قراءة في كتاب: «المسلمون الغربيون ومستقبل الإسلام»

صباح عبد الصبور عبد الحي
6/4/2017

قراءة في كتاب: «المسلمون الغربيون ومستقبل الإسلام»

للدكتور/ طارق رمضان

عرض: صباح عبد الصبور عبد الحي

 

يشهد الغرب تزايدًا كبيرًا في أعداد المسلمين نتيجة الهجرة، وزيادة معدلات اللاجئين، وكذلك ارتفاع أعداد معتنقي الإسلام.  ويواجه المسلمون في الغرب تحديات وإشكاليات عديدة تأتي في مقدمتها مشكلة الهوية والاندماج. وتثار في أذهانهم ونقاشاتهم الجماعية أسئلة ملحة مثل (من نحن؟وأين نحن؟ وكيف نتعامل.. ). وفي سبيل الإجابة على هذه الأسئلة يقعون في إشكاليات أخرى مثل: هل نحن مسلمون غربيون أم غربيون مسلمون أم أقلية مسلمة تعيش في الغرب؟ هل نحتفظ بثقافتنا وننعزل عن الثقافة الغربية حفاظًا على ديننا وإيمان أبنائنا؟ هل الإسلام هو الثقافة؟ وهل يرتبط بمنطقة وثقافة معينة؟ بمعني هل الإسلام مرتبط فقط بالثقافة الشرقية أم قد تجد ثقافة غربية إسلامية؟ هل يمكن أن  يندمج المسلمون في الحياة الاجتماعية والسياسية الغربية مع الاحتفاظ بهويتهم الإسلامية؟ هل يجوز  للمسلمين في الغرب أن يشتركوا في الحرب التي قد تخوضها دولهم ضد الدول والمواطنين المسلمين في الشرق؟ .....

 

كل هذه الأسئلة والإشكاليات والتحديات يطرحها-أيضًا- الدكتور طارق رمضان ويحاول الإجابة عنها في كتابه المعنون ب "المسلمون الغربيون ومستقبل الإسلام" الصادر عام 2004 عن جامعة أكسفورد. ومن الجدير بالذكر أن الدكتور طارق رمضان هو أستاذ الدراسات الإسلاميّة المعاصرة في جامعة أكسفورد، وأستاذ بقسم الدراسات الشرقيّة بكلية القديس أنتوني، وأستاذ الأديان وحوار الأديان في قسم الدراسات اللاهوتيّة بنفس الجامعة. كما يعمل أستاذًا زائرًا في كلية الدراسات الإسلاميّة بدولة قطر، وفي الجامعة الماليزيّة بيرليز، وباحثًا في جامعة دوشيشا باليابان. ويرأس الدكتور رمضان مركز الدراسات التشريعيّة والأخلاق بالدوحة. وهو أحد المفكرين الإسلاميين الأوائل في أوروبا، وواحد من أكثر الأصوات إبداعًا في الوقت الحالي.

 

ويحاول "د.رمضان" من خلال كتابه المكون من جزئين، استكشاف ما يعنيه أن يكون الفرد "مسلمًا غربيًا" لأن ذلك ينعكس  بشكل مباشر على مستقبل كل من الإسلام والغرب. وفي حين كانت وسائل الإعلام الغربية- وقت صدور الكتاب ومازالت حتى يومنا هذا- تركز على الإسلام الراديكالي، ادعى المؤلف أن هناك ثورة إصلاحية صامتة تجتاح المجتمعات الإسلامية في الغرب، حيث يسعى المسلمون بنشاط إلى إيجاد سبل للاحتفاظ بإيمانهم ومبادئهم داخل السياق الغربي.

 

ويهدف "رمضان" من خلال كتابه إلى خلق "الإسلام الغربي المستقل" الراسخ في الواقع الثقافي الغربي وليس في تقاليد الدول الإسلامية في الشرق.

 

وفي هذا الإطار، يبدأ دكتور رمضان بتقديم قراءة جديدة للمصادر الإسلامية وتفسيرها وفق السياق الغربي. ويعمل على تسليط الضوء على الوسائل التي يمكن أن تساعد المسلم  على العيش في الغرب وذلك في إطار إيمان "المؤلف" بأن الحركة نحو الإصلاح لا يمكن أن تتم بفعالية إلا من الداخل، ومن خلِال الإخلاص الصارم لمصادر وقواعد القراءة في القرآن والسنة.

 

ويجادل الكاتب بأن الفهم الجديد للمبادئ الإسلامية العالمية يمكن أن يفتح الباب أمام الاندماج في المجتمعات الغربية. كما يدّعي أنه يمكن للمسلمين أن يكونوا مخلصين لمبادئهم حتى أثناء المشاركة الكاملة في الحياة المدنية للمجتمعات العلمانية الغربية.  ويؤكد على أن مستقبل الإسلام في الغرب يرتكز  على أهداف المسلمين وتحركاتهم الواعية، ثم يقدم رؤية جديدة للهوية الإسلامية الجديدة، التي ترفض  إشكالية الإسلام في مواجهة الغرب.

 

كما يقوم بدراسة مسائل حيوية مثل الحياة الروحية أو التعليم في المجتمعات العلمية الحداثية أو ما بعد الحداثية، والإصلاحات التي تبدو ضرورية لمواجهة تحديات الحياة في الغرب. كما اتجه لدراسة بعض الموضوعات المهمة التي تحتاج إلى معالجة في إطار المنعطف الدقيق الذي يعيشه المسلمون في الغرب مثل المشاركة الاجتماعية والسياسية، ومقاومة العولمة والنظام العالمي الاقتصادي، والدخول في حوار بنّاء بين الأديان.

 

وتحاول الباحثة في هذا العرض تسليط الضوء على أهم الأفكار التي وردت في الكتاب على النحو التالي:

 

المبادئ الأساسية في الإسلام:

قام الكاتب في الجزء الأول من كتابه برسم مخططًا مرجعيًا لمبادئ الإسلام الأساسية وهي: التوحيد والشريعة، والمفاهيم الثلاثة للمصلحة: الصالح العام، والاجتهاد، والفتوى. كما تناول المؤلف الحديث عن  العلاقة بين الروح والجسد في الإسلام، وأهمية الضمير وجهاد النفس في توجيه المشاعر والأفعال، والإجراءات التي نتخذها. كما أكد على أهمية إعمال العقل في استنتاج وتحديد العالمية في قلب القرآن والسنة، وكذلك قراءة النص لتحديد المبادئ الأساسية وكذلك الأصول والفروع لتحديد المساحة المتاحة للاجتهاد للرد على الأسئلة الجديدة المتعلقة بالحقائق الاجتماعية المستحدثة.

 

الإسلام والغرب (نحو رؤية تكاملية):

ساعدت العولمة على تآكل الهويات والمرجعيات التقليدية، وهو ما أدى إلى ظهور دعوات مضادة بالانسحاب الذاتي. وتضاعف هذا الخطاب في العالم الإسلامي الذي تأثر بالظاهرة بشكل سلبي.  وركزت الدعوات على ضرورة الحفاظ على الذات، والهوية الإسلامية من الموروثات الغربية. وظهرت خطابات عدة تعرف الذات الإسلامية بأنها لا تحمل أي مشترك مع الغرب، وتعتبر كل ما هو غربي معادٍ للإسلام. وأدت هذه الرؤية القطبية  إلى قيام المسلمين في الغرب بعزل  أنفسهم عن المجتمع على المستويات العاطفية والفكرية والاجتماعية، وهو ما يرفضه المؤلف.

 

ويرى "د.رمضان" أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أتى برسالة ومبادئ عالمية، وأن الإسلام يمتلك من الأدوات ما يمكن أن يعطي زخمًا للحركات الإصلاحية في أي مكان وزمان، ويساعد على الاندماج في البيئات الجديدة. ويجادل بأنه بدلاً من تركيز المسلمين في الغرب على مبدأ الحماية الذاتية والانسحاب ومحاولات الاندماج عن طريق "الباب الصغير"  أو "كأقلية"، فعليهم أن يبحثوا جيدًا عن مسألة التكامل. إذ أن البعض مما أنتجه الغرب على المستوى الإنساني، والفكري، والعلمي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي لا يتعارض مع مبادئ الإسلام العالمية، خاصة ما يتعلق باحترام القانون وسلامة الآخر وحريته في العبادة. ومن ثم، يجب على المسلم الغربي أن ينظر في إنجازات هذه المجتمعات باعتبارها خاصة به كمواطن في بلده، ويجب عليه أن يشارك فيها بنفسه مع الآخرين. مع أهمية الدخول في حوار حقيقي يحترم عالمية وقيم الإسلام "لنصبح شركاء حقيقيين في العمل".

 

كما يجب على المسلمين الغربيين أن يستقلوا فكريًا وسياسيًا وماليًا عن المسلمين في الشرق. بمعنى أن يفكروا بأنفسهم، وأن يطوروا أطروحات مناسبة لحالتهم، وأن يقدموا أفكارًا جديدة وملموسة وفقًا للسياق بعيدًا عن التبعية وانتظار آراء المسلمين في الشرق، لأن هذه التبعية تمنع من اكتساب المسؤولية والإصلاح وتحرير القلوب والعقول.

 

ويجادل الكاتب بأنه إن كان هناك مرجعية ثابتة ومبادئ أساسية يلتزم بها المسلمون، إلا أنه على الجانب الآخر هناك تنوع واختلاف في الثقافات ومظاهر الحياة باختلاف البلد والسياق، لأنه في الواقع هناك هامش في مبادئ الإسلام يسمح بالتطور، والتحول، والتكيف مع مختلف البيئات الاجتماعية والثقافية. وليس الإسلام حكرًا على ثقافة ومنطقة معينة. ومن ثم ينبغي على المسلمين الغربيين دراسة النقاط المرجعية الخاصة بهم من أجل تحديد وتمييز ما هو ثابت وما هو عرضة للتغيير، وقياس ما حققوه من الداخل، وما فقدوه من كونهم في الغرب. وهذا يحتاج إلى التعمق في قلب المصادر والعلوم الإسلامية، وفي الوقت نفسه وجود معرفة بالغرب، والتاريخ، والديناميات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية التي تشكل خصوصية المسلم الغربي.

 

الاتجاهات العامة للمسلمين في الغرب:

ذكر "د.رمضان"  أن هناك 6 مدارس شائعة بين المسلمين في الغرب، هم:

 

·       المدرسة التقليدية:  

التي تقرأ النصوص الكتابية في القرآن والسنة وفقًا لواحدة من مدارس الفقه (الحنفي، أو المالكي، أو الشافعي، أو الحنبلي، أو الزيدي، أو الجعفري، .. )، مما لا يسمح بأي نقد للآراء الاجتهادية الأخرى. وينتشر هذا الاتجاه بشكل خاص بين الجماعات الهندية والباكستانية في  الولايات المتحدة وبريطانيا، وبين الأتراك في ألمانيا. ويرفض أنصارها المشاركة الاجتماعية والمدنية والسياسية في الغرب.

 

·       السلفية (الحَرْفية):

 التي تدعي اتباع السلف من أصحاب النبي والتابعين من الأجيال الثلاثة الأولى في الإسلام. وتتبع مدرسة أهل الحديث، وترفض التجديد.. وأتباعها على اتصال مستمر مع العلماء الذين يقيمون في المملكة العربية السعودية أو الأردن أو مصر ، ويرفضون أي نوع من المشاركة في المساحات غير الإسلامية.

 

·        السلفيون الإصلاحيون:

 نمت هذه المدرسة نتيجة تأثير المفكرين الإصلاحيين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، الذين وَجدوا جمهورًا واسعًا في العالم الإسلامي، مثل الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد إقبال، وابن باديس، والبنا، والفاسي، ومودودي، وقطب، وشريعتي. وقد هاجر أنصارها إلى الغرب نتيجة التدابير القمعية التي فُرضت عليهم بعد الاستقلال،كما حدث في مصر وسوريا فيما يتعلق بالإخوان المسلمين، وكذلك بعض أعضاء حركة النهضة في تونس ،أو جماعة العدل والإحسان في المغرب. وتؤكد هذه المدرسة على ضرورة حماية الهوية الإسلامية والممارسة الدينية، مع الاعتراف بالهيكل الدستوري الغربي، والانخراط كمواطنين على المستوى الاجتماعي، على أن يكون الولاء الحقيقي للبلد الذي ينتمي إليه المسلم. وتنتشر هذه المدرسة على نطاق واسع في الغرب، ويتأثر بها عدد كبير من الجمعيات في قراءتهم للنصوص وتكييفها بما يتماشى مع احتياجاتهم.

 

·        السلفية السياسية الحرْفية:

يقوم أنصارها بقراءة حرْفية للنصوص، مع الأخذ في الاعتبار الدلالة السياسية بشأن إدارة السلطة، والخلافة، والقانون. ويميلون عادة نحو العمل الثوري الراديكالي، ومعارضة القوى الحاكمة في الغرب. ويكافح أنصارها من أجل تأسيس "الدولة الإسلامية" في شكل الخلافة. ويعارضون أي فكرة عن المشاركة أو التعاون مع المجتمعات الغربية.

 

·       الليبرالية "أو" العقلانية "الإصلاحية:

وُلدت هذه المدرسة نتيجة تأثرها بالفكر الغربي خلال الفترة الاستعمارية. ودعمت تطبيق النظام الاجتماعي والسياسي العلماني الغربي في العالم الإسلامي. كما تؤيد إدماج واستيعاب المسلمين في الغرب، والتكيف الكامل مع الطريقة الغربية للحياة. ولا يملكون من الدين إلا بعده الروحي.

 

·       الصوفية:

وبها مدارس عديدة ومتنوعة، وهي تهتم في الأصل بالحياة الروحية والخبرة الصوفية. وهذا لا يعني أن التلاميذ الصوفيين لا يملكون أي مشاركة مجتمعية في الغرب، إلا أنها مسألة أولويات. وتنبع رؤيتهم للنصوص من تعاليم معينة قائمة على التأمل والتفاهم.

 

وتمثل هذه المدارس الاتجاهات العامة للمسلمين في الغرب، ويغلب عليها طابع التقليد والانعزال عن المشاركة السياسية والمجتمعية. وهو ما ينتقده الكاتب، ويرى أنه ينبغي على نخبة وأتباع هذه المدارس أن ينخرطوا في عمل عميق ومستمر من أجل الإصلاح في إطار الطبيعة الشاملة لرسالة الإسلام، وعليهم أن يبحثوا عن الطريق الذي يسمح للمسلمين بتأسيس أنفسهم بحرية وثقة. ويؤكد أنه لا بأس بالمصنفات الإسلامية الكلاسيكية لكن يجب مراعاة الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي يواجهه المسلمون في الغرب.

 

الهوية والثقافة:

من نحن .. مسلمون؟ أم غربيون؟ أم مسلمون غربيون؟

 

تمثل مسألة الهوية إشكالية مركزية عند الكثير من المسلمين في الغرب. ويرى الكاتب  أن عالمية المبادئ تسمح للمسلمين بتغلغل هذه العالمية مع خصوصية ثقافاتهم الوطنية من خلال عملية التكامل.

 

ويحدد د.رمضان أربعة مبادئ أساسية للهوية الإسلامية، وهي:

·       الإيمان والروحانية:  

يعد العنصر الأول والأهم في الهوية الإسلامية هو الإيمان بالله، والذي يرتبط به مفهوم الروحانية. وليس هناك إيمان حقيقي دون فهم المسلمين لكل من القرآن والسنة والسياق الذي يعيشون فيه. وتقع على المسلمين مسئولية هذا الفهم المزدوج: إذ يجب عليهم تطوير فهم النصوص وفهم السياق من أجل اكتشاف كيفية الإيمان بالإسلام ومبادئه. وهو ما يعني أن الهوية الإسلامية ليست مغلقة ومحصورة في إطار مبادئ صارمة وغير مرنة. بل على العكس من ذلك، فإنها تقوم على حركة جدلية وديناميكية بين المصادر والبيئة بهدف إيجاد وسيلة للعيش في وئام.

 

·       الاختيار والتفاهم:

يمثل كل من التفاهم القائم على المعرفة، والاختيار القائم على الحرية عناصر الهوية الإسلامية التي تتبع مباشرة الإيمان والروحانية، وهما يشكلان معًا بُعد المسؤولية.

 

·       التعليم والنقل:

يعد الإيمان في حد ذاته نوع من الأمانة، والمطلوب من المسلمين أن يوصلوا هذه الأمانة لأطفالهم والمقربين منهم أولاً.  ثم نشر رسالة الإيمان وشرح مضمونها في العالم الخارجي كلما أمكن.

 

·       التمثيل والمشاركة:

يشكل كل من الإيمان، والروحانية، والتعليم، والنقل الأخلاقيات الإسلامية. ويجب أيضًا- أن توجه أعمال المؤمن، بحيث يكون تصرف المسلم وفقًا لتعاليم الإسلام، بغض النظر عن البيئة المحيطة به. ويجب أن يستند تمثيل ومشاركة المسلم في أي بلد أو بيئة إلى أربعة جوانب مهمة هي: تطوير وحماية الحياة الروحية في المجتمع، ونشر التعليم الديني، والعمل من أجل العدالة في كل مجال من المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتعزیز التضامن مع المحتاجین والمهمشين.

 

وهذه العناصر الأربعة تعطي صورة كافية عن أساسيات الهوية الإسلامية، الفردية والاجتماعية. ويتحمل المسلمون في الغرب المسئولية الكبيرة بدمج هذه الأبعاد الأربعة لهويتهم في ثقافة غربية، مع الحفاظ على الإطار المرجعي الأساسي. مما يجعل من الممكن ولادة هوية مسلمة غربية جديدة وحقيقية.

 

ويثير الكاتب تساؤلات مهمة مثل: هل ينبغي تعريف المسلمين الغربيين في ضوء مفهوم الأمة، أم أنهم فقط مواطنون مسلمون في بلد غربي ؟ ما هي الجماعة التي ينتمون إليها أولاً  الأمة أم البلد الذي يعيشون فيه كمواطنين ؟ هل من الممكن للمسلم أن يكون أوروبيًا أصليًا وف الوقت ذاته مواطنًا مخلصَا للأمة الإسلامية؟

 

وفي هذا الإطار يؤكد الكاتب على أن المسلم  ينتمي في المقام الأول إلى الله، وأن الإيمان بالله وبرسالته يعني أن القيم الأساسية في الرسالة مثل الصدق والإخلاص والإنصاف والعدالة، لها الأولوية على الروابط  الأبوية. كما أنه يجب على المسلمين احترام الروابط الأسرية والعلاقات الموسعة مع المجتمع والشعب والوطن والأمة ما دام لا يجبرهم أحد من هؤلاء على العمل ضد إيمانهم أو ضميرهم. ويجب على المسلمين توجيه كل جهودهم نحو تطوير الوعي الذاتي بالله، ومجتمع الإيمان، مع الشعور بالمجتمع المحلي.

 

ويؤكد الكاتب أنه من واجب المسلمين في أي مكان أن يؤازروا إخوانهم المسلمين الذين يتعرضون للاضطهاد في بلد آخر بسبب معتقداتهم الدينية، بيد أن واجب مساعدة المؤمنين المضطهدين لا يمكن أن يُنفذ إذا كانت هناك معاهدة بعدم التدخل، لأن هذا التدخل يعني خرقًا من جانب واحد لالتزامات الاتفاق. ورغم أن مبدأ العدالة مقوم أساسي من مقومات الهوية الإسلامية، إلا أنه قد يكون مقيدًا في ظروف معينة عندما تكون هناك اتفاقات قد يوقعها المسلمون - بصفتهم أفرادًا أو جماعة. ومن ثم نوع التعلق المرتبط بمفهوم الأمة ينبغي تحقيقه في ضوء مبدأ العدالة واحترام المعاهدات.

 

ومن ثم فإن تطبيق الشريعة بالنسبة للمواطنين المسلمين المقيمين في الغرب يعني صراحةً احترام الإطار القانوني والدستوري للبلد الذي يحملون جنسيته، مع الامتناع عن كل نشاط وكل مشاركة من شأنها أن تتعارض مع إيمانهم . ومن ثم يجب على المسلمين الغربيين أن يدرسوا مع علماء القانون المسائل الحيوية المتعلقة بالتأمين الإلزامي والميراث والزواج .. وغيرها، ويتعين صياغة قواعد تراعي تشريعات البلد وتعاليم الإسلام واحتياجات المسلمين في نفس الوقت.

 

وعليه، يجوز للمسلمين أن يعيشوا في بلدان غير مسلمة ما داموا قادرين على حماية هويتهم وممارسة شعائرهم الدينية. ويجب أن يشاركوا في الأنشطة الاجتماعية والتعليمية والثقافية في الغرب، بهدف إيجاد طرق أفضل للحركة وإيجاد القوانين الملائمة لواقعهم. وكذلك يجب أن يصلوا إلى شراكة مع المنظمات الرسمية، مع أهمية تأسيس المؤسسات والمنظمات ودور العبادة اللازمة في مجتمعاتهم. وهذا هو السبيل الوحيد الذي يمكّن المجتمعات الإسلامية في الغرب من حماية مستقبلها في هذا السياق الذي يبدو مثيرًا للقلق.

 

 مسألة الدخول في الحرب:

هناك حكم إسلامي عام يمنع المسلم من قتل أخيه المسلم. وينبغي تجنب مثل هذا السلوك. ولكن ما الحل عندما يكون هناك حرب ضد دولة مسلمة؟ في الواقع بعض الناس يضعون الحجة السابقة كحجة نهائية دون أي نوع من التحليل. إلا أن الكاتب يرى أنه يجب اتخاذ قرار محدد بعد دراسة جادة للسياق بأكمله، في ضوء تعاليم الإسلام، للتعرف فيما إذا كان يُسمح للمسلمين بالاشتراك في مثل هذا الصراع. مع الأخذ في الاعتبار أن الحظر على قتل المسلمين هو القاعدة العامة، مع ضرورة احترام مبدأ العدالة في الوقت نفسه. وعليه، يجب على مواطني الدول الغربية المسلمة تطوير النضج لتحليل وتحمل المسؤولية عن خياراتهم - وحدهم،  وبعد التشاور مع السلطات القانونية المختصة.

 

وبشكل عام فيما يتعلق بالقضايا الحيوية، لا ينبغي صياغة فتوى تكيفية إلا بعد التحليل والتقييم وإعمال النظر. وهذه الآلية يجب أن تصبح ديناميكية ومستمرة ومتكاملة ومتطورة على مر السنين، إذ أن هناك قضايا لا تقع في نطاق شرط الضمير، بل تتطلب من المسلمين أن يبذلوا جهدًا حقيقياً لإيجاد الحلول المناسبة.

 

نحو إصلاح التعليم الإسلامي في الغرب:

هناك حالة من القلق والخوف تنتاب المسلمين في الغرب تتعلق بكيفية الحفاظ على الإيمان، والحياة الروحية، والتمسك بتعاليم الإسلام في البيئة الغربية التي لم يعد فيها الله هو مركز الكون، وكذلك في النظم التعليمية التي لا تُدرّس سوى القدر النذير عن الدين. لذا فهم يبحثون عن طرق لتأصيل القيم الإسلامية في الأطفال والشباب المسلم في الغرب.

 

وينتقد الكاتب الجمعيات والمدارس الخاصة الإسلامية في الدول الغربية، حيث أن العديد من المؤشرات تشير إلى أن التربية الإسلامية في المجتمعات الغربية تحتاج إلى مدخلات أكثر فعالية، ولا تستجيب لاحتياجات معظم المسلمين.

 

ويجادل د.رمضان أنه على الرغم من أن الرسالة الإسلامية عالمية وشاملة، وأنها توفر الأدوات التي يحتاجها الجميع لمواجهة تحديات البيئة، إلا أن " التربية الإسلامية" في الغرب تقتصر على التحفيظ التلقيني للآيات القرآنية، والتقاليد النبوية، دون التأصيل للبعد الروحي الحقيقي. كما أنه في حين يعلك نظام المدارس العامة في الغرب الأطفال التعبير عن أنفسهم، وإبداء آرائهم، إلا أن النقيض يحدث على مستوى المساجد والمنظمات الإسلامية، إذ يجب أن يكون المتلقي هادئًا ومتسمعًا بإنصات دون فتح مجال للمناقشة أو التبادل أو النقاش. وهو ما يؤدي إلى ولادة جيل لديه نوع من الشخصية المزدوجة، إذ يتعلمون التعبير عن أنفسهم في كل موضوع مع "غير المسلمين"، في حين يصابون بال"غباء" عندما يتعلق الأمر بالتحدث عن الإسلام أو التفاعل مع معلمي الشريعة.

 

وإذا أردنا وضع رؤية تتعلق بإصلاح "التعليم الإسلامي"، فيجب أن يكون الهدف الأول هو تعليم القلب بحيث يغرس المعرفة بالله، ويؤصل لمسؤولية المسلمين تجاه أنفسهم، وأجسادهم، وأقاربهم، ومجتمعاتهم، والبشرية بشكل عام. ويتمثل الهدف الثاني في تعليم العقل، الذي ينبغي أن يكون قادرًا على فهم رسالة القرآن والسنة وتطوير المعرفة بالبيئة والبشر الذين يعيشون معهم، بما يمكن العقل من إيجاد الطريق لتطبيق الشريعة في الحياة اليومية. ويتمثل الهدف الثالث في تمكين جميع المسلمين من تنمية ذاتهم، ليصبحوا مستقلين في حياتهم، وخياراتهم، فضلاً عن توفير معرفة عميقة بالبيئة الثقافية والاجتماعية والتاريخ، وإتقان التخصصات العامة والعلوم.  وتمثل هذه الأهداف الشروط المسبقة اللازمة للانسجام بين الإيمان والأخلاق والعقل والحياة.

 

ويقترح الكاتب ضرورة العمل على مبادرة تستند إلى بناء إطار منهجي تكميلي وليس مواز للتعليم الغربي، بحيث يتم التركيز على إقامة علاقات نشطة بين التعليم المقدم في الغرب والفلسفة العامة للرسالة الإسلامية.

 

ويؤكد الكاتب على أنه من الضروري أن يسعى كل مشروع تعليمي في الغرب إلى إشراك الآباء والأمهات، وحضورهم الاجتماعات العادية، والأنشطة، والتجمعات للمناقشة والحوار. مع أهمية الأخذ بآراء الشباب وتحليل توقعاتهم واحتياجاتهم. ومن الضروري أن يتم دمج التربية الإسلامية في أبعاد الحياة الحقيقية في قلب المدن الغربية.  مع أهمية غرس قيم التضامن الحقيقي من خلال تنظيم أنشطة لدعم  المرضى أو المسنين أو المعاقين، والعمل مع السجناء ومدمني المخدرات. وستساعد تلك الزيارات إلى المؤسسات السياسية والاجتماعية على بناء الوعي المسلم وإشراك الشباب في حياة المدنية.

 

الالتزام الاجتماعي والمشاركة السياسية:

يؤكد الكاتب على أنه يجب أن يلتزم المواطن المسلم بتعزيز احترام حقوق كل شخص في المجتمعات الغربية. مع ضرورة الاهتمام بحقوق الطبقات الاجتماعية الأكثر حرمانًا والأماكن الاجتماعية المهمشة في الغرب. وهو ما قد يؤدي إلى تطوير دينامية جديدة للمقاومة حتى يمكن المطالبة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية المشروعة للمسلمين وغيرهم.

 

وفي  إطار سعي المسلمين الغربيين للحفاظ على القيم والأخلاق وتحقيق العدالة الاجتماعية ومقاومة التمييز بجميع أنواعه، سيجد المواطنون المسلمون عددًا كبيرًا من الشركاء المحتملين في جميع المجتمعات الغربية، بما يسمح بتحقيق آمالهم على المستوى المحلي على الأقل.

 

مقاومة النظام العالمي:

ينتقد الكاتب النظام العالمي، وسيطرة قوى بعينها على الاقتصاد والأسواق المالية. ويشير إلى أوجه القصور الأخلاقية الخطيرة للعولمة. ورغم ذلك لا نملك القدرة على إيجاد بديل جديد، وإن ظهرت محاولات لإنشاء مؤسسات اقتصادية ومالية داخل الدول الإسلامية، وعلى نطاق صغير، تحت مسمى المعاملات الإسلامية، إلا أنها لا تمثل بديل للنظام العالمي.

 

ويعيش المسلمون الغربيون في قلب النظام العالمي، ويعانوا من القصور الأخلاقي للنظام بما لا يتماشى مع دينهم وضمائرهم، إلا أنه من الصعب تجنب المعاملات المالية التي تحمل فوائد. ودارت نقاشات جمة حول هذا الموضوع، وتراوحت الفتاوى التي اشترك فيها علماء من الدول الإسلامية بمنع كل انخراط في النظام مع مراعاة حالات الضرورة والحاجة. في حين رأى البعض أن الفائدة المصرفية ليست هي نفسها الربا المشار إليه في القرآن الكريم.

 

أما د. طارق فيرى أن التعاليم الإسلامية تعارض في جوهرها المقومات الأساسية والمنطقية للنظام الرأسمالي النيوليبرالي، وان المسلمين الذين يعيشون في "قلب النظام" يتحملون مسؤولية أكبر مع الآخرين الذين يحملون الهدف نفسه، لاقتراح الحلول التي يمكن أن تخلق وتؤدي إلى اقتصاد أكثر عدلاً وتعاملات تجارية أكثر إنصافًا. ومن أجل أن يبقى المسلمون مخلصون للمبادئ العامة للإسلام في مجال الاقتصاد والتمويل، ينبغي أن يطور المسلمين الغربيين نهجًا جديدًا يقوم على مبدأ التكامل والإصلاح، والأخلاق في الإدارة المالية، واحترام الممتلكات الخاصة، إلى جانب الالتزام بدفع الزكاة، وحظر الربا. كل ذلك يجب أن يطبق في الغرب من خلال تطوير مفهوم عالمي ديناميكي . مع العلم أن الطبيعة العامة للمبادئ التوجيهية الإسلامية تجعل هذا ممكنًا، "بشرط أن ندرس بجدية المجتمعات التي نعيش فيها ونحاول التفكير على أساس الحقائق التي نتواجد فيه".

 

نحو حوار أديان بنّاء:

في إطار سيادة حالة انعدام الثقة في المجتمعات الغربية وحالات الصراع الديني في جميع أنحاء العالم ، يجب أن نؤسس لحوار أديان يقوم على أساس المعرفة المتبادلة. ويجب أن يعمل المسلمين الغربيين على توضيح قناعاتهم وقيمهم وآمالهم المشتركة، مع التأكيد على الخصوصية، و تحديد الاختلافات، والخلافات.. والالتزام بالعمل المشترك في المجتمعات الغربية. ويؤكد الكاتب على أنه خلال الحوار، سيدرك الجميع أنهم يحملون قدرًا كبيرًا من القناعات والقيم المشتركة. وأنهم يواجهون نفس الصعوبات والتحديات.

 

ويخلص الكاتب في النهاية إلى أن المسلمين في الغرب يتحملون مسئولية هائلة حول الالتزام ببناء مستقبلهم. ويؤكد على أن هناك حركة إصلاحية جديدة في الغرب، ظهرت نتيجة إدراك عدد كبير من المسلمين للتحديات التي تواجههم. ويشدد على أن أول متطلبات الحركة الإصلاحية الجديدة هو معرفة الرسالة الشاملة للإسلام ومبادئها العالمية والأدوات المتاحة لمساعدة المسلمين على التكيف مع مجتمعهم وتغيير العالم. ويحتاج  المسلمون في الغرب إلى تحرير أنفسهم من عقدة ضعفهم التي تأتي من هيمنة عقلانية وتكنولوجيا الغرب من ناحية، والعالم الإسلامي الذي يعتقدون أنه المنتج الوحيد للناطقين بالعربية والناطقين باسم الإسلام من جهة أخرى. ويأتي هذا التحرر عن طريق تطوير وجود إيجابي وتشاركي في الغرب، يساهم في خلق مناقشات حول عالمية القيم والعولمة والأخلاق في العصر الحديث.

 

ويعتقد د. طارق أن المسلمين الغربيين سيلعبون دورًا حاسمًا في تطور الإسلام في جميع أنحاء العالم بسبب طبيعة وتعقيد التحديات التي يواجهونها. ويؤكد على أن التحيزات والعنصرية والإسلاموفوبيا  هي تعبير ملموس عن الواقع الصعب للمجتمعات الغربية، ويجب على المسلمين ألا يعتقدوا أن هذه التحديات ستختفي ببساطة عندما يصبحون مواطنين مستقرين في مجتمعاتهم. كما يتعين عليهم أن يعتادوا لفترة طويلة على مواجهة التدابير الأمنية السياسية والتمييز والاتهامات " و "التهديد"" و "أعمال المراقبة، وفي نفس الوقت يسيرون بجدية ووعي نحو مسيرتهم الإصلاحية.

 

ختامًا:

يمكن القول أن د. طارق رمضان نجح في إرساء نص تحليلي وتفسيري مهم من خلال قراءة جديدة للقرآن والسنة في ضوء السياق، مع إعمال العقل والاجتهاد القائم على العلم وسعة الإطلاع. ولقد جاءت أفكاره مرتبة ترتيبًا منطقيًا مما ساهم في إخراج التحليل بهذا الشكل المتميز.

 

 وفي الواقع قد لا نتفق مع كل الأفكار الموجودة في الكتاب، إلا أن الكتاب بشكل عام يستحق القراءة والنقاش داخل وخارج المجتمعات الغربية ، لاسيما مع تزايد حالات اللجوء والهجرة للغرب، فضلاً عن تزايد الهجمات الإرهابية مما انعكس سلبًا على أوضاع المسلمين في الغرب.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة