العنوان في الرواية العربية .. الرمز والأبعاد الثقافية

د. محمد سيد أحمد متولي
3/13/2017

العنوان في الرواية العربية .. الرمز والأبعاد الثقافية

د. محمد سيد أحمد متولي

الأدب في بعض مفاهيمه هو التعبير عن المجتمع، وتعد الرواية اليوم أقدر الأجناس الأدبية على رصد متغيرات الواقع بكل تفاصيله ودقائقه. وقد شهدت مصر والعالم العربي تغيرا كبيرا في مختلف أنشطة الحياة في حقبة الستينيات من القرن الماضي وما تلاها. بسبب التفكك الشديد الذي ضرب المجتمع، وخلف فيه شعورا شديدا بالإحباط واليأس لم يكن الأدباء والكتاب بمنأى عنه. فهم مرآة المجتمع؛ يعكسون آماله وآلامه ويرصدون كل ما يطرأ عليه من أحداث. ويعبرون عن ثقافته والعلاقات بين أفراده وعلاقة السلطة بالمحكومين فيه.

 ولم يتجل أثر المجتمع والظروف المحيطة في الموضوعات والقضايا التي تعاجلها الرواية فحسب، وإنما ظهر في تقنيات الكتابة كذلك. ومن بين الدلائل على ذلك اختلاف أنماط العناوين في الرواية من حقبة إلى أخرى. ليمثل بذلك مجلى لطبيعة الحياة هذه الحقبة أو تلك. وإذا كان مجتمعنا العربي الحديث حافلا بالقضايا والصراعات الاجتماعية والفكرية والسياسية، فإن الرواية العربية تكشف عن هذه القضايا كلها في جلاء وبحرفية عالية اكتسبها الأدباء بعد أن بلغ هذا الجنس الأدبي الوافد طور النضج، بطول العشرة والممارسة في البيئة العربية في حقبة الستينيات وما تلاها بخاصة، فيما يعرف بزمن الحداثة أو عصر «الرواية الجديدة». وقد بلغ الاهتمام بالعنوان حدا كبيرا يكشف عن جهد يكاد يوازي الجهد المبذول في صياغة العمل الروائي نفسه. وإذا كانت الرواية تهدف إلى الكشف عن بنية بعينها، يستخلصها القارئ بعد الفراغ من القراءة، فإن العنوان يضع يد القارئ على هذه الدلالة في شيء من التكثيف والتركيز دفعة واحدة.

بينما نجد عناوين روايات العقود الأولى من عمر الفن الروائي العربي بسيطة في بنائها ومباشرة في دلالتها، ويغلب عليها أسماء الشخصيات والأماكن، فإننا نلحظ أن أنماط هذه العناوين قد تغيرت في النصف الثاني من القرن العشرين تبعا لتغير بنية الرواية بعامة، من حيث جنوحها إلى التجريب والمغامرة في الشكل. فأصبح العنوان أكثر غموضا من ناحية الدلالة وأشد تعقيدا من ناحية البناء. وإن كان هذا لا ينفي استمرار جهاز العنونة القديم في عمله، جنبا إلى جنب مع هذه الأنماط الجديدة من العناوين.

لقد نظر الروائيون المحدثون إلى العنوان الذي يدل على محتوى الرواية دلالة مباشرة على أنه نمط قديم، ومن ثم فإن عنوانات روايات «الحساسية الجديدة» كثيرا ما جنحت إلى المجازية والرمزية والمراوغة، فأصبح العنوان غامضا مضللا إشكاليا ومثيرا للجدل، ويحمل كثيرا من الإشارات والأبعاد الثقافية المتعددة، وينفتح على احتمالات كثيرة من التفسير والتأويل، ويقوم بدور الرمز الاستعاري المكثف لدلالات النص.

ولا يمكن القارئ أن يهتدي إلى دلالة العنوان إلا بعد أن يقطع شوطا عظيما في قراءة الرواية أو يتمها فيقف على الأسرار المختبئة في زوايا السرد. وعندئذ يقارن بين انطباعه الأولي والمعنى الروائي الذي استحصد في نهاية المطاف، بعد الوقوف على البنية العميقة للرواية.

ولما كان المجتمع العربي بعامة، والمجتمع المصري بخاصة يرزح تحت وطأة متغيرات كثيرة، كان لها أعظم الأثر في بنيته الثقافية، فقد اضطر الكتاب إلى اتخاذ حيل وتقنيات للتعبير عن أنفسهم، فلجأوا إلى الرمز لمعالجة كثير من قضاياهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية وغيرها. وأغلب هذه القضايا يدور في فلك الدعوة الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وينعى على مقابلاتها! وستعالج هذه الورقة بعض الأبعاد الثقافية التي استخدم الرمز للتعبير عنها.

1- رمزية العنوان والأبعاد السياسية:

في حقبة الستينيات وما تلاها عانى بعض الكتاب من الرقابة الشديدة على الإصدارات، فقد كان يُخشى من الفنانين والكتاب والأدباء والشعراء والروائيين الذين يعملون على إيقاظ العقول وتبصيرها، وبث روح الرفض في نفوس أصحابها. ومن ثم فقد تم التضييق على حرية التعبير. فتعين على الكتاب والمؤلفين أن يخفوا رسائلهم التي يريدون توصيلها بإلباسها ثوب الرمز؛ لإخفائها عن أعين الرقباء، إذ ربما أدت المباشرة والوضوح في النقد إلى مصادرة الكتاب قبل وصوله إلى أيدي الناس.

وقد اختار كثير من الروائيين المصريين لرواياتهم السياسية عناوين رمزية تفتح آفاقا رحبة للتفسير والتأويل. ويمكن ملاحظة ذلك في عناوين كثيرة مثل «تلك الرائحة» و«اللجنة» لصنع الله إبراهيم، و«السقف» لفؤاد قنديل، و«السائرون نياما» لسعد مكاوي و«البيات الشتوي» ليوسف القعيد وغيرها.

ففي رواية «تلك الرائحة»، وهي أول رواية كتبها صنع الله إبراهيم. كتبها عام 1964، بعد الإفراج عنه من خمس سنوات من الاعتقال بسبب نشاطه السياسي. ونشرت عام 1966 بمقدمة ليوسف إدريس، لكنها لم يتح لها أن تصل إلى القراء، لأن الرقابة اعترضت عليها واستصدرت قرارا من السلطات الإدارية بمصادرتها، فصودرت لمدة عشر سنوات. وقد كانت هذه الرواية القصيرة هي أول عمل أدبي تتم مصادرته بعد «المعذبون في الأرض»، 1948، لطه حسين، فقد تمت مصادرتها من قبل القصر الملكي في عام 1950.

يشكل العنوان «تلك الرائحة»([1]) جملة ناقصة مكونة من اسم إشارة للمفرد المؤنث البعيد، ومبتدأ بلا خبر، ومجيء العنوان جملة ناقصة على هذا النحو يثير التساؤل بغية الوصول إلى تمام المعنى. فهي جملة خطابية تشير إلى رائحة بعينها معرفة مقصودة، لكنها غير منصوص على نوعها أهي رائحة طيبة أم غير طيبة؟! ولعل هذا ما يَجْبَهُ المتلقى خالي الذهن عند مواجهة هذا العنوان للوهلة الأولى، ما هذه الرائحة؟ وما مصدرها؟ وهل هي رائحة طيبة أم خبيثة؟ بل إن هذا ما حدث بالفعل فيما يرويه صنع الله إبراهيم كاتب الرواية من أنه ذهب بنسخة منها إلى الأديب الكبير يحيى حقي، يقول: «فتناولها مني بحفاوة بالغة وبعد أن تبين العنوان قال مجاملا، إن الغرفة أوشكت أن تعبق بالعبير الزكي الذي يفوح منها!».([2]) لكن القارئ لا يمكنه أن يتعرف على كنه هذه الرائحة حتى يشرع في قراءة الرواية.

إذا ما مضينا في قراءة الرواية مدفوعين بهذا التساؤل عن ماهية تلك الرائحة، ورحنا نتتبع مواطن ورود هذه الكلمة في الرواية، فإننا نجد لفظ «الرائحة» في متن الرواية ثلاث مرات، في مواقف محددة:

- «وكنت متعبا وأريد أن أذهب إلى دورة المياه. وأطلقت من ظهري رائحة شمتها الطفلة وقالت: رائحة كاكا. وتجاهلت الأمر. لكنها عادت تردد: رائحة كاكا. فجعلت أتشمم حولي وأقول لها أين حتى اختفت الرائحة».([3])

- «وجاءت أختى وقالت المجاري في البلد طافحة».([4])

- «ومضيت في اتجاه شارع سليمان، ثم سرت فيه حتى الميدان. وكانت مياه المجاري تملأ الأرض. والمضخات منصوبة في كل مكان تحملها من داخل الحوانيت إلى الشوارع. وكانت الرائحة لا تطاق».([5])

وتكشف هذه المواطن كلها عن أن الرائحة الواردة في الرواية وفي عنوانها هي رائحة كريهة قبيحة على الحقيقة والمجاز. إذ لو رحنا نتلمس دلالة العنوان على محتوى الرواية لوجدناها دلالة رمزية خالصة على استشراء الفساد والقمع وقهر السلطة والاستغلال والتطلع الرأسمالي، واختلال القيم في المجتمع([6])، حيث تبدأ الرواية بخروج بطلها من السجن بعد فترة من الاعتقال السياسي ثم يعاد إليه مرة أخرى لأنه لم يجد أحدا من أهله أو أصدقائه ليستقبله، وما إن يخرج مرة أخرى حتى يحاصر في حجرته في مصر الجديدة تحت وطأة المراقبة حيث يأتيه الشرطي كل يوم قبيل المساء «للتتميم» عليه والتأكد من وجوده. ويصف لنا عبر صفحات الرواية مواقف مُرة قاساها هو وأصدقاؤه في السجن، يقول مصورا لحظة الوصول إلى السجن:«وعندما وصلنا كان ذلك في الفجر. وأنزلونا بالعصي وجلسنا على الأرض. وكنا نرتعش من البرد والرهبة».([7]) ولا يفتأ يبين في أثناء الرواية سخطه على الأوضاع الاجتماعية والسياسية وما تردى إليه الحال «إني أشعر أني عجوز نادرا ما أبتسم أو أضحك، كل الناس أراهم في الشارع وفي المترو متجهمين دون ابتسام. ولأي شيء نفرح؟»([8]) «وأخيرا ركبت المترو. وتوقف السائق في الطريق ليضع قطعة من أفيون في فمه ويشرب الشاي. وفكرت أنه محظوظ فقد وجد طريقة يستعين بها على مواجهة الحياة».([9])

وهو إذ يعمد إلى تعرية الواقع على هذا النحو المر، يقرأ مقالا لموباسان جاء فيه «إن الفنان يجب أن يخلق عالما أكثر جمالا وبساطة من عالمنا. وقال إن الأدب يجب أن يكون متفائلا نابضا بأجمل المشاعر».([10]) لعله يذكر هذه المقولة في معرض الرفض والسخرية، ويؤكد ذلك ما ذكره في مقدمة هذه الطبعة من الرواية في معرض رده على النقد اللاذع الذي وجهه له يحيى حقي حيث يقول المؤلف «ألا يتطلب الأمر قليلا من القبح للتعبير عن القبح في سلوك فسيولوجي من قبيل ضرب شخص أعزل حتى الموت ووضع منفاخ في شرجه، وسلك كهربائي في فتحته التناسلية؟، وكل ذلك لأنه عبر عن رأي مخالف أو دافع عن حريته أو هويته الوطنية؟ ولماذا يتعين علينا عندما نكتب ألا نتحدث إلا عن جمال الزهور وروعة عبقها، بينما الخراء يملأ الشوارع ومياه الصرف الملوثة تغطي الأرض، والجميع يشمون الرائحة النتنة ويشتكون منها؟ أو أن نصور على الورق شخصيات أوشكت أن تختفي فتحاتها التناسلية، كي لا نخدش حياء كاذبا لدى قراء يعرفون عن أمور الجنس أكثر مما يعرف السيد الكاتب؟».([11])

وتجدر الإشارة إلى أن يوسف إدريس ذكر في تقدمته للرواية أنه قرأها حين تسلمها من صنع الله إبراهيم في جلسة واحدة «كنت خلالها كثيرا ما أسخط على الكاتب وكثيرا ما أفتقد صنع الله إبراهيم وكثيرا ما أحس أنه يريد وكأنما بصبر أيوب أن يؤلم القارئ ويؤذيه»([12]) ويصف صنع الله إبراهيم في هذه الرواية بقوله: «هنا أصبح صنع الله مُرا، ليست مرارة حاقدة، ولكنها مرارة من يريد أن يتخلص، ويتخلص قراؤه، من كل شعور بالمرارة، صريحا في أهدافه القصيرة، صريحا إلى درجة اشمأزت نفسي فيها من بعض تعبيراته».([13])

والحق أن هذه الأحداث وتلك الصياغة التي تثير الغثيان وتبعث على الاشمئزاز في مواطن كثيرة من الرواية لم تكن إلا محاولة للاستشفاء، ببقر بطن المجتمع الموبوء عسى أن يتخلص من آفاته وأدوائه، وقد تم اختزال ذلك كله في العنوان الرامز للرواية "تلك الرائحة".

ومن الروايات التي وظفت طاقة الرمز كذلك في عنوانها وبنيتها رواية «السقف»، 1984، أولى روايات الكاتب فؤاد قنديل، فهي تدور حول أسرة تقيم في بيت شامخ كبير، ثم يفاجأ أفرادها فجأة في جوف إحدى الليالي بحدوث انفجارات متتالية.. وفي محاولة لاكتشاف السر.. يتضح أن البيت يغوص في الأرض تدريجيا لوجود مياه جوفية تؤثر على أساساته، حتى أصبح السكان يدخلون إليه وهو في حال انحناء! ثم يقرر المهندسون إخلاءه من سكانه خلال وقت محدد. طرق رب البيت كل الأبواب وسلك كل السبل لإصلاحه فلم يفلح، ولما أراد هدم البيت وإعادة بنائه استعصى السقف على معاول الهدم وأيأس الهادمين، ففكر في أن يتركه حتى يغوص ويتلاشى، ثم ينشئ مكانه بيتا جديدا، لكن السقف اللعين رفض أن يغوص حتى النهاية، ووقف عند ذلك الحد الذي لا يمكن معه العيش تحته ولا يمكن إزالته.

من الواضح أن هذه الرواية لا تقدم أحداثا حقيقية، لكن المؤلف يتظاهر أنها واقعية، ويتخذ من «السقف» الآخذ في السقوط والضغط فوق الرءوس عنوانا للرواية، للتعبير الرمزي عن معاناة البشر، وعن القيود التي لا سبيل إلى التخلص منها، وعن ضغوط الحياة التي لا ترحم، وفي صدارتها سلطة الاستبداد والقهر. التي تضغط رءوس الناس كل يوم وتحني هاماتهم بانتظام ورتابة قاتلة من غير رحمة، وهم عاجزون عن إزاحة هذا السقف الثقيل وغير قادرين على التخلص منه.

ويرتبط عنوان هذه الرواية ارتباطا وثيقا بمضمونها وبالفكرة الرئيسية التي تطرحها. فنجد المؤلف يستخدم لفظ «السقف» استخداما حقيقيا للإشارة إلى سقف المنزل الآخد في السقوط، واستخداما مجازيا للدلالة على الضغط والقهر والقمع والضيق، وهو يراوح بين الدلالتين ويمزج بينهما أحيانا، يقول: «التوتر يزداد تدريجيا كلما تدلى فوقنا السقف يجتاحنا في ثقة وفي صمت. بينما قلوبنا تدق بعنف. تدوي في أعماقنا طبولها العالية».([14]) «نهبط كلما ضغط علينا السقف وهبط، ننطوي ونلتوي، كأن دارنا هي بطن أمنا، ونحن قد عدنا أجنة لا نتنفس إلا بقدر ولا نتحرك إلا بقدر. فمتى يحين يومنا فنرى النور كخلق الله! متى نخرج من هذا القمقم إلى الحياة!» ([15]) ويأخذ الراوي شيء من الحسرة لحال بيته وسقفه، حين يتذكر بيوت الناس وأسقفها العالية المشرعة التي هي رمز لتنعمهم بحياة الحرية والكرامة، تلك الحياة التي حرم هو وأهل بيته منها حتى ألفوا القمع والانزواء «زرت بيوتا كثيرة، كل السقوف في مكانها مرفوعة والأولاد تقفز وتلعب، تصعد وتهبط كما تشاء. أما نحن.. فمن دون الخلق أجمعين تعساء الحظ، سقفنا يوالي الهبوط [...] حياة مخنوقة وقصيرة وقعيدة، لا أجلس ككل البشر مرفوع الرأس، وإنما «أتقرفص» وأنطوي كالبردان وأقبع في أحد الأركان، كأني أتقى المطر. [...] عدنا إلى حياتنا الغريبة التي لم تعد أبدا غريبة. من طول معاشرتنا لها تعودناها. لكنها كانت في قلوبنا مرفوضة.. مرفوضة تماما».([16]) ثم يعرب عن سعادته بالأسقف العالية وود لو كان وأسرته بلا سقف، ولا شيء يظلهما سوى السماء «السقف البعيد. ما أجمله وما أبهاه! وما أروع أن نكون بلا سقف، ولا يكون ثمة غطاء إلا السماء ولا من وجه إلا وجه الله».([17])

في لحظة يأس وقنوط يرى الرواي أن الحل الوحيد للتخلص من هذه المعاناة إنما يكون بهدم السقف. لكن السقف قوي للغاية ولا يمكن تدميره أو إزالته بكل أتيح له من المعاول والآلات والإمكانات. وهو أمر لا يخلو من دلالة على ما نحن بصدده من التعبير عن المعاناة تحت وطأة السلطة الغاشمة، «الحل هو هدم السقف وإعادة بناء البيت [...] لقد آن الآوان أن نعيش كما ينبغي».([18]) لكن المحاولة باءت بالفشل! «لم تصلح الفؤوس وتطايرت أكفها الحديدية. استخدموا آلات الحفر الصغيرة والكهربائية، ولكن جهودهم ذهبت أدراج الرياح. لم يتأثر السقف ولم يهتم، لم تحدث فيه ندبة، وكأنهم كانوا يستخدمون الإبر في هدم الهرم الأكبر».([19]) وبهذه التقنية يرمز السقف لكل قوة قاهرة متسلطة، تمارس القمع والقهر والضغط، وتكبح جماح الحرية وتحد من حركة الوجدان وتكبل الأيدي وتغل الفكر.. السقف هو كل ما يقهر ويذل ويجبر على الرضوخ والامتهان والإحساس بالذل والمهانة والانهيار.. وقد أكد الكاتب بهذه القصة الرمزية أنه لا سبيل إلى الخلاص منه! ([20])

2- رمزية العنوان والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية:

لم يقتصر استخدام العناوين الرمزية على الرواية السياسية فحسب، وإنما شاع كذلك للتعبير عن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع. فعنوان رواية «الطوق والأسورة»، 1975، ليحيى الطاهر عبد الله عنوان رمزي، يتكون من مفردتين تنتميان إلى بيئة الحلى والجواهر، فالطوق «حَلْيٌ يُجْعَلُ في العُنُق» والأسورة جمع سوار وهو حلية من الذهب مستديرة كالحلقة تلبس في المعصم أو الزند، وعلى الرغم من انتماء هاتين المفردتين إلى بيئة الحلى والجواهر مما قد يشي بشيء من الرفاهية والسعادة والرخاء وطيب العيش، فإن لذكرهما هكذا متجاورتين «الطوق والأسورة» في عنوان الرواية دلالة مجازية دارجة في العرف الثقافي مغايرة للدلالة السطحية التي تبدو خافتة إلى جوار هذه الدلالة المجازية، وهي دلالة الاختناق والتضييق والتكبيل، والرسف تحت وطأة القيود.

 فالطوق والأسورة هي الأغلال التي يرسف فيها شخوص الرواية رغما عنهم. ولعل القاسم المشترك الوحيد بينهما وبين القيد هو الاستدارة، وهذه الدلالة هي ما تكشف عنها أحداث الرواية التي تقدم لنا حياة أسرة فقيرة بائسة تعاني مآسي عدة، وتنحدر المأساة في هذه الأسرة من وطأة وضع تاريخي بالغ الصرامة، يتبدى في حياة مغلقة، تهيمن عليها أعراف أخلاقية بالغة القسوة والشدة، وهي أعراف تكبل الأفراد، وتتآزر مع قسوة الحياة وشظف العيش في حصارهم. فنحن في هذه الرواية أمام ضرب من القهر المعمم الذي ينال الجميع، برغم مجالدتهم له، ومحاولتهم مجاوزته، فإنه يعود فيحكم طوقه حول الجميع. فهذه الرواية «عالم خاص ومناخ من الصمت الكئيب، الرازح على الصدور، حيث الأكواخ المنطوية على حيوات متأججة بالتوق والرغبة، والأزقة التي تجلدها شمس قاسية وصهد لافح، والنسوة المتسربلات ببردات الخروج السوداء، والملامح القاسية الجهمة، المنطوية على قهر تاريخي، حضوره دائم، ومنثور في كل شيء. وهو قهر تلازمه محاولات اختراق دائبة، عبر التمرد على مظاهره، أي عبر الخروج على المواضعات والأعراف الأخلاقية الصارمة، وكأن القرية مسرح الأحداث، المحاصرة بالصحراء، والبدو، والغجر، المنكفئة على حيوات أفرادها الموارة بالشهوات المحاصرة، والخرافات المتسللة إلى نخاع الحياة، تحاصر الفرد من أفرادها فتصمه بالعجز عن الانفتاح على الآخرين وتصفده بما يثقل عليها من عبء التاريخ وثقله وركوده».([21]) إنها قصة إخفاقات كثيرة، لأشخاص يجاهدون جهادا مرا من أجل تحقيق هدفين متواضعين، هما الحصول على المواد اللازمة للبقاء على قيد الحياة، والحفاظ على نسبهم ونسلهم عن طريق الزواج والإنجاب، في ظل مرض مسيطر على الأجواء وعجز جنسي عند الأبطال.

ويلاحظ أن لفظتى العنوان «الطوق والأسورة» لا وجود لهما في المتن الروائي، ولكنك تجد دلالتهما في كل سطر من سطوره، في ضيق الحياة وضنك العيش الذي تعانيه شخوص الرواية في كل ما يجري لها من أحداث يحكمها قدر أحكم قبضته ولم يستطيعوا منه فكاكا. وينخرط القارئ مع الأبطال في حيواتهم وما يجري لهم، وكأنه يراقب أسماكا محبوسة في حوض ضيق، يسرعون بداخله، ولا سبيل لهم للانطلاق والخلاص.

ومن العناوين الرمزية العكسية التي تقوم على التناقض بين العنوان والمحتوى رواية «يوتوبيا»، 2008، لأحمد خالد توفيق. فكلمة يوتوبيا، وهي مأخوذة عن اليونانية، تعني المدينة الفاضلة، أو المجتمع المثالي الذي يمتلك أنظمة اجتماعية وسياسية وقانونية عادلة ليس يشوبها شيء. وأدب اليوتوبيا هو ضرب من التأليف والفلسفة يرى فيه الكاتب الحياة مجتمعا مثاليا، يزخر بأسباب الراحة والسعادة لكل بني البشر.

وفقا لما توحي به دلالة كلمة «يوتوبيا»؛ يتوقع القارئ أن يقرأ قصة عن عالم مثالي يرفل في النعيم والسعادة والهناء، وينعم بالحق والعدل والخير والجمال. لكن عنوان الرواية عنوان مضلل؛ فهي لا تحكي عن مجتمع مثالي أو مدينة فاضلة، وإنما هي رواية «الواقع المرير». إذ تقدم صورة لمجتمع تغلغل فيه القهر والفقر وطغى عليه الظلم والعدوان. وعلى هذا فالعنوان مبنى على المفارقة، يهدف الكاتب منه إلى الفضح، والكشف عن تدهور حال المجتمع في الحاضر وفي المستقبل كذلك. هذا التناقض القوي وتلك المفارقة الصارخة بين العنوان والمحتوى، يقلبان أفق توقع القارئ رأسا على عقب. وقد أكد آرثر لويس شيوع هذا النمط من الكتابة في القرن العشرين فيقول: «كثيرا ما وصفت التقاليد الطوباوية في القرن العشرين، وربما كان ذلك عن طريق الخطأ، بأنها يوتوبيا عكسية، أو بشكل أكثر تحديدا، يوتوبيا بائسة. فالأعمال الأدبية تهاجم الأفكار الطوباوية المثالية، إما لأنها غير قابلة للتطبيق في الواقع، أو لأن المجتمعات السيئة أصبحت أكثر انتشارا في نصف القرن الماضي»([22]).

ورواية «يوتوبيا» لأحمد خالد توفيق تروي قصة مأساوية تقع أحداثها في مصر في المستقبل، في عام 2023، تصور الواقع المرير الذي ترزح تحت وطأته الطبقة المتوسطة والفقيرة. ويهدف الكاتب إلى تصوير المستقبل الكابوسي لمصر، حيث ينقسم الناس إلى طبقتين: الأولى طبقة الأغنياء، بالغة الثراء والرفاهية، تلك التي تعيش خارج القاهرة، في الساحل الشمالي، في مجتمع أرستقراطي محاط بسور، يدعى «يوتوبيا»، تحرسه جنود المارينز الأمريكية. بينما تعيش الطبقة الأخرى طبقة الفقراء المعدمين، في شبرا، أحد أكبر الأحياء الفقيرة في القاهرة. يعيش الأغنياء في يوتوبيا حيث حياة الترف، ينعمون ويتمتعون بكل شيء، في وفرة عظيمة من المال والجنس والمخدرات. وينشأ فتيانهم نشأة مدللة منعمة مترفة، يطغى فيها المال على تقاليد الاحترام والدين، إذ كل متعة يمكن تصورها؛ هي في متناول أياديهم. ثم إن لديهم نظاما قانونيا خاصا، ولهم مطار خاص ومحطات بث تلفزيوني خاصة بهم لا يشركهم في مشاهدتها أحد. والفقراء المعدمون في شبرا على العكس من ذلك، تتجاهلهم الدولة، وتتخلى عنهم، فيعيشون في عالم سفلي، غارق في البهيمية! لا وجود للكهرباء أو الماء أو الصرف الصحي، كما أنهم لا يفيدون من أنظمة التعليم والصحة. يعانون سوء التغذية والأمراض المزمنة. يكسبون قوتهم عن طريق السرقة والدعارة وتجارة المخدرات. والقانون الذي يحكم حياتهم هو العنف وانتهاك المحرمات.

وقد بلغ من ترف أهل يوتوبيا أن أصابهم الملل، فتحكى الرواية قصة شاب غنى منهم يريد أن يتسلى، وأن يقوم بمغامرة لكسر ملل الحياة ورتابتها، فيكون ذلك عن طريق صيد إنسان فقير من سكان شبرا، ثم قتله في الصحراء، والاحتفاظ بذراعه تذكارا، على سبيل التسلية والفخر، وكانت تلك العادة من الهوايات الجديدة للأغنياء الذين يعيشون في «يوتوبيا».

وتعكس الرواية على هذا النحو التمايز الطبقى الحاد في المجتمع المصري المعاصر، وتحمل كذلك نبوءة لما سيئول إليه الحال من السوء في المستقبل.

3- رمزية العنوان والأبعاد الحضارية:

كثيرة هي الروايات العربية التي عالجت البعد الحضاري بين الشرق والغرب ومنها «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس و«الشاطئ الآخر» لمحمد جبريل وغيرها، ومن الروايات ذوات العنوان الرمزي التي تمس هذه الأبعاد الحضارية رواية «العمامة والقبعة»، 2008، لصنع الله إبراهيم، فالعنوان مكون من كلمتين، تشير كل منهما إلى نوع من غطاء الرأس. فالعمامة هي غطاء رأس الرجال في المجتمعات العربية الإسلامية والشرقية. والقبعة هي غطاء رأس الرجل الغربي. وتبدو من اللحظة الأولى أن للكلمتين بعدا رمزيا واضحا، وهو الإشارة إلى اختلاف الثقافة الشرقية عن الثقافة العربية، والصراع الفكري والحضاري بين الشرق والغرب. وإمعانا من المؤلف في تحقيق هذه الدلالة؛ فقد اختار غطاء الرأس دون غيره من الثياب، ليبين أن الصراع بين الشرق والغرب صراع في الفكر، وطرائق التفكير، أكثر من أي شيء آخر. وبهذا يكاد العنوان بما يحمله من رمزية ومجازية يلخص مضمون الرواية، ويطرح من طرف خفي فكرتها العامة، التي تصور طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب خلال السنوات الثلاث من حملة نابليون بونابرت على مصر قبيل مطلع القرن الثامن عشر (1798-1801). وقد أحسن المؤلف التقاط الرمزين الممثلين لقطبي الجدل الحضاري في مصر بين العمامة والقبعة‏،‏ فليست الأولي مقصورة علي شيوخ الأزهر؛ بل تشمل عمامات السلطة المملوكية المتجبرة،‏ والعثمانية المستبدة‏، كما أن القبعة لم تعد تقتصر علي الأجانب المحتلين من فرنسيين وإنجليز ومواطنين متواطئين في بعض الأحيان،‏ وإنما امتدت لتشمل طبقات جديدة اجتهدت في بلورة ولاء محدث لدولة مدنية ولسيادة ينتمي لها بالتساوي جميع السكان وتحقيق مفهوم المواطنة.([23])‏

يوظف المؤلف هذه الحقبة التاريخية ليخوض من خلالها في تفاصيل العلاقة بين الشرق والغرب بعامة، وأصداء ذلك في المجتمع المصري، بوصفها مسألة أثيرة ولها أهمية كبيرة لدى المثقف العربي الذي تتجاذبه نوازع الصراع الحضاري منذ ذلك العهد. فقد كانت الحملة الفرنسية على مصر من أوائل طرق الاتصال المباشر بين الشرق والغرب. ولعله اختص هذه الحملة دون غيرها من أشكال الاستعمار الغربي المتتالية، لأن الاستعمار الفرنسي أحرص أنماط الاستعمار على الغزو الثقافي، والفرنسيون أحرص الناس على غرس ثقافتهم وأفكارهم في الشعوب التي استعمروها. وهم يولون الجوانب الثقافية والعلمية اهتماما يفوق اهتماهم بالجوانب المادية التي تجتذب غيرهم من المستعمرين.

4- رمزية العنوان والأبعاد التراثية (التناص):

البعد التراثي في العنوان الروائي ليس مقصودا لذاته، فهو ليس قسيما للبعد السياسي أو الاجتماعي أو الحضاري، وإنما لجأ الروائيون إلى التاريخ والتراث يستلهمونه ويوظفونه ويستغلون طاقته الإيحائيه للتعبير عن الأبعاد الثقافية والقضايا المعاصرة التي قد تكون سياسية أو اقتصادية أو حضارية.

والحق أن التراث العربي معين لا ينضب، يرفد الكتاب بالأحداث والشخصيات والوقائع التي تعينهم على التعبير عن أن أغراضهم المعاصرة وآداء رسالتهم. ومن ذلك رواية «الزيني بركات»، 1970، لجمال الغيطاني. فالزيني بركات شخصية حقيقية لعبت دورا هاما في تاريخ مصر زمن سلاطين المماليك، وقد ترجم لحياته المؤرخ المعروف ابن إياس في كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور» وتضمنت هذه الترجمة لحياته إدانته الصريحة ووصفه بالظلم والجبروت. يوظف الغيطاني هذا الشخصية، ويلقي عليها ظلالا معاصرة، وذلك بأن يصور الزيني بركات شخصا انتفاعيا انتهازيا، يستغل دهاءه الشديد في الحصول على المناصب الرفيعة، كما أنه على قدر كبير من الخيانة والعمالة، حيث خان الدولة المملوكية. وهذه الصفات (الانتهازية، النفعية، العمالة، الخيانة، المداهنة) أقرب إلى روح العصر الذي كتب فيه الغيطاني روايته، مع الاحتفاظ بصدق النص التاريخي في حدود الهيكل العام، ولا تقف رؤية الكاتب عند حدود إدانة الزيني بركات، وإنما تتجاوز ذلك لإدانة عصر بأكلمه، فالعصر الذي يظهر فيه الزيني، وينطلي على أهله خداعه بهذا الشكل، لا شك أنه عصر يموج بالجهل والتفكك والاضطراب والفساد.([24])

ويظهر توظيف التراث كذلك في رواية «من أوراق أبي الطيب المتنبي» لمحمد جبريل، حيث يزعم المؤلف أن هذه الرواية ليست إلا مذكرات كتبها المتنبي إبان إقامته في مصر في زمن كافر الإخشيد. وأن كل دوره فيها هو تحقيقها وإخراجها للناس. ويستغل المحقق الذي هو المؤلف بطبيعة الحال هذه الإمكانية ليعبر عن رأيه في قضايا كثيرة معاصرة، يسوقها على لسان المتنبي في مذكراته المزعومة، ليدين عن طريق الإسقاط الواقع السياسي والاقتصادي في الحقبة الساداتية، وهو بمنأى عن المساءلة والحساب.

ولم يقتصر الأمر في توظيف التراث في الرواية على التراث العربي فحسب، فعنوان رواية «تغريدة البجعة»، 2007، لمكاوي سعيد، يرجع إلى الأساطير القديمة. فتغريدة البجعة هي عبارة مجازية تشير إلى الاعتقاد القديم بأن البجعة «إذا ما دنت من ختام حياتها، سمعت لها أنات منغومة تطرب آذان البشر، ولا يمنع أن تكون تلك الأنات صادرة في الغالب عن ألم يكويها، ومن هذه التغريدة الجميلة قبيل موتها، جاء التشبيه عند أدباء الغرب، الذين يصفون به عملاً جيداً أنجزه صاحبه ليختم به حياته، إذ يقولون عنه إنه تغريدة البجعة.([25])

تجري أحداث هذه الرواية في وسط البلد في القاهرة. وهي ترصد التفاصيل الدقيقة في عوالم المهمشين، الممتلئة بالقهر الإنساني والقسوة الشديدة التي فرضت عليهم. وصارت جزءًا من تكوينهم النفسي ومن سلوكهم. وهي تركز على مصطفى، كاتب في منتصف العمر، اتسمت حياته بكثير من التجارب المأساوية، والتحولات والتناقضات، والإخفاقات. وبينما يروي قصته وقصص من يعرف من الشخصيات، يتضح أنه محطم يعاني خيبة الأمل؛ بسبب ما عم القاهرة من الفوضى من ناحية، وبسبب التغيرات التي طرأت على حياة أصدقائه من ناحية أخرى. حتى علاقاته الغرامية كانت مضطربة فاشلة. كل ذلك أدى إلى شعوره بالاغتراب في حياته الشخصية وفي محيطه الاجتماعي، لكنه لم يكن قادرا على مغادرة مصر.

وتعد هذه الرواية مرثية لجيل من الشباب المصري فقد آماله وطموحاته وفقد حريته. وتذكر الرواية القارئ بقصيدة «الأرض الخراب» لـ ت. س. إليوت. حتى إن مكاوي سعيد يذكر هذه القصيدة في متن روايته. كما أن الشعور بالضياع الذي يسيطر على بطل الرواية يذكرنا بشخصية البطل في رائعة ألبير كامو «الغريب»، يقول: «لم أفعل شيئا صائبا في حياتي... أهدرت كل الفرص التي كان من الممكن أن تُغَيِّرَ مصيري.. وتمسكت بإصرار وعن عمد وبغباء شديد بمشاريع حياتية كانت نتائجها الحتمية فشلا.. وعبثا.. وطيشا ونزقا وجنونا.. وتجاهلت مقدماتها المحبطة وراقبت بلا مبالاة أشرعة الخسارة وهي تتقدم نحوي.. كنت دائما مصرا على الخوض في مستنقع الخراء حتى رأسي.([26])

هذا المقطع من الرواية الذي يرد إلى ذهن البطل، هو واحد من مقاطع حرة تأملية كثيرة تتكرر فتعمق هذا الشعور السائد في الرواية كلها، ذلك الشعور الذي يدعم دلالة العنوان «تغريدة البجعة»، التي يكشف عنها حديثه عن صديقه عصام، أحد شخصيات الرواية التي فقدت الأمل وآثرت العزلة. «كنت أراه كالبجعة في أيامها الأخيرة حين تستشرف الموت فتتجه إلى شاطئ المحيط وتنطلق في رقصتها الأخيرة، وتغرد تغريدتها الوحيدة الشجية، ثم تموت»([27]). وهذا المقطع من السرد، يشرح دلالة عنوان الرواية، أثناء تصوير مشاعر عصام وحالته البائسة. وبطل الرواية وصديقه عصام يمثلان قطاعا كبيرا من الشباب المصريين الذين يعزفون اللحن الجنائزي ويغردون تغريدتهم الأخيرة.

وقد كان أبرز ظهور للرمزية والتناص في العناوين الروائية في حقبة الستينيات وما بعدها، فقد عانى الأديب في حقبة الستينيات انحسار الحرية، حيث فرضت الأنظمة قيودا حديدية على الفكر والأدب. ولم يكن أمام الأديب سوى أن يتخفى ويراوغ من أجل أداء رسالته بطريقة تضمن له عدم التعرض للسجن والمساءلة القانونية، ولذلك لجأ الأديب إلى الرمز تارة، وإلى إسقاط الماضي على الحاضر تارة أخرى، فاستعار من التراث ما يمكنه من أداء هذه الرسالة، تفاديا للصدام مع أجهزة الدولة.([28]) ويذكر الدكتور جابر عصفور في مقال له بعنوان «الاستبداد والإبداع» أن الرواية في العصر الحديث ظلت في حال من الأمان لأنها لجأت إلى الرموز، وأخفت مراميها وراء المجازات.([29]) وأن الإبداع الأدبي بعامة، والروائي بخاصة، قد تمتع بنوع من الحرية بعد العام السابع والستين، وكان تسامح النظام الناصري مع جيل الستينيات بوجه خاص نوعا من إتاحة بعض المسارب التي يندفع بها الغضب المكتوم في صدور الأجيال الشابة بما لا يؤدي إلى انفجارات خطرة، صار النظام المهزوم يحسب حسابها، ويؤجلها بالسماح للصدور المبدعة بالتنفيث عما فيها من إحباط عظيم، وغضب لا حدود له.([30])



([1]) جدير بالذكر أن العنوان الذي وضعه صنع الله إبراهيم لهذه الرواية عند كتابتها كان «الرائحة النتنة في أنفي». ثم عدل عنه إلى هذا العنوان الرمزي بعد حوار تم بينه وبين يوسف إدريس. ولعل السبب في تغيير هذا العنوان هو نفسه السبب الذي اضطر نجيب محفوظ إلى تغيير عنوان روايته «القاهرة الجديدة»؛ فهي لم تكن تحمل هذا العنوان بداءة، وإنما كان عنوانها «فضيحة في القاهرة»، وقد منعت الرواية من النشر بهذا العنوان لأسباب سياسية وأخلاقية، لأنه عنوان حافل بدلالات الفضيحة وألوان الفساد الأخلاقي والسياسي والاجتماعي، وهو ما لم تستسغه السلطة الرقابية في ذلك الوقت، لأنه يصور القاهرة الجديدة قاهرة الأفاقين والقوادين والمنافقين، والوزراء المرتشين.

([2]) صنع الله إبراهيم، تلك الرائحة، دار الهدى، الطبعة الثالثة، 2003، ص13.

([3]) السابق، ص 40.

([4]) السابق، ص 57.

([5]) السابق، ص 62.

([6]) جدير بالذكر أن بعض كتاب القصة القصيرة وظفوا الروائح واستغلوا رمزيتها في أعمالهم، حتى شاعت في الأدب العربي المعاصر للتعبير عن الواقع المأزوم، ومنهم: محمد أبو المعاطي أبو النجا في قصته «ذلك الوجه .. وتلك الرائحة»، 1979، ومحمد جبريل «الرائحة» 1983، وصلاح عبد السيد «الطعام الفاسد» 1983 و«المستنقع» 1985.

([7]) تلك الرائحة، ص 33.

([8]) السابق، ص 41.

([9]) السابق، ص 43.

([10]) السابق، ص 50.

([11]) السابق، ص 16.

([12]) السابق، ص 26.

([13]) السابق، ص 27.

([14]) فؤاد قنديل، السقف، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984، ص 44.

([15]) السابق، ص 68.

([16]) السابق، ص 69 - 72.

([17]) السابق، ص 74.

([18]) السابق، ص 81.

([19]) السابق، ص 82.

([20]) من طريف ما رواه فؤاد قنديل عند حديثه عن روايته هذه رأي توفيق الحكيم فيها، إذ رأى أنها برشامة إبداعية بارعة. وأنها رواية قصيرة عبرت عن كل ما يجري في العالم. رواية تحمل سر خلودها. وغضب الحكيم حين علم أنها لم تلق اهتماما كبيرا من النقاد، وعلق على هذا التجاهل بأنها لو نشرت فرنسا لأقيمت لها الاحتفالات.

([21]) محمد بدوي، الرواية الحديثة في مصر- دراسة في التشكيل والأيديولوجيا، ص 52 وما بعدها.

)[22]( Jean-Charles Seigneuret, Dictionary of Literary Theme and Motifs, 1988, p. 1366.

([23]) صلاح فضل، صنع الله إبراهيم في العمامة والقبعة، جريدة الأهرام، 31 مارس 2008.

([24]) وجيه يعقوب، الرواية والتراث العربي، قراءة في روايات جمال الغيطاني، ص 101 – 102.

([25]) زكي نجيب محمود، حصاد السنين، دار الشروق، 1991، ص19.

([26]) مكاوي سعيد، تغريدة البجعة، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2007، ص 27.

([27]) السابق، ص 265.

([28]) وجيه يعقوب، الرواية والتراث العربي، ص 201 – 202.

([29]) جابر عصفور، الهوية الثقافية والنقد الأدبي، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010، ص 145.

([30]) السابق، ص 147



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة