قراءة لأحاديث تصرفات مقامات الرسول عليه الصلاة والسلام

د.محمد كنفودي
2/23/2017

قراءة لأحاديث تصرفات مقامات الرسول عليه الصلاة والسلام

د. محمد كنفودي

غرة القول:

يعد موضوع "مقامات تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام"، ليس حديث النشأة من حيث التناول المنهجي أو المعرفي، بل قد تناوله المتقدمون وفرّعوا القول فيه فروعاً وشُعَباً، وتوالى القول فيه من قبل المحدثين والمعاصرين. وفائدة البحث في الموضوع تتجلى على مستوى استقامة القول والحكم التشريعي، بعيداً عن الفوضى التشريعية التي هي سمة العصر، المفضية للتلاعب اللاّمحدد واللاّمحدود بالنصوص الحديثية ودلالاتها. وقبل تسْهيم القول في المسألة يحسُن أن نجمع أطراف القول بما قيل تاريخيّاً في المسألة على وجْه الإجمال، ثم نُثّنِّي بتسْهيم القول.

1. من مقامات تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام عند المتقدمين:

تناول أهل علم أصول الفقه الكلاسيكي الموضوع بشكل عام، نظير كثير من المواضيع المتعلقة بالشأن العام[1]، ومن أهم العلماء الذين توقفوا عنده تجد "القرافي" [ت684ﻫ] و"ابن القيم الجوزية" [ت751ﻫ] وغيرهما[2]. ونحن في هذا السياق لسنا معنيين بتتبع ما قيل في الموضوع قديماً، بل ما يهمنا حصْراً إعطاء نظرة عامة عن الموضوع من باب التمهيد ورصد معالم التنظير، ونجتهد في تقديم النظرة التي أصّلها "القرافي" في "الفروق"، إذ يعد من أهم العلماء القدامى الذين وضعوا الأسس الأولى لتنظير القول في المسألة. وقد حصر "القرافي" مقامات تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام في أربع مقامات باعتبار الآثار الشرعية المترتبة عنها، وهي: "مقام تصرفه بالتبليغ"، وهو الوصف الغالب على سائر تصرفاته. و"مقام تصرفه بالإمامة"، و"مقام تصرفه بالقضاء"، و"مقام تصرفه بالفتوى". فكل ما صدر عنه على سبيل الإمامة لا يقْدم عليه أحدٌ إلا الإمام أو الخليفة. وكل ما صدر عنه على سبيل الفتْوى، لا يقدم عليه أحدٌ إلا أهل شأن الفتوى. فمثلاً بعْث الجيوش لقتال الأعداء وجمْع المال وصرفه وتوْلية القضاة وقسمة الغنائم وعقْد العهود، كل ذلك ونحوه من شأن الإمام أو الخليفة أو السلطان. وكل تصرف في دعاوى الأمْوال وأحكام الأبْدان والأيمان ونحو ذلك من شأن القاضي. وكل تصرف في أمور العبادات قولاً وفعلاً أو إجابة سائل، ذلك ونحوه من شأن التبليغ والفتوى. وهذه التصرفات مع آثارها الشرعية تعد من منظور "القرافي" محل اتفاق بين العلماء. وما اختلف فيه فعدة نصوص حديثية منها: قوله عليه الصلاة والسلام: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له". وقوله عليه السلام: "من قتل قتيلاً فله سَلبُه". وقوله لهند: "خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف". إذ كل نظر اجتهادي صنفها ضمن مقام من مقامات تصرفه عليه السلام السالفة الذكر[3].

2. من مقامات تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام عند المحدثين :

تناول من المحدثين الموضوع بطريقته الإبداعية العميقة العلامة "محمد الطاهر بن عاشور" [ت1973م] في كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية"[4]. وجاء حديثه عنه في سياق إرشاد الناظر في نصوص السنة إلى ضرورة تبين مقامات تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ يعين الناظر إلى إدراك مقاصد التشريع الإسلامي. وقد اعتبر أن الموضوع بدأ الاهتمام به منذ عهد الرسول عليه السلام مروراً بمختلف مراحل تاريخ الفكر الإسلامي. وقد عدّ مقامات تصرفات الرسول عليه السلام بالإضافة إلى ما أورده "القرافي" وغيره اثني عشر حالاً-مقاماً وهي: "التشريع والفتوى والقضاء والإمامة والهدي والصلح والإشارة على المستشير والنصيحة وتكْميل الأنفس وتعليم الحقائق العالية والتأديب والتجرد عن الإرشاد". وقد مثّل "ابن عاشور" لكل حال-مقام من مقامات تصرفاته عليه السلام بأمثلة بيانية، فمن ذلك، حال-مقام التشريع؛ بوصفه الأغلب على مقامات تصرفاته، إذ لأجله بعثه الله تعالى. يقول عليه السلام: "خذوا عني مناسككم". وقوله عقب خطبة حجة الوداع: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب". وأما حال-مقام الإفتاء، ما أخرجه مالك عن ابن عباس أنه عليه السلام وقف في حجة الوداع على ناقته بمنىً للناس يسألونه فجاء رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر، فقال: "انحر ولا حرج". ثم جاء آخر فقال: نحرت قبل أن أرمي، قال: ارْم ولا حرج". ثم تتابع الناس في السؤال. وأما حال-مقام القضاء فهو ما يصدر عنه من أجْل الفصل بين المتخاصمين الحاضرين أمامه. مثل ذلك قول الخصم للرسول عليه السلام: اقض بيننا. فقال: "لأقضين بينكما بكتاب الله". وهذه المقامات-الأحوال الثلاثة كلها شواهد التشريع، والتمييز بينها من أجل معرفة اندراج أصْل التشريع. وأما حال-مقام الإمارة مثل نهيه عليه السلام عن أكل لحوم الحُمُر الأهلية في غزوة خيبر. وقوله عليه السلام أيضاً: "من قتل قتيلاً فله سلبه". وأما حال-مقام التأديب فمثل قوله عليه السلام: "والذي نفسي بيده لقد هممت آن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو مرْمَاتين حسنتين لَشهِد العشاء". وأما حال التجرد عن الإرشاد فهو ما يتعلق بالعمل الجبلي لشخص الرسول عليه الصلاة والسلام؛ سواء كان خارجاً عن الأعمال الشرعية كصفات طعامه ومشيه وركوبه ولباسه ونحو ذلك، أو كان داخلاً في الأمور الدينية كالركوب على الناقة في الحج والهَويِّ باليدين قبل الرجلين في السجود ونحو ذلك[5].

3. من مقامات تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام عند المفكرين المعاصرين :

تناول الفكر الإسلامي المعاصر كما سبقت الإشارة إلى الموضوع بنظرة خاصة؛ بالنظر إلى ما استقر عليه تأسيس القول في منهج أصول الفقه الإسلامي تاريخيّاً. نظرة تجنح نحْو القطع المطلق مع تأسيس المتقدمين ومختلف تحييناته الحديثة والمعاصرة. ومن أعلام هذه النظرة تجد "محمد شحرور" و"عدنان الرفاعي" وغيرهما. إلا أن الناظر في نصوصهما يتسنى له أن يلاحظ ملاحظتين عامتين متعلقتين بالجانب المنهجي تحْديداً، وقلَّ ما ينفصل الشق المنهجي عن الشق المعرفي، وهما: آفة الخلط الصريح. وآفة تكريس القول التاريخاني. فأما الآفة الأولى فتتجلى في أنهم يخلطون بين نصوص القرآن ونصوص السنة وكأنهما سيان. فإذا كان ما استقر عليه منهج نظر أصول الفقه أن مقامات الرسول عليه الصلاة والسلام كلها متعلقة بما صدر عنه، أو بتعبير "محمد شحرور" بما أتى به عليه السلام من أحاديث وسنن، فإن المعاصرين يرون أن مقامات التشريع بقدر تعلقها بالأحاديث والسنن، تتعلق أيضاً بنصوص القرآن سواء بسواء. وأما الآفة الثانية فتتجلى في أن مختلف أوْجه قولهم في مقامات تصرفات التشريع؛ سواء تعلقت بالأحاديث والسنن، أو بنصوص القرآن حسب زعمهم، القصد منه تكريس النظرة التاريخانية إلى النصوص الشرعية بنوعيها، وإزالة صفة التشريع المطلق المتعالي عنها. ومن أهم مقامات تصرفات القول التشريعي الإسلامي عندهما ثلاث مقامات عامة: "مقام محمد الرسول" و"مقام محمد النبي" و"مقام محمد الإنسان"[6]. وإذا لم يتم التحديد والفصْل المنهجي بين هذه المقامات، لن يستقيم قول التشريع والفكر الإسلامي المعاصر أبداً حسب زعمهم. فمثلاً قوله تعالى: ﴿فإن كنتَ في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين﴾. [يونس. 94]. كما ينص "عدنان الرفاعي" يتعلق بـ"محمد الإنسان"؛ بوصفه له هواجس نفسية كأي إنسان آخر. وأما قوله تعالى: ﴿عَفَا الله عنْكَ لِمَ أذِنْتَ لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعْلم الكاذبين﴾. [التوبة. 43]. فهو نص يتعلق بـ"محمد النبي"؛ بوصف اجتهاداته كاجتهادات أي إنسان تصيب وتخطئ. وأما قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويُسلِّموا تسلمياً﴾. [النساء 64]. فهو نص يتعلق بـ"محمد الرسول"؛ بوصف ما جاء به باعتبار هذا المقام ملزم للجميع[7].

وعليه؛ فإن كل الآيات التي خوطب بها عليه السلام بوصفه نبيّاً أو إنْساناً تحمل أحْكاماً تاريخانية غير متعالية ومحايثة غير مفارقة. وأما الآيات التي خوطب بها بوصفه رسولاً تحمل أحكاماً متعالية غير تاريخانية ومفارقة غير محايثة، باستثناء الفهم والتنزيل فقط. ونفس الأمر ينطبق على نصوص السنة الثابتة سواء بسواء. نحاول  بسط القول في اجتهاد "محمد شحرور" في الموضوع .التمثيل باب من  يعيد "محمد شحرور" النظر التأصيلي في كثير من المسلمات التراثية التقليدية، انطلاقاً من قراءته المعاصرة لنصوص الوحي المنزل، قصد التخلص من مختلف أساسات المنهج التراثي ومستلزماته، ومن ذلك علاوة على ما سبق، اعتباره أن "مقامات" محمد عليه الصلاة والسلام بناء على قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أباَ أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً﴾. [الأحزاب. 40]. "ثلاث مقامات" عامة تؤطر مختلف ما صدر عنه عليه السلام، للتمييز بين ما هو "متعالي مطلق"، وما هو "تاريخاني مرحلي محض"، وهي:

المقام الأول: محمد الإنسان:

يقول تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾. [الكهف. 105]. كل ما صدر عنه عليه السلام بذلك الوصف من أقوال وأفعال، ليست سنة لازمة لأحد. ويشمل مطلق علاقاته الزوجية والأسرية وأسلوب حياته. وما يمثل به في هذا السياق تجد مختلف الأحاديث المتعلقة "بإطالة القيام في الصلاة منفرداً"، "الوصال في الصيام خارج شهر رمضان"، "لعق الأصابع عند الانتهاء من الطعام"، "كره الضب والبصل والثوم" ونحو ذلك. وعليه؛ فإن مطلق هذا النوع من الأحاديث، ليس مطلوباً فيها الاتباع والاقتداء والتأسي إطلاقاً؛ سواء داخل زمان حياته أو بعد مماته[8].

المقام الثاني: محمد النبي:

يقول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك﴾. [الأحزاب. 50]. كل ما صدر عنه عليه السلام بذلك الوصف من أقوال وأفعال ليس من السنة اللازمة ولا من الطاعة الشرعية الواجبة، إذ ما جاء وأتى به بهذا الوصف يعد مما هو خاص، أو من التشريع المرحلي، أو من الحكمة الاجتهادية التي تقبل التطور كتأسيس الدولة وتنظيم شؤون القتال ونحو ذلك. وما يمثل به في هذا السياق تجد مختلف الأحاديث المتعلقة بموضوع النكاح والطلاق في تنظيم العلاقات الاجتماعية أو المتعلقة بموضوع البيع والشراء أو المتعلقة بالتعليمات العامة، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تسافر امرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم". وقوله أيضاً: "ما أفلح قوم ولو أمورهم امرأة". وقوله عليه السلام: "الأيّم أحق بنفسها من وليّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". وعليه؛ فإن مطلق هذا النوع من الأحاديث التنظيمية تركز على أحوال الواقع المعيش والظروف الموضوعية، فإذا تغيرت الأحوال تغير الشكل التنظيمي حتماً[9].

المقام الثالث: محمد الرسول:

يقول الله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾. [النور. 50]. كل ما صدر عنه عليه الصلاة والسلام بذلك الوصف من أقوال وأفعال فهو من "مقام العصمة". وبالتبع، سنة لازمة واجبة الإتباع ما لم تتعارض مع نصوص الوحي المنزل[10]، والطاعة الشرعية لها إما متصلة أو منفصلة كما سلف القول. وما يمثل به في هذا السياق تجد ما يتعلق بموضوع القيم العليا والشعائر، مثل قوله عليه السلام: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج". وقوله: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". وقوله أيضاً: "الخلق كلهم عيال الله أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله"[11].

في مقابل ما سلف يرى "محمد شحرور" أن مجموعة من الأحاديث الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعين أن تفهم بمنظار الروح المتجاوزة، لا بمنظار الحرفية المتحيزة، من ذلك قوله عليه السلام: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"؛ بمعنى أن الرؤية تتحقق بكل وسيلة حققت "قصد الرؤية الحق". وكذا سنة أكل التمر وشرب الحليب؛ بمعنى أن على المسلم أن يطعم مما تنتجه بلده أو مما هو متوفر فيها. وكذا يقال في جملة سنن وأحاديث أخرى[12].

وعليه؛ فإن مما أراد أن يخلص إليه "محمد شحرور" أن كلية الأحاديث لا علاقة لها إطلاقاً "بدائرة المحرمات"[13]، إذ الله تعالى وحده الذي تولى تحديدها وعدها وأغلق بابها، ولم يعط الله تعالى لأحد الحق أن يضع محرمات تشريعية ثابتة إلى أن تقوم الساعة. وإنما كلية الأحاديث على مستوى التشريع دائرتها لا تتجاوز "دائرة المنهيات"، التي هي من باب الاجتهاد حسب نوعية الظروف والشروط الموضوعية[14].

إن القصد مِمّا سبق، هو تبيان أن القول في الموضوع تشعب شُعباً عديدة أفضت إلى آفة التلاعب بالنصوص الشرعية بنوعيها القرآنية والحديثية، بالنظر إلى انعدام الضابط المنهجي الأسْلم. لذا فإن أسْلم القول في الموضوع، هو أن مقامات وأحوال تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام كلها جميعاً متعلقة بالأحاديث والسنن الثابتة، ولا علاقة لها إطلاقاً بنصوص القرآن؛ سواء كان عددها أربعة كما عند "القرافي"، أو اثني عشر كما عند "الطاهر بن عاشور"، أو ثلاثة كما عند "محمد شحرور" و"عدنان الرفاعي" وغيرهما، أو أكثر أو أقل من ذلك[15].

4. نحو منظور تنزيلي لمقامات تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام:

إن من أهم ما يعاني منه الوجود والفكر الإسلامي المعاصر؛ سواء في شقه المجرّد أو في شقه المجسّد، تجد آفة الخلْط بين مقامات وأحوال تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام، وأمارة ذلك ما تفعله بعض الجماعات التي تسمى "إسلامية" في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي[16]، خصوصاً تلك التي تصنف في خانة "التطرف" أو "الإرهاب"، والتي تجنح نحو الخيار المسلح، وتتعدد بتعدد توالي الزمن. نجتهد في هذا السياق مقاربة قضيتين مهمتين بوصفهما تعكسان آفة الخلط الشنيع، على مستوى مقامات تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام، وهما: "قضية إعلان الجهاد في سبيل الله"، وقضية "إقامة الحدود الشرعية".

القضية الأولى:

إعلان الجهاد في سبيل الله تعالى ومقْتضى مقامات تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام:

يعد إعلان الجهاد في سبيل الله تعالى وإطلاق حالة النفير العام في الوطن بالمعنى المعهود، من المهام الأساسية للإمام أوْ ولي الأمر المتمثل في الملك أو رئيس الدولة أو ما يقوم مقامهما؛ بوصف الجهاد حالة مركبة وليْس حالة مفْردة. ولقد كان في عهده عليه السلام يعلن عنه من قبله وحْده دون سواه؛ بوصفه إماماً للمسلمين بالمعنى العام وليس بمعنى العبادة فحسْب. إلا أنك تلاحظ اليوم أن الجماعات الإسلامية التي تنزع نحو السلطة باتباع منهج العنف، تلجأ إلى إعلان حالة الجهاد في سبيل الله تعالى في الوقت الذي تريد؛ سواء كان الجهاد ضد المخالف في الدين الذي تحقق منه العدوان، أو كان ضد المواقف في الدّين المخالف في نسق التصورات المتعلقة بالشأن العام تحديداً، والذي تحقق منه الظلم بصورة من صوره. وهذه الحالة في حقيقة أمرها شبيهة بما كان يقع صدر التاريخ الإسلامي، خصوصاً من قبل ما اصطلح على تسميتهم بـ"الخوارج" بمذاهبهم وطوائفهم المتعددة[17]. وهذا التشابه ظاهراً وعمقاً اقتضته عدة أسباب موضوعية وذاتية من بينها: السبب الأول: فقدان الشرعية في النظر وممارسة الاستبداد في العمل؛ إذ يلاحظ الناظر في مختلف مراحل تكوّن مفهوم "الدولة" في التاريخ الإسلامي، منذ عهد الدولة الأموية وإلى الآن، أنّ الحاكم أو الخليفة أو السلطان أو الأمير ونحو ذلك من الأسماء، تلازم في شأنه آفتين: الأولى: أنّ تنصيب الحاكم يتم وراثة، في حين أن الأصل أن يكون اختياره شورى عن طريق المنهج الديموقراطي من قبل المواطنين أو من طرف من ينوب عنهم. الثانية: ممارسة الاستبداد على اتباع المذاهب الموافقة في الدين والمخالفة في الرأي[18]. السبب الثاني: تبني مقولات شاذة عن أحكام الدين أو عن ممارسة السياسة، ويكون منشؤها في الغالب من الداخل أو مستوردة من الخارج دون مراعاة خصوصية المجال. والذي زاد من عمق الأزمة وتوسعها أمرين اثنين: الأول: تبرير مختلف الأفعال الاستبدادية باسم الحفاظ على الأمة وأمن الجماعة ومحاربة الفتن، من قبل علماء السلطان الذين وُجدوا من أجل تبرير ما يفعله السلطان باسم نصوص الدين تقويلاً وتوظيفاً ووضعاً[19]. الثاني: إعْدام المخالف في النظر ذاتاً ورأياً[20]. وعليه؛ فإن المنطق يقتضي أن القضاء على النتائج رهين بالقضاء على أسبابها، إذ الغذاء الدسم الذي يتغذى منه فكر ما يسمى بـ"الجماعات الإسلامية المتطرفة" المهددة لسلامة ووجود أوطان آمنة، الاستبداد بشتى صوره ومظاهره، خصوصاً الاستبداد السياسي والفكري، القائم في جوهره على إقصاء المخالف ذاتاً وفكْراً. وهذا أمر يحتاج لِكَنْسِه وجوديّاً وقتاً طويلاً بالنظر إلى أمرين: الأول: كوْن الاستبداد قد تغلغل في شرايين وعروق السلطة السياسية في الأوطان العربية تحديداً، حتى أصبح مادة وأساس بقائها. الثاني: أن الأوطان العربية تختلف أوضاعها تاريخياً وقانونياً واجتماعياً. أخذ ذلك وغيره في الاعتبار، من شأنه أن يخفف من حدة الوضْع ويعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي والأصلي، وإلا دخلت الأوطان العربية تحديداً في متاهات وجودية تأتي على بقية البقية، خُصوصاً إذا تيقن المرء أن تجربة التغيير في الأوطان العربية كتب عليها من قِبل المافيات الداخلية والخارجية ألاَّ ترَى النور ولا تشرق شمسها أبداً[21].

القضية الثانية:

إقامة الحُدُود الشرعية ومقتضى مقامات تصرّفات الرسول عليه الصلاة والسلام

نصَّ الشرع الحكيم على سبعة حدود-عقوبات معينة، لسبعة أفعال وخيمة، بعضها ورد مفصلاً وبعضها الآخر ورد مجْملاً. وقد سيَّجها الشرع الحكيم بمبدإ من عظائم المبادئ الإنسانية، ألا وهو: "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، أو "لأن يخطأ الحاكم في العفو، خيْر له من أن يخطأ في العقوبة"، وشواهد ذلك من النصوص الشرعية الدالة عليه عديدة[22]. وبعد تحقق ارتكابها من قبل المكلف يتم تطبيق الحد المنصوص عليه من قبل السلطان أو القاضي أو من يُعينه السلطان. وبالتبع، فإن تطبيقها ليس أبداً مرده إلى الأفراد أو الجماعات تحت أي ذريعة، وإلا أفضى ذلك إلى الفتنة وإشاعة الفوضى وحلّ الأمور على سُنن الجاهلية وتفويت المقصود[23]. خصوصاً إذا علمنا أن إقامة حد من الحدود الشرعية يستوجب العديد من البنيات التي يتم بناؤها أو التحقق منها من قبل سلطة الدولة. والذي يزيدُ الطين بلّة أن أغلب الحدود الشرعية معطلة في أغلب الأوطان الإسلامية والعربية منها تحديداً بدعاوى إملائية، إذ قم تمَّ استبدالها بعقوبات تعزيرية قضائية أخرى. لذا فإن إقامة الحدود الشرعية من قبل بعض الجماعات الإسلامية عمل صعْب المنال عسير التحقق مُفوَّت للقصد الشرعي المتعالي. قد تتعلل بأن إقامة الحدود الشرعية يعد من أهم أبواب "تغيير المنكر ومحاربته والدعوة إلى الخير"، وهو حكم شرعي لا يرتفع كما ثبت نصّاً[24]. إن تغيير المنكر فريضة إسلامية أساس السلامة الاجتماعية ودوامها؛ ذلك أمرٌ لا مراء فيه، ما دام أن النص الشرعي ورد بذلك. إلا أن الإشكال المطروح ليس مرده إلى الطرح النظري، بل هو متعلق بالمستوى التنزيلي التطبيقي، إذ ليس كل فرد من أفراد الأمة أو الوطن رأى منكراً أو ما يخالف الشرع الحكيم، يسعى إلى تغييره، إذ من شأن هذا المهيع في التغيير أن يفضي إلى منكر أشد وفتنة أعظم وينسف نظام المجتمع من أساسه. لذا فإن القول الأسلم أن تغيير المنكر مراتب ودرجات، فالمنكر المتعلق بالشأن العام لا يتم تغييره إلا من قِبل سلطة البلد قانوناً وفعلاً[25]. والمنكر المتعلق تغييره باللسان مرده إلى أهل النباهة والعلم[26]. والمنكر المتعلق بالشأن الخاص يتم تغييره من قبل الأفراد من باب التناصح المأمور به شرعاً، أو تغييره بالقلب كما ثبت في النص الحديثي[27].

إن عدم تقدير الأمور حق قدرها نظراً وعملاً، من شأنه أن يقلب مقاصد الأمور، فبدل أن يكون القصد إصْلاحياً ينقلب إلى فساد وإفساد أعظم. لذا فإن التنظير الأسلم والتنزيل الأمثل لمقامات وأحوال تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام، لَمِن شأنه أن يضع حركة الأمة على مسارها الصحيح، درءاً لكل فوضى وفتنة، وجلْباً لكل مصلحة وخير عميم، وإلا أضْحى وجودها رهين تقلبات مزاج وتوجهات الأفراد والجماعات.

وعليه؛ فإن طَرق باب هذا الموضوع ليس القصد منه تسطير القول الفصل، بل الدعوة إلى مواصلة الاجتهاد أكثر، خصوصاً إذا كان مؤسسيّاً، من أجل بناء تصور نسقي سليم راشد لمقامات وأحوال تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم التنزيل الأسلم لذلك على مختلف مجالات حركة وسعي الإنسان؛ ليكون الموضوع ليس مجرد فكرةٍ في أذهان خاصة النّاس، بل إلى ثقافة سائدة بين عامة الناس، وما ذلك ببعيد على أولي بقية من الناس الشاهدين.

 



[1]- يلاحظ على مختلف اجتهادات المتقدمين، أنهم أوغلوا في مطلق التفريعات الممكنة والافتراضية المتعلقة بالشأن الخاص، في حين قتروا القول في عموم المسائل الملحة والأساسية المتعلقة بالشأن العام. مما أفرز تضخماً في الكتابات المتعلقة بالأمر الأول، وندْرة بينة في الأمر الثاني.

[2]- أنوار البروق في أنواع الفروق "للقرافي"، وزاد المعاد في هدي خير العباد "لابن قيم الجوزية".

[3]- أنوار البروق في أنواع الفروق، "القرافي"، تقديم وتحقيق وتعليق. "عمر حسن القيام"، مؤسسة الرسالة، بيروت. لبنان، ط1، 2003، ج1، ص.[ 426-432]

[4]- وكذا "علال الفاسي" في: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، مطبعة الرسالة، الرباط. المغرب، ط2، 1879، ص[110]وما بعدها.

[5]- مقاصد الشريعة الإسلامية، دار السلام، القاهرة. مصر، ط. 2006، ص. 25 وما بعدها. انظر مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، ص.[110]وما بعدها.

        قد أضاف "علال الفاسي" رحمه الله تعالى مقاماً آخر إلى المقامات السالفة الذكر عند "القرافي" و"الطاهر بن عاشور"، ألا وهو مقام "محمد الإنسان" أو "الشخص" المجرد عن الرسالة والنبوة. نفسه. ص. 112-113. وهو من المقامات التي ركز عليها "محمد شحرور" وغيره كثيراً.

[6]- مقام "محمد الإنسان" حسب "علال الفاسي" تدرج ضمنه صورتين: الصورة الأولى: الأفعال الجبلية العادية التي تقتضيها الحياة البشرية، كحالة الطعام والشراب واللباس والنوم والقيام والعقود والركوب ونحو ذلك، وهذا مما لا يطلب من المكلف القيام بمثله؛ لأنه جِبِلي. والصورة الثانية: الأفعال والاجتهاد الدنيوي غير المستند فيه على وحي؛ وذلك كالحيلة في الحروب وتدبير ضروب الفلاحة وطرق البناء ونحو ذلك. ويدرج ضمن هذه الصورة حديث تأبير النخل السالف الذكر. مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، ص. [112-113]

[7]- الحق المطلق، ص.[179-184]

        انظر تفصيل مقامات تصرفات الرسول عليه السلام من منظور "سامر إسلامبولي"، وهو في عمومه لا يخرج عن منظور "محمد شحرور" و"عدنان الرفاعي" في: حوارات ثقافية، ص.[ 168]

[8]- الدولة والمجتمع، ص. [155] السنة الرسولية والسنة النبوية، ص. [102-103-174]

[9]- الدولة والمجتمع، ص.[155]. السنة الرسولية والسنة النبوية، ص.[102-160-174-175]

[10]- السنة الرسولية والسنة النبوية، ص.[174-175] الحديث الأول أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الصلاة، حديث رقم.[93] بصيغة: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج هي خداج غير تمام". والحديث الثاني أخرجه البخاري، كتاب الصيام، حديث رقم.[1952] صحيح مسلم، كتاب الصيام، حديث رقم.[1147]

[11]- الدولة والمجتمع، ص[ 156] السنة الرسولية والسنة النبوية، ص[107-164-174]

[12]- الكتاب والقرآن، ص.[570-571]

[13]- بعد ما حسم "محمد شحرور" في تشريع المحرمات كونها متعلقة بالله تعالى وحده دون الرسول عليه السلام أو غيره، قد تردد في عد عدد المحرمات ولم يحسم القول فيها كما سلف القول.

[14]- الكتاب والقرآن، ص.[550-554]

[15]- مقامات تصرفات الرسول عليه السلام ليست محصورة في ما أصله القدامى أو المحدثون أو المعاصرون، بل إن تأسيسها رهين بمبدإ الاجتهاد، نظير المقاصد الشرعية سواء بسواء.

[16]- مجمل الجماعات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي تنقسم إلى أقسام ثلاثة عامة: قسم اختار منهج العمل المسلح للتغيير. وقسم آخر اختار منهج التغيير السلس عبر التوسل بالديموقراطية. وقسم اختار منهج التغيير الدعوي خارج آلية الانتخابات السياسية تحديداً.

[17]- مفهوم الخوارج في تاريخ الفكر الإسلامي يطلق مرة على المذهب أو الفرقة الإسلامية المعروفة. ويطلق مرة أخرى على كل من خرج عن فكر ومذهب السلطان أو الحاكم.

[18]- للتفصيل في مفهوم "الاستبداد"، انظر: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، "عبد الرحمن الكواكبي"، كلمات، القاهرة. مصر، بدون تاريخ.

[19]- قد حصل ذلك بصور متعددة في تاريخ السلاطين في الإسلام، والأمر الكلي الناظم لها: أن من يخالف السلطان في المذهب والرأي يعد خارجاً عن الدين، فكأن الخروج عن الدين مروقاً، والاختلاف مع السلطان في الرأي مذهباً، وجهان لأمر واحد.

[20]- قد حدث ذلك مرات عديدة في تاريخ السلاطين والدول في الإسلام.

[21]- إن دلالة مفهوم "التغيير" قد دخلت في عالم السيولة والتسيب الدلالي في العالم العربي ما ليس له مثيل، خصوصاً بعدما حدث في بعض الأوطان العربية من ثورات أو انتفاضات كما تسمى. لتحرير القول في دلالة مفهوم التغيير انظر دراستنا: القرآن ومنهج بناء دلالات المفاهيم.

[22]- روى الترمذي عن عائشة أن رسول الله عليه السلام قال: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خيرٌ من أن يخطئ في العقوبة". رغم أن الحديث فيه مقال عند أهل الشأن، إلا أنه معزز بحديث ماعز والغامدية وغيرها. فضلاً عن ما أخرجه النسائي، حديث رقم[4885. 4886]

[23]- في الحقبة الجاهلية كان أمر الحدود والقصاص عشوائياً لا يقوم على نظام. وبعد بعثة الرسول عليه السلام أقام الأمور كلها على النظام، إلا أن تأثيرات الحقبة الجاهلية استمرت بعد مجيء الإسلام، وما يدل على ذلك، أن بعد مقتل عثمان وتولي الخلافة علي رضي الله عنهما، طالب معاوية رضي الله عنه من علي تسليمه قتلة عثمان، في حين أن أمر القصاص فردياً وجماعياً مرده إلى الخليفة أو من نصبه الخليفة لذلك الأمر لا إلى أي إنسان آخر. وبسبب هذا الأمر حدثت مآسي ما زالت تأثيراتها مستمرة إلى الآن.

[24]- تأمل قوله تعالى: [آل عمران.104-110]، [التوبة. 72-113]. الحديث سبق تخريجه.

[25]- مثل سن القوانين التي بموجبها تزال الخمارات والملاهي الليلية ومحاربة الاتجار في المخدرات والأفلام الإباحية ونحو ذلك.

[26]- مثل توعية الناس بخطورة عواقب بعض الأفعال ذاتياً وغيرياً، بناءً على معطيات ثابتة ونحو ذلك.

[27]- مثل تغيير مظاهر المنكر داخل الشأن الأسري من قبل رب الأسرة من باب البناء التربوي. من نصوص السنة الدالة على هذا الأمر، ما أخرجه مسلم في صحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". الحديث سبق تخريجه. وأخرج مسلم عن تميم الداري أن الرسول عليه السلام قال: "الدّين النصيحة". قلن: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". صحيح مسلم، حديث رقم.[55]وغير ذلك من الأحاديث.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة