قراءة في كتاب: «ثقافة الالتباس: نحو تاريخ آخر للإسلام»

أيمن عيسى أحمد
3/6/2017

توماس باور والخروج من ربقة المركزية الأوربية

قراءة في كتاب: «ثقافة الالتباس: نحو تاريخ آخر للإسلام»

قراءة: أيمن عيسى أحمد.

تأليف: توماس باور

ترجمة: رضا قطب.        

الناشر: منشورات الجمل - بيروت.

سنة النشر: (1438 هـ = 2017 م).

عدد الصفحات: (479).

توماس باور مستشرق ألماني متخصص في العلوم العربية والإسلامية. نشر حوالي (50 بحثًا) متنوعًا في مجالي التاريخ والأدب. وتُعد أطروحته المعروضة هنا من أهم كتاباته الفكرية. نشرها في برلين سنة (2011 م).

تُناقش الأطروحة وجود تعدد القراءات الثقافي والتسامح معه في الحضارة الإسلامية قبل العصر الحديث، مُقارنًا بوجوده في الحضارة الغربية والعالـم الإسلامي المعاصر. وهي تستهدف الكشف عن مدى توافر هذا التعدد والتسامح معه ونسبته فيهما، والكشف عن إشكالاته وتحولاته في ظل العلاقات المعقدة بين العالمين الإسلامي والغربي. خلص باور إلى أنَّ التسامح مع تعدد القراءات كان قويًّا في (الإسلام الكلاسيكي)، ثم صار ضعيفًا في (الإسلام المعاصر)؛ لأنَّ الأخير تَبنَّى الرؤى الغربية ذات البعد الواحد والنظرة غير المتسامحة مع التعدد منذ منتصف القرن 19. ويقصد باور بالتعدد تعدد المعنى وتنوعه، وكل ما يبدو التباسًا أو تناقضًا ويحيا متجاورًا في الإسلام والمجتمع الإسلامي مع الرِّضا به. وقد استند في معالجته إلى مادة وافرة استقاها من العلوم الإسلامية والعلوم العربية وآدابها وقرأها قراءة تحليلية موضوعية إلى حدٍّ كبير.

إنَّ مزية هذه الدراسة أنَّها تغاير نمط الدراسات الاستشراقية الاستعلائية التي تكتنفها الجهالات والأغلاط، وذلك لحرصها الدؤوب على تجاوز المركزية الأوربية ذات الشغف بالهيمنة، وادِّعاء الحق بالعالمية، وهي دراسة تتنامى بعض جوانبها في سياق نقد الاستشراق الأورُوبي كما عُهد عند إدوارد سعيد، وجوزيف مَسعد، وأضرابهما. وفيما يلي عرض موجز للدراسة بفصولها العشرة، ثم تعقيب عام عليها.

* * * * *

الفصل الأول: مقدمة

أكد باور هنا فكرة الكتاب، وأدراها على ثلاثة محاور متشابكة:

الأول: الإسلام الكلاسيكي ويمثله نماذجُ منتقاة منذ بدء التاريخ الإسلامي إلى منتصف (القرن 19) تؤكد تسامحه في مجالات مختلفة.

والثاني: الإسلام المعاصر ويمثله التيار (الأصولي)، والتيار الإصلاحي المستغرب، وهي تيارات تتسم بالتشدد ورفض التعدد.

والثالث: الغرب. وخلص إلى أنَّ التعدد والتسامح معه في الإسلام الكلاسيكي كانا أوضح وأظهر، وأنَّهما وحدهما القادران على نزع فتيل الحداثة المدمر.

حدَّد باور بعض أهداف دراسته، ومنها محاولة إدراج بحث التعدد في نطاق علوم الحضارة، واعتباره من موضوعات الأنثروبولوجيا التاريخية. وحدد كذلك مجال الدراسة فقسم حقبة التاريخ الإسلامي التي اختِيرت لمقابلتها بعصر الحداثة تقسيما ثلاثيًّا يشمل عصر السلاجقة، وعصر الأيوبيين والمماليك، وعصر العثمانيين.

* * * * *

الفصل الثاني: التعدد الحضاري

رأى باور أنَّ ظاهرة التعدد تنشأ إذا كان لمفهوم ما - أو طريقة ما - معنيان متناقضان أو متنافسان، أو إذا اتخذت جماعة اجتماعية مواقف متناقضةً ومختلفة، أو قبلت تفسيرات مختلفة لظاهرة واحدة دون ادِّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة مع تجاور تلك التفسيرات.

في بيانه لإسهامات العلوم الإنسانية في تحديد المفهوم أشار إلى تخلف النظرة الأوربية للتعدد منذ التراث اليوناني حتى العصور الوسطى، وإلى تأخر هذه النظرة في الوصول إلى درجة من التسامح سرعان ما انهارت في حقبة التنوير. أكد باور قبول الحضارة الإسلامية للتعدد باعتباره أحد مكونات الوجود، وأنَّها لـم تسع إلى نفيه وإلغائه؛ بل سعت إلى إقراره وترويضه. واستند باور إلى بعض مفاهيم علم النفس؛ ليتناول صلة التسامح بالتعدد، وانتهى إلى أن عدم التسامح مع التعدد هو ميل إلى الاعتقاد بأنَّ المواقف متعددة المعنى تمثل تهديدًا، أمَّا التسامح مع التعدد، فهو ميل إلى استيعاب المواقف متعددة المعنى باعتبارها أمرًا مقبولًا.

رصد باور أشكال التعدد الحضاري في الإسلام في ثلاثة محاور يتعلق أولها بقبول تعدد الخطابات وتجاورها كما في الخطابات المهمة التي جاءت حلًّا توفيقيًّا مثل اجتهاد الشافعي في ربط العقل بالنقل. والأشعري في ربط المناهج العقلانية للفلسفة بعلم الكلام. والغزالي في تحويل التحدي الصوفي إلى جزء مكمل للدين الإسلامي مع تعايش هذه الخطابات وتجاورها. وَرَصَد هذا القبول في مجالات الفقه المتصلة بالمصلحة العامة التي لا ترتبط بنصوص الأحكام فيما عرف بالاستحسان والمصالح المرسلة. ورصده كذلك في كتب السياسة الشرعية التي جمعت بين المواعظ الدينية والمواقف الميكافيللية.

ويتعلق المحور الثاني بقبول التفسيرات المختلفة وعدم التشبث بواحد منها وعده وحده الصحيح؛ فقد تجاوز علم الحديث ثنائية الصحيح والموضوع ليُقر بوجود درجاتٍ بينية متفاوتة. واستحسن الفقه الإسلامي الخلاف وعدَّه مكونًا أساسيًّا في منظومته. ومثل هذا يُلتمس في كتب المحاسن والمساوئ الأدبية، وبعض القصائد التي تُمجد عيوب المُتَغزَّل فيهم. ورأى باور أنَّ هذا الوعي لـم يصمد أمام شراسة الحداثة الغربية.

والمحور الثالث يرصد بعض وجوه التعدد الحضاري في النصوص والأفعال والأماكن؛ مثل التعدد في قراءات القرآن وتفسيره، ورأى باور أنَّ خشية القدماء من ترجمة القرآن لـم تكن تزمتًا منهم، وإنَّما كانت خوفًا من ضياع التعدد. ومن مظاهره إدخال البناء الفرعوني في المساجد بمصر فخرا واستمدادا للثراء.

والمحور الرابع يُشير إلى مظاهر التدرب على التعدد في مؤلفات البلاغة التي تطورت على يد «السكاكي»، وأثمرت نظرية قياسية متميزة. وفي جهود العلماء حول التورية، وفن البديعيات ... لقد كان التدرب على تعدد المعنى في تلك المجالات سبيلًا لقبوله في مجالات الحياة الأخرى.  

* * * * *

الفصل الثالث: هل يقول الله كلاما ذا بدائل؟

رأى باور أنَّ تاريخ النص القرآني مثال نموذجيٌّ لترويض تعدد المعنى، والإسلام يقبل التعدد المروَّض باعتباره مكونًا ثابتًا من مكونات الحضارة بخلاف الحداثة الغربية التي قادتها الرغبة في الوضوح، والمطالبة بإنتاج نصوص أحادية المعنى إلى موقف متناقض وسلبي من التراث المتسامح مع التعدد.

عني باور بتاريخ النص القرآني عند علماء القراءات خاصة كتاب ابن الجزري (النشر في القراءات العشر) الذي عرض من خلاله الموقف التقليدي من التعدد والممارسة الحضارية له؛ فتكلم في عدة مسائل مثل: كتابية النقل وشفاهيته، وجمع القرآن، ومحو فروق اللهجات ... وقارن موقف ابن الجزري المرحِّب بتعدد القراءات بالموقف السلفي المعاصر، وقد اختار الشيخ ابن عثيمين ممثلًا للفكر السلفي في كتابه «أصول في التفسير» الذي تمسك فيه بالتدوين الكتابي المبكر للقرآن أكثر من تمسكه بشفاهيته بعكس ابن الجزري. واعتبر باور ثناءه البالغ على توحيد المصحف نوعًا من عدم التسامح مع التعدد، وتماهيا مع الفهم الغربي الحديث للنص. وأكد أن الثبات على قراءة واحدة يعني التنازل عمدًا عن جزء من التنزيل القرآني

رغم أنَّ الإسلام الكلاسيكي يُعد التعدد رحمة؛ فإنَّ الحداثة اعتبرت التعدد خطأ، وسعت إلى إيجاد القراءة الصحيحة بمناهجها اللغوية والنقدية التاريخية. والنظر إلى التعدد باعتباره إزعاجًا يتضح جليًّا عند غير المتسامحين معه من المعاصرين ممن أكدوا فكرة الكتابة المبكرة للنص. وهذا أيضًا هو موقف الليبراليين في العالم الإسلامي أمثال طه حسين ونصر حامد أبو زيد اللذين كانت قراءتهما للتراث قراءة ديكارتية متصلبة ومتخلفة إذا ما قورنت بقراءة ابن الجزري. ويتضح التأثر بهذا الموقف في عدم جرأة المعاصرين في الدفاع عن التعدد والتفاخر به في المناقشات اللاهوتية التي تجرى بالمواقع التبشيرية الإليكترونية.

رأى باور أنَّ نظرة المعاصرين للقراءات القرآنية حداثية، وأنَّ نظرة القدامى ما بعد حداثية؛ فابن الجزري يُعد القرآن نصًّا متعددًا مركبًا ومفتوحًا لا يمكن بلوغ منتهى مضمون معناه؛ بل يتطلب من قرائه اجتهادًا نصيًّا جديدًا باستمرار، وهذه فكرة لا تتفق مع الحداثة الديكارتية بل هي ما بعد حداثية متطورة.

* * * * *

الفصل الرابع: هل يتحدث الله حديثًا له أكثر من معنى؟

يقف هذا الفصل عند تعدد معاني القرآن، ونظرية غزارة المعاني التي لا تنضب لابن الجزري الذي رأى أن الوحي وإن انتهى نزوله؛ فإنَّ مضمونه لا ينضب، وأن تنوع المعاني في الرسالة القرآنية يحل محل إرسال الأنبياء، وهذا ما لا يرتضيه الإصلاحيون المعاصرون ممن أثرت فيهم الحداثة الديكارتية التي تصر على المعنى الواحد.

تطرق باور إلى «احتمالية التفسير» في الإسلام الكلاسيكي وقارنها بالنظرة الحداثية؛ فقابل بين تفسير الماوردي لمطلع سورة (النازعات) وتفسير الشيخ ابن عثيمين له، حيث اكتفى ابن عثيمين بتفسير واحد ولم يورد التفسيرات المختلفة كما فعل الماوردي الذي وأردها ولم يفاضل بينها، وفي هذا إخلال بصلاحية النص القرآني لكل زمان ومكان. والمقارنة تؤكد انفتاح التفسيرات التراثية وتسامحها.

رأى باور أن محاولات «عقدنة» الإسلام عند المعاصرين أدت إلى المطالبة بأجوبة عقائدية على القضايا التي لا ترتبط بعلم الكلام.  وشيوع «العقدنة» يُراد منه أن يتخذ المسلمون مواقف تطابق نماذج التفكير اللاهوتية المسيحية.

* * * * *

الفصل الخامس: نعمة الاختلاف

عالج الفصل مزايا الاختلاف في الإسلام الكلاسيكي من خلال ثلاثة محاور تدور حول نظرية الاحتمال في رواية الحديث والفقه الإسلامي.

رأى باور في إطار نظرية الاحتمال في الفقه الإسلامي دنيوية الفقه الذي يُعد عملًا إنسانيًّا قابلًا للخطأ. ورأى أنَّ اختلاف الفقهاء مفهوم مركزي مهم فيه، وإذا كانت معرفتنا الإنسانية عن النظام الإلهي محدودة، فلا بُدَّ من وضع الآراء المختلفة في قضية ما متجاورة؛ إذا أُريد ضمان وجود الرأي الصحيح بينها.

ناقش باور الاتهامات التي وُجهت للعالم الإسلامي، ورأت أنه يعيش منذ القرنين (10، و11) في حالة من الجمود والتأخر، وأنَّ الفقه وصل إلى تكوينه النهائي عند الشافعي كما رأى شاخت، ونصر أبو زيد الذي زعم أن الأسس النظرية لأصول الفقه وضعت في القرنين (11، و12)، ومن يريد الاشتغال بالفقه فعليه عليه البحث هنا، وترك سطوة العصور السابقة وهي آراء خاطئة من وجهة نظر باور.

إنَّ التفسيرات الفقهية لا تدَّعي اليقين، وباب الاجتهاد والتصحيح لم يغلق قبل عصر العثمانيين. وفي نهاية (القرن 19) حُدِّث الفقه الإسلامي، ووضع العثمانيون القانون المدني الإسلامي، ودخل قانون الـ (micelle)حيز التنفيذ في (1877 م) وأصبح ساريًا في الدول التابعة للعثمانيين، ويتضح فيه تشويه الفقه حيث أُخضع اليهود والنصارى للتعاليم المدنية الإسلامية، والدول الإسلامية تقتصر حاليًا على القاعدة القانونية وتعتبر الشريعة مصدرًا لتشريعاتها الوضعية.

أكد باور أنَّ مفهوم الاحتمال لـم يعد ساريًا وقارن بين موقف ابن عثيمين في (خلاف العلماء وأسبابه)، وابن جزي في (تقريب الوصول إلى علم الأصول)؛ ليكشف أنَّ الأول ينطلق من أنَّه لا يوجد دائمًا سوى تفسير وحيد صحيح وما سواه خطأ؛ أي حلت صيغة القطع عنده محل صيغة التفضيل التي سادت في النصوص الكلاسيكية. وتعرض لفكرة اللامذهبية الراديكالية عند السلفية تلك الفكرة التي تسعى إلى إعادة صياغة الفقه الكلاسيكي صياغة غير متسامحة مع التعدد، وكيف أن نشأة المذهب الحنبلي الكلامية فرضت نفسها في اللامذهبية السلفية بتحفيز من الحداثة الغربية. إنَّ السلفية تمثل بذلك الاتجاه العام في عقدنة الإسلام، والعقدنة ليست إلَّا رد فعل على المطالبة الغربية الحديثة بالوضوح الأيديولوجي.

* * * * *

الفصل السادس: أسلمة الإسلام

رصد الفصل إستراتيجيات الأسلمة التي تُهمل الأساس الدنيوي للحضارة الإسلامية. حددها باور في خمس آليات: الإيهام بالهوية الدينية لمجالات غير دينية (الفن الإسلامي، الأدب الإسلامي، الطب الإسلامي ...). وتجاهل الخطابات غير الدينية. وتقديم الخطاب الديني باعتباره خطابًا معياريًّا. وإسقاط المنظور الغربي للعلاقة بين الديني وغير الديني، وعند تعدد الخطابات الدينية يُنظر لأكثرها محافظة على أنَّه أرثوذوكسي يطابق جوهر الإسلام.

نفى باور فكرة وجود طب إسلامي كما تخيل المستشرقون، ومثل بابن بسَّام المحتسب الذي اعتد بكتب الوثنيين والمسيحيين في الطب، وأقر بقسم أبقراط. ورأى أنَّ تطبيق مفاهيم غربية خاصة للعلاقة بين الدين والدنيا على الشرق لا تصح، فكل مجال في الإسلام كان له معاييره الخاصة، وخطابه، وخبراؤه المختصون.

إنَّ تسمية الحضارة بالإسلامية لـم تعنِ أنَّ الخطابات الدينية هي المقياس، وأنَّ غيرها يعد شذوذًا. ونظرة الأسلمة عند الغرب والمسلمين المعاصرين تغفل الجوانب الدنيوية في دراسة الإسلام وتشوه الجوانب الدينية. ومثل باور بأمثلة عدة تخلو من هذه النظرة في القديم؛ فالقاضي لـم يكن يشغل منصبًا دينيًّا؛ لأنَّه يقضي في أمور اجتماعية، وليست له امتيازات كهنوتية، ولا وظائف طقوسية. والفقه الإسلامي لا يختلف في طبيعته القانونية كثيرًا عن التقاليد القانونية الغربية. وأكد باور أنَّ العلوم الطبية واليونانية كان لها مكانة كبيرة عند القدماء، ولا أدل على ذلك من توقيرهم لعز الدين الإربلي الذي حظي باحترام الجميع رغم لا دينيته. وأنَّ الخلاف على العلوم اليونانية كان حول جدواها فقط وظل علم المنطق إلى العصر الحديث مكونًا أساسيًّا من مكونات العلوم الإسلامية.

إنَّ أسلمة الإسلام شوهت العالم الإسلامي وكان التشويه أداة غَرَّب بها الغرب العالم الإسلامي. ومثل باور لهذا التشويه المتعمد وازدواجية الغرب بصورة حركة حماس في الميديا الغربية، وغزو العراق الذي سُوق على أنه حرب ضد الإرهاب وكانت النتيجة أن أحيل العراق -بعد علمانيته - إلى دولة إسلامية مذهبية لم تكن موجودة على هذا النحو من قبل.

* * * * *

الفصل السابع: الجد اللغوي والتلاعب اللفظي

أشار باور إلى أهمية الكلمة في الحضارة الإسلامية، ورأى أنَّ الإنجازات العظيمة والسريعة التي حققتها تمتد بجذورها إلى الجاهلية. ومن هنا لا يمكن فهم الإسلام دون أصوله الدنيوية العربية وجدليتها مع الدين. أكد باور هذه الصلة بعدة أمثلة منها أنَّ كتاب سيبويه سعى إلى إيجاد معيار العربية في لغة البدو لا في القرآن، وأن مسارد الكلمات التي أسست التأليف المعجمي عُنيت بأشياء خارج القرآن؛ فعلم المعاجم كان في الأساس لحفظ الإرث الدنيوي العربي وفهمه.

رأى باور أنَّ كتب الأضداد لـم تُؤلَّف لإزالة تعدد المعنى؛ بل للتلاعب اللفظي وهو تلاعب مفيد في التدريب على بناء الوعي اللغوي. والعالم الإسلامي مدين بالفضل في نجاحه السياسي وازدهاره الثقافي لوجود لغة علمية وأدبية وإدارية متطورة ومؤثرة. وتطرق في إطار ما أسماه بالظرف والورع إلى فكرة تجاور المتناقضات باعتبارها نوعًا من الترحيب بالتعدد؛ مثل فكرة الاقتباس من القرآن في موضوعات الحب والغزل. واجتماع الخمر والغزل في شعر العلماء لا يعني واقعية القصائد، وإنَّما يعكس نموذجًا دنيويًّا يتعايش بسلام مع نموذج المجتمع الديني.

نفى باور أن يكون تاريخ آداب الشرق تاريخًا للانحطاط كما تصور المؤرخون الغربيون وغيرهم. وفسر الهجوم الغربي على تلاعب إبراهيم اليازجي الفني بإصراره على المضي في طريق التراث. ولقد تأثر المثقفون بهذا المنظور الغربي ليكونوا عصريين؛ فانتشرت الرؤية التي تحط من شأن الأدب العربي؛ لأنَّه يصادم بتعدديته عقيدة الحداثة، وساد الاتهام لعصور الأدب بالتلاعب اللفظي ونقص الحيوية، وعدم التعبير الصادق عن المشاعر الحقيقية ...

سرد باور طائفة من المجالات التي يتجلى فيها التدريب المستمر على التعدد، مثل الشعر القديم، والقرآن الكريم، والمعارضات الشعرية، وعلم أصول الفقه، وكتب المحاسن والمساوئ، وفن البديعيات، والتورية، والقصائد التأريخية، والتلغيز ... وهي فنون تجمع بين الديني والدنيوي. ونفى عن عصر المماليك والعثمانيين التفرغ لهذه الأنواع وحدها كما ادعى الغربيون ومن تابعهم. وأكد أنَّ هذا الأمر لـم يقتصر على الأعمال الفنية وحدها؛ فقد وُجد في أعمال علمية مثل صنيع ابن المقرئ في (عنوان الشرف) الذي يضم النص الواحد فيه عدة علوم عربية بحسب اتجاه القراءة. ورأى أنَّ هذا النوع علَّم معايير الجمال في كل المجالات، وفتح الأعين على ازدواجية الوجود.

* * * * *

الفصل الثامن: تعدد معنى المتعة

أشار باور إلى تأثير القوة المهيمنة للخطاب الغربي في مجال الجنس تأثيرًا واضحًا في العالم الإسلامي المعاصر. فهذا الخطاب نزع التعدد من الأفعال المرتبطة بالجنس، ونقل سلطة الجنس من الدين المسيحي إلى الطب في (القرن 19)، فاستبدل بالخوف من عذاب النار الخوف من الانحراف والمرض والموت.

رغم تعددية الجنس في الإسلام الكلاسيكي أصر الغرب على التمسك بالخطاب الفقهي الذي يرى رجم الزاني المحصن وعدَّه جوهر الإسلام، وذلك من أجل وسم الإسلام بالدموية والعداوة للعلاقات الجنسية رغم أنَّ الفقه ليس هو المحدد لها وحده، وهو نفسه يجعل تطبيق هذه الحدود مستحيلا بما يشترطه من شروط صارمة. والإسلام (الأصولي) يسعى لتنفيذ العقوبات التي تثير استياء الغرب باعتبار ذلك رمزًا لتطبيق أخلاقيات صارمة.

ذهب باور إلى أنَّ الغرب نظر إلى شعر الغزل بالمذكر نظرة خاطئة تحط من شأن الحضارة الإسلامية، والحقيقة أنَّ هذا الشعر ليس خطابًا جنسيًّا؛ بل خطاب في الحب. وإذا كان الإسلام يُحرِّم العلاقة الجنسية بين الرجال؛ فإنه لا يحرم الحب بينهم؛ لذا لـم يكن غريبًا أن يؤلف ابن حجر العسقلاني قصائد في الغلمان. من هنا يتبين اختلاف التصور الغربي عن التصور الإسلامي.

في إطار الهيمنة الغربية استدعيت نظرية «التدهور البيئي» ذات الأصول المسيحية والداروينية التي راجت في منتصف (القرن 19) لتفسير المسلك الجنسي المخالف الذي لا يؤدي إلى التكاثر. وبهذا اعتُبرت علاقة الجنس المثلية مرضا وعلامة تدهور لا إثمًا وذنبًا. شرحت هذه النظرية تدهور الشعوب الأخرى، وقدمت مسوغات التدخل في شئونها؛ فبونابرت سوغ حملته على مصر بضرورة تحريرها من الأتراك الذين قادوها إلى الانحطاط. ومثل هذا يُستند إليه في دعاوى تصحيح مسار الممارسات الجنسية في الشرق. والنخب المحلية تلقت تلك التصورات بالقبول وعملت على نشرها ممَّا قاد إلى تحولات لـم تحدث من قبل.

أشار باور إلى التأثير الغربي في المحدثين وتجلياته في التحرج من نشر شعر المجون، والتلاعب في نشر الدواوين مثل ديوان صفي الدين الحلي الذي حُذِف المجون من نشراته بدمشق وبيروت، والنجف؛ لأنه يعتبر من وجهة النظر المعاصرة لا أخلاقيا. ولقد تلقفت النخب المحلية نظرية «التدهور البيئي» الغربية وأصدرت أحكاما على حضارتها تنم عن ضيق الأفق مثل طه حسين وأحمد أمين اللذين اعتبرا العصر العباسي عصر مجون، وخلاعة، وإلحاد. ومن ذلك أيضًا ربط أبي نواس بالتحليل النفسي الغربي كما فعل عمر فروخ الذي اعتبر الجنس جنسًا غربيًّا باعتباره الجنس الطبيعي. ولقد بررت القوى الاستعمارية وفق هذه النظرية إخضاع الشرق الأدنى (والأقصى) برسالتها المدنية التي عليها أن تعيد الشرق المنحط والمتدهور جنسيًّا إلى عائلة الشعوب المتحضرة.

* * * * *

الفصل التاسع: النظرة الرزينة للعالم

نفى باور ارتباط العنف بالعقائد الدينية. وربط بين ادعاء العالمية والاستعداد للعنف؛ لأنَّه قرين رفض وجود رؤى مختلفة.

هاجم الغربيون كتابات السياسة الشرعية الكلاسيكية لمثاليتها وعدم واقعيتها. ورأى باور أن حكمهم بفشلها نابع من تصورهم وجود شكل واحد للحكم في الإسلام وما سواه يكون دليل أزمة، وهو تصور الإسلاميين المعاصرين أيضا. والحق أنه كانت توجد خطابات مختلفة حول الحكم والسياسة في كل عصور الإسلام. فثمة خطابات تنتمي إلى الجاهلية، وأخرى عقائدية نجمت عن الصراعات التي كانت في نشأة الدولة، هذا فضلًا عن خطاب المديح الشعري، والخطابات الفلسفية التي تأثرت باليونان. رأى باور أن شعر المديح أوثق مصدر لصورة الحكم في العالم الإسلامي، وأن الغربيين أخطأوا؛ لأنَّهم لم يتصوروا إمكان دوران خطابات اجتماعية مهمة في قصائد شعرية. وفي عصر الماوردي تجاورت أربعة خطابات سياسية مختلفة، وما كان من الماوردي إلا أن عبر عن الخطاب الفقهي ولم يزعم أنه يُتبع بحذافيره، ولم يُصادر الخطابات الأخرى أو ينزع عنها شرعيتها.

إنَّ الغرب وتيار أسلمة الإسلام عظّما من الخطابين العقائدي والفقهي ممَّا أوحى باستحالة فصل الدين عن الدولة، وعدم توافق الإسلام مع الديمقراطية. وردا على تصور الغربيين أكد باور نظريته بنصوص المدائح وإرشاد الحكام التي خلت من الخطاب الديني، ولم يكن بها أي تصور ثيوقراطي للحكم. وأكد أنَّ الكتب الإرشادية مثل (سلوك دول الملوك) لابن نباتة كتب علمانية خالصة تستنبط قواعدها من التاريخ، ومثل ابن نباتة في هذا التصور ابن خلدون ولم يحدث أ ن تسبب خطابهما العلماني في تهميشهما. ورأى باور أن مقولة الإسلام دين ودولة ليست مبدأ إسلاميًّا كلاسيكيًّا ولا مكونًا جوهريًّا فيه وقد ظهرت في الحركة الإسلامية المعادية للاستعمار في نهاية (القرن 19).

إنَّ مفهوم (الغربة) لم يكن يتصل في الإسلام الكلاسيكي بالجغرافية، أو النَّسَب والجماعة؛ بل كان يعني نقصًا عاطفيًّا لدى المغترب كما يتضح من بعض المواقف الخاصة التي استشهد بها باور لابن خلدون وابن بطوطة. كما أنه لم يكن في اللغة أو في وعي الناس مفهوم للغرباء يضعهم في مقابل أهل البلد؛ لذا لم تمثل الغربة تهديدا للهوية وهذا التصور وثيق الصلة بالتسامح ... قارن باور بين وضع اليهود في العالمين الغربي والإسلامي الكلاسيكي وخلص إلى أن التصور الغربي لمفهوم الغربة قاد - فيما قاد - إلى الهولوكست، وأن العالم الإسلامي تفوق في تعامله الرزين مع المختلفين في الدين، أو اللون، أو اللغة ... ورأى أنَّه لا توجد حضارة تصلبت في معاملة الآخرين وتصارعت مع البلدان مثل الحضارة الأوربية التي سعت في إزالة غيرية الآخر.

* * * * *

الفصل العاشر: في البحث عن اليقين

عرض الفصل لنزعة الشك (skepticism) في العصر الكلاسيكي. والمقصود بهذه النزعة نسبية اليقين. أكد باور أنَّ الحضارة الإسلامية لم يكن بها كهنوت، ولا كانت معادية للفلسفة والعلوم الطبيعية. وأن الفقهاء لم يسعوا إلى حقائق يقينية إلا نادرا. وتعجب من ردِّ الغرب تخلف الإسلام إلى أفول المعتزلة رغم أنهم مؤسسو التزمُّت العقائدي وأشد الفرق المعروفة راديكالية. وتعجب كذلك من التوسع في إحياء المذهب الحنبلي مما تسبب في عقدنة الإسلام وانتشار روح عدم التسامح.

عرض باور فكرة عدم التسامح في الحضارة الأوربية التي تجلت في الحروب الدينية الطاحنة، وفي الأنظمة الشمولية في القرن العشرين. فقد قامت تلك الحروب التي لم يكن لها نظير في الشرق بسبب عدم التسامح والتناقض المذهبي. ورد باور هذا إلى ثلاثة عوامل: مركزية فكرة الخطيئة المسيحية. ومعاداة الجسد والجنس. وطبقية المجتمع. وإن تسامح الغرب الذي يفخر به الآن في التعددية الدينية، ورفض العنصرية، والاهتمام بحقوق المرأة لم يكن نتيجة مباشرة للتنوير؛ بل هو نتيجة الصراعات الدموية الطويلة.

لقد صار العالم الإسلامي المعاصر مكبلًا بقيود الحدود التي حدها الاستعمار، والحكم الديكتاتوري الذي زرعه، والأيديولوجيات العلمانية المتغربة، وإعاقة كل ما هو ديني ... فلم يعد هذا العالم مكانًا صالحًا لتلك النزعة. وأكَّد باور أن تخوف الغرب من التعدد والإصرار على الحقيقة الواحدة، والولع بالعالمية ما زال قائمًا حتى اليوم في معاملة الإسلام، ومعاملة الناس في الشرق.

تعقيب:

إن النموذج الذي بناه باور يظل صالحًا إلى حدٍّ كبير في بحث ثوابت التعدد الحضاري والمواقف المختلفة منه، رغم ما اكتنفه من فجوات وأخطاء في تفصيلاته الجزئية. فمن مزاياه الكشف عن طبيعة العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي، وتنبيهه على ظاهرة «عدم التزامن» في نقل الأفكار والتصورات الغربية حيث يشرع العالم الإسلامي في تمثل بعض الأفكار الغربية تمثلًا دقيقًا في الوقت الذي يكون الغرب قد تجاوزها إلى غيرها أو إلى نقيضها ممَّا يعمق الاضطراب (ص/ 454). ومن المزايا كشفه عن سيكولوجية النخب المثقفة واستراتيجيات الليبراليين في الصعود واسترضاء الغرب وذلك باعتبارها أداة التحول التي استعان بها الغرب في تغريب العالم الإسلامي (ص/ 350). ويحسب لباور حسن تلقيه وتمثله للنتاج التراثي في تنوعه الواسع وذلك بقراءته إياه في إطار مفهوم التعدد، ممَّا مكنه من دفع تهمة التكلف، والزخرفة، والعقم التي رماه بها الغرب وانساقت النخب الإسلامية في ترديدها حتى عزفت عن تراثها.

وهذه الدراسة على قيمتها لـم تخل من أخطاء علمية وفكرية من ذلك التحامل على شيوخ السلفية في بعض المواطن واتهامهم أحيانًا بما لا يتصور وقوعه منهم؛ مثل إظهارهم في موقف الرافض لتعدد القراءات القرآنية، ومن ذلك أيضًا تحامله على المذهب الحنبلي في غير موطن (ص/ 82، 88).

والفصل الثامن (تعدد معنى المتعة) بحاجة كبيرة إلى إعادة النظر والتنقيح لما يكتنفه من اضطراب في الرؤية حيث يخلط فيه باور مفهوم الحب بين الرجال في الشرق بمفهوم المثلية في الغرب. وهو يوحي بتقبل العالم الإسلامي الكلاسيكي للَّواط بجوار العلاقات الأخرى المشروعة باستدلالات واهية لا تثبت عند المناقشة. ومن هناته في هذا السياق ذهابه إلى أنَّ اللواط محرم في الفقه، لكنه لا يُعاقبُ عليه إذا كان بالتراضي (ص/ 336).

وممَّا هو بحاجة إلى مناقشة قراءته كتاب (سلوك الملوك) في الفصل التاسع قراءة براجماتية ميكافيللية سعى فيها إلى إثبات علمانية ابن نباتة؛ إذ إنَّ ما قدمه من ملاحظات لا يكفي إطلاقًا للقول بلا دينية الكتاب فبعض ما قال إنَّه قواعد تصطدم بالفقه الإسلامي وتتعارض مع شرائع الحرب وشروطها فيه غير صحيح ألبته.

ومن ذلك اعتباره قراءة ابن الجزري قراءة ما بعد حداثية ترى النص القرآني نصًّا مفتوحًا لا نهائي المعنى، وهو كلام يكشف عن إسقاط منظور دريدا الغربي في التفكيك ممَّا يصعب تقبله، أو تصور مآلاته (ص/ 128). هذا فضلًا عن بعض الأحكام المرسلة التي لم يدلل عليها أو يعللها مثل قوله بإضرار التكنولوجيا بالوعي بالتعدد بعد أن عَدَّد خدماتها مثل إتاحتها طباعة المصحف، وتسجيل القراءات ونشرها على شبكة المعلومات ... (ص/ 107).

وختامًا يبقى التنبيه على أخطاء المترجم وهي كثيرة متفاوتة تعكر صفو القارئ وتحول دون القراءة الجيدة؛ إذ لـم يُعرِّف بالكتاب، ولم يعرض لمشكلات الترجمة واصطلاحاتها خاصة المصطلح الأساسي المشكِل (ambiguity)، ولـم يعرِّف ما يحتاج إلى تعريف في كلام المؤلف، ولـم ينبه على أخطائه. وعزف عن إيراد النصوص التراثية بلفظها وركن إلى ترجمتها. ولقد عج الكتاب بأخطاء إملائية، ونحوية، وأسلوبية كثيرة تحتاج إلى مراجعة.

* * * * *



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة