اللص والكـلاب لنجـيب محفــوظ

د. محمد سيد أحمد متولي
3/13/2017

اللص والكـلاب لنجـيب محفــوظ

تفـرد البنية وعمــق الدلالة

د. محمد سيد أحمد متولي

يُجْمِعُ نقاد الأدب على أن رواية «اللص والكلاب» كانت نقطة تحول كبرى في مسيرة نجيب محفوظ الروائية. فقد كانت رواياته الأولى تجنح نحو التاريخية والواقعية، ورصد طبيعة الحياة في المجتمع والتعبير المباشر عن قضاياه، وكانت تعنى بالوصف الخارجي التفصيلي للشخصيات والأحداث والأماكن. ثم ظهرت مرحلة جديدة من الكتابة بدأت بنشر هذه الرواية «اللص والكلاب»، غلب عليه فيها البعد عن التصوير المباشر للمجتمع، والرصد الحرفي الفوتوغرافي للواقع، وتحول النص إلى معادل رمزي لهذا الواقع.

وقد كان هذا الاتجاه الجديد، الذي بدأه نجيب محفوظ بعد خمس سنوات من التوقف عن الكتابة، ثورة جذرية على الواقعية، فبدلا من تمثيل العالم تمثيلا موضوعيا واقعيا، يقوم المؤلف بالتعبير عن تجربته الباطنية بتمثيل العالم، كما يبدو لعقله أو عقل إحدى شخصياته التي تكون عاطفية أو مضطربة أو شاذة، وهو لا يلتزم بالعلاقات الطبيعية التي يقرها منطق الواقع بين الأشياء، ولا يعنى كثيرا بالمجالين الزماني والمكاني للأحداث الروائية، على نحو ما يعنى بهما الكاتب الواقعي. وقد ألمح نجيب محفوظ نفسه إلى سمات هذا الاتجاه الجديد في فنه بقوله: «أما حين بدأت الأفكار والإحساس بها يشغلني لم تعد البيئة هنا، ولا الأشخاص، ولا الأحداث مطلوبة لذاتها. الشخصية صارت أشبه بالديكور الحديث، والأحداث يعتمد في اختيارها على بلورة الأفكار الرئيسية».([1])

وإذا كانت طبيعة روايات نجيب محفوظ الأولى، قد أغرت النقاد والكتاب بتقديمها إلى القراء تقديما مباشرا، فإن نمطا آخر من القراءة النقدية قد نشأ مع بداية هذه المرحلة الجديدة من أدب نجيب محفوظ، نمط يستخلص الأفكار والمعاني من التشكيل الجمالي للعمل الروائي، ومن طبيعة بنائه المتفردة، وليس مما يرويه من وقائع وأحداث.([2]) وقد كانت «اللص والكلاب» بداية هذه المرحلة التي طرح نجيب محفوظ فيها جميع المعضلات الوجودية الكبرى التي تواجه الأفراد والجماعات والمجتمعات في التاريخ البشري كله، ولقد تبدت هذه المعضلات في ثنائيات: الموت والحياة، والظلم والعدل، والشقاء والسعادة، الحرية والقمع، وغيرها.([3])

وقد عَبّر يحيى حقي عن رؤيته لهذا التحول الذي أحدثته اللص والكلاب في مسار الرواية العربية في مقالته الشهيرة «الاستاتيكية والديناميكية في أدب نجيب محفوظ»، جاعلاً من «اللص والكلاب» نموذجًا عبقريًّا لما أسماه «الديناميكية». وكان من أخص خصائص الديناميكية التي رصدها يحيى حقي في «اللص والكلاب»، ذلك الانفعال الذي يتبدى في النص كله، بدءًا من عنوان الرواية، وانتهاء بالصور والمفردات والأبنية اللغوية التي ينطق بها الراوي وتنطق بها الشخصيات.([4])

وتظهر ملامح التجديد في رواية «اللص والكلاب» أولا في اختلاف بنية العنوان ودلالته عما سبق من روايات نجيب محفوظ، فقد كانت عناوين أغلب رواياته في المرحلة الأولى أسماء أماكن في خريطة القاهرة: «زقاق المدق»، و«خان الخليلي»، و«بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية»، وهي عناوين معمارية، كائنات جامدة توحي لنا بأنها تكره الانفعال،([5]) أما هذا العنوان «اللص والكلاب» فباد فيه الانفعال، وهو ينبض بصراع محتدم موار، يشعر القارئ معه أنه مهيأ لخوض صراع عنيف، كما أنك تجد فيه خلاصة رموز العمل كلها، فوراء كل كلمة من الكلمتين أكثر من معنى واحد محتمل.([6])

وتختلف بداية هذه الرواية كذلك عن نمط البداية التقليدية في رواياته، فبينما نجده في رواياته الأولى يسرف في الوصف التفصيلي الدقيق المتأني لمشهد المكان، ورسم الشخصيات، نجده يخالف عن ذلك في هذه الرواية فيبدأها «بداية سريعة لاهثة، توظف منذ الوهلة الأولى اللوحات الفنية المتتابعة لتقدم الجو الذي ستتحرك فيه الأحداث والشخصيات دون إبطاء»([7]) حيث تبدأ الرواية باصطفاق باب السجن مغلقا خلف سعيد مهران، فهل الحياة في الخارج أرحب منها في السجن؟ إن سعيد مهران هو الإنسان، وقد نزل إلى الحياة، وستبدأ متاعبه منذ هذه اللحظة، وأسباب هذه المتاعب كثيرة، بعضها ينتمي إلى الماضي، وكثير منها ينتمي إلى الحاضر والمستقبل، وستجرحه ساعات الحياة حتى تأتي الساعة الأخيرة فتكون قاتلة.

خرج سعيد مهران من السجن، بعد أربع سنوات، لكن حسابا قديما مع بعض الغرماء، يريد أن يصفيه بسرعة، لقد خانه وأنكره أقرب الناس إليه. خانه عليش سدرة أحد رجاله الذين اعتمد عليهم في جرائم سطوه ولصوصيته، وغدر به حتى وقع في قبضة رجال الأمن، وخانته زوجته نبوية التي قطعت علاقتها الزوجية منه أثناء حبسه، وتزوجت من عليش، وأنكره بعد خروجه من السجن أستاذه رءوف علوان الذي غرس فيه حب اللصوصية والسرقة منذ الصغر. خرج سعيد مهران مشحونا بالغيظ والألم، مطاردا بفكرة الانتقام من أعدائه الخونة الكلاب. ولما أراد رؤية ابنته لم تعرفه، فقد كان تركها صغيرة، فلما رأته أنكرته وفزعت منه، ولاذت تحتمي بصدر عدوه، زوج أمها عليش، فالتهمتها روحه، لكن قلبه انكسر حتى لم يبق فيه إلا شعور بالضياع.

هذه النفس الموارة بالغيظ والحنق والرغبة الجامحة في الانتقام، كانت تتردد على مدار الرواية بين جذب قطبين تحاول عبثا أن تجد عندهما الملاذ والراحة. الأول هو الشيخ على الجنيدي، وهو شيخ صوفي فقير لجأ إليه سعيد مهران فور خروجه من السجن وحاول أن يجد في بابه المفتوح أنس نفسه وملاذه الروحي، «لكن كل الدلائل تشير إلى أن بينه وبين الأبواب المفتوحة الحقيقية –أبواب الهداية- ألف جدار سميك، وألف باب مغلق».([8]) وأما القطب الآخر فهو شخصية المومس «نور» التي جعل منها نجيب محفوظ بصيص الأمل الوحيد الذي يختلج وسط هذا الظلام الحلك. فقد كانت تحبه، وكان بارد الشعور تجاه هذا الحب، بيد أن عيشه معها في بيتها أسكن حبها في قلبه، وحين نوى أن يعلن لها حبه اختفت بصورة غامضة. ورمزيتها على هذا النحو واضحة فهي شيء أشبه ما يكون بنور الخير، وسط غابة ظلماء لا مكان فيها إلا للصوص والكلاب. نور هي النور الوحيد في حياة سعيد مهران، ولكنه كذلك نور بعيد شاحب، نور زائف، زيفه من زيف هذه البغي، التي تستطيع أن تجمع في وقت واحد بين معاني الحب والتضحية وبين بيع الهوي كروتين يومي لا يدخل في اختصاص علم الأخلاق. وقد أطفأه نجيب محفوظ حين جعلها تختفي فجأة.([9])

وهكذا تجتمع صروف الدهر كلها فوق رأس سعيد مهران، فيعقد عزمه على مواجهة الشر بالشر. شهر مسدسه ليقتل نبوية وعليش، فطاشت رصاصاته وقتلت مجهولا بريئا. وقصد قصر رءوف علوان ليقتله، فطاشت رصاصاته وقتلت خادما بالقصر! لقد نجا الخونة «الكلاب»، وسعت الشرطة مستعينة بـ«الكلاب» المدربة للقبض عليه، ونشطت في مطاردته حتى صرعته رصاصاتها في الظلام بين القبور.

بناء النص وتشكيل الدلالة

يتضح عند قراءة رواية «اللص والكلاب» أن الرواية العربية لم تعد بناء من الأحداث متصاعدا، أو امتداد طوليا في الزمن، أو نمطا خطيا نصحب فيه الأبطال من نقطة بداية ثم نسير معهم كما يسير الزمن بهم، حتى نصل إلى نهاية، وإنما هي بنية دينامية متحركة، كأنها بركان ثائر على وشك انفجار، اعتمد نجيب محفوظ فيها عددا من التقنيات، ساعدته بمهارة على تقديم الفكرة التي أراد توصيلها.

فإمعانا في إذكاء الصراع المحتدم في نفس بطل الرواية وفي أحداثها اعتمد نجيب محفوظ على بنية التناقض أو «أسلوب التقابل» الذي يخلق التوتر الفني القائم على رؤية المتناقضات في مجال إنساني واحد. فنحن نرى هذا التقابل المتوتر في البداية في موقف سعيد مهران نفسه، فهو يكظم مشاعره الحقيقية بعد خروجه من السجن، متظاهرا أنه يريد أن «يتفاهم»، في حين تعمل هذه المشاعرفي اتجاه معاكس على طول الخط. وقد عمد نجيب محفوظ إلى إظاهر هذا التقابل الحاد عن طريق تبسيط الحوار وحيدته إلى أبعد حد حين يدور بين سعيد مهران من جهة، وغريمه الأول عليش سدرة وأعوانه والمخبر من جهة أخرى، ثم تكثيفه إلى أبعد حد إذا ارتد «مونولوجا» داخليا بين سعيد مهران وبين نفسه، ليعلن عن مشاعره الحقيقية الملتهبة، فيمهد بذلك الطريق الذي يشير إلى المسار الذي ستتبعه الأحداث. هذا التقابل يجمع الهدوء والحكمة والمنطق كله إلى جانب الحوار الخارجي، في حين يجمع الصراحة كلها والغيظ والحنق والاندفاع كله، إلى جانب الغليان الداخلي.([10])

ويعتمد نجيب محفوظ في تأجيج الصراع كذلك على «تيار الوعي»، ويُقصد به تسجيل الانطباعات بالترتيب الذي تقع به على الذهن، متجاوزا في ذلك منطق الواقع الخارجي، الذي يخضع ترتيب الأحداث فيه لعاملي الزمان والمكان. وهذا الأسلوب هو البؤرة التي نرى من خلالها الأحداث، وهو القرار الذي تلتقي عنده أحاسيس سعيد مهران، إحساسه بمدى فداحة الإساءة التي وجهت إليه، وإحساسه بمدى عدالة الانتقام. يمتد تيار الشعور في فيض متصل يجمع الماضي والحاضر، ويشير في الوقت نفسه إلى المستقبل.

وبالاعتماد على هذه التقنية أسلم الكاتب مجرى الأحداث للبطل، يروح في الزمن ويجيء، ينتقل إلى الأمام وإلى الوراء كيف يشاء، ولم يكن يتدخل إلا بالقدر الضروري، وفي أضيق الحدود الممكنة، فهو يتدخل ليقودنا في جملة أو جملتين؛ ثم يسلمنا إلى شعور سعيد مهران، وحين يفعل ذلك يختفي تماما ثم يظهر من جديد حين تدعو إلى ذلك الضروة، كأن يصور لنا حدثا خارجيا قائما بذاته، مستقلا عن الشعور. وفي الحالتين، حين يقودنا إلى شعور بطله أو حين يصور هذا الحدث المستقل، لا تنحرف الزاوية التي ينظر منها عن الزاوية التي ينظر منها بطله إلا شيئا يسيرا، ثم لا تلبث تتداخل معها وتختلط علينا حتى تكاد تتطابق، وكأن وجهة النظر واحدة، هي وجهة نظر سعيد مهران.([11])

وبينما نرقب مجرى الشعور وهو يتدفق من صورة إلى صورة مشابهة، أو أخرى مناقضة، إذا بنا نلحظ أحيانا أن الشخصية وهي تفكر تستخدم ضمير المتكلم، وتبدو وكأنها تفترض وجود سامع. وقد أدرك نجيب محفوظ بحاسته الفنية المرهفة مرونة هذا الحديث النفسي الذي يفترض وجود سامع إذ إنها تتسم بالوضوح، وتنقل أحساسيس وأفكارا بعينها لها علاقة بالقصة وتخدم بناء الحدث.

وتتسم «اللص والكلاب» بالإيجاز الشديد الذي بفضله تفيض الدلالة على الحادثة، وهذا الفائض هو المجال الذي تتجلي فيه للمؤلف نظرة فلسفية ترفع الحدوتة إلى مقام التعبير الفني المخلف لأثر صادق وعميق. إنك تحس، بسبب انفعال المؤلف، أن الألفاظ قد انصهرت هي الأخرى في بوتقة، فأصبحت الصلة بعيدة بينها وبين هيئتها في القاموس، اكتسبت شحنات وأطيافا عديدة لم نكن نظن أنها قادرة عليها – ألفاظ مجنحة منطلقة استثيرت من جموحها ومهاجعها، قامت تنفض عنها التراب ليدب فيها عنفوان الحياة.([12])

وووفقا لهذا البناء الطريف، وتلك التقنيات والوسائل التعبيرية التي تجلت في «اللص والكلاب»، يتضح أن الدلالة أضخم بكثير من الحادثة، فالحادثة ليست إلا تُكأة يتخذها نجيب لعرض فلسفته ونظرته للحياة، للكشف عن التباين والاختلاف بين القيم في ذاتها وفي حكم الناس، عن الصراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين المؤقت والأبدي، عن التضاد بين النية والعمل، والوجه والقناع، عن الصراع بين الفرد وذاته، وبينه وبين المجتمع، عن الفروق بين لغة أهل الدنيا ولغة أهل الآخرة.([13])

 اللص والكلاب بين الحتمية القدرية، والعدالة، والحرية

تتباين رؤى النقاد حول الفكرة التي تطرحها الرواية، فمنهم من رأي أن كل الأفعال وردود الأفعال المحركة في الرواية إنما كانت من الناحية الفلسفية قدرا محتوما. وهذه الحتمية القدرية هي المحرك الرئيسي لأفعال سعيد مهران([14])، ومنهم من يرفض هذا ويرى أن الذي صرع سعيد مهران هو شر نفسه، أما رصاصات الشرطة –التي صرعته فعلا- فقد كانت قصاصا عادلا؛ لأن الأشرار وإن حاولوا تدمير سعيد مهران، وحققوا من محاولتهم بالخيانة والإنكار درجات، وحاول هو قتل الأعداء فقتل الأبرياء، فمحاولتهم ناقصة ومحاولته تامة، وشره أعظم من شرهم. فعل ذلك وكان يسعه المقاومة باستنفار قوى الخَيِّرين لمساعدته، أو اللجوء إلى القانون! أما مواجهة الشر بالشر، فهي مطلق الشر.([15])

والحق أن هذا الرأي الأخير له وجاهته، فهو سعي جميل نحو الكمال والمثالية، لكنه أغفل حال الفوران الذي يعتمل في نفس سعيد مهران، فهو رجل موتور، وهو صاحب نفس بشرية ألهمت فجورها وتقواها، فغلب الفجور على التقوى وتغلب الطين على النور، ويمكن أن يلتمس له في ما أقدم عليه من أعمال، من غير إقرار له بها، ألف عذر، لهول ما رأى. والقول باللجوء إلى القانون في هذه الحال هو من المثالية المفرطة كذلك، إذ ما معنى أن يعاقب سعيد مهران باعتباره خارجا عن القانون، ويترك عليش سدرة ونبوية ورءوف علون تحت حماية القانون؟ والحق أن هذا سؤال جوهري ينبغي أن يطرح في هذا الإطار. فالمغزى الكامن فيه مغزى أخلاقي اجتماعي واقعي تجريدي في آن واحد. وليس معنى هذا –على سبيل القطع- التماس العذر لسعيد مهران، أو التهوين من شأن خطورته اجتماعيا وأخلاقيا، وإنما معناه لفت النظر إلى أن جوهر العدل، والأمانة، وتكافؤ الفرص جوهر كلي متكامل، لا يحقق هدفه إلا إذا طبق على نحو، متكامل، وأن عدالة الميزان الاجتماعي والأخلاقي مسألة دقيقة كل الدقة، ولا يفيد في ضبطها أنها متوازنة أشد التوازن شكلا، في حين هي مختلة أبشع الاختلال في واقع الأمر».([16])

لقد فعل سعيد مهران كل ما فعله لفرط ما يجد في نفسه من مرارة اختلال ميزان العدل، وقد كان سنده الخلقي الذي يأوي إليه في إقدامه على ارتكاب ما ارتكب هو اعتقاده أن الحق كان دائما معه. وهو لا يتخلى عن ذلك، ويبقى متمسكا به إلى قرب النهاية: «ولكني واثق من أنني على حق».([17]) وهو يرى أن الذنب في كل ما حدث لم يكن ذنبه، وأنه قد دفع إلى ارتكاب ما ارتكب. إن ميزان العدل في نظره مختل أبدا، ذلك الميزان الذي يطارده باعتباره لصا، في حين يترك اللصوص الحقيقيون طلقاء. ويبدو أنه يتبني -وهو الإنسان المثقف- وجهة نظر قائمة على التفريق بين نوعين من الخطأ، خطأ «اللصوص» وأخطاؤه هو من هذا النوع، وخطأ «الكلاب» الذين يصدق عليهم ما سبق ذكره من الكلام على الذين ينقضون على القانون دون أن يقعوا تحت طائلته. وهو – علاوة على ذلك- يحس بأن مشاعر الناس معه، ويعبر عن هذا الإحساس أكثر من مرة: «أكثرية شعبنا لا تخاف اللصوص ولا تكرههم... ولكنهم بالفطرة يكرهون الكلاب». «الناس معي عدا اللصوص الحقيقيين».([18])

إن سعيد مهران ليس لصا عاديا مغامرا كما يبدو للنظرة العجلى، ولكنه، بسبب ما تعرض له من الخيانة، كان ثائرا على الخيانة، وعلى الفساد بكل صوره، وعلى المجتمع الذي يسمح بقيام هذه الخيانة ويحضتنها، ويحميها! ولإن سعيد مهران كان وحيدا فلم ينجح في إقامة جسر بينه وبين الجماهير العاطفة عليه، ولأنه لم يستطع أن ينظم ثورته على الفساد ويخطط لها فقد كان مصيرها الفشل وكان مصيره السقوط قتيلاً!! إن هذا الثائر الباحث عن الانتقام ينتكس وتطيش رصاصاته وتخيب كل مساعيه، ولكنه يظل حتى آخر لحظة شجاعا مقداما يخلف في النفس -رغم جرائمه الفاشلة- إحساسا عميقا بالإعجاب ببطولته ومقاومته للخونة والانتهازيين حتى لكأني به -وهو اللّص القاتل- يموت ميتة الشهداء.([19])

والحق أن النهاية المأساوية التي انتهى إليها سعيد مهران إنما هي بسبب من الظروف الاجتماعية الفاسدة التي أحاطت به وأحكمت قبضتها عليه، فنجيب محفوظ يحرص على أن يشير بأصبع الاتهام إلى المجتمع، فهو وحده المسؤول عن جريمة سعيد مهران وهو العامل الأساسي الذي دفعه إلى التهور والجنون وارتكاب الحماقة وراء الأخرى، فالمجرم عند نجيب محفوظ لم يخلق مجرما بل يفرض عليه المجتمع أن يسلك هذا الطريق الوعر المحفوف بالآلام والرعب والمخاطر.

لقد حاول اللص سعيد مهران تحقيق العدالة، وظن أن الخلاص من الظلم إنما يكون بالهدم والفوضوي، والمسدس، لكن القدر كان يقف في سخرية مريرة إلي جانب الكلاب، ففر اللص كالفريسة وقد خابت كل آماله في تطهير الدنيا من الخونة والكلاب. ثم طاردته الكلاب الحقيقية، وصرعته رصاصات الشرطة في المقابر! تلك المقابر التي هي رمز للدنيا كلها، أو هي «الأرض الخراب» التي يحدثنا عنها الشعراء في شعرهم الحزين. وهكذا تظل رواية «اللص والكلاب» بطرافة بنائها وعمق فكرتها صفعة قوية على وجه المجتمع.



([1]) شفيع السيد، اتجاهات الرواية العربية في مصر، 225 - 226.

([2]) ينظر: عبد المنعم تليمة، حرية الفرد وحرية الجماعة، قراءة ثانية في رواية اللص والكلاب، القاهرة: مجلة الهلال، ع2، فبراير 1998، ص 97.

([3]) ينظر: السابق، ص 98.

([4]) ينظر: خيري دومة، ضمير المخاطب في اللص والكلاب، دراما الغضب والنقمة، جريدة «الاتحاد» الإماراتية، الخميس 17 سبتمبر 2015. وينظر كذلك: يحيى حقي، «الاستاتيكية والديناميكية في أدب نجيب محفوظ» ضمن كتاب «عطر الأحباب»، القاهرة: نهضة مصر، 2008، ص 69 وما بعدها.

([5]) يحيى حقي، عطر الأحباب، القاهرة: نهضة مصر، 2008، ص 71.

([6]) السابق، ص 109.

([7]) محمود الربيعي، قراءة الرواية، ص 17.

([8]) محمود الربيعي، قراءة الرواية، ص 19.

([9]) ينظر: لويس عوض، اللص والكلاب، ضمن كتاب «نجيب محفوظ إبداع نصف قرن»، إعداد وتقديم غالي شكري، القاهرة: دار الشروق، 1989، ص 105 – 106.

([10]) محمود الربيعي، ص 17 – 18.

([11]) لطيفة الزيات، نجيب محفوظ: الصورة والمثال، ص 18.

([12]) يحيى حقي، عطر الأحباب، ص113 – 114.

([13]) السابق، ص 111 – 112.

([14]) رشاد رشدي، «مقالات في النقد الأدبي»، دار الجيل للطباعة، 1962، ص 156 – 166.

([15]) عبد المنعم تليمة، «حرية الفرد وحرية الجماعة – قراءة ثانية رواية اللص والكلاب»، مجلة الهلال، العدد 2 ، فبراير 1998، ص 103.

([16]) محمود الربيعي، ص 29 – 30.

([17]) نجيب محفوظ، اللص والكلاب، ص 165.

([18]) محمود الربيعي، ص 30 – 31.

([19]) ينظر: فؤاد دوارة، نجيب محفوظ من القومية إلى العالمية، ص 40 – 42.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة