إشكالية فعالية العلوم الاجتماعية والحل الظاهراتي

د. محمد عبد النور
2/21/2017

إشكالية فعالية العلوم الاجتماعية والحل الظاهراتي

د. محمد عبد النور

 

في زمن بلغت فيه العلوم الاجتماعية كونيًّا مبلغًا يكشف عن مآلاتها النظرية التي ستحدد مصير الإنسان المعاصر ومستقبله، ما تزال ترواح في مجالنا الحضاري مرحلة الشك في فاعليتها وأهميتها، بما يجعلنا نعاود مساءلة أسس العلم الاجتماعي لذاته؛ لَعَلَّنا نكتشف في خِضَمّ هذا الانسداد الحاصل منافذ تكون ليس فقط لعلاج أزمته الوجودية في عالمنا، لكنها أيضًا تصطحب معها الإشكال الكوني للعلوم الاجتماعية؛ لعلها تسهم بعطاءات في الخروج من الانسدادات الحاصلة داخلها، هذا ما سنحاوله في هذه الورقة البحثية التي تتكون من مدخلين لعلاج الإشكال: الأول نظري متعلق بسؤال النفعية والدافعية والفاعلية، والثاني تاريخي مرتبط بلحظة المنعرج الظاهراتي الذي أعاد للعلوم الاجتماعية أصالتها الإبستمولوجية، انطلاقًا من الثورة الرومانسية في الأدب، وتسرّب القضية التأملية إلى العلوم الاجتماعية.

 

·    المدخل الأول:

من طبيعة الإنسان أنه يبحث عن الأثر المباشر للأشياء التي يصادفها في الوجود، أي المنفعة التي تتحقق منها، ذلك أن المنفعة الآنية المباشرة هي «مصدر شرعية» الأشياء في الوجود، ومن ثم فإن غياب الشعور بالمنفعة المباشرة يجعل من الأشياء فاقدة للمعنى، ويستتبع فقدان معاني الموجودات فقدان قيمة الاشتغال على تلك الموجودات.

على أنَّ مجرد فقد معنى الشيء يوجب إحالته إلى العدم، إذ المفارقة أن ينعدم معنى الشيء ويبقى الشيء موجودًا، وحصول هذه المفارقة يدل على أمرين:

أ‌- إما أن معنى الشيء مفقود وتسعى قوة خارجية إلى تقريره بالقهر الذي تحوزه.

ب‌- وإما أنَّ المعنى متحسس لكن شكله غائب عن الوعي.

فالأول يشير إلى أنَّ المعنى إلى زوال مهما بدى أن القوة الخارجية ناجحة في ترسيخ المعنى الزائل، والثاني إلى ظهور وانبجاس، مهما كان الشعور به غامضًا.

من هنا نأتي بالعلوم الاجتماعية لنسائل مكانتها ضمن إطار المعنى وشرعية الوجود التي ترتبط بالمنفعة التي تقدّمها تلك العلوم، وهل أن الأمر متعلّق بمجرد الشعور بانعدام المعنى أم بانعدام حقيقي للمعنى؟

الفرضية التي نفترضها هنا هي أن المعنى هو ملك الإنسان، إن شاء أعطاه للشيء وإن شاء منعه، وأن الأشياء في أصلها محايدة، وأن الإنسان يقرّ من حيث المبدأ بوجود معنى أولي غامض في الوجود كله [رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ] [آل عمران: 191]، وأنَّ بين التسليم البدئي([1]) بوجود المعنى في كل شيء في الوجود، وبين إدراك المعنى المحدد للموجودات= عملية بحث تنتهي في النهاية بلحظة «خَفَقان القلب» الذي يذكي الحماس والإقبال على استهلاك المعنى الذي يتخفى بين طيّات الشيء الموجود، بوصفه اتصالًا بحقيقة غامضة كانت في لا شعور الإنسان، على أنَّ لحظة الخفقان تشير فقط إلى اكتشاف المعنى الوجودي للشيء، وليس إلى اكتشاف تفاصيله السببية.

بل إن اكتشاف التفاصيل السببية لا يكون إلا بدافع وجودي، من مستوى إلى آخر، وهكذا، في سيرورة تبادلية ضرورية (جدلية) بين الوجودي العاطفي، والسببي العقلاني، فكان لا بدّ من الاحتفاظ بالدافع الوجودي كل مرة للإيغال أكثر في تذوّق  [مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا].

ومن ثمَّ فإن الإجابة المبدئية عن مشكلة فقدان الشعور بأهمية العلوم الاجتماعية يعود إلى التفاصل بين الوجودي والسببي، أعني غلبة الهم السببي على الهم الوجودي الذي يضفي المعنى كل مرّة على الدراسات والبحوث الاجتماعية، فالقليل من الباحثين ممن ينطلقون في بحوثهم من حماس داخلي فيهم، نابع من خفقان قلب اتجاه حقيقة إنسانية ما، والقلة القليلة من هؤلاء أيضًا من يحافظ خلال بحثه ليس على روح الخفقان بل على أسبابه التي تضمن استمرار الخفقان؛ لأن الخفقان ببساطة هو أصل الإبداع والاتصال، وهو ناتج بالضرورة عن لحظة تأمّل تصل المتأمل بما يسميه هيغل بالمدد القيامي الذي منه يستمد إشعاع الحقائق الجديدة في كل مرة، ومنه يُتَنَسَّم الإبداع، فما المدد القيامي؟

قبل الدخول في تفاصيل الإجابة لا بد من الإشارة إلى أن الحلول التي يتخذها المتخصصون حيال هذا الشعور بعدم جدوى العلوم الاجتماعية، هي حلول هروبية لا تحاول فك اللغز الذي تقدّم تحليله هنا، فهم إما يتحلّون بصفة الخبراء الذين يكونون في خدمة الأمة بفضل خبرتهم البحثية التراكمية لا بصفتهم الاستكشافية أو الإبداعية، أو بصفة الأكاديمي المنكب على بحوثه المكتبية في نشر رسالة العلوم الاجتماعية، وكأنها رسالة قد تم إنجازها مقدّمًا، وطبعًا لا نعني هنا القدح في الطموح الذي هو مشروع، ولكن لابد من تخليصه من متعلقاته، فالخبرة الحقيقية هي خبرة استكشاف ناتجة عن لحظات الخفقان المستمرة، وكذا أنّ الرسالة الفعلية للعلوم الاجتماعية هي رسالة منهج استكشافي بعيد عن مجرد توظيف لأدوات برّانية عن ذات الباحث، أعني تقنيات معدّة سلفًا، بينما الأمر متعلّق بإجراءات ذهنية يلتزمها الباحث، وتتجلى في ثمرات بحوثه النهائية، فلا يكون البحث مجرّد ادّعاء باستعمال تقنيات معدّة سلفًا.

وطبعًا حتى الإجراءات الذهنية هي حقائق ممكنة التحديد والتنفيذ، وقد تحتاج إلى تدريب عليها، من قبيل المفاهيم التي صاغها دلثاي مثلًا حول التجربة المعيشة ورؤية العالم، أو هوسرل عن الاختزال الظواهري والإبوخي، أو فيبر عن الإمكانية الموضوعية والحياد النسقي، فهذه آليات إجرائية تتم في خضمّ المسار البحثي بشكل عفوي، فهي غير متكلّفة ذلك أنها ستحضر في الذهن بشكل طبيعي عندما يتحلى الباحث بالروح العلمية في بحوثه، فهي في العمق ليست إلا تعبيرًا عن ضمير علمي، ومن ثم كان التفصيل الممل في كيفية استعمال تلك الاجراءات مجرّد نزعة تدخّلية غير مبرَّرة، والضرورة البيداغوجية التعليمية يجب أن تعتني إما بعرض المنجزات البحثية النوعية وشرحها، أو أن تعمل على إنجاز أبحاث تشاركية فيها يحصل التلاقح والانقداح([2]).    

 

·    المدخل الثاني:

في غمرة انتصار العلم الكلاسيكي على الفلسفة المدرسية، والانزياح الذي عرفته المجتمعات الأوروبية من الدين إلى العلم، الذي كان صنوًا للحياة المدنية الحرة والعقلانية، وفي زمن ارتفعت فيه مقولة «فك السحر عن العالم» وأن العالم كله يسير من خلال قوانين يدركها العقل، ظهرت الحركة الرومانسية في الأدب باعتبارها ثورة موجهة في الأصل إلى التخلص من سيطرت الآداب اليونانية والرومانية، جاءت نتيجة الاستقلال اللغوي والأدبي للشعوب الأوروبية بفعل ظهور نمط الدولة القومية، وثورة في الوقت ذاته على القيود المتوارثة في مجال الآداب والفنون ومحاولة التمرّد عليها.

إذ وبالقدر الذي توجّه فيه العلم إلى صياغة قوانين كونية عن الوجود يسندها المنطق والعقل الإنسانيَّين نَحَتْ الرومانسية إلى نوعٍ من الانطباعية والانسجام مع الذات الفردية للفنان والأديب دون قيود، سعيًا منها لإطلاق العبقرية البشرية على سجيتها، يقول الرسام كاسبر ديفيد: «إن مشاعر الفنان هي قوانينه الخاصة»، فجاءت الرومانسية نقيضًا للآداب والفنون الكلاسيكية، ولتُشيِّد أدبًا وفنًّا يقوم أساسًا على التعبير عن الوجدان الإنساني وما يحمله من المشاعر والعواطف، وحتى التمرد والفرار من الواقع.

فاتسمت الرومانسية بجملة من الخصائص المشتركة تمثلت في:

(1) الذاتية: العواطف والتحليق في رحاب الخيال والصور والأحلام.

(2) التلقائية والعفوية دونما تأنق في الأسلوب.

(3) الثورية والتعلق بالمطلق واللامحدود.

(4) قدسية الحرية الفردية.

(5) الرجوع إلى الطبيعة حيث الصفاء والفطرة السليمة.

(6) فصل الأدب والفن عن الأخلاق؛ أي عن قيم عامة مشتركة والقيمة الوحيدة هي الكفاءة في الخبرة والتقنية.

(7) الإبداع والخروج عن المألوف، بإظهار الأسرار الخفية في الحياة، عكس نظرية المحاكاة الأرسطية.

(8) العناية بالمسرح والفنون التي تسهم في إطلاق الخيال المثير وجيشان العاطفة.

(9) الاهتمام بالآداب الشعبية والطابع المحلي في الأعمال القصصية والمسرحية.  

لقد قُدّر لهذا الاتجاه الأدبي أن يؤثر في أكبر فيلسوف في العصر الحديث هيغل صاحب أهم كتابين مهمين جدًّا: «ظاهريات الروح»، و«المنطق»، ولنا أن نتصور أنْ يتأثر فيلسوف ذو عقل جبار ليس بمجرد نزعة أدبية بل باتجاه أدبي ثائر عن القيود والحدود، كيف يمكن أن يتفاعل مفكر سليل العقل الديكارتي والكانطي مع تيار أدبي مغرِق في الذاتية، وقبل ذلك أن يكون حاملًا للأهلية اللاهوتية من معهد توبنغن الديني لتخريج القساوسة، بعد تكوين دام خمس سنوات في المعهد على يد أفضل الأساتذة في تخصصهم، وقد صادق خلال تكونه في المعهد الديني الشاعر الرومانسي «هولدرلين».

لو بدأنا بكتاب المنطق فإن هيغل أنجز ثورة في المنطق السائد منذ عهد أرسطو، وهذه الثورة تتمثل في إضافة البعد التأمّلي الذي يحرر المنطق التقليدي من الجمود ويجعله لأول مرّة منطقًا متحرِّكًا، ويحيل الفكر كلّه إلى فكر حركي، فما معنى القضية التأملية؟

معلوم أن التأمّل بوصفه حالة وجدانية يتفاعل فيها القلب مع العقل، وأهم ما فيه هو أنه يربط بشكل مباشر بين الظرف الآنيّ التي هي لحظة التأمل، وبين المطلق الذي يتجسد في العقل والوجود والذات الإلهية، مع اعتبار الفوارق بينها، فالتأمّل في النهاية هو انصهار للكينونة الذاتية في الوجود، بحيث تتهاوى كل الحدود بين الذات والوجود، فالانغماس في التأمل يزيل بشكل ظرفي الإحساس بالعالم بما فيه الكيان الجسدي، الذي تتلبسه حالة شبه صوفية يخرج وعي الإنسان فيها بشكل لحظي من القيام الطبيعي إلى المدد القيامي، أعني الخروج من الحدود الطبيعية للإدراك إلى حالة من زوال الحُجُب الطبيعية لإدراك المطلق في لحظات صلة خاطفة حسب هيغل.

هكذا فإذا كان المنطق الأرسطي جامدًا لاعتماده فقط على العقل في تفاعله مع الطبيعة بطريقة تقابلية بينهما، فإن هيغل جعله حركيًّا بإضافة البعد التأملي المحرِّر للعقل من العالم الطبيعي، وهذا التحرير كما تقدم تنشأ عنه حالة انصهار تزيل الفارق بين الذات والعالم، وأهم شيء في هذا البعد هو عدم انتظامه، وعدم خضوعه لقاعدة محددة، لكنها في النهاية حقيقة فعلية ممكنة التحقق في الذات الإنسانية، وأن ذلك يتجلى خاصة في الخاطرات الخيالية، والأحلام والتصورات التي تتلبس الإنسان أحيانًا رغم أن تحققها الفعلي أمر متعذّر على الأقل في تلك اللحظة.

ويمكن عد التحرير الهيغلي للقضية التأمليةأ بمثابة شرعنة أو تشريع فلسفي بأن المعرفة لا تحصل أو تتحقق بالتقابل بين العقل والطبيعة، وإنما تحصل بالانصهار بينهما في لحظات غير مُدرَكة، ولا يمكن التعرف إليها إلا بفضل ثمارها، فليس لها مؤشرات؛ لأنها حالة داخلية تحصل في الوعي، وفي هذا استدراك صريح على الاعتقاد السائد بأن الحقيقة إنما تقتصر على البعد المادي فقط، وذلك المعنى الجوهري للمثالية، بل وتصير المعرفة السببية الناتجة عن الفصل بين العقل والطبيعة معرفة خاضعة للمعرفة التأملية وناتجة عنها.

بذلك يصبح للوعي في الفلسفة الهيغلية أهمية مركزية عليها سيبني كل تصوره عن ظاهريات الروح، فالمعرفة التأملية تسلّم بالضرورة بوجود عالم مفارق لعالم الطبيعة هو عالم الروح وأنَّ الوعي هو الواسطة بين العالمين، أو بعبارة أخرى أنَّ الوعي هو الوعاء الذي تتحيز فيه الروح بعد أن كانت مطلقة غامضة وغير معروفة، وهنا يتعرف عالَم الروح بأنه المحلّ الذي يحوي المدد اللامتناهي للمعاني التي تتكشّف عبر الزمن، والسؤال هنا كيف تسرّبت القضية التأملية إلى العلوم الاجتماعية؟

بعد الاكتشاف الهيغلي أسَّسَ وليم دلثاي العلوم الاجتماعية على قطيعة أنطولوجية وإبستمولوجية بين عالمي الطبيعة والإنسان، وقرّر بأن منهج العلوم الاجتماعية خاضع لمنهجية مفارقة تمامًا لمنهج العلوم الطبيعية، وذلك انطلاقًا من مقولة إن الإنسان متصل بعالم الروح على خلاف العالم الطبيعي، وإن دراسة العالم الاجتماعي يجب أن تتم إجرائيًّا بواسطة المفاهيم من قبيل التجربة المعيشة للذات ورؤية العالم من طرف الذات، وعلى أساس من تأثير دلثاي شكلت الذات لدى فيبر الشطر الثاني المكوّن للمنهج السوسيولوجي الذي لا يمكن الاستغناء عنه في الدراسات والأبحاث.

ومن هذا التمثل الفيبري لخصوصية العلوم الاجتماعية أنتج فيبر مفاهيم خاصة بحقل الدراسات الاجتماعية بوصفها إجراءات منهجية صورية، وليست تقنية مثل النموذج المثالي أو الإمكانية الموضوعية، فهو وإن لم يتخلّ عن السببية إلا أنه منحها توصيفًا خاصًّا بنطاق العلوم الاجتماعية.

وعلى منوال دلثاي قرر هوسرل أن الحقيقة النفسية خاضعة دائمًا للظروف النفسية، ومن ثمَّ فإن إدراك العالم الخارجي لا يكون دائم الثبات بل متغيرًا حسب الحالة النفسية، وأن الوعي في النهاية هو الذي يوجه الإدراك؛ لأن الأشياء التي لا تؤثر في النفس تبقى خارجة عن الإدراك، ومن ثم فالوعي ورغم أنه حقيقة غير ظاهرة ولا تخضع للسببية، إلا أنه يُعَدُّ خاصية أساسية في فهم الحقائق النفسية، وهكذا انتهى ميرلوبونتي إلى القول بأن العالم الخارجي ليس موضوع إحساس أو تعقّل، وإنما هو موضوع للشعور، فكيفما كان شعورنا بالعالم تصوّرناه على ذات النحو بالتدقيق، وهذا ينتهي بنا في الأخير إلى الفصل بين التصور بما هو حقيقة نفسية والتصور بما هو حقيقة وجودية.

ولقد جاءت المساهمة الهيغلية انطلاقًا من إخفاق العلوم الحديثة في كشف خبايا النفس البشرية، وأنَّ العالم لا يزال يكتنفه الغموض، ذلك أنَّ سبب مراوحة العلوم مكانها كان التصور التنويري الذي يرى بأن الله هو مصمم هذا العالم بطريقة ميكانيكية (نظرية الدفعة الأولى)، إلا أن التصور الرومانسي يرى بأن الله هو روح هذا العالم وهو يوجد في كل مكان داخله.

كما أن زمن هيغل اشتهر بهيمنة ثلاث فلسفات هي: العقلانية الفرنسية كما أسسها ديكارت، والفلسفة التجريبية كما أسسها هيوم، وأخيرًا الفلسفة المثالية كما أسسها كانط، بينما كان هيغل يبحث فلسفة غير مقيدة بحدود وتشمل كل تجارب الإنسان وخبرته، كما وتعمل على دمج كل المعارف في نظامٍ فلسفي واحد وتحاول وضعها في إطار منطقي جديد دون تعارض بتوظيف مفهوم الروح والكشف عن علاقته المتداخلة مع الطبيعة ضمن إطار جدلي.

خاتمة

لو قمنا بتحميص ما نتج من المدخلين الأول والثاني لهذا المقال= لوجدنا أن المطلوب من المشتغلين على العلوم الاجتماعية هو تلبّس الحقيقة الإنسانية وتمثلها ومعايشتها من جهة، ومن جهة أخرى توظيف الخبرات الحياتية والمعرفية لتفسير الحقائق، نفسية كانت أو اجتماعية، ومن ثم فديدن الظاهراتية هو رَأْب الهُوَّة بين الفكر والواقع، بفضل فكرة التأمل اللاسببي، أما لماذا هي تقرب من الواقع، فمن جهتين:

الأولى: أنها تقول بفرادة الوقائع الاجتماعية وتزيل عنها التصور الكوني الذي ينطلق من السببية الصارمة، وهذا ما يكفل القرب من الحقيقة المحلية (الصغرى)؛ لأن الاعتقاد بوجود حقائق تفريدية خاصة= يحتّم النظر إليها على أنها ستخفي أشياء لا يمكن اكتشافها إلا عن طريق بحث متحرر من فكرة الكونية السببية.

الثانية: أنَّ قولها بأن الوعي هو الذي يصنع المعنى فيلقيه على الحقائق يجعل من المبدأ التأملي هو المرجعية الأولية للحقيقة الاجتماعية، وأن المبدأ السببي سيكون ثانويًّا بعد ذلك، وما دامت الأفعال والسلوكات الإنسانية غير خاصة من حيث الظاهر لسيرورة ميكانيكية، فإن التناول الظواهري الذي يعتبر الفعل الإنساني تجليًّا للروح والوعي سيكون أقرب إلى تمحيص الوقائع.

أخيرًا يبقى الفصل في الدلالة المفهومية للظاهراتية التي تشير إلى أن «الأفعال الاجتماعية» الحاصلة في المجال الإنساني ليست إلا تجلٍّ من تجليات الروح المطلق والوعي الإنساني، ومن ثمَّ فلا شيء في الوجود منفصل عن الرحم الوجودية، التي هي الروح المطلق، التي تجد فقط في الوعي الإنساني الحيز الذي يحويها ويعبر عنها، وذلك على عكس التصور الوضعي الذي ينظر إلى «الظاهرة الاجتماعية» بوصفها حادثة حصلت خارج الذات الإنسانية، ومن ثَمَّ وجب التعامل معها على أنها «شيء» موضوعي خارجي عن الذات.

 



([1]) فهو تسليم قائم على تفكير كلي؛ أي استحضار جميع المعاني التي يمكن أن تلقي بها الموجودات في ذهن الإنسان وشعوره، والانتهاء إلى حالة من التيه والحيرة، ثم في النهاية التسليم بأن لكل شيء معنى، والمعنى هنا ضديد الباطل الذي هو العبث واللامعنى، وتشكل المعنى يحصل في لحظة الذروة من لحظات تفاعل الوعي بالعالم الخارجي، لحظة تملأ الوجدان بشعور من الرضى والسعادة وكأنها لحظة وصول المسافر إلى بلده الأصلي، وهذا يعني أن الإنسان يبحث في معاني كان يتحسسها من قبل وكأنها مألوفة لديه، وتلك هي الفطرة التي هي الوطن الوجداني الأول للإنسان، وهو نفس التحسس الذي كان لدى إبراهيم عليه السلام: [يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ] [الأنعام: 78] فهو قد سلّم بوجود إله يفارق الآلهة الموجودة حتى قبل أن يتوصل إلى حقيقته، لكنَّه جعل معيارًا لذلك هو عدم الأفول، ولعل ذلك ما تشير إليه آية الميثاق [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا] [الأعراف: 172]، فهي تتحدث عن كائن عاقل ما يزال في ظهر الأب، وكأنها إشارة إلى أن حياة الإنسان تمتد إلى ما قبل نفخ الحياة فيه، أما معنى استحضار جميع المعاني في لحظة واحدة فهو من حيث المبدأ متعذر؛ لكونه جمعًا بين معاني كثيرة في لحظة واحدة، لكن ذلك يشير إلى الاختزال الذي يحصل لتلك المعاني في معنى واحد بوصفه القاسم المشترك بينها. 

([2]) وهنا نقترح أن تكون الأولى تسم مجال المحاضرات العامة؛ إذ وعوضًا عن اعتماد الإلقاء والتلقين التعريفي بالمفاهيم والاصطلاحات والمدلولات يمكن أن يحصل تبني أهم النصوص والأعمال، وتدرسيها عن طريق الشرح، وهو ما يُحدِثُ حالة تواصل مباشرة بين المنتَج العلمي والطالب الذي سيتعلّم المنهج في حد ذاته، بينما الأعمال الموجهة أيضًا من المفيد أن تكون سعيًا لمحاكاة النصوص المهمة في الوحدات والمقاييس المدرّسة، وإنشاء بحوث تشاركية تحوم حول المعاني والأفكار التي ترد في النصوص، ومن ثم التعرف ولو عن غير وعي على المنهج المعتمد في إنجاز النصوص من قبل أهم الرواد الذين قدّموا أعمال في مجال الوحدات والمقاييس، وذلك كله تدرّب من طرف الأستاذ وتدريب للطلبة على بلوغ مرحلة من الإبداع يصبح فيها الأستاذ والطالب مبدعان للنصوص، وتلك الفاعلية القصوى المطلوبة في التدريس الأكاديمي، وطبعًا لا يعني ذلك تخطئة التقنيات القياسية، بقدر ما يعني الحاجة إلى مناهج ومفاهيم تكفل التعمق أكثر في الأبحاث الاجتماعية.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة