الاستخلاف في الأرض؛ إذ قد جعله كذلك مؤهلًا بكل ما هو خليق بتحقيق المبتغى. «والجعل» كما يؤكد محمد شحرور هو التغيير في صورة الحركة، فلولا الخلق التطوري والجعل لما تحقق الاستخلاف. يقول - تعالى -: {هو الذي جعلكم خلائق في الأرض} [فاطر: 39]. وقوله أيضًا: {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 29] ([58]).

§    حمل محمد شحرور قوله - تعالى -: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 29]، الذي كثر فيه الاختلاف والخلاف قديمًا وحديثًا على مفهوم (التطور) الحاصل والمتحقق في خلق الإنسان كما سلف الذكر ([59]).

§    ارتبطت بقصة آدم عليه السلام كما ينص متن محمد شحرور العديد من الجدليات الحاكمة للوجود الإنساني عامة، مثل: «جدلية المعرفة والحرية»، «جدلية التقوى والفجور»، «جدلية الطاعة والمعصية»، «جدلية القيم العليا والغرائز» ([60])، «جدلية الإنسان والشيطان» ([61])، فضلًا عن أن قصة آدم - عليه السلام - ترمز إلى أن التكليف الإلهي للإنسان أمرًا ونهيًا كان في البدايات الأولى للوجود الإنساني «مشخصًا مجسدًا»، كما يظهر ذلك من خلال قوله - تعالى -: {ولا تقرباَ هذه الشجرة فتكوناَ من الظالمين} [البقرة: 34]، [الأعرف: 18] ([62]).

وعليه؛ فقد تبين لك أن تناول محمد شحرور لبعض أبعاد وملامح قصة آدم - عليه السلام -، كان من أجل تحريرها من أسر منطق الرواية والخبر، وربطها، أو قل، أسرها في المقابل بمنطق اجتهادات الفرضيات العلمية المعاصرة. والبحث الإنساني لما يهيمن عليه رد الفعل تحت أي ذريعة، إلا وتغيب الحقائق والدلالات الموضوعية أو تتغيب في الغالب، كما سنفصل الأمر أكثر في جانب الملاحظات الآتية ([63]).

(2) قصة إبراهيم ونقل مفهوم التوحيد من أطوار التجسيد إلى قمة التجريد:

يعد إبراهيم - عليه السلام - شخصية رمزية فاعلة عند مطلق مجتمعات الكتب المنزلة، وقد تناولتها مرجعيات متعددة برؤى مختلفة قديمًا وحديثًا. وقد تكرر ذكر إبراهيم الخليل في الوحي المنزل في العديد من النصوص، متعلقًا ذكره بالعديد من المواضيع والسياقات. ونحاول في هذا السياق التوقف عند أهم المواضيع التي حدد من خلالها محمد شحرور دلالات غير معهودة ولا مألوفة في تاريخ الفكر الإسلامي قديمه وحديثه، ومن ذلك:

(أ) إبراهيم واللحظة الفارقة في التاريخ الإنساني:

ارتبط وجود إبراهيم الخليل عليه السلام بمرحلة تاريخية فارقة في التاريخ الإنساني؛ إذ قد عمل على ترسيخ «مرحلة الأنسنة»، من خلال بناء أسس الانتقال مما هو (مجسد) إلى من هو (مجرد)، خصوصًا على مستوى التقرب والتعبد لله - تعالى -. وقد تعلقت به وجوديًا أيضًا عدة مفاهيم عقدية، مثل: الحنيفية والولاء والبراء ([64])، وقيم أخلاقية كقرى الضيف ([65])، فضلًا عن تثبيت منهج التجربة والاستقراء نظرًا وعملًا ([66]).

(ب) إبراهيم والمسجد الحرام: تأسيس وجودي، أم ترميم إكمالي:

يقول - تعالى -: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة:126]، ويقول - سبحانه -: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} [إبراهيم: 39].

تداول الفكر الإسلامي في تاريخه تسليمًا فكرة أنَّ إبراهيم وابنه إسماعيل - عليهما السلام -، هما اللذان وضعَا الأسس الأولى للمسجد - بيت الله الحرام، بوادٍ غير ذي زرع بأمر من الله - تعالى -؛ إلَّا أنَّ محمد شحرور يرى بناء على عدة نصوص من الوحي المنزل، أنَّ إبراهيم وإسماعيل لم يضعَا الأساسات الأولى للمسجد الحرام؛ إذ بيت الله الحرام كان موجودًا قبل قدوم إبراهيم وذريته، بل قاماَ بوضع الأشغالات وإعادة بناء المخرب=الترميم ليس إلَّا ([67])، وأدلة ذلك عديدة منها:

§    إنَّ إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - قد أُمِرَا من الله - تعالى - بتطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود. والتطهير لا يتحقق معناه إلا لموجود أصلًا. يقول - تعالى -: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} [الحج: 24] ([68]).

§    إن الناظر في آية [سورة البقرة: 126]، يتبين له أن الرفع الوارد في النص لا يتعلق بوضع الأسس الأولى للبناء، بل يتعلق بالإكمال، وكذا فإنَّ الناظر في آية [سورة إبراهيم: 39]. يتبيَّن له أن إبراهيم وذريته قصدوا البيت المحرم، والقصد لا يكون إلا نحو موجود أصلًا أيضًا ([69]).

§    يفهم من خلال آية [البقرة: 124]. آية [الحج: 24]. أنَّ بيت الله الحرام كان قبل مجيء إبراهيم وذريته محلًا لتجمع الناس؛ لأداء طقوس شعائرية، إلَّا أنَّ الغالب على الأمر اختلاط المقدس بالمدنس، أو الإلهي بالإنساني، فاحتاج الأمر تبعًا لذلك ترميم وتطهير البيت، يعيده إلى أصله ومقصده كما كانا أول مرة.

§    بناء على ما سبق، يمكن الجمع بين آية [البقرة: 126] وآية [سورة إبراهيم: 39] من خلال المعنى الآتي: نزح إبراهيم وأهله فاستوطنوا عند بيت الله الحرام، ولما بلغ إسماعيل أشده أمرهما الله - تعالى - معًا برفع قواعد البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، والمدة الفاصلة بين السكن والأمر الإلهي لهما لا تقل عن عشرين سنة ([70]).

(جـ) إبراهيم وتأسيس مفهوم التجريد في سبيل التقرب إلى الله - تعالى -:

اكتمل في عهد إبراهيم - عليه السلام - مفهوم (التجسيد) على مستوى العبادة والسلوك التعبدي، وقد تجلى ذلك في عدة صور منها: صورة تقديس ظواهر الطبيعة ([71])، وصورة عبادة الآلهة من الأصنام والأوثان والتماثيل ([72])، فضلًا عن ظهور سدنة الآلهة حسب الاختصاص ورغبات الناس، وقد كان أب إبراهيم الذي دارت بينهما عدة حوارات في سورة مريم والأنبياء من سدنة الآلهة عصرئذ؛ نظرًا لمظاهر التشخيص التي ترتبت عبر ترسبات مراحل تاريخية تترَا، ظل تبعًا لذلك مفهوم الإله غامضًا رغم قفزات (التجريد)؛ بحيث بقي أقرب إلى مفهوم (التشخيص) منه إلى مفهوم (التجريد) ([73])، كما يظهر في قوله - تعالى -: {قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدًا ونحن له مسلمون} [البقرة: 132]. وقوله - تعالى -: {قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} [الأعراف: 120 - 221]. وقوله أيضًا: {قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90]. ولنقل الإنسانية من متاهات مرحلة (التجسيد) إلى الآفاق الراشدة من مرحلة (التجريد)، تجد أن دعوة إبراهيم - عليه السلام - ركزت على أمور منها:

تعويض القرابين الحيوانية بالقرابين البشرية:

عمل إبراهيم - عليه السلام - على تحريم تقديم القرابين البشرية للآلهة في المعابد؛ بحيث إن تقديمها لها كان طقسًا شعائريًا جاري به التدين، ويظهر ذلك في رؤيا إبراهيم الخليل، كما قص الله - تعالى - في قوله: {فلما بلغ معه السعي قال يا بنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ترى} [الصافات: 102]. وقد انتقلت رؤيا إبراهيم كما يقول محمد شحرور إلى فعل تكليفي واقعي. فضلًا عن أن قوله - تعالى -: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا} [آل عمران: 96، 97]. فكان الإنسان بمجرد الدخول إلى بيت الله الحرام تؤمن حياته، ويعد هذا الأمر كبداية أولى، وليس نهاية أخيرة في مسير الانتقال والهدم والبناء ([74]).

التقرب بالحج من مبدأ التجريد إلى أفق التوسع الزماني:

تأسس مفهوم (التجريد) على مستوى العبادة والتقرب لله - تعالى - في عهد إبراهيم - عليه السلام - كما يرى محمد شحرور من خلال عبادتي الصلاة والحج؛ بوصفهما مما هو مجسد يعكس التقرب نحو المجرد المطلق؛ بحيث تم ربط قمة المجرد بقمة المجسد، وتجذر ذلك أكثر في ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام. فعلى مستوى التقرب من خلال الحج تجده قد توسع مكانًا وزمانًا. التوسع المكاني تولت بسطة مختلف مصنفات مذاهب الفقه الإسلامي. نحاول في هذا السياق بسط التوسع الزماني في الحج؛ بوصفه يشكل ما هو غير معهود ولا مألوف في سياق تاريخ الفكر الإسلامي. محمد شحرور كما هو دأبه يأتي باجتهادات تقطع مع الموروث الإسلامي جملةً وتفصيلًا، مع أنَّ النص المؤسس في كثير من الأحيان يحتملها، ومن ذلك تأكيده بناء على قوله - تعالى -: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 196]. إنَّ مناسك الحج الأكبر يقوم بها المؤمن في عدة أشهر معلومات، وهي الأشهر الحرم الأربعة المعروفة. ولا يوجد حسب تنصيص محمد شحرور أي نص من نصوص الوحي المنزل يحصر أيام الحج في العشر الأوائل من ذي الحجة. أما كون الرسول - عليه الصلاة والسلام - قد حدد يوم عرفة والنحر ونحوهما، فمجمل تلك التحديدات تدرج ضمن ما سماه محمد شحرور بـ (القصص المحمدي)، الذي فعالية لا تتعدى زمانه إلى أزمنة أخرى تالية. وبالتبع، فأي يوم من أيام الأشهر الحرم يمكن أن يكون يومًا لعرفة أو للنحر ونحو ذلك. وهذا المنحى في الفهم كما يؤكد محمد شحرور، هو الذي يتناسب مع كثرة وتزايد الحجاج إلى بيت الله تعالى الحرام وإقبالهم على عبادة الحج إقبالًا منقطع النظير، تفاديًا لكل حرج وضيق ومنع، أما حصر مناسك الحج حسب منظور المعهود التراثي، فموقع في الحرج والضيق والمنع ([75]). وأما قوله - تعالى -: {وأذّن في الناس بالحج ياتوك رجالًا... ولكل أمة جعلنا منسكًا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا} [الحج: 25 - 32]. فهو خطاب إلى محمد لا إلى إبراهيم - عليهما السلام -، وهو يدرج ضمن ما سماه محمد شحرور بـ «القصص المحمدي» ([76])؛ بمعنى أن (الناس) هم ناس زمن الرسول - عليه السلام -، وليس مطلق الناس في مختلف أزمنة التكليف.


ملاحظات نقدية وتكميلية

أولًا: ملاحظات نقدية - تقويمية:

(1) القراءة المعاصرة بين هَم البَحث الإبداعي الموضُوعي المُجرد، والعوائق القبلية الحداثية المُوجهة:

إنَّ من أهم ما تدور في فلكه القراءة المعاصرة لمحمد شحرور على المستوى المنهجي، تجد تشديده على (منهج القراءة الموضوعية/الترتيل-التوحيد)؛ بمعنى قراءة نصوص الوحي المنزل بعضها ببعض ترتيلًا، دون الهجوم عليها بالمسبقات الخارجية المُحملة جل أو عظم شأنها؛ سواء كانت تاريخانية أو مذهبية أو حداثية معاصرة؛ بوصفها (عوائق معرفية) حقيقية ([77]). وتجد أيضًا العرض على نصوص الوحي المنزل، فما وافقها قبل، وما ناقضها رفض من أي جهة صدر وفي أي زمن انبثق ([78]). لا شك أنَّ هذه العُدّة المنهجية مفيدة وذات أثر عميق وثقيل معًا؛ إلَّا أنَّ السؤال الموضوع على المستوى المنهجي والمعرفي معًا هو: هل ما يقترحه محمد شحرور من قراءات لنصوص الوحي منضبطة بكل ذلك على مستوى التنزيل، انضباط النجوم في مواقعها والفصول في مواعدها، أم لا يعد أن يكون في كل ذلك من اللاقمين لا من الواقفين، أو قل، أن ما يبديه منهجيًا مجرد تحلية خارجية تزيينية مغرية ليس إلا؟ للإجابة النسقية عن ذلك، نتوقف تحليلًا عند الإشكالات الآتية:

(أ) القصص القرآني المحمدي بين جرئة الطرح ووهن مقومات التأسيس:

نظر محمد شحرور في نصوص الوحي المنزل فجاء بعدة مفاهيم ودلالات جريئة، لم تكن من المعهود في تاريخ الفكر الإسلامي قديمه وحديثه، ومن ذلك: أن العديد من سور ونصوص الوحي الشريف تدرج ضمن ما سماه بـ «القصص المحمدي»، الذي يعكس مختلف تحركات ومراحل دعوة النبي - عليه الصلاة والسلام - على أرض واقع زمن النزول. ومطلق القصص القرآني بما فيه «القصص المحمدي» لا علاقة له إطلاقًا إلَّا بزمنه دون أزمنة أخرى تالية. أو بمعنى آخر، نصوص القصص تشمل منظومة من العبر فقط، التي تنزل منزلة الإرشاد والتوجيه، ولا علاقة لها بالأحكام الإلزامية خارج زمنها. ومن ثمة فإنَّ «القصص المحمدي» هو الجزء الذي يعكس «تاريخانية نص الوحي». بناء على الفذلكة العامة يمكن القول:

§    إنَّ محمد شحرور وغيره من المفكرين المعاصرين الذين تناولوا بعض نصوص الوحي المقدس من منظور تاريخاني صرف، قد قصدوا التقليل من عدد نصوص الأحكام الشرعية الملزمة المدرجة ضمن باب افعل ولا تفعل. وتركت في المقابل مساحات واسعة للاجتهاد الإنساني وفق ضرورات ومستجدات الوجود المعاصر. وكأنَّ نصوص الوحي المقدس لم تأت بأحكام صريحة لمختلف مستجدات وأفعال المكلفين في مختلف مجالات السعي الإنساني. إنَّ القصد العام من وراء ذلك كله بعد ترسيم الأول، تحييد أحكام الشرع الحكيم عن مختلف مجالات الشأن العام، أو قل، إدخال الشأن العام في نفق التشريع المدني العلماني، وكأن الأخير مبرأ عن كلية العيوب والنقائض التي ظهرت عليه في عقر داره، فما بالك إذا تم استيراده واستثباته في مجال تداولي مخالف تاريخيًّا حضاريًّا ودينيًّا ونحو ذلك ([79]).

§    إنَّ مجمل النصوص التي اعتبرها محمد شحرور من «القصص المحمدي»، وخصوصًا تلك التي تأمر بجهاد وقتال المخالف في الدين. مثل قوله - تعالى -: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} [التوبة: 5]. وقوله - سبحانه -: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة: 74]. وقوله أيضًا: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مَنًا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4]. لا يتعين النظر إليها وكأنَّها هي الأصل الأول المُصَدر في الاعتبار، أو أنَّها ناسخة لمطلق النصوص التي تحث على القول الحسن والمعاملة الحسني ونفي الإكراه ونحو ذلك. مثل قوله - تعالى -: {وقولوا للناس حسنًا} [البقرة: 82]. وقوله - سبحانه -: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 255]. وقوله أيضًا: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125]. بل يتعين أن يكون النظر إليها مؤسسًا بناءً على:

* إنَّ قتال وجهاد المخالف في الدين ثابت نصًّا. يقول الله - تعالى -: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} [الحج: 38] ([80]). لكن لا يتحقق وجوده الموضوعي إلا إذا تحقق ما يلي:

§    إن الجهاد في سبيل الله - تعالى - وإن كان أصلًا من أصول تشريع الوحي المنزل على مستوى التنظير، إلَّا أنَّه على مستوى التنزيل يشكل استثناء؛ إذ الأصل في الحياة بين الناس السلم والأمن، لا الحرب والقتال.

§    إنَّ الأمة مأمورة نصًّا بإعداد القوة من أجل ردع وزجر المعتدي في حالات السلم والأمن. يقول - تعالى -: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} [الأنفال: 62] ([81]).

§          أن يكون المخالف في الدين هو البادئ بالعدوان والظلم دون موجب أو سبب موضوعي مشروع.

§          أن يكون القصد العام من الجهاد في سبيل الله تعالى هو درأ العدوان المحقق، فضلًا عن تحقيق وتمتيع الإنسان بحريته وإنسانيته والدفاع عنهما.

§          أن يكون الجهاد في سبيل الله - تعالى - متعلقًا فقط بالمعتدي والباغي، وليس بمطلق المسالمين من عامة الناس ([82]).

§    وعليه؛ فإنَّ الجهاد في سبيل الله - تعالى - وقتال المخالف والموافق الباغي المعتدي أصل شرعي نصي لا يزال وجوده وأثره بمجرد التستر بآلية التأويل، وقد اجتهد محمد شحرور كثيرًا من أجل تحويل دلالته؛ إلَّا أنَّه تحويل تعسفي ([83]). فضلًا عن أن الجهاد الذي مارسه النبي - عليه الصلاة والسلام - قد تظافر فيه ما هو نصي، فنحن ملزمين به في مطلق الأزمنة والأمكنة، من باب أن البيان النصي لا يتأثر عن وقت الحاجة. وأيضًا ما هو اجتهادي وفق الظروف وتغير موازين القوى وقتئذٍ، فنحن ملزمين به على مستوى الاعتبار والاستلهام، كما هو مرضي الأقوال الاجتهادية في الباب.

* إنَّ النسخ بين نصوص ودلالات الوحي المنزل لا وجود له ألبتة بالاعتبار الموضوعي لا بالاعتبار المذهبي، ما دام أن أساسه الذي انبنى عليه غير متحقق وهو «التناقض الجلي الصريح». وبالتبع، فكل نصوص الوحي المنزل لها مجال أو ساحة اتباع في مطلق الأزمنة والأمكنة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. أما قول من قال وسلم به؛ سواء من قبل أهل التأسيس التراثي أو من ارتضى تصورهم من قبل مقلدة المتقدمين، فكما بيَّنَا مرارًا أنه مجرد وهم أو غلطة تاريخية أو انزلاق منهجي تعين تصحيحه لتستقيم النظرة إلى كتاب الله تعالى.

وعليه؛ فإنَّ المقاربة التاريخانية لنصوص الوحي المنزل لا تستقيم أبدًا لتهافت أسسها، سواء حملناها على معنى حصر فعالية بعض نصوص الوحي زمن النزول دون أزمنة أخرى- كما هو مذهب أهل النسخ وغيرهم-، أو حملناها على معنى أن عدة نصوص - كالقصص المحمدي - لا تؤخذ منها الأحكام الإلزامية، بل العبر التوجيهية فقط، خصوصًا إذا علمنا أن العبر قائمة على مجرد الإرشاد الذي لا إلزام فيه، علمنا أن هذا المنهج يُحول نصوص الوحي المنزل إلى مجرد نصوص لا يترتب عنها أثر ثقيل ذا بال، وإن كانت هي من «القول الثقيل»؛ سواء على مستوى الشأن العام أو الخاص ([84]).

(ب) القراءة المعاصرة بين زعم الإبداع الموضوعي وتوثين تصوّرات العصر الحداثي الغربي:

إنَّ الناظر في متن محمد شحرور يلاحظ أنَّه كثيرًا ما يسوغ عدة نظريات وتصورات غريبة المنشأ والمنزع معًا، من خلال تأويله للعديد من نصوص ومفاهيم الوحي المقدس. والدالة على ذلك، تنصيصه على «أن النص إذا تعارض مع حقيقة علمية أو عقلية تعين الإهراع نحو تأويل النص» ([85]). ولا شكَّ أنَّ هذا المنهج في القراءة والتفسير ليس وليد المرحلة المعاصرة، بل له جذور تاريخية عميقة في تاريخ الفكر الإسلامي ([86]). ونحن في هذا السياق لسنا ملزمين بتتبع القول بذلك منشئًا ومسارًا وإن كان مهمًا في هذا السياق والمرحلة معًا، ولكن نركز القول على مدى سلامة منهج محمد شحرور ومن تقاطع معه في هذا الأمر، القائم على قراءة عدة نصوص شرعية بجملة تصورات قبلية غربية حداثية.

نسلم مع محمد شحرور أن نصوص الوحي المقدس لا تتناقض ألبتة مع الحقائق العلمية المتعلقة بالخلق؛ سواء خلق الإنسان أو خلق الكون، ما دام أن أصل الكلام والكلمات واحد هو الله - تعالى -، وهو - سبحانه - يتنزه أن يصدر عنه ما يناقض بعضه بعضًا في أي زمن من أزمنة التأويل الإنساني. ونسلم أيضًا أنَّ مطلق الحقائق الموضوعية يتنزه نص الوحي أن يناقضها، ما دامت أنها كذلك، وليست مجرد فرضيات أولية أو مرحلية.

إنَّ من أهم الآفات المنهجية التي حذر منها القدامى والمعاصرون معًا والتي تعترض قراءة نصوص الوحي المنزل، أن تتم قراءته بما هو مستحدث؛ سواء على مستوى الدلالات أو المفاهيم. مما يسقط القراءة أو التفسير في شراك التلاعب أو المغالطات التاريخية أو التقويل التعسفي ونحو ذلك ([87]). وبالتبع؛ فإنَّ محمد شحرور لما قرر أن نصوص الوحي المنزل دالة على نظرية التطور الدروينية وكذا على النظرية النفسية الفرويدية، يكون بذلك بقدر سقوطه في شراك تلك الآفة المنهجية، يكون أيضًا قد هجم على النص من الخارج؛ وذلك يتنافى مع جوهر «قراءة الترتيل - التوحيد» التي اعتبرها محمد شحرور أساس قراءته المعاصرة. وهذا الغبط العشوائي والاضطراب المنهجي دال على أن منهج محمد شحرور لم يكن مبتغاه تجريد النظر، بل تسويغ القبليات المسبقة الصنع التي تستلزم اللقم لا التحقيق.

نحاول في هذا السياق التوقف عند نظرية التطور التي اعتبرها محمد شحرور أقرب إلى الوحي المنزل والعلم الثابت من كلية النصوص والمرويات التاريخية. بناء عليها يرى محمد شحرور أن الخلق الإنساني مر بمرحلتين: الأولى: كان فيها مجرد بشر أشبه ما يكون بحيوان همجي، وهي التي جعلت الملائكة تستغرب استخلافه في الأرض كما ثبت نصًا ([88]). والثانية: كان فيها إنسانًا مستأنسًا اجتماعيًّا، وهي التي بدأ بها وجود آدم - عليه السلام -. وقد تمت عملية النقل أو التطور بواسطة نفخ الروح؛ بوصف الروح كما ينص محمد شحرور هي «سر الأنسنة وليست سر الحياة» ([89]). وسنمعن النظر الموضوعي النقدي في هذا الاجتهاد التي جاء به محمد شحرور بناء على:

(1) دلالة مفهوم البشر في نصوص الوحي المنزل:

يرد مفهوم «البشر» في نصوص التنزيل الحكيم في سياقات مختلفة محددة للنظام الدلالي وأطره العامة، نتوقف فيما يلي عند بعض منها:

(أ) سياق بيان القواسم المشتركة؛ بمعنى أن مفهوم (البشر) يرد في نصوص الوحي متعلقًا بجملة من القواسم التي يشترك فيها البشر جميعًا؛ سواء كان أمر الاشتراك خلقيًا أو اكتسابيًا، والذي يرتقي إلى درجة المثلية. تأمل النصوص الآتية: يقول الله - تعالى -: {قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا} [إبراهيم: 13]. وقوله - سبحانه -: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ} [الكهف: 105]، وقوله أيضًا: {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء} [يس: 14].

(ب) سياق بيان الخلق الإلهي؛ بمعنى أن مفهوم (البشر) يرد في نصوص الوحي المنزل متعلقًا بمرحلة من مراحل الخلق الإلهي؛ سواء تعلق الخلق بآدم - عليه السلام - أو بمطلق البشر. تأمل النصوص الآتية: يقول الله - تعالى -: {وهو الذي خلق من الماء بشرًا} [الفرقان: 54]. وقوله - سبحانه -: {وإذا قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون} [الحجر: 28]، وقوله أيضًا: {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين} [ص: 75].

(جـ) سياق بيان الجانب البيولوجي؛ بمعنى أن مفهوم (البشر) يرد في نصوص الوحي متعلقًا بما يحمل طاقة جنسية تتسب بوجود الأنثى في الإنجاب. تأمل النصوص الآتية: يقول الله - تعالى -: {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} [آل عمران: 27]. وقوله - سبحانه -: {قالت أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيًا} [مريم: 19].

(د) سياق بيان تأهيل البشر لتلقي الوحي؛ بمعنى أن مفهوم (البشر) يرد في نصوص الوحي المقدس متعلقًا بمن اصطفاه الله تعالى لتلقي الوحي المنزل. تأمل النصوص الآتية: يقول الله - تعالى -: {ما كان لبشر أن يوتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله} [آل عمران: 78]. وقوله - سبحانه -: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 92]. وقوله أيضًا: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب} [الشورى: 48].

(ﻫ) سياق بيان إمكانية البشر للتفاعل مع الوحي؛ بمعنى أن مفهوم (البشر) يرد دالًا في نصوص الوحي على أنه يمتلك رأسمال رمزي يمكنه من القدرة الكافية واللازمة للتفاعل مع الوحي المقدس. تأمل النصوص الآتية: يقول - تعالى -: {وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر} [المدثر: 31]. وقوله - سبحانه -: {إنها لإحدى الكبر نذيرًا للبشر} [المدثر: 35 - 38].

(2) دلالة مفهوم الإنسان في نصوص الوحي المنزل:

يرد مفهوم (الإنسان) إفرادًا وجمعًا في نصوص التنزيل الحكيم في سياقات متعددة محددة لمرتكزات الدلالة العامة، نتوقف عند بعض منها:

(أ) سياق بيان التقابل أو التناظر؛ بمعنى أن مفهوم (الإنسان) يرد في نصوص الوحي مقابل مفهوم الجن، وهمَا معًا من مخلوقات الله تعالى التي أنيطت بها مهمة التكليف. تأمل النصوص الآتية: يقول - تعالى -: {وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوًا شياطين الإنس والجن} [الأنعام: 113]. وقوله - تعالى -: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، وقوله أيضًا: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا} [الرحمن: 31].

(ب) سياق بيان الخصائص والمكونات؛ بمعنى أن مفهوم (الإنسان) يرد في نصوص الوحي المنزل مسبوقًا أو متبوعًا أو مشفوعًا ببيان بعض المكونات والخصائص المتعلقة بالإنسان خلقًا، وكذا بعض الأفعال والتصرفات المتعلقة بالإنسان إنشاء. تأمل النصوص الآتية: يقول الله - تعالى -: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا} [النساء: 28]. وقوله - تعالى -: {إن الإنسان خلق هلوعًا} [المعارج: 19]. وقوله - تعالى -: {قتل الإنسان ما أكفره} [عبس: 18]. وقوله أيضًا: {كلاَّ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} [العلق: 6، 7].

(جـ) سياق بيان الخلق الإلهي؛ بمعنى أن مفهوم (الإنسان) يرد في نصوص التنزيل الحكيم متعلقًا بمرحلة من مراحل الخلق الإلهي. تأمل النصوص الآتية: يقول الله - تعالى -: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون: 12]. وقوله - سبحانه -: {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} [يس: 76]. وقوله أيضًا: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار} [الرحمن: 12]. وقوله أيضًا: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} [البلد: 4]. وقوله أيضًا: {إن الإنسان لربه لكنود} [العاديات: 6].

(د) سياق بيان السنن الحاكمة؛ بمعنى أن مفهوم (الإنسان) يرد في النصوص متعلقًا ببيان بعض السنن التي تحكم الوجود الإنساني إفرادًا وجمعًا. تأمل النصوص الآتية: يقول - تعالى -: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا} [الانشقاق: 6]. وقوله - سبحانه -: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} [البلد:4]. وقوله أيضًا: {إن الإنسان لربه لكنود} [العاديات: 6].

(ﻫ) سياق بيان تأهيل الإنسان لتلقي تكليف الوحي؛ بمعنى أن (الإنسان) يرد في النصوص متعلقًا بكونه محل تكاليف الوحي المنزل؛ نظرًا لامتلاكه إمكانية والقابلية على التفاعل. تأمل النصوص الآتية: يقول الله - تعالى -: {ووصينا الإنسان بوالدين حسنًا} [العنكبوت: 7]. وقوله - سبحانه -: {بل الإنسان على نفسه بصيرة} [القيامة: 14]. وقوله أيضًا: {إنا هدينا السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا} [الإنسان: 3].

(و) سياق بيان علاقة الشيطان بالإنسان؛ بمعنى أن مفهوم (الإنسان) يرد في بعض نصوص الوحي متعلقًا ببيان علاقة الشيطان به. تأمل النصوص الآتية: يقول - تعالى -: {إن الشيطان للإنسان عدو مبين} [يوسف: 5]. وقوله - سبحانه -: {وكان الشيطان للإنسان خذولًا} [الفرقان: 29]. وقوله أيضًا: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} فاطر: 6] ([90]).

بناءً على ما سبق يمكنك القول: إن مفهوم البشر والإنسان بقدر تقاطعهما في عدة نسب دلالية، إلا أن لكل منهما ما يتفرد به دلاليًا، ما دام أن لا ترادف بين مفاهيم الوحي المنزل. وبالتبع، فهما لا يعكسان تطور الخلق الإلهي، من مرحلة البشرية إلى مرحلة الإنسانية حسب زعم محمد شحرور. إن التطور الوحيد المتعلق بالإنسان على مستوى الخلق، يتجلى في تتابع مراحل الخلق، وقد ذكر الوحي المنزل منها المراحل الأساسية. وكذا على مستوى تطور الوعي والفكر الذي ينعكس في مختلف مجالات الحياة ثقافة وحضارة، وهذا مما لا يختلف حوله اثنان؛ إذ هو في حكم البديهيات. أما كون الإنسان قد انتقل من كونه مجرد حيوان همجي كسائر المخلوقات الحيوانية، إلى كونه مخلوقًا من المستأنسين اجتماعيًا، فهذا ما لا توجد له أمارة في نصوص الوحي المنزل. ويكون بذلك محمد شحرور من اللاقمين لا من الوقافين المحققين.

بقي تناول مفهوم (الروح) بوصفه كما ينص محمد شحرور مما به حصلت عملية النقل من المرحلة البشرية إلى المرحلة الإنسانية؛ ولإمعان النظر التحقيقي في ذلك نتوقف أولا عند سياق ورود مفهوم (الروح) في نصوص الوحي المقدس، وشفعًا عند الدلالات السياقية، ومن ذلك:

(أ) سياق بيان التعلق بالوحي أو ملك الوحي؛ بمعنى أن مفهوم (الروح) في نصوص الوحي يرد متعلقًا بمن كلف بإنزال الوحي على الرسل والأنبياء - عليهم السلام -، وهو جبريل - عليه السلام -. تأمل النصوص الآتية: يقول - تعالى -: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين} [الشعراء: 193، 194] ... أو بالوحي نفسه. يقول - تعالى -: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} [غافر: 14]. وقوله - سبحانه -: {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا} [الشورى: 49].

(ب) سياق بيان التعلق بالصلة والمدد الإلهي؛ بمعنى أن مفهوم (الروح) في نصوص الوحي يرد متعلقًا بما يفيضه الله - تعالى - على عباده وأنبيائه من المدد تأييدًا لهم وتسديدًا. تأمل النصوص الآتية: يقول الله - تعالى -: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 21]. وقوله - سبحانه -: {اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدك بروح القدس} [المائدة: 112].

(جـ) سياق بيان التعلق بسر وجود عيسى - عليه السلام -؛ بمعنى أن مفهوم (الروح) في نصوص الوحي يرد متعلقًا بما نفخه الله - تعالى - في فرج مريم - عليها السلام -، فتحقق وجود عيسى - عليه السلام -. تأمل النصوص الآتية: يقول الله - تعالى -: {والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا} [الأنبياء: 90]. وقوله - سبحانه -: {ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} [التحريم: 12].

(د) سياق بيان التعلق بما أودعه الله آدم - عليه السلام -؛ يرد مفهوم (الروح) في نصوص الوحي المنزل متعلقًا بما أودعه الله - تعالى - في آدم - عليه السلام - نفخًا بعد التسوية. تأمل النصوص الآتية: يقول - تعالى -: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [الحجر. 29]، [ص: 71]. وقوله - سبحانه -: {ثم سواه ونفخ فيه من روحه} [السجدة: 8].

(ﻫ) سياق بيان التعلق بالسر المجهول للناس؛ بمعنى أن مفهوم (الروح) يرد في نصوص التنزيل الحكيم متعلقًا بما لا يعلمه إلا الله - تعالى - دون سواه من الخلق. تأمل النصوص الآتية: يقول - تعالى -: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} [الإسراء: 85].

(و) سياق بيان التعلق بأمثال/ممثل الناس؛ بمعنى أن مفهوم (الروح) يرد في نصوص الوحي المقدس متعلقًا بمن يمثل أشخاص الناس في العالم العلوي. تأمل النصوص الآتية: يقول الله - تعالى -: {يوم يقوم الروح والملائكة صفًا} [النبأ: 38].

بناء على ما سبق يمكنك القول: إن دلالة مفهوم (الروح) وردت متعددة بتعدد سياقات الورود النصي في التنزيل الحكيم. والمعنى الذي بنى عليه محمد شحرور تقسيمه السالف الذكر تدعيمًا لنظرية التطور الداروينية، إن كان محتملًا تأويلًا؛ إلَّا أنَّه مرجوح نصًا؛ وذلك باعتبار أن نفخ الروح حسب السياق البياني الرابع ورد متعلقا بآدم فقط دون غيره. وأما القول بأن الروح هي (سر الحياة أو سر الأنسنة)، فكلها احتمالات واردة؛ فكون الروح سر الحياة تحمل على أن تسوية الخلق لا معنى له إلا بها. وأما كونها سر الأنسنة فذلك تحقيق نتيجة التلقي عن الله - تعالى - كما ثبت نصًا. يقول - تعالى -: {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 30]. وقوله - سبحانه -: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} [البقرة: 36].

وعليه؛ فإن المنهج العلمي الذي يدعي محمد شحرور الانتساب إليه وترسيخ معالمه، يقتضي التحقق من التصورات الإنسانية اللاحقة، قبل الزعم بأن الوحي المنزل جاء على وَفقها بالتمام والكمال. وإلا أصبح نص الوحي المنزل مادة تسوّغ بها مطلق التصورات الإنسانية اللاحقة، من باب إضفاء الشرعية عليها. مما يلغي وصف الثقل الإلهي ويلحقه بوصف الخفة الإنسانية، فضلًا عن أنه يتحول بذلك إلى مادة للتلاعب اللامحدد واللامحدود.

(2) القراءة المعاصرة ونفي الإلزام التشريعي عن القصص المحمدي والأحاديث:

يعد الضابط المنهجي الآتي من أهم الضوابط المنهجية المتحكمة في قراءة محمد شحرور وغيره من أهل القراءات الجديدة لنصوص الوحي المنزل؛ ألا وهو: «أن الإسلام الذي اكتمل وجاء به محمد عليه الصلاة والسلام محصور في القرآن-الوحي المنزل». أما ما أتى به من أحاديث نبوية فجعلها متعلق بزمانه غير متعدية الأثر إلى أزمنة تكليفية أخرى تالية. فإذا كان القرآنيون كما يسميهم خصومهم، قد غلوا في رد الأحاديث لاعتبارات مرضية عندهم، فإن مقلدة المتقدمين قد غلوا في التمسك بها ولو كانت مخالفة لنصوص الوحي المنزل، بإيجاد تخريجات أقرب ما تكون إلى التلفيق منها إلى التحقيق. ونحن في هذا السياق البياني لسنا مهتمين بتتبع استدلالات واستشكالات هؤلاء وأولئك ([91])، بل ما يهمنا حصرًا في هذا المقام هو بيان أوجه العلاقة بين الأحاديث التي تنص على أن الحج يتم في الأيام الأولى من شهر ذي الحجة، مثل قوله - عليه السلام -: «الحج عرفة»ر ([92]). وبين قوله - تعالى -: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 196].

إن قوله - تعالى -: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 196]. لا يفهم على إطلاقه، بل يحمل على بيان وقت الإحرام بالحج الذي يتم في شهر شوال وذي القعدة وذي الحجة. إلا أن الحج الأكبر يتم في الأيام الأولى من شهر ذي الحجة. وقد عُبر بالكل وأريد الجزء. وقد جاءت السنة النبوية ببيان أن أركان الحج الكبرى تتم في الأيام الأولى من شهر ذي الحجة. أما أن يكون الحج حسب محمد شحرور في مطلق الأشهر الحرم الأربعة، وأي يوم من أيامها يمكن أن يكون للوقوف بالحج والنحر ونحو ذلك مرة واحدة أو تعددًا؛ فذلك قول مخالف لما جاءت به السنة النبوية الصحيحة، التي بينت أن الحج كيفية ووقتًا. ونحن معشر المسلمين في باب العبادات مأمورون بالاتباع لا بالابتداع. أما لو كانت فريضة عبادة الحج وردت مجملة مفصلة في نصوص الوحي المنزل، أو وردت كلية في السنة النبوية فسيكون قول آخر. أما وقد وردت كما تم الوصف، والرسول - عليه الصلاة والسلام - مأمور بقوله - تعالى -: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}. النحل: 44]. فلا مناص من التقيد إتباعًا وتعبدًا بما وردت به السنة النبوية الصحيحة ([93]).

يبدو اجتهاد محمد شحرور السالف الذكر إنساني وعقلي معًا؛ بمعنى أنه يراعي رفع الضيق والحرج والتوسعة على الناس، وأنه أيضًا يراعي توق الناس إلى تلبية نداء الحج، إلا أن النص النبوي قولًا وفعلًا ورد بخلاف ذلك تواترًا ([94]). أتى محمد شحرور بكل ما أتى به في هذا الأمر؛ نظرًا لعدم أخذه بما ثبت من السنة النبوية أو السنة الرسولية حسب تسميته، مع الاجتهاد في إيجاد تسويغات الرفض. وهذا المهيع من شأنه أن يولد فهومًا مشوهة أو شاذة، مع العلم أن السنة النبوية دورها لا ينكر على مستوى البيان تفصيلًا وتخصيصًا وتقييدًا بما ورد في نص الوحي المنزل مجملًا أو عامًا أو مطلقًا.

 في مقابل الاجتهاد القائم على نفي الإلزام التشريعي عن كثير من الأحاديث النبوية، اجتهد محمد شحرور أيضًا في سبيل نفي الإلزام التشريعي عن جملة من السور والنصوص القرآنية، بدعوى أنها من «القصص المحمدي» كما تم بسطه، والذي لا يؤسس إلزامًا تشريعيًا في مطلق الأزمنة ما عدا زمن النزول- النبوة، ويبقى أمرها متعلقًا فقط بمنطق العبر والعظات ليس إلا.

بناءً على ما تقدم، فإن العديد من الآيات الواردة في المصحف والأحاديث الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام تظل معدومة الأثر خارج زمن النزول. وهذا المهيع الذي يسلكه محمد شحرور وغيره، يلتقي في المقصد العام مع من يقول بالنسخ من القدامى والمعاصرين؛ إذ القصد واحد، وهو تعطيل نصوص الشرع عن العمل بها خارج زمن النزول؛ إلا أن وسيلة محمد شحرور القصص المحمدي، ووسيلة هؤلاء القول بالناسخ والمنسوخ؛ لذا فإنَّ القول المرضي في المسألة، الذي لا نتزحزح عنه يمنة أو يسرة، أن مطلق نصوص الوحي المنزل والسنة الصحيحة، لها ساحات اتباع وتطبيق في مطلق أزمنة الناس. ولا يوجد نص فقد صفة الراهنية الدائمة المتعالية أبدًا، تحت أي شعار أو اعتبار، رغم أنف التاريخانيين متقدميهم ومتأخريهم.


ثانيًا: ملاحظات تكميلية - تطويرية:

(1) النصوص الإسرائيلية والمرويات الإخبارية وزعم ملء فراغات القصص القرآني:

يتبين للناظر في نص الوحي المنزل أنه يورد القصص حسب رؤية أو أفق خاص، إذ هو يجمل عندما يجمل لتحقيق المقصود، ويبسط عندما يبسط لتحقيق المبتغى، ويسكت عن التفاصيل أو الحيثيات المتعلقة بكل حمولات ما هو تاريخاني لتحقيق المنشود، وهذا يمكن عده من بين أوجه فرادة القصص القرآني، الذي بقدر كونه مجرد إشارات أو رموز عامة، يتضمن أيضًا مبدأ (الإعجاز)، الذي يجعله يتفاعل مع مطلق أجيال التلقي في مطلق أزمنة التأويل لإيجاد ضالتهم. ومن هذا المنظور تعين أن تتم قراءات القصص القرآني ما دام الوجود الإنساني قائما كما سيتبين لك في الملاحظة الموالية.

تناول التفسير الموروث نصوص القصص بمنهج قائم على مقتضيات (الرواية)؛ لذلك تجد في النصوص التفسيرية التأسيسية أن أي قصة من القصص القرآني إلا وهي محشوة في مصنفاتهم بنصوص إسرائيلية ومرويات خبرية عديدة، بدعوى أنَّ الإجمال الذي اكتنف القصص القرآني لا يزال إلَّا بالتوسل بما ينتمي إمَّا إلى أزمنة خالية شأن الروايات الإسرائيلية وغيرها، أو ينتمي إلى أزمنة لاحقة شأن النقل عن الرواة المولعين بكل ما هو عجيب وغريب ومدهش وأسطوري أيضًا. فشكل هذا المهيع آفة من جملة آفاق منهجية، التي حولت نصوص القصص القرآني وكأنها من جنس التأريخ الإنساني الذي يقتفي الحدث وأثره وتوسعهما زمانًا ومكانًا، أو كأنها من جنس القصص الإنساني الذي يبالغ في رصد تفاصيل وجزئيات ومطلق حيثيات الأحداث جملة وتفصيلًا. فتلاشت أو انعدمت تبعًا لذلك القيم الإضافية والمتعالية الذي جاء القصص القرآني من أجل تأسيسها. ونظرًا للتماهي مع مستلزمات هذا المهيع، حوى تفسير القصص القرآني طامات وظلمات بعضها فوق بعض ([95])؛ بحيث إذا أردت فك الارتباطات بين القصص القرآني وقيمه في تعاليمها المجردة والنصوص والروايات وأفقها المجسد المتحيز، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، خصوصًا على مستوى الوعي الجمعي العام في تاريخ الفكر الإسلامي ([96]).

تحقيق النظر في المنهج السالف ومن سار على وفقه واكتفى به من مقلدة المتقدمين أو حيَّنه، تجد أن أسسه النظرية غير كافية ولا مبرأة من الأعطاب، ومن بين ذلك:

(أ) إنَّ قصص السابقين وإن كان مما هو مشترك بين نصوص الكتب المنزلة، وخصوصًا بين القرآن والتوراة؛ إلَّا أنَّ الاختلاف متحقق على عدة مستويات منها:

§    إنَّ النص التوراتي قد تعرض كما ثبت تحقيقًا للتحريف، أو قل، للتلاعب زيادة ونقصانًا فاختلط الأصيل بالدخيل ([97]). خصوصًا وأن نص العهد القديم قد تأسس بناء على نصوص متأخرة عن زمن موسى - عليه السلام -، وبالتحديد أزمنة تعرض اليهود للسبي والاستبعاد والاضطهاد عكس النص القرآني ([98]).

§    إنَّ النص القرآني يضم العديد من القصص التي لم ترد في النص التوراتي؛ وذلك بحكم عامل توالي أحداث التاريخ على مستوى الزمن المستقبلي ([99]).

§    إنَّ المنهج التوراتي العام على مستوى القصص قائم على التفصيل التام والصور التاريخانية. في حين المنهج القرآني على نفس المستوى قائم على مبدأ الإشارة والصور الرمزية المتعالية.

(ب) إنَّ النص القرآني في علاقته بالكتب المنزلة السابقة وصف بكونه مهيمنًا ومصدقًا كما جاء في قوله - تعالى -: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه} [المائدة: 50]. وهذا يقتضي أن الاعتماد على نصوص الكتب المنزلة تعين أن يكون وفق هذا الميزان. إلا أنه لم يتحقق بدليل اعتمادها إلى درجة الولع في الغالب.

(جـ) إنَّ التوسل بمطلق النصوص والروايات الخبرية لتفسير أو قراءة النص القرآني القصصي منه تحديدًا، تحوله إلى مجرد نص تاريخاني، لا علاقة له ألبتة بمطلق الأزمنة الموالية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ وذلك مخالف لخاتميته وراهنيته الدائمة، القائمة أساسًا على الصور الرمزية الإيحائية أو الإشارية ([100]).

وعليه؛ فإن قراءة القصص القرآني من خلال نصوص الوحي المنزل ترتيلًا، من شأنه أن يعيد له خصوصيته وفرادته؛ سواء على مستوى نصه أو دلالاته أو آفاته العامة، وسنعمد إلى تقديم ما يدل على ذلك اختصارًا، ليتبن جليًا أن نص القرآن يتضمن ما يكفي لأن يقرأ بذاته بعيدًا عن مطلق ما هو خارجي مُحَمل.

(2) القصص القرآني وقوانين وسنن العمران الإنساني:

إنَّ الناظر في تاريخ الدول والحضارات يقف على أن لها سننًا وقوانين؛ سواء في حال انحطاطها وأفولها، أو في حال تطورها وارتقائها، ومن لم يأخذ بعين ذلك «الجدل» ظلت قراءته وانحرف مسماه وانتكص تغييره. ومفهوم الانحطاط أو التطور؛ سواء أخذناه بمعناه المادي - الحضاري، أو بمعناه الرمزي - الثقافي، الفردي أو الجمعي فالأمر سيان. وقد تضمن القصص القرآني الكثير من الإشارات والرموز التي بإمكان الاجتهاد الإنساني أن يصوغ من خلالها نظرية قرآنية فريدة في البناء الحضاري واتقاء الأفول. ونحاول في هذا السياق تقديم ما يدل على أن جدل الأفول الحضاري، الذي يعكس بصورة جلية دلالة مفهوم «الاستبدال»، يتأطر في ضوء قانون أو سنة إنسانية موضوعية لا تتقدم ولا تتأخر، ومن أوجه ذلك:

(أ) لـم يشمل القصص القرآني على مفهوم (الحضارة) ([101]) بالمعنى بالمعهود عند أهل الشأن؛ إلا أنه قد تناول ما يلازمها كمفهوم (القوة)، فكأن الحضارة هي صناعة القوة والتفنن فيها بالتمكن من أسبابها الموضوعية، ومن أسباب التمكن من سنن وقوانين الكون والإنسان. فضلًا عن أن ما يلازمها أيضًا ذكر (القرى) بوصفها رسوخًا في المكان، و(القرون) بوصفها رسوخًا في الزمان، فكأن الحضارة بعد الرسوخ زمانًا ومكانًا، التمكن من التفنن في صناعة القوة. والتمكن من أسباب وقوانين التفنن في صناعة القوة، قد يورث الطغيان والاستكبار، الذي يصل درجة تحدي قوة وقدرة الخالق - سبحانه وتعالى -، فيحق قول الله - تعالى - على أهلها جزاءً وفاقًا. تأمل بعض النصوص الدالة على ما سلف:

§          يقول - تعالى -: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم} [محمد: 14].

§    يقول - تعالى -: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} [فصلت: 14، 15].

§    يقول - تعالى -: {أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعًا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون} [القصص: 78].

§    يقول - تعالى -: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ... ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون} [الأحقاف: 25، 26].

§    يقول - تعالى -: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلًا أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس} [يونس: 24].

(ب) إن سقوط حضارة أو دولة ما ليس رهين العبثية القاهرة، وإنما منوط قانون السببية القائمة على فعل أهلها - بما كسبت أيديهم -. وأهم سبب مفض إلى الأفول أو الإهلاك الظلم بشتى صوره وأشكاله، وخصوصًا ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. تأمل النصوص الآتية:

§          يقول - تعالى -: {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا} [يونس: 13].

§          يقول - تعالى -: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدًا} [الكهف: 58].

§          يقول - تعالى -: {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} [النمل: 54].

§          يقول - تعالى -: {ووقع القول عليهم بما ظلموا} [النمل: 87].

وعليه؛ فقد تبين لك من خلال النص الأول والذي يليه أن الإهلاك مشروط بكون الظلم ظاهرة عامة، من باب العموم المستغرق؛ سواء كان استغراق زمان أو مكان. وأما النص الثالث والذي يليه فينشئان قانون السببية المطردة الفاعلة الواعية الداخلية ([102]).

(جـ) تحقق الأمر السالف واقعيًا في الأمم والحضارات الإنسانية، يحين أجلها بالإهلاك بقوة فوق ما ألف واعتاد أهلها؛ لذلك فإن لكل أمة طاغية أجل لا تستقدمه ولا تستأخره. تأمل النصوص الآتية:

§          يقول - تعالى -: {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: 32].

§          يقول - تعالى -: {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} [الحجر: 5]، [المومنون: 43].

(د) إهلاك الله - تعالى - للأمم والحضارات الإنسانية، لا يكون إذن إلَّا بعد أن تتحقق شروطه الموضوعية الأساسية، ومنها: إرسال النذير لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. يقول - تعالى -: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولًا} [القصص: 59]. يقول - تعالى -: {وما أهلكنا من قرية إلا لهاَ منذرين} [الشعراء: 208]. تحقق ما كسبت أيدي أهلها ظلمًا وفسادًا وعلوًا في الأرض. يقول - تعالى -: {فكأين من قرية أهلناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها} [الحج: 43]. وقوله - سبحانه -: {فأهلكناهم بذنوبهم} [الأنفال: 55]. وإهلاك الله - تعالى - للأمم والحضارات الإنسانية يأخذ صورًا متعددة. يقول - تعالى -: {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية} [الحاقة: 4، 5].

إنَّ القصد العام من وراء إيراد ذلك كله، أن تعتبر الأمم والحضارات التالية مما جرى لنظائرها السالفة. يقول - تعالى -: {فأهلكنا أشد منهم بطشًا ومضى مثل الأولين} [الزخرف: 7]. وقوله - سبحانه -: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات} [الأحقاف: 26]. وقوله أيضًا: {ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر} [القمر: 51]. وقوله - سبحانه -: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسكم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال} [إبراهيم: 47].

وعليه؛ فإن كثرة آيات القصص القرآني الواردة ضمن الوحي المنزل، ليس القصد الأول من إيرادها وسوقها تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتثبيت فؤاده ([103])، ولا تخويف من لم يؤمن به زمن النبوة ([104])، ولا إلهاب الخيال، ولا التأريخ لوجود الإنسانية ([105])، بل إن القصد الحقيقي المصدر في الاعتبار، استنباط قوانين تقي المجتمعات الإنسانية كل صور الهلاك الممكنة في مطلق الأزمنة. وقد نص القصص القرآني على السنن والقوانين الكلية، التي بإمكان أن تدرج ضمنها الكثير من السنن والقوانين الجزئية في مختلف مراحل التاريخ الإنساني ([106]). وبقي على ذمة الاجتهاد الإنساني استخلاص النظريات والأنساق التي تحكم الوجود التاريخي الإنساني، من باب الوقاية الاستباقية، وليس مجرد التفسير السبي فحسب.

(3) القصص القرآني بين طرح التفسير الموروث وطرح القراءة المعاصرة:

يعد القصص القرآني من أهم وأكثر مركبات نص الوحي المنزل. وقد تم تفسيره منذ البدايات الأولى لأزمة التأويل في تاريخ بوادر تشكل الفكر الإسلامي، وتجد ذلك في متون التفسير التأسيسية أو الثانية أو في متون مقلدة المتقدمين. والضوابط العامة التي حكمت منهجية التفسير الموروث في مقارنة النصوص القصصية القرآنية عديدة منها:

(أ) تم تفسير آيات القصص حسب ترتيب المصحف وليس حسب ترتيب النزول. مما جعل تعاملهم مع آياته كما يقول محمد عابد الجابري «بشكل مقلوب» ([107]). وللتعامل معه بشكل زمني كرنولوجي لرصد أبنية التطور الدلالي وتموجاته، اجتهد محمد عابد الجابري وغيره في تحقيق ذلك ([108]). والباب ما زال مشرعًا لتعديد وتكثير الاجتهاد الموضوعي.

(ب) تم تفسير آيات القصص بالتوسل بمختلف النصوص الإسرائيلية والمرويات الخبرية لملء الفراغات المزعومة، وخصوصًا على مستوى تعيين أسماء الأشخاص وتحديد الأماكن والتواريخ، مما جعل تعاملهم مع آياته تاريخاني محض. وكأن الأصل الأول والمقصد المُصَدر هو ذلك لا غير.

(جـ) ضعف الاهتمام اللائق بالقصص القرآني مقارنة مع آيات العبادات والمعاملات ونحو ذلك، مع أن نوع الآيات الأخيرة أقل بكثير مقارنة مع آيات القصص القرآني.

إنَّ جملة الضوابط المنهجية السالفة الذكر، ترتبت عنها جملة نتائج ناسخة للمقاصد العامة لإيراد آيات القصص ضمن نص الوحي المقدس، ومنها:

(أ) جعل آيات القصص القرآني من جنس النصوص التاريخانية أو القصصية الإنسانية.

(ب) تغييب البحث عن نظام السنن والقوانين العامة المطردة الحاكمة للوجود الإنساني. خصوصًا على المستوى الجمعي ([109]).

(جـ) إثقال دلالات آيات القصص القرآني بما هو تاريخاني أو مذهبي متحيز، وأحيانًا أخرى بما هو محرف أصلًا وفصلًا.

لا شكَّ أنَّ معالم المنهج الآنف الذكر، يحتم ضرورة اجتراح منهج آخر لقراءة آيات القصص القرآني قراءة إمكانية مغايرة أخرى، مبرأة من جملة العيوب السالفة، وإن كان في الأصل أن أي قراءة تأسيسية أو تجديدية أو استئنافية إلا ويمكن أن تتخللها أعطاب ما دامت أنها إنسانية جريئة، ولكن لابد من رشدية الطرح وجرئته؛ وذلك بعض ما سعى إلى تحقيقه عدد من المفكرين المعاصرين كمحمد شحرور في إعادة قراءة آيات القصص القرآني؛ سواء على مستوى المنهج أو المفاهيم أو الدلالات.

إنَّ الطرح المعاصر في سبيل إعادة قراءة نصوص القصص القرآني، تعين أن يأخذ بعين الحسبان المزالق المنهجية للمتقدمين وكذا لبعض المتأخرين والمعاصرين ([110])، مع ضرورة الجرأة اللازمة والكافية لوضع لبنات أساسية لتأسيس منهج معاصر لقراءتها. ومن أهم ما يمكن اتخاذه كتوطئة عامة لذلك، ما شدد عليه محمد شحرور في هذا السياق، والذي يتعين تكميله وتطويره، ومن ذلك:

(أ) إنَّ القراءة المبدعة الحداثية الراشدة لآيات القصص القرآني تقتضي أولًا ضرورة بناء نظرية قرآنية في قيام وسقوط العمران الإنسان دولًا وحضارات؛ إذ هذا المنحى من أهم ما تغيَّاه القصص القرآني، وتلمح ذلك من خلال تناوله لمجمل الحضارات والدول - القرى القديمة، خصوصًا التركيز على مستوى بيان جدل - أسباب الهلاك والإهلاك.

(ب) إنَّ القراءة المعاصرة والإنسانية لنصوص القصص القرآني تتأسس على مراعاة مبدأ التجريد النظري وليس على منحى التجسيد التشخيصي؛ وإلَّا كانت قومية متحيزة؛ إذ المقصد العام منها توفير أرضية لإمكانات بناء أنساق في التغيير الراشد، وتوقي أسباب الخراب والأفول المغيّب، وليس نقل تجارب إنسانية تاريخانية كما هي فحسب.

(جـ) إنَّ القراءة المعاصرة العلمية لنصوص القصص القرآني تتأسس على منهج قراءة الترتيل المفضي إلى دلالات نسقية، لا على المنهج التجزيئي المفضي إلى تكوثر دلالي ذري.

(د) إن القراءة المعاصرة لنصوص القصص القرآني، بما في ذلك ما سماه محمد شحرور «بالقصص المحمدي»، فهو وإن كان متحيزًا على مستوى التشريع الحكمي زمن النبوة؛ إلَّا أنَّه متعدي على مستوى العبر الحكمية، التي هي في أصلها تشريع أو تمهيد للتشريع.

وعليه؛ فإنَّ الأسس العامة التي ينطلق منها محمد شحرور لإعادة قراءة نصوص القصص القرآني قراءة معاصرة، وإن اعترتها بعض المزالق والأعطاب، مثل: أسرها بمجمل الفرضيات العلمية الغربية؛ إلَّا أنَّ الروح العامة الحاكمة لها في حاجة إلى تطوير وتكميل، خصوصًا وأن القصص القرآني يعد مادة بالإمكان أن نَمْتَحَ من معدنها نظريات عامة في الوجود الإنساني.

 



([1]) ليس العيب - بالمعنى العلمي لا الأخلاقي - في تحديد أو تأسيس منهج لقراءة القصص القرآني أو غيره، إنَّ هذا من طبيعة وأسس تطور مسير البحث العلمي، بل إنَّ العيب الأكبر أن يتم اقتباس أو اقتراض تصورات معينة تحكمت فيها سياقات محددة، ويتم تنزيلها كما هي على نص مخالف في السياق والخصوصية. نظير ما يفعله بعض أهل القراءات الجديدة؛ إذ يهرعون نحو تلقف مقررات الفكر الغربي المعاصر، وتنزل كما هي على نصوص الوحي. وهذا ما يفعله محمد أركون ومحمد شحرور ونصر حامد أبو زيد وعبد الكريم شروس وغيرهم في مجال آيات القصص وعموم آيات الوحي المنزل.

([2]) «الدين والسلطة»، (ص/ 313)، و«الدولة والمجتمع»، (ص/ 241)، و«القصص القرآني»، (1/ 9، 10)، و«القصص القرآني»، (2/ 102).

([3]) «الدولة والمجتمع»، (ص/ 241)، و«القصص القرآني»، (1/ 14، 15)، و(2/ 23).

([4]) كون القصص القرآني يضع اللبنات الأساسية لفلسفة تاريخية إنسانية؛ بمعنى أنَّها تعكس جملة من القوانين التي تحكم مطلق المجتمعات في مختلف المراحل التاريخية رقيًّا وانحطاطًا، طردًا وعكسًا. وكونها مجردة؛ بمعنى أنَّها ليست متعلقة حصرًا بمرحلة محددة زمانًا ومكانًا، وإنَّما متعدية لمطلق ما شابه وناظر، أو قل، يضع سننًا لحركات التاريخ الإنساني. محمد باقر الصدر، السنن التاريخية في القرآن.

([5]) محمد شحرور لـم يتساءل إطلاقًا عن مادة نص الوحي المنزل، هل هي صحيحة قطعًا أو محرفة وضعًا، نظير ما يفعله نظراؤه من المفكرين العرب المعاصرين تحديدًا.

([6]) «القصص القرآني»، (1/ 14)، و«الكتاب والقرآن»، (ص/ 675).

([7]) «القصص القرآني»، (1/ 15).

([8]) «القصص القرآني»، (1/ 86)، (2/ 44).

([9]) «القصص القرآني»، (1/ 60 - 63).

([10]) «القصص القرآني»، (1/ 189، 195، 22).

([11]) «الدين والسلطة»، (ص/ 94)، و«تجفيف منابع الإرهاب»، (ص/ 136)، و«السنة الرسولية والسنة النبوية»، (ص/ 98)، و«القصص القرآني»، (1/ 112).

([12]) «السنة الرسولية والسنة النبوية»، (ص/ 99)، و«القصص القرآني»، (1/ 15).

([13]) «الكتاب والقرآن»، (ص/ 675)، و«السنة الرسولية والسنة النبوية»، (ص/ 148).

([14]) «الدولة والمجتمع»، (ص/ 241)، و«السنة الرسولية والسنة النبوية»، (ص/ 99)، و«القصص القرآني»، (1/ 21)، و«تجفيف منابع الإرهاب»، (ص/ 48). يجتهد محمد شحرور ما وسعه ذلك من أجل فك مفردات وتراكيب نصوص الوحي المنزل من أسر دلالات التفسير الموروث، إلى رحاب دلالات القراءات الجديدة والمعاصرة. فمثلا تركيب: «آيات الكتاب المبين»، نجده في التفسير الموروث يعود على الوحي كله، عكس ما يعود عليه عند محمد شحرور.

([15]) «القصص القرآني»، (1/ 218 - 223). من أهم المنظرين الذين طابقوا بين منهج قراءة النص المقدس ومنهج قراءة الخلق الطبيعي، تجد اسبينوزا في: «رسالة في اللاهوت والسياسة»، (ص/ 36، 37). وهو نفس المنهج الذي يعتمد محمد أركون، انظر دراستنا: «القراءات الجديدة للقرآن الحكيم قراءة محمد أركون»، (ص/ 87، وما بعدها).

([16]) «تجفيف منابع الإرهاب»، (ص/ 136). «القصص القرآني»، (1/ 195).  إنَّ جوهر الرؤية التي يركز عليها محمد شحرور في قراءة آيات «القصص القرآني» بالغة الأهمية، بالنظر إلى كونها تشدد على أنَّها لا تعكس أحداث التاريخ كما هي، بل تحمل سننًا وقوانين بها يستقيم الوجود الإنساني في شتى مراحله، أو هي بقدر ما تحمل وجهًا تاريخيًّا زمكانيًّا، تحمل أيضًا وجهًا مطلقًا متعاليًا، كما يؤكد عدنان الرفاعي، الحكمة المطلقة، (ص/ 23). ولذلك تحتاج إلى تعديد الدراسات لتكون منبعًا لا ينضب لتوليد الحلول المثلى لمختلف مل يمر به الوجود الإسلامي والإنساني معًا.

([17]) «الكتاب والقرآن»، (ص/ 321)، و«القصص القرآني»، (2/ 102).و« الدولة والمجتمع»، (ص/ 241).

([18]) «السنة الرسولية والسنة النبوية»، (ص/ 98)، و«القصص القرآني»، (1/ 22 - 123).

([19]) «السنة الرسولية والسنة النبوية»، (ص/ 148).

([20]) «القصص القرآني»، (1/ 14، 23، 218).

([21]) «القصص القرآني»، (1/ 15 - 175).

([22]) من أهم أسس التعامل المنهجي مع الغيب الماضي والمستقبلي معًا، الوقوف عند ما يضيئه نص الوحي المنزل، أما تعديه إلى مساحات لم ترد مضيئة في نص الوحي؛ فإنَّ أقصى ما يتوصل إليه العقل المجرد أوهام وظنون، أقل ما يقال عنها أنَّها رجم بالغيب، ما دام الدليل معدوم. والنظر الإنساني مهما اتسع فهو محدود بالنظر إلى عالم الشهادة، فما بالك بعالم الغيب؛ ولذلك فإن الكلام في الغيب رهين النص الشرعي وجودًا وعدمًا.

([23]) «القصص القرآني»، (1/ 14، 15، 23، 183). «القصص القرآني»، (2/ 7). «الكتاب والقرآن»، (ص/ 675).

([24]) الناظر في مختلف المدونات التفسيرية الأولى أو التأسيسية يقف جليًّا على تكريس معلم من معالم منظور التجسيد في التعامل مع آيات القصص القرآني؛ إذ يعمد أصحابها إلى إضاءة كل مناحي القصة من حيث التعدد والكيفية والزمان والمكان ونحو ذلك، بكل ما ظفروا به من نصوص قل أو جل شأنها، مما أثقل هوامش القصة القرآنية، وأنقلها بهذا الاعتبار من مستوى الإيراد القرآني إلى مستويات الإيراد التاريخاني، وشتان بين الإيرادين. وهذا المنحى النقدي للتفسير التأسيسي الموروث قد كشف بعض معالمه العديد من المعاصرين، كمحمد أركون. انظر دراستنا: «القراءات الجديدة للقرآن الحكيم قراءة محمد أركون»، (ص/ 202 - 204). وجمال البنا، «تفسير القرآن الكريم»، (ص/ 107، وما بعدها). فضلًا عن محمد شحرور وعدنان الرفاعي كما سبقت الإشارة وغيرهم كثير.

([25]) «تجفيف منافع الإرهاب»، (ص/ 137)، و«القصص القرآني»، (1/ 123 - 190). قد ذكر ابن الجوزي أن «آية السيف» محكمة لا ناسخة ولا منسوخة. أما قول من قال إنَّها ناسخة لمائة وأربع وعشرين آية، ثم صار آخرها ناسخًا لأولها، فلا يعتد به أصلًا. [«نواسخ القرآن»، (ص/ 154، 155)]. انظر: تحقيق ابن العربي في المسألة «الناسخ والمنسوخ»، (ص/ 139 - 142).

([26]) «القصص القرآني»، (1/ 14، 15)، و«الكتاب والقرآن»، (ص/ 108).

([27]) «القصص القرآني»، (1/ 14، 15).

([28]) «الدين والسلطة»، (ص/ 94).

([29]) «القصص القرآني»، (1/ 63). في علاقة القصص القرآني بما سبقه من قصص الكتب المنزلة، يرى محمد عابد الجابري أن كل ذلك من المشترك العام، وما يتميز به القصص القرآني يتجلى في الصياغة التعبيرية فقط. انظر دراستنا: «القراءات الجديدة للقرآن الحكيم قراءة»، محمد عابد الجابري، (ص/ 160، وما بعدها)، ولا شكَّ أنَّ القصص القرآني ينماز مادةً ومعنًى، وقلبًا وقالبًا عن مطلق ما سواه في كل الزمن الإنساني.

([30]) «الكتاب والقرآن»، (ص/ 675)، و«القصص القرآني»، (1/ 14، 15، 23).

([31]) «القصص القرآني»، (2/ 85).

([32]) «القصص القرآني»، (1/ 14، 15، 183، 184). و«الكتاب والقرآن»، (ص/ 675).

([33]) «القصص القرآني»، (1/ 23).

([34]) «القصص القرآني»، (1/ 123)، و«القصص القرآني»، (2/ 8). في هذا السياق يتعين التنبيه إلى ضرورة مراعاة مصدر الأقوال في «القصص القرآني» ليفهم على حقيقته، بمعنى الفصل بين قول الله - تعالى - وقول من قصَّ الله - تعالى - أقوالهم. مثل قوله - تعالى -: {قال إنه من كيدكن إن كيدكن لعظيم} [يوسف: 28]. وقوله - تعالى -: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي} [يوسف: 53]، ونحو ذلك.

([35]) «الدين والسلطة»، (ص/ 314)، و«الدولة والمجتمع»، (ص/ 241)، و«السنة الرسولية والسنة النبوية»، (ص/ 96).

([36]) «تجفيف منابع الإرهاب»، (ص/ 34)، و«القصص القرآني»، (1/ 214).

([37]) «السنة الرسولية والسنة النبوية»، (ص/ 97).

([38]) «السنة الرسولية والسنة النبوية»، (ص/ 98 - 148)، و«القصص القرآني»، (1/ 22 - 112).

([39]) «الدين والسلطة»، (ص/ 94)، و«تجفيف منابع الإرهاب»، (ص/ 136).

([40]) قوله - تعالى -: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران. 159]. وقوله - تعالى -: {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 35].

([41]) قوله - تعالى -: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق} [الحج: 25].

([42]) «تجفيف منابع الإرهاب»، (ص/ 37). «نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي»، (ص/ 59). كان معصومًا في مقام الرسالة مجتهدًا في مقام النبوة. [نفسه، (ص/ 154)].

([43]) «الكتاب والقرآن»، (ص/ 611). «نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي»، (ص/ 47). إنَّ محمد شحرور يبتغي نقل مفهوم اللباس - الحجاب من إطار الحكم الشرعي إلى إطار الحكم الأخلاقي، ظنًا منه بأن الحكم الأخلاقي دون مرتبة إلزامية الحكم الشرعي؛ وذلك ظن بعيد، إذ قد بينا في ملاحظة سابقة أن الحكم الأخلاقي يساوي الحكم الشرعي إن لم يزد عليه درجة في نسبة القوة الإلزامية على مستوى الفعل التكليفي.

([44]) «الدولة والمجتمع»، (ص/ 196). اجتهد محمد شحرور وغيره في تأسيس مفهوم الدولة في الإسلام بمنظار القراءة المعاصرة الحداثية. ترقب دراستنا: «مفهوم الدولة في الفكر الإسلامي».

([45]) «الدين والسلطة»، (ص/ 349). إنَّ مفهوم الشورى في الآيتين ليستَا نصًّا على الشورى بالمعنى السياسي. «البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي»، فريد الأنصاري، منشورات ألوان مغربية، مكناس، المغرب، (ط. 2003 م)، (ص/ 61).

([46]) «الدين والسلطة»، (ص/ 350). قد فصل محمد شحرور في دلالات تلك المفاهيم وغيرها بوصفها تؤسس لمفهوم «الدولة المدنية في الإسلام». انظر: «الدين والسلطة»، (ص/ 345، وما بعدها). و«الكتاب والقرآن»، (ص/ 719، وما بعدها)، و«الدولة والمجتمع»، (ص/ 179). مفهوم «الدولة» في الفكر الإسلامي ليس واضح الدلالة؛ وذلك لثلاثة أسباب على الأقل: ندرة النصوص الشرعية المتعلقة بالباب. قلة تأصيلات المفهوم في التراث. قلة الاجتهادات اليوم بالنظر إلى أن المفهوم أخرج من دائرة المثقف، وألحق بدائرة السياسي، وكذا الإقبال اللامشروط على مفهوم الدولة في الغرب نظرًا وممارسة. انظر: «البيان الدعوي»، (ص/ 45، وما بعدها).

([47]) تلك من بعض أهم مفاهيم المتن الأركوني. انظر دراستنا: «القراءات الجديدة للقرآن الحكيم قراءة محمد أركون»، (ص/ 262).

([48]) «القصص القرآني»، (1/ 227، 228). في هذا السياق يتعين التمييز بين الحقائق التاريخانية كما هي عليه في نفس حقيقة الأمر، وبين طرق نقلها ومناهج تفسيرها، وتغييبه مُفضٍ إلى أعطاب ومآزق شتى، وهو تمييز يعم مختلف الأحداث الإنسانية المادية والرمزية على حد سواء.

([49]) «القصص القرآني»، (1/ 237). انظر: طرح ابن خلدون، «المقدمة»، (ص/ 421، 422).

([50]) «القصص القرآن»، (1/ 60، 61). من أهم «القيم» التي أتى عليها التناول التراثي لآيات «القصص القرآني»، بتوسله بمختلف ما ظفر به من نصوص وأراء، تجد: إلغاء قيمة الوجه المتعالي المطلق، وترسخ الوجه التاريخاني الزمكاني. فضلًا عن إتلاف فرادة الطرح القرآني وسط ركام من النصوص والأخبار وغير ذلك كثير.

([51]) «القصص القرآني»، (2/ 51).

([52]) «القصص القرآني»، (1/ 230).

([53]) يرى محمد شحرور أنَّ الوحي المنزل قد رسخ أهم وسائل اكتساب المعرفة، ومن بينها: «التقليم»، و«التسطير». «تحقيق منابع الإرهاب»، (ص/ 59).

([54]) «القصص القرآني»، (1/ 229، 230).

([55]) «القصص القرآني»، (1/ 268). تأمل النصوص الآتية: [الزمر: 7]، [الحج: 5]، [غافر: 37]، [نوح: 14].

([56]) «القصص القرآني»، (1/ 252 - 258).

([57]) «القصص القرآني»، (1/ 271). وآدم - عليه السلام - حسب محمد شحرور لـم يكن نبيًا، وإلا تعارض ذلك مع قوله - تعالى -: {كان الناس أمة واحدة} [البقرة: 211]، [نفسه، (ص/ 272)].

([58]) «القصص القرآني، (1/ 271). والاصطفاء دل عليه قوله - تعالى -: {وقلنا يا أدام اسكن أنت وزوجك الجنة} [البقرة: 34]، و{ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} [الأعراف: 18].

([59]) «القصص القرآني»، (1/ 240، 241، 252). يوجد العديد من المفكرين المعاصرين الذين برهنوا على صحة نظرية داروين من خلال آيات الوحي المنزل، كل واحد بمنهج فهمه وقراءته. انظر على سبيل المثال: آذان الأنعام دراسة قرآنية علمية لنظرية داروين في الخلق والتطور، عماد محمد بابكر حسن بالاشتراك مع علاء الدين محمد بابكر حسن.

([60]) «القصص القرآني»، (1/ 302). قد عزز أيضًا محمد شحرور نظرية فرويد من خلال نصوص الوحي المنزل.

([61]) «القصص القرآني»، (1/ 293 - 315).

([62]) «القصص القرآني»، (1/ 223)، و(2/ 11). فضلًا عن مفهوم «النذر» في تاريخ مجتمعات أهل الكتاب.

([63]) انظر ملاحظة آتية بعنوان: «بناء النسق المعرفي بين الهَم الموضوعي والهَم الذاتي».

([64]) تأمل انصوص الآتية: [آل عمران: 66]، و[التوبة: 115]، [الممتحنة: 4].

([65]) تأمل النصوص الآتية: [الذاريات: 24 - 30]، و[هود: 68].

([66]) تأمل النصوص الآتية: [البقرة: 259]، و[الأنعام: 76 - 80]، «القصص القرآني»، (2/ 91 - 97).

([67]) «القصص القرآني»، (2/ 8، 9، 103).

([68]) تلاحظ أن في سورة البقرة ورد الآمر بالتطهير مثنى. أما الأمر بالتطهير في سورة الحج فقد ورد بالإفراد.

([69]) «القصص القرآني»، (2/ 8، 9، 103). قصد الموجود على مستوى الأمر التكليفي بالعبادة في الإسلام، يكون إمَّا نحو مجسد أو نحو مجرد أو هما معًا.

([70]) «القصص القرآني»، (2/ 9).

([71]) «القصص القرآني»، (2/ 95). تأمل النصوص الآتية: [الأنعام: 77 - 79]، و[البقرة: 257].

([72]) «القصص القرآني»، (2/ 95). تأمل قوله - تعالى -. [الأنبياء: 52 - 66].

([73]) «القصص القرآني»، (2/ 105).

([74]) «القصص القرآني»، (2/ 105 - 109).  ومصنفات أسباب النزول تربط آية [آل عمران: 97] بعبادة الحج كما عند السيوطي. «أسباب النزول»، (ص/ 54). أو باتخاذ المسجد الحرام قبلة للصلاة كما عند الواحدي. [«أسباب النزول»، (ص/ 69)].

([75]) القصص القرآني، (2/ 120 - 143).

([76]) «القصص القرآني»، (2/ 139 - 141). روى السيوطي في سبب نزول آية [الحج: 25]. عن مجاهد قال: كانوا - الحجاج - لا يركبون، فأنزل الله: «ياتونك رجالًا». فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر. [«أسباب النزول»، (ص/ 153)]. فهذه الرواية تعزز أن آية الحج خطاب إلى محمد لا إلى إبراهيم - عليهما السلام - كما هو اجتهاد محمد شحرور.

([77]) فيما تقدم كنا قد أقمنا تمييزًا بين منهجين في القراءة والتفسير، منهج قراءة الترتيل أو التفسير الموضوعي، ومنهج قراءة التجزيئ-الذري أو التفسير الخارجي القبلي المُحمل.

([78]) من أهم الإشكالات المنهجية التي ما زال الفكر الإسلامي يتخبط فيها منذ أزمنة تأويله التأسيسية الأولى؛ ذلك أن كل مذهب أو فرد يعتبر فكرة ما أو نصًا حديثًا ما موافقًا لنص الوحي إذا توافق مع مذهبه، ومناقضًا له إذا ناقض مذهبه أو ما هو عليه، وكل نص من نصوص الوحي المنزل اعتبره محكمًا أو ناسخًا أو نصًا وأمضاه على صيغته إذ توافق مع ما هو عليه، أما إذا تناقض مع ما هو عليه اعتبره متشابهاُ أو منسوخًا أو مؤولًا وأخرجه إلى دلالة أخرى محتملة مذهبيًا عن طريق التأويل. ولا شكَّ أنَّ هذا المنهج المتبع من قبل الكثير هو الذي يشكل لب آفة التلاعب بالنص الشرعي ودلالاته. انظر دراستنا: «التلاعب بدلالات المفاهيم والنصوص الشرعية في الفكر الإسلامي».

([79]) انظر: روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، طه عبد الرحمن.

([80]) تلاحظ من خلال الآية أنَّ علة الإذن بالقتال ليس مطلقًا عن أي قيد، بل هو مسيج بشرط أساسي، وهو تحقق الظلم والبغي من الآخر، كما هو ثابت أيضا في أسباب النزول والسيرة النبوية.

([81]) تلاحظ من خلال الآية أن الاستمرار في إعداد القوة اللازمة في كل وقت أصل شرعي؛ سواء في حالة الحرب أو في حالة السلم. ففي الحالة الأولى يكون القصد رد العدوان المحقق. وفي الحالة الثانية يكون القصد وقائي. وعليه؛ فإنَّ الضمير في قوله - تعالى -: «فاجنح لها». يعود على إعداد القوة، ما دام أن السياق النصي هو سياق الحديث عن القوة وآثارها.

([82]) إنَّ الجهاد في سبيل الله - تعالى - لا علاقة له إطلاقًا بإجبار المخالف في الدين عن ترك دينه والدخول في دين الفاتحين، بل القصد هو إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد حريةً واختيارًا.

([83]) سبق أن توقفنا عند تأويل محمد شحرور لذلك.

([84]) تأمل قوله - تعالى -: {إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا} [المزمل: 4].

([85]) «القصص القرآني»، (2/ 51).

([86]) هذا المنهج وجد منذ البدايات الأولى لتأسيس الأنساق المعرفية في تاريخ الفكر الإسلامي. تأمل على سبيل المثال قول ابن رشد الحفيد: «ونحن نقطع قطعًا أن كل ما أدى إليه البرهان، وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي». [«فصل المقال»، (ص/ 33)].

([87]) انظر دراستنا: «التلاعب بدلالات المفاهيم والنصوص الشرعية في الفكر الإسلامي».

([88]) تأمل قوله - تعالى -: [البقرة: 29].

([89]) «القصص القرآني»، (1/ 14، 15). و«الكتاب والقرآن»، (ص/ 108). يتبيَّن لك فيما يأتي أن الدلالة التي يعطيها محمد شحرور لمفهوم «الروح»، بعيدة عن السياقات النصية لورود الروح في نصوص الوحي المنزل.

([90]) نصوص الوحي المستشهد بها، هي من باب التمثيل الجزئي، وليس من باب الاستغراق الكلي.

([91]) ترقب دراستنا: «السنة في ميزان القراءات الجديدة للقرآن».

([92]) سنن النسائي، حديث (رقم/ 3016).

([93]) قارن ما سبق من فهم محمد شحرور بما ورد في متنه نصًا، أن الطاعة المتصلة لما أتى به الرسول - عليه السلام - تشمل العبادات الأربع، فكل واحد أتى بواحدة منها على غير فعل الرسول - عليه السلام - عدت عبادته مرفوضة. [«الكتاب والقرآن»، (ص/ 551)].

([94]) من القواعد العامة المقررة في منهج التعامل مع النصوص الشرعية، التي شدد عليها القدامى والمحدثون معًا، أن أي فهم أو تصور ناقض نصًّا من النصوص الشرعية رد جملة وتفصيلًا، من أي شخص صدر، وفي أي زمن انبثق، دون النظر في حيثيات أو ظروف القول؛ إذ النص الشرعي الصحيح أولى بالاتباع من مطلق ما سواه.

([95]) قد كشف أهل التحقيق من المتقدمين والمتأخرين بعض أوجه ذلك، وبقيت أوجه أخرى كشفها منوط باجتهادات أهل الفكر الإسلامي المعاصر. [انظر على سبيل المثال: «الإسرائيليات في التفسير والحديث»، محمد حسين الذهبي، و«بدع التفاسير»، عبد الله محمد الصديق الغماري الحسني الإدريسي].

([96]) تجذرت في الوعي الجمعي الإسلامي العديد من التصورات التي ارتقت مع توالي الزمن مرقى التسليم الإيماني؛ إلَّا أنَّ الناظر في منشئها يجد أنَّها تأسست بناء على نصوص خبرية وإسرائيلية، ولا علاقة لها إطلاقًا بالنص الشرعي الإسلامي.

([97]) تأمل النصوص الآتية: [البقرة: 78]، و[آل عمران: 77]، و[الأنعام: 92].

([98]) قد كشف اسبينوزا بعضًا من ذلك. [انظر: «رسالة في اللاهوت والسياسة»، (ص/ 257)].

([99]) كقصة عيسى بن مريم - عليه السلام - وقصة أصحاب الأخدود ونحو ذلك.

([100]) قد بينا في دراسة سابقة معنى إيحائية ورمزية آيات القصص القرآني. [انظر: «القراءات الجديدة للقرآن الحكيم قراءة محمد أركون»، (ص/ 235، وما بعدها)].

([101]) باستثناء قوله - تعالى -: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163]. قد اجتهد ابن خلدون في تلمس دلالة مفهوم «الحضارة». [«المقدمة»، (ص/ 172، وما بعدها)]. وفي مواطن أخرى من المقدمة.

([102]) من أهم ما يشدد عليه نص الوحي المنزل، تجد فكرة السببية؛ سواء تعلقت بتحديد مصير الإنسان بوصفه فردًا، أو تعلقت بتحديد مصير الأمة أو الدولة أو الحضارة بوصفها جمعًا، أو تعلقت بالوجود الكوني الطبيعي بوصفه ظواهر عامة. تأمل بعض النصوص المتعلقة بالنوع الأخير: [الأعراف: 56]، و[الحجر: 22]، و[المومنون: 18 - 20]، [الرعد: 4].

([103]) كما هو قول التراث. [انظر: «شرح مقدمة أصول في التفسير»، (ص/ 199)].

([104]) يرى محمد عابد الجابري أنَّ القصص القرآني، وخصوصًا قصص أهل القرى كان من أجل إنذار قريش بأنَّها إن أصرت على تكذيب ما جاء به الرسول - عليه السلام -، يصيبها ما أصاب الأقوام الماضية التي كذبت رسلها. [«مدخل إلى القرآن الكريم». (ص/ 246 - 335)].

([105]) «القصص القرآني»، (2/ 102)، و«الدين والسلطة»، (ص/ 313)، و«القصص القرآني»، (1/ 9، 10).

([106]) انظر اجتهادات محمد باقر الصدر في: «التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي». وأيضًا في: «السنن التاريخية في القرآن».

([107]) «فهم القرآن الحكيم»، (3/ 47).

([108]) توجد في فضاء الفكر الإسلامي المعاصر العديد من المبادرات التي رامت ترتيب المصحف الشريف حسب ترتيب النزول، منها المحاولات الاستشراقية، ومحاولة محمد عابد الجابري، وغير ذلك من المحاولات الاجتهادية.

([109]) أمارة ذلك أنَّك إذا نظرت: وجدت أنَّ التفسير الإسلامي عمومًا - والموروث منه تحديدًا - لـم يعتنِ بذلك نظير اهتمامه بالبحث في تحديد الأماكن، وتعيين التواريخ وأسماء الأشخاص، ونحو ذلك.

([110]) ليس أهل التفسير الموروث ومن سار على مهيعهم هم الذين وقعوا في أعطاب عدة في تفسيرهم لآيات القصص القرآني فحسب، بل إنَّ المعاصرين هم أيضًا وقعوا في جملة أعطاب لا تقل خطورة عن ما وقع فيه الأسلاف، وبالتحديد أولئك الذين راموا إعادة قراءة القصة القرآنية كمحمد خلف الله، ومحمد أركون، ومحمد عابد الجابري، ومحمد شحرور، وسيد قطب وغيرهم. ترقب دراستنا: «القصة القرآنية من أسر الرواية الخبرية إلى أسر التأويل المفرط».



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة