فقه تاريخ الفقه

أحمد مرعي المعماري
5/17/2017

قراءة في كتاب ...

«فقه تاريخ الفقه: قراءة في كتب علم تاريخ الفقه والتشريع، والمداخل الفقهية»

للدكتور/ هيثم بن فهد الرومي

أستاذ مشارك بكلية التربية، جامعة الملك سعود

مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الثانية، 2017 م

قراءة: أحمد مرعي المعماري

عدد صفحات الكتاب: (206).

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين:

أمَّا بعدُ:

فإنَّ العلوم لها تاريخها الذي يشهد على حركتها، ونموها وتأثرها وتطورها، وتحولاتها المهمة، ومن هذه العلوم علم الفقه؛ فإنَّ تاريخه عميق وبعيد، والوقوف عليه يكشف اللثام عن مناطق الخفاء في جسم هذا العلم، ويهدي إلى صحة التصور وصدق التصديق، ومن ثَمَّ صحة ترتيب المقدمات الموصلة إلى نتائجها.

والتاريخ يبقى مدارج يترقي من خلالها المتعلمون؛ لبناء اللاحق على نتاج السابق؛ ليكتمل البناء ودفع عجلة التقدم؛ لأنَّ حركة التاريخ وسننه تجيب عن كثير من الأسئلة الخفية. وبهذا لا غناء عن التاريخ في التغيير والبناء، والقرآن الكريم ذكر أحوال الأمم السابقة؛ للتأكيد على تلك السنن.

والدعوة إلى (فقه تاريخ الفقه) تعني= قراءة الموروث الفقهي في سياقه التاريخي للوقوف على ظروف نشأته وملابساته، ولا يعني حصر الموروث الفقهي والمنتوج الفكري والعلمي تاريخيًّا، بل التاريخ ضروري للفقيه؛ لمعرفة المتغيرات الفقهية وتحولاتها وهو أداة مهمة لمعالجة الواقع؛ لأنَّ هناك زوايا مظلمة في الفقه الإسلامي لا يكشف عنها إلا ملاحظة التاريخ، ويصحح النظر في تصورها وأسباب نشوئها.

وإذا كان الفقه ينشد (المحل) الذي ينزل فيه النص؛ فإنَّ التاريخ يعطي أوجه التكامل لصورة المحل من خلال البيئات التي نزل فيها النص، وكيف نمت الفتاوى الفقهية، وهي تراعي محال التنزيل.

والجهل بهذا الباب يفتح باب النقد الهدام للتراث على مصراعيه؛ بحجة عدم مقبولية الآراء الفقهية القديمة في واقعنا؛ وذلك لعدم ادراك ولادة تلك الآراء وظروف نشأتها وتقلباتها وملابساتها، فإن من الجناية الكبرى على الفقه الإسلامي محاكته بغير واقعه وإنزاله على غير بيئته.

وهذا الكتاب إتيانٌ للبيوت من أبوابها، وتصحيحٌ للدخول إلى الفقه ومسائله؛ (لأنَّ واقع العلوم كافة يشهد بأن التاريخ حياة متكاملة تحمل تفسيراً لشتى التخصصات، وفي طياته نتفهم نشأة العلوم وتطورها، ولاسيما ما كان منها مرتبطاً بحياة الناس ومعايشهم) ([1]) كالفقه؛ ولهذا عند مطالعة كتب طبقات الفقهاء وتراجمهم لا نجد فيها علم الفقه فحسب، بل نجد علومًا ترسم لنا ألوان الحياة جميعها ([2]).

ولـم يكن هذا أجنبيًاً عن صناعة الفقيه، ولقد (روي عن الإمام الشافعي أنَّه أقام على تعلم العربية، وأيام الناس عشرين سنة، فقال: ما أردت بهذا إلَّا الاستعانة للفقه) ([3]).

«وبهذا ندرك علاقة التأثر والتأثير بين الفقه والتاريخ؛ فإن الفقه إذا كان مؤثرًا في حركة التاريخ وكان الرجوع إلى كتب الفقهاء مفيدًا في الإطلاع على صور الحياة التاريخية؛ فإن الفقه بدوره ضرورة في معالجة تاريخ الفقه والفقهاء، ولئن كانت نوازل العصر ومستجداته مفتقرة إلى الفقه في استنباط أحكامها، فإن ما مضى في الدهر من فتاوى الفقهاء ومسائلهم وأخبارهم وآدابهم باختلاف مذاهبهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم، مفتقرة كذلك إلى الفقه في فهمها والتفطن لمواقعها، والاهتداء لحسن تنزيلها، ومن هنا جاءت تسمية هذه الفصول بـ (فقه تاريخ الفقه)؛ لأنَّ تاريخ الفقه ليس قصصًا وأسماء تُسرد، ولاحكايات تُروى، بل هو تتبع لأفكار تتصل بداياتها بنهاياتها، وتُؤدي أوائلها إلى أواخرها، ومن ضرورة ذلك أن يَعلم المتفقهُ أنَّ دراسة تاريخ الفقهاء من جهة، وتاريخ المسائل الفقهية من جهة أخرى، وتاريخ الفقه كعلم من جهة ثالثة، إنَّما هي درجات في مصاعد التفقه في النصوص، وما يستنبط منها، وإن الفقه الذي هو إطلاق الحكم التكليفي أو الوضعي على محله، نتاج رحلة طويلة من التدبر والتأمل في سير الفقهاء وأخبارهم وسؤالاتهم، في الاجتهاد والاستنباط والترجيح» ([4]).

وتتكون مادة الكتاب من مقدمة، وتمهيد، وأربعة فصولٍ، وخاتمة:

جاء التمهيد بذكر (تعريفات مهمة) تدور عليها فصول الكتاب، وهي:

العلم، والتاريخ، والفقه، ابتدأ المؤلف بتعريف هذه المفردات منفردة، ثم لملمها لتشكل علمًا مركبًا بعنوان (علم تاريخ الفقه)، وأفصح عن مدلوله العام بأنَّه: (العلم الذي يبحث في نشأة الفقه ومدارسه وأئمته وأسباب اختلافهم، ومناهجهم الاجتهادية، وظهور مذاهبهم وتطورها وأدوارها والظروف التأريخية التي أسهمت في تكونها، وطرائق التعليم والتدوين فيها، وأماكن انتشارها) ([5]).

أمَّا الفصل الأول؛ فكان بعنوان (موضوعات علم تاريخ الفقه)، وحسب رأي الكاتب أهم الموضوعات التي ممكن الوقوف عليها والتي تُعد موضوعًا أساسيًّا في علم تاريخ الفقه، وهي:

(1) فقه تاريخ النص:

وهنا يحث الكاتب على ضرورة قراءة الظروف التاريخية المصاحبة للنص؛ لكونها أداة مهمة في تفسير النصوص وبيانها والوقوف على ملابساتها وحيثياتها، ومن ذلك معرفة أسباب النزول والورود والإحاطة بها، ومعها معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها وأحوالها زمن التشريع. مستصحبًا بذلك تطبيقات فقهية تجسد أصالة هذا المبدأ في فهم النصوص وحسن تنزيلها، مع بيان اهتمام الفقهاء بهذا الجانب في تفسير النصوص وتحقيق مناطاتها، من خلال الوقوف على مالحها المناسبة، ومن تلك التطبيقات، همُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتهديدُهُ بتحريق بيوت من تخلف عن صلاة الجماعة ([6])، ومن خلال ورود الحديث؛ فإنَّ المراد بتحريق بيوت المنافقين لاغيرهم، كما قال الشاطبي: «حديث التهديد بإحراق البيوت لمن تخلف عن صلاة الجماعة؛ فإن حديث ابن مسعود يبين أنَّه بأهل النفاق» ([7])، وقول ابن مسعود - رضي الله عنه - كما رواه مسلم ينص على ذلك: «ولقد رأيتنا وما تخلف عنها إلَّا منافق معلوم النفاق» ([8]).

وقال الشافعي: «أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ»، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْـمُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ لاَ يَسْتَطِيعُونَهُمَا»، أَوْ نَحْوُ هَذَا». قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فَيُشْبِهُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ هَمِّهِ أَنْ يُحَرِّقَ عَلَى قَوْمٍ بُيُوتَهُمْ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ فِي قَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنْ صَلاَةِ الْعِشَاءِ لِنِفَاقٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» ([9])، وقال القرافي معلقاً على الحديث: «وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى صَدْرِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ كَانَ النِّفَاقُ وَالتَّقَاعُدُ عَنِ الدِّينِ كَثِيرًا» ([10]).

(2) فقه تاريخ المسألة:

بين الكاتب أنَّ الناظر في فتاوى المتقدمين عليه أن يطلع على أحوالهم وأزمانهم؛ ليحصل له التمام في الفقه والتضلع فيه؛ وإلَّا فإنَّه قد يعتريه الخطأ في تصوير المسائل وتطبيقها.

ومن هنا أكد الفقهاء في كثير من المسائل المختلف فيها بأنَّها (اختلاف زمان لاحجة وبرهان)، وقعَّدوا قاعدة: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) ذاكرًا مع ذلك مجموعة من التطبيقات الفقهية، كلها ممَّا يؤكد على ملاحظة الفقه للزمان وحركة التاريخ؛ (لأنَّ تاريخ الفقه ليس مجرد حكاية لنشأة الفقه وتكوين مذاهبه وما آل إليه أمرُهُ، بل مشتمل في حقيقته على رصد المسيرة التأريخية لاصطلاحات الفقهاء ومسائلهم وما مرَّ بها من تغير في دلالاتها) ([11]).

(3) فقه تاريخ الفقيه:

وهو الاطلاع على سير الفقهاء والوقوف على أحوالهم وظروفهم وبيئاتهم، ومعرفة المتقدم من أقوالهم والمتأخر منها.

وقد حفلت كتب الطبقات بكثير السير عن الأئمة، وهو باب مهم وضرورة ملحة لمن أراد التفقه على أقوالهم ومذاهبهم؛ «فإن أخلاق الفقيه ومزاجه وبيئته لا بُدَّ أن تترك أثرها في فقهه، وفي الاطلاع على ذلك عون لفهم أقواله وأفعاله، والتعامل معه تعاملًا يأخذ بالحسبان أنَّه بشر لـم ينزل من السماء، بل يعتريه ما يعتري البشر فيفرح ويحزن ويغضب ويحتد ويحب ويكره» ([12])، وهذه الأحوال كلها قد تكون محددات ومؤثرات على اختيار الفقيه ونهجه وطريقة مسلكه.

ومن ذلك بيان: «التفريق بين مقامات الفقهاء من تدريس وافتاء، وقضاء، وجدل ومناضرة، فكل مقام يقتضي صورة غير التي يقتضيها المقام الآخر» ([13])، وهذا كله يفصح التاريخ عن الصورة التي كان عليها المقام.

كما أنَّ أعرف الناس بالفقهاء تلاميذهم، وقد سطروا بذلك سير أئمتهم لكن لا تخلو من تعصب.

(4) فقه تاريخ المذهب:

الوقوف على تاريخ المذاهب الفقهية ونشأتها وتحولاتها ورجالاتها هو من لوازم الفقه، وليس ذلك من قبيل الترف العلمي أو من ملح العلم، بل أساسيات مفضية إلى حسن التفقه، الذي يكشف عن طبيعة كثير من المسائل والمناهج، وتشكلها وتكوينها، وملاحظة العوامل الخارجة عن إرادة الفقيه في صياغتها وبلورتها؛ لأنَّ الفقه ليس حفظ المسائل وإتقانها بل حسن التفهم لها والاجتهاد على ضوئها وتقويمها والنظر فيها، وقياس الأشباه عليها، وطرد الشبه الدخيلة نحوها. والوقوف على المناهج المتبعة في ولادة المسائل وتجليتها.

أما الفصل الثاني فقد جاء بعنوان: (نشأة علم تأريخ الفقه ومناهج التأليف فيه).

تطرق الكاتب فيه إلى أنَّ علم تأريخ الفقه بالصورة التي عليها اليوم هو علم محدث لـم ينسج على منواله، ولـم يظهر هذا إلا بعد نشأة الكليات الشرعية حيث استُحدثت مادة (تأريخ الفقه)؛ لتكون مدخلًا ومقدمة لدراسة الفقه.

ومع هذا؛ فإنَّه العلم بتأريخ العلوم لـم يكن مستقلًا بذاته بمعنى له موضوعه وقواعد ومسائله في الفقه وغيره، ولا يعني ذلك أنَّ المتقدمين أهملوه؛ بل هو منثور في مصنفاتهم، وما يسمى في العلوم بـ (المبادئ العشرة) هي إحدى المحطات الأساسية التي تكشف عن تاريخ العلوم ومنها الفقه.

وذكر الكاتب من المصنفات التي تكشف عن هذا الفقه، هي:

(1) الكتب المعنية بذكر مناقب الأئمة.

(2) كتب تراجم الفقهاء وطبقاتهم.

(3) الكتب التي صنفها كل مذهب للانتصار لمذهبهم والذب عنها.

(4) كتب الفهارس والبرامج والأثبات والمشيخات والمعاجم.

(5) الكتب المعنية بأحوال العلوم وإحصائها وذكر أسماء الفنون والكتب ومقاصدها.

(6) الكتب والرسائل التي هي بمثابة المداخل المذهبية الخاصة مثل (رسم المفتي) لابن عابدين.

(7) الكتابات المعاصرة في تاريخ المذاهب والتشريع وما تعرف بالمداخل.

(8) حال الفقه في العصر الحديث، والمشاريع الفقهية المعاصرة.

وذكر لكل قسمٍ مجموعةً من المؤلفات التي ذكرت على ذلك المنوال، من المتقدمين والمعاصرين في المذاهب الفقهية من حيث العموم والخصوص.

وبعدها يؤكد المؤلف على أن الدراسة التأريخية ليست رصفًا للعبارات أو فراغًا يُمليء من غير ربط الأسباب بمسبباتها، والنتائج بالمقدمات لتكوين رؤية علمية فقيه رصينة تحفر عميقًا في جذور المسائل وتكوينها.

مؤكدًا على أنَّ كثيرًا من كتب تاريخ الفقه والتشريع سعت إلى تقسيم أدوار التشريع ومراحله؛ إلَّا أنَّها لـم تقم بربط كل دور بما سبقه وبيان أسباب الانتقال ومشاكلها، وإن وجدت فهي إشارات بسيطة لا تؤدي المقصود.

كما أنَّ الكُتَّاب الأوائل لهم فضل السبق، لكن من جاء بعدهم قصُرَ عن تمحيص الآراء التي سجلوها ونقد النتائج التي توصلوا إليها.

ومثل ما يتوافر العدد الكبير على نقل الصواب كذلك يكثر نقل الخطأ.

وجاء الفصل الثالث بعنوان (فوائد علم تأريخ الفقه):

«إنَّ دراسة تاريخ الفقه نافعة رحبة للتعرف على حضارة المسلمين الحقيقية؛ فإن الفقه أبرز تجليات هذه الحضارة، ولاسيما في أزمنتها الأولى يوم كانت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية تابعة للفقه، ولم يكن هو التابع لها» ([14]).

ذكر الكاتب في هذا الفصل جملة من الفوائد تؤكد أهمية هذا المسلك، منها:

(1) دراسة تاريخ الفقه سبيل إلى التعرف على العمق الحضاري لأمةٍ يشكل الفقيه هويتها وامتيازها وقانون حياتها ومادة وجودها.

(2) دراسة تاريخ الفقه سبيل لمعرفة هدي الفقهاء في ترسيخ التدين.

(3) دراسة تاريخ الفقه تورث العلم بطرائق الفقهاء في تعلمهم وتعليمهم.

(4) دراسة تاريخ الفقه تدل دلالة ظاهرة على أن الفقه كان مشروع أمة تشترك فيه بمجموعها.

(5) دراسة تاريخ الفقه تورث في نفس المتعلم حسن التفهم لنشأة المدراس الفقهية وأسباب اختلاف الفقهاء، وتوسع مداركه وتفتح آفاقه.

(6) دارسة تاريخ الفقه عون على تفهم المواقف والأحداث التي لا تفهم دون معرفة سياقها التاريخي، والاطلاع على القرائن المصاحبة لها.

(7) معرفة أقدار الفقهاء ومراتبهم وآثارهم.

(8) دراسة تاريخ الفقه معين على تجاوز النتائج والإطلاقات المرسلة دون تمعن.

(9) الاطلاع على اصطلاحات أهل العلم وفهمها بردها الى عرف زمانهم.

(10) دراسة تاريخ الفقه بأدواره المتعددة، والاطلاع على ألفاظ الفقهاء وتقسيماتهم العلمية.

(11) دراسة تاريخ الفقه تكسب الدارس القدرة على التصدي للعبث العلمي والمنهجي الذي يمارسه المستشرقون وغيرهم.

الفصل الرابع (استمداد علم تاريخ الفقه):

من المعلوم أنَّ تاريخ الفقه مركب من الفقه والتاريخ، وإغفال أحدهما خلل في دراسة هذا العلم، إنَّ العلوم التي يستمد منها علم تاريخ الفقه، منها ما هو نظر وتفكر، ومنها ما هو محل ومادة، فالأول فقه والثاني تاريخ.

وبما أنَّ العلم حديث النشأة؛ فإنَّ مباحثه مبثوثة في علوم شتى، وهي:

(1) علوم القرآن.

(2) علوم الحديث.

(3) السيرة النبوية.

(4) علم أصول الفقه.

(5) علم الفقه.

(6) كتب الفتاوى والأقضية والنوازل والمسائل والأجوبة.

(7) كتب التأريخ.

(8) كتب التراجم والطبقات.

(9) كتب الانتصار للمذهب ومناقب الأئمة.

(10) كتب البرامج والفهارس والأثبات والمعاجم والمشيخات.

ثم الخاتمة ذكر فيها الباحث شرف هذا العلم ونفعه، كما دعا المؤلف إلى تطوير هذا المصطلح (علم تاريخ الفقه) الذي يسهم بإعادة تنظيم لهيكلة العلوم الفقهية.

وأكد أنَّ علم تاريخ الفقه علم حادث بدأ التأليف فيه في أواسط القرن الرابع وأول من ألف فيه الحجوي (ت 1376 هـ).

كما أنَّ علم تاريخ الفقه من صميم تخصص الأقسام والكليات الفقهية وليس بطارئ.

ملاحظات وتعقيبات:

(1) في الفصل الثاني ذكر المؤلف أهم مواضيع علم تاريخ الفقه، منها (فقه تاريخ النص) ووسم العنوان بـ (فقه تاريخ النص) بإضافة النص إلى التاريخ هو نظر خطير؛ لأنَّه قد يفهم منه حبس النصوص تاريخيًّا، وإذا كان الكلام على تاريخ الفقه، فمن غير المناسب الكلام عن النص وتاريخه، فالنص شيء والفقه شيء، فالفقه يولد من النص، وقد يكون هذا مفيداً في التأصيل لتاريخ الفقه.

والحق أنَّ الكاتب لـم يقصد حبس النصوص تاريخيًّا، كما أنَّه لـم يُهمل ذلك الإطلاق بل عرَّج على ذلك من خلال بيان الاتجاهات الفقهية، وفي الاتجاه الثاني الذي انتقده نقل قولًا ما نصه: (القول بتأريخية النصوص القرآنية الكريمة يسوق إلى القول بإلغاء الشرائع) ([15])، لكن يبقى العنوان مشكلًا.

(2) الفصل الرابع والأخير عقده المؤلف بعنوان (استمداد علم تاريخ الفقه) أخرَّه وحقه التقديم؛ لأنَّ الكلام عن استمداد العلوم سابق في العرض على غيره من المواضيع، وحقه الفصل الثاني، ولربما للمؤلف وجهة نظر في تأخيره لم أطلع عليها.

(3) ممَّا يحسب لدقة نظر المؤلف = التسمية للكتاب بـ (تاريخ الفقه) وليس (التشريع) أولى بالاعتبار، وخروجًا من الخلاف في معنى الشريعة.

(4) هناك تكرار في بعض المواضيع منها استمداد العلم، وقد ذكر جملة من ذلك في الفصل الثاني ثم أعادها في الفصل الرابع.

(5) الكاتب قدم جملة مهمة من العلم في زوايا ضيقة من مجال التشريع وكشف عنها؛ لتكون عونا للفقيه في الاجتهاد؛ لأنَّ من الإشكالات التي أدت الى الخطأ في تصور المسائل الفقهية وتنزيلها تغييب حركة التاريخ والزمان والبيئة التي نشأة فيها تلك المسائل.

(6) مقاصد الشريعة أهم المحطات التي تسيطر على حركة الشريعة بما لا تنحدر في ماضٍ لا يُصلِحُ مستقبلًا، واستشراف مستقبل لا يستحضرُ ماضيًا، والكلام الفصل تحقيق المقاصد.

فإن عين الفقه هو ملاحظة المحل الذي ينزل فيه النص (محل النص)، وهو يعني الزمان والمكان والبيئة التي يحفظها لنا التاريخ ويخبرنا عنها.

(1) بُعدُ الدراسات الفقهية عن تاريخ نشوءها وصدورها = يعني عدم إعمال النظر في تحولات الفقه وظروفه، وهي من المحطات المهمة للفقيه؛ ولهذا: «أقام الشافعي على العربية وأيام الناس عشرين سنة، فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما أردت بهذا إلَّا الاستعانة للفقه» ([16])، وقال أيضًا: «من حفظ التاريخ زاد عقله» ([17]).

(2) خلو البحث من الكلام عن تاريخ الفقه في ظل الاستبداد وهي من المساحات الكبيرة في الفقه، وتأثيرها كبير على الموروث الفقهي؛ لأنَّ الخطاب الفقهي في ظل الاستبداد خطابًا مشوهًا لا يمثل حقيقة الإسلام، لتحكم المؤثرات الطارئة بسوقه.

(3) الممارسات الاجتهادية الفقهية، من الضرورة أن يراعي قارئُها الظرف التأريخي الذي نشأت فيه؛ حتى يتسنى الاحتكام إليها بعين الانصاف.

(4) سواء اتفقنا أنا وأنت مع مضمون الكتاب أو لا؛ فإنَّه يبقى الفخر للمُؤلِف أنه طرقَ بابًا مهمًا ومناسبًا، في المنظومة الفقهية، وهنا تتشكل أهمية المؤلَف.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.

 

 

 



([1]) «فقه تاريخ الفقه»، (ص/ 9).

([2]) «فقه تاريخ الفقه»، (ص/ 10).

([3]) «مناقب الشافعي» للبيهقي، (1/ 499).

([4]) «فقه تاريخ الفقه»، (ص/ 12).

([5]) «فقه تاريخ الفقه»، (ص/ 20).         

([6]) «صحيح البخاري»، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، (رقم/ 644).

([7]) «الموافقات في أصول الفقه»، دراز، (2/ 99).

([8]) «صحيح مسلم»، كتاب المساجد، باب صلاة الجماعة، (رقم/ 654).

([9]) «الأم» للشافعي، (ط. دار الوفاء)، (2/ 291).

([10]) «الذخيرة» للقرافي، (2/ 268).

([11]) «فقه تاريخ الفقه»، (ص/ 41).

([12]) «فقه تاريخ الفقه»، (ص/ 45).

([13]) المصدر نفسه.

([14]) «فقه تاريخ الفقه»، (ص/ 106).

([15]) «فقه تاريخ الفقه»، (ص/ 38).

([16]) «مناقب الشافعي» للبيهقي، (1/ 499).

([17]) «السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة»، (1/ 3).



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة