المسلمون ومسار العبوديّة الفكريّة

كريم محمد
12/31/2016

المسلمون ومسار العبوديّة الفكريّة*

حوار مع وائل حلّاق (الجزء الثاني)**

ترجمة: كريم محمد

 

هذا هو الجزء الثاني من حوار مع وائل حلّاق يتكوّن من جزأين. في هذا الجزء الثاني، يُفصّل حلّاق في الصراع الذي يراه قائمًا في العلاقة ما بين الباحثين في العالم الإسلاميّ وتقليد إنتاج المعرفة الغربيّة. ويُعيّن، على وجه الخصوص، التبنّي الأعمى للمقولات الفكريّة الغربيّة وأوضاع انتقال المعرفة على مدار ما يُسمّيه "مسار العبوديّة الفكريّة". وكما يحاجج حلّاق، فإنّ لمسارٍ كهذا مترتّبات ومتضمّنات بعيدة المدى، من بناء السرديّات التاريخيّة المدمّرة بشكلٍ خاصّ -مثل "ظاهرة بيت الحكمة"- إلى النّزعة التي تنحو نحو القيمة المكانيّة حفاظًا على تراتبيّات وتصنيفات فكريّة صلبة بينما تُنكر الديناميكيّة والفكر الحر اللذين ميّزا العصور السابقة. ويتمركز نقد حلّاق، كما هو في الحوار السابق، على تحدّي جذور هذا التدبير القائم سلفًا بدلًا من اقتراح سُبلٍ لحلّ تناقضاته الأكثر إشكاليّةً التي تستعمل منطقه الداخليّ.

 

حسن أزد: لقد ناقشتَ فشل المثقفين في العالم الإسلاميّ في استيعاب العلاقة المتغيّرة بين المعرفة والسّلطة في أثناء الحقبة الحديثة. فماذا عن نصيب المثقفّين الغربيين من المسؤوليّة؟

وائل حلّاق: بالطّبع. لم يقم المثقفون الغربيون سوى بالنّذر القليل، إنْ كان ثمّة شيء، حتى الآن (رغم أنّ عددًا من الباحثين، كما هو معلوم، أدّوا دورهم في تقديم الإسلام وتقاليده كتربة خصبة للاشتباك الفكريّ). لكن بالنسبة إلى هؤلاء المفكّرين البارزين، فإنّ الدّول غير الأورو-أمريكيّة، في سياق القرن التاسع عشر، لا يعوّل عليها كثيرًا. أمّا بالنسبة إلى أمريكا وأوروبّا (إذا تحدّثنا بشكلٍ عامّ وبصورة براديغميّة)، فلا يزال العالم يدور حولهما، وبقيّة العالم ليست سوى حواشٍ وهوامش. وسيكون من السذاجة والعَته لنا نسيان أنّ أنماط التفكير نفسها في العالم الليبراليّ الغربيّ لا تزال قائمة بلا انقطاع فعليًّا منذ القرن السابع عشر. وتظلّ حقيقة صاعقة بأنّ الأوروبيين أو الأمريكان قد يشرحون جوانب الحريّة والتحرّر التي لا تنتهي، ويصدّون أنياب ملوكهم وأظافرهم، وبينما يقومون بكلّ ذلك، فهم لم يولوا (ولعلّ جون لوك المنافق والفقهاء الرومانيّين الجدد يقفون في الصدارة) إيماءة واحدة أو اعتبارًا للشعوب نفسها التي تورّطوا هم في اضطهادها في المُستعمَرات وفي أوطانهم. فقد واصل لوك، بلا خجلٍ، في استثمار ثروته الشخصيّة في أعمال تجارة العبيد وفي الحديث بحيويّة عن الحريّة والتحرّر في آن واحد! ألم يكن كثيرٌ من المؤسّسين الأمريكيين على المنوال نفسه؟ ولم يفهم أحدٌ من مفكّري عصر الأنوار، سوى صوت أو اثنين منعزلين جانبًا، حقوق الإنسان والحريّات السياسيّة باعتبارها تصل للشعوب المضطهَدة، كما لو أنّ هؤلاء ليسوا بشرًا على الإطلاق. ونرى الأنماط متكرّرة حتى هذه اللحظة التي أتكلّم فيها، غير أنّها تختلف في الشكل التي قد تظهر فيه في الوقت الحاضر.

هذه مجرّد خلفيّة فقط. ويتمثّل أحد تشعبات هذه الخلفيّة في التجاهل الصاعق -وربّما القصور- من جانب المثقفين الغربيين لرؤية "العدّو في المرآة"، على حدّ التعبير البارع لروكسان أويبن (Roxanne Euben). حيث لا يزال هؤلاء المثقّفون الغربيّون يدورون حول مفاهيم بالية مثل "الدّين" و"الدّينيّ" و"الميتافيزيقا" دون رؤية تورّطاتهم في الميتافيزيقا نفسها التي اختلقوها هم أنفسهم على مدار الثلاثة عقود الأخيرة أو نحوها. ولا يتعلّق الأمر فقط بأنّ الإسلام (كظاهرة "تاريخيّة" مُحدّدة) يُنظَر إليه ببساطة ومن حيث الجوهر ككيان "أخرويّ" مُبتعدٍ عن الهموم الإنسانيّة (اقرأها: العقلانيّة)، إلّا أنهم مفتقرون إلى قدرة النأي بأنفسهم عن حقيقتهم الخاصّة بهم وعن الافتراضات التي بُنيت على أساسها. وإذا تحدّثنا من ناحية بردايغميًّا، فقد جعلوا جزءًا من طاقاتهم التحليليّة أمرًا مألوفًا ومعتادًا، مُلقين بأنفسهم في تحليل دائريّ أكثر تخندقًا: أي تحليل الظاهرة من داخل الافتراضات نفسها التي خلقتها هذه الظاهرة. وغدت عيوبهم التحليليّة كلّها أكثر جلاءً عندما ندرك الكيفيّة التي يتعاملون بها مع الأسئلة نفسها في التقاليد غير الغربيّة: حيث تُرحَّل افتراضاتهم البراديغميّة إلى تلك التقاليد، ممّا يخلق ازدواجيّة تحليليّة. والحال أنّ دراسة الدّولة الحديثة والعلمانويّة ليستا سوى حالتين إلزاميتين على ذلك. [ملاحظة أزد: قد يرغب القارئ في مشاهدة محاضرة حلّاق حول العلمانويّة، ههنا المحاضرة*].

والحال أنّ هناك الكثير ممّا يمكن أن يُقال حول هذه الإشكاليّة. وإذا عبّرنا عنها بإيجاز وبصورة معقولة، وتحدّثنا براديغميًّا، فإنّ التقليد الفكريّ الغربيّ لم يشتبك مع التقاليد الأخرى -لا سيّما التقليد الإسلاميّ- بأيّ طريقة جادّة أو نصف جادّة. على العكس، فقد كان تاريخه لثلاثة قرون تاريخًا لرفض اشتباكٍ كهذا، بينما يصدر حكم مرتجل بالإدانة كلّما حدثت مواجهة أُجبِرَ عليها -مع أنّها وجيزة وغير مُهدِّدة. والقول إنّ التعاطي مع الإسلام أمر غير عقلانيّ صراحةً ليس، بالتأكيد، ناجمًا من قلّةٍ في التحليل، وإنّما هو قول صحيح بلا ريب. وههنا تكمن المفارقة للغاية نظرًا لحقيقة أنّ الثقافة الغربيّة عرّفت نفسها كمثوى للعقل والبحث العقلانيّ بامتياز!

 

حسن أزد: قد يحاجج البعض بأنّ غياب الأصالة في الفكر الإسلاميّ الحديث (كما أخبرتَنا لتوّك) قد يسوّغ تجاهل المثقفين الغربيين للاشتباك مع العالم الإسلاميّ. فماذا يمكنك أن تقول؟

وائل حلّاق: أودّ أن أعطي أقصر الإجابات. فأقول، إنّ "العالَم الإسلاميّ" أكبر بكثير جدًّا من مثقّفيه المسلمين المُحدثين. وهو أكثر ثراء وأشدّ تعقّدًا من ذلك الجزء الذي ندعوه "الإسلام الحديث" منه. وأودّ القول إنّ كتابي الدّولة المستحيلة هو مثال إرشاديّ لما أعنيه.

 

حسن أزد: من الواضح إذًا أنّ لكلا الطرفين الشيء الكثير الذي يمكن أن يقوموا به في حال رغبوا في إقامة حوار حقيقيّ، لكن هل هما مسؤولان بالتساوي؟

وائل حلّاق: لستُ متأكّدًا من أنّ المسألة يمكن حملها على التحليل أو القياس الكمّييْن. إلّا أنّني أودّ القول إنّ الجانب الغربيّ عليه أن يوفّي بتعهّد أخلاقيّ هائل فشلَ في تحقيقه فشلًا ذريعًا (والأسباب التحليليّة لذلك ستملأ صفحاتٍ كثيرة). فمن ناحيةٍ، فشلَ الجانب الفكريّ الإسلاميّ بشكل بائس في إيجاد صوته الخاصّ وهويّته في العالَم بالتساوي، وعالمنا اليوم هو أضأل من أيّ وقت مضى. ونادرًا ما يُدرك المفكّرون الإسلاميّون اليوم (وغير المفكّرين) الذين يهاجمون التاريخ والتراث الإسلاميّين بشراسة باعتبارهما يفتقران إلى العقل والإبداع العقلانيّ كَمَّ المحاكاة التقليديّة التي سمحوا لأنفسهم بها. وأجدُ من السخريّة أنّهم يجب أن ينتقدوا "العقل القروسطيّ" أو بالأحرى "غيابه" عندما لا يكون بمقدورهم أن يقوموا سوى بتقليد فوكو ودريدا، من بين أمور لا نهاية لها، أو تقليد ما أصبح رائجًا في الغرب في أيّ لحظة من الزّمن. لكنّ الأسوأ من ذلك كلّه هو تقليدهم لليبراليّة دون أيّ برهان على التفكير النّقديّ والمُدقِّق بعمق من جانبهم. فهم لم يتوقّفوا (رغم وجود استثناءات منعزلة) لمساءلة ما إذا كان نسق التفكير الذي يفكّرون منه بعماءٍ يخضع للتدقيق النّقديّ أم لا. ولم يتساءلوا ما إذا كان هذا النّسق أيضًا سيبقى وظيفيًّا وناجعًا في بيئاتٍ مختلفة، لا سيّما بيئاتهم. ولم يطرحوا أسئلة صارمة حول متضمّنات هذا النّسق وآثاره في حياتنا، شرقًا وغربًا. لقد وضعوا أنفسهم في الموقف نفسه الذي وضعوا فيه المثقّفين المسلمين في القرون الغابرة بصورة جائرة. وهذه مفارقة كبرى.

يمكنني أن أعيش مع وجود بعض المفارقات، ولكن ليس كلّها. وهناك كثير منها يدور حولنا اليوم ليس للمرء خيار فيها، لكن له أن يرفض الأكثر ضررًا منها. بيد أنّ بعض المفارقات يمكن أن تصبح خطيرة. وبمقدور المثقّفين المسلمين في الماضي السحيق أن يروا تضمّناتٍ وآثارًا بصورةٍ أكثر وضوحًا وإدراكيّة من جموع النّقاد والمثقفين الذين يكتبون اليوم في العالَم الإسلاميّ، بل وفي الغرب أيضًا. مثلًا، وهو مثال يحمل تضمّنات عميقة، إنّ التقاليد الإسلاميّة الفكريّة والتقاليد المسمّاة "شرعية" قد واجهت على مدار قرون عديدة، مرارًا وتكرارًا، واحدًا من الأسئلة الأكثر شراسةً الذي اضطرّت المجتمعات البشريّة أن تتعامل معه لآلاف السنين؛ ألا وهو حجم المسؤوليّة الأخلاقيّة الذي يمكن للفرد الطبيعيّ أن يتحمّله. وفي كلّ حال، بقي الفقهاء المسلمون وأندادهم المفكّرون ("غير الشرعيين") ملتزمين بنظرةٍ تحرّم إعفاء المسؤوليّة الأخلاقيّة عن الفرد. وإذا كان الفرد هو حامل المسؤوليّة القصوى عن الحياة المعيشيّة، فعليه أو عليها أن يتحمّل عبء العواقب. لقد أدّى فكّ هذا الارتباط [أي ارتباط المسؤوليّة الأخلاقيّة بعاقبة الأمور -م] في العالَم الغربيّ إلى عواقب خطيرة ووحشيّة الآن: وما الشركة (الشركات؟) متعدّدة الجنسيّات التي تَحكم عالمَنا إلّا مثالٌ واحدٌ على ذلك. وليس الأمر أنّ البرلمان الإنجليزيّ لم يفهم تمامًا الممارسات غير الأخلاقيّة لشركات المسؤوليّة المحدودة. فقد فهمَ ذلك. وفي الواقع، بعد شرعنة الشخصيّة الاعتباريّة (juridical personality) بوقتٍ قصير للمرّة الأولى في التاريخ البشريّ، فإنّه أبطل تشريعها وحظره، والسبب وراء الرفض هو طابعها غير الأخلاقيّ ومترتّباتها. إلّا أنّها أُرجعت بعد ذلك -ويُقال هذا بِدَويّ هائل- إلى مجال الشرعيّة مرّة ثانية، في لندن ولكن في ولاية ديلايور بالأساس، فقط لينتهي المطاف بها إلى حكم العالَم والعيث فسادًا به. لقد أصرّ فقهاء الشريعة دائمًا على المساءلة الأخلاقيّة (تُقرَأ الآن: قانونيّة)، وذلك رغم أنّ منطقَهم التقنيّ والموضوعيّ قد استوعبَ بسهولةٍ منطقَ الشركة (الذي يمكن أن يكون قد طُوِّرَ على مدار مسارات الفكر التي تمخّضَ عنها نظام الوقف، على سبيل المثال). وقليل هم الذين يدركون اليوم أنّ تقانات المنطق الشرعيّ للشريعة كانت منذ ألف سنةٍ على الأقلّ متطوّرة مثلها مثل أيّ منطقٍ قانونيّ نعرفه اليوم. لكنّ الشركةَ والأشياء الأخرى الكثيرة التي تسمح للهيئات الوهميّة أن تُفلت من المسؤوليّة القانونيّة قد أُجهِضتْ أنطولوجيًّا في المرحلة ما قبل الجنينيّة.

والحال أنّ بُعد النّظر هذا غائب اليوم، في الأوساط القانونيّة الغربيّة وفي العالم الفكريّ الإسلاميّ على حدّ سواء. وبالفعل، لا أتردّد في القول إنّ قِصَر النّظر هو الاسم الأوسط للحداثة ككلّ. ولعلّنا لذلك سنغفر للمفكّر علي حرب عندما ينتقد بيير بورديو، متّهمًا إيّاه بأنّه صاحب "رؤية رجعيّة"*. لا يفوّت علي حرب فحسب الفرصة في فهم لماذا ينتقدُ بورديو ممارساتٍ ومؤسّسات بعينها بصورة حادّة، وإنّما أيضًا في فهم تعميق نظرة بورديو النّقديّة عبر ما أحبّ أن أطلق عليه "علم التشعّبات" (the science of ramifications). ومثله مثل سيّد قطب قبل حوالي ستين عامًا، لا يريد حرب فهم أنّه ليس بمقدورك فصل القيمة عن مصدرها، وأنّ القبول بالأولى يعنى القبول بالآخر. ويمكن القول إنّ القيمة تَسكنُ، إنْ لم تكن تروي، جينالوجياتها الخاصّة (شريطة أن يقوم المرء بحفرٍ جينالوجيّ مناسب بطبيعة الحال).    

إنّ القبول بالتكنولوجيا وتمجيدها وفي الآن نفسه إدانة النّظام القيميّ الذي تمخّضت عنه ما هو إلّا هراء تامّ. وهذا بالضبط ما فعله سيّد قطب. والأكثر إشكاليّة من ذلك هو الإخفاق في فهم المتضمّنات بعيدة المدى لمثل هذه القيم الذي يُقلق فكر حرب -ويجعله غير متماسكٍ- وفكر كتّاب آخرين مثله (لا يُعدّون ولا يُحصَون بالطبع). وإذا افتُقِدَ شيءٌ ما، فهو الفهم المناسب لمتضمّنات القيم الأساسيّة التي يدعو المفكّرون المسلمون إلى تبنّيها من الغرب. وعلى حدّ علمي، لم يخضع أحدٌ منهم تشّعباتِ مفهوم الحريّة العميقة للفحص (خاصّةً في شكله السلبيّ) بسبب: (أ) استحالة نمط الحياة المستدام، و(ب) لزوميّته لتطوّر الرأسماليّة غير المسيطَر عليها والهدّامة، و(ج) دوره في تفكيك البنى الجماعيّة والأسريّة، و(د) خلق فرد منجرف ومرتاب أخلاقيًّا؛ وغيرها من الأسباب. ولا مِراء في أنّ هذه الموضوعات ليست بالتأكيد على مزاج التيّار الغربيّ السائد أيًّا كان، ويُقابل في أحسن الأحوال بمعاملاتٍ متقلّبة هنا وهناك. غير أنّه يتوجّب على المثقفين المسلمين أن يكونوا مسؤولين بالتساوي عن حمل هذه الإشكاليّات على محمل الجدّ، وأنْ يتصدّروا فعلًا في إثبات المغالطات البنيويّة والتشّعبات المهلكة للمفاهيم والممارسات الليبراليّة المركزيّة لنظرائهم الغربيين. يمثّل عدم الاضطلاع بكلّ ذلك دليلًا على الإفلاس الفكريّ، وهو الإفلاس الذي لا يزال على عواهنه حتى الآن في العالم العربيّ والإسلاميّ، والذي لا يزال يؤثّر في الفكر الغربيّ السائد. لقد كانَ الفكر و(الأهمّ من ذلك) الممارسة الليبراليّة غير المُساءَلة والمستبدّة هي القائد المُستعبِد منذ قرنٍ الذي لا تزال حشود المفكّرين المسلمين تسيرُ تحت إمرته وهيمنته.

وهنا نقطتان أخيرتان أودّ التشديد عليهما في هذا السياق. النّقطة الأولى هي أنّ للانغماس في دراسة علم التشعبات قيمةً حقيقيّة، وأصبحَ -كما أعتقد- واجبًا أخلاقيًّا مُلقى على أكتاف كافّة المثقفين؛ نظرًا إلى الأزمات الحرجة للعالم الحديث. إنّ علم التشعبات هو ذلك العلم الذي يدرسُ وينقدُ ويفكّك البنى الخفيّة بين الظاهرة الدقيقة والفعل الكونيّ (cosmic act)، وهو الذي يربط العلاقة ويوضّحها بين فعلٍ بشريّ عابرٍ واطّراد بنيةٍ كوزمولوجيّة لن تغدو تحت سيطرتنا مطلقًا، وستفلتُ دائمًا ممّا سمّاه ماكس شيلر المحرّكَ الغريزيّ للغرب (والآن كلّ محركات الحداثة) وهوسه بالسيطرة والتحكّم. ونظرًا إلى هذا التقليد الفكريّ الغنيّ جدًّا منذ قرون؛ فيتحتّم على المفكّرين المسلمين أن يهضموا هذا التقليد وهواجسَه كتحضيرٍ لنقدٍ قويّ وجديد للممارسات الحديثة، لا سيّما الممارسات الليبراليّة. إنّهم مَدينون إلى هذا العالَم مثلهم مثل أيّ أحد أيضًا. وبمقدور المرء الآن أن يشير بسعادةٍ إلى العمل الهائل لطه عبد الرحمن كخطوةٍ أولى في هذا الاتجاه.

أمّا النقطة الثانية، من باب إثبات حضورهم الفكريّ، والمستمدة من الاعتبار الأول، فهي أنّ المثقفين المسلمين سيواصلون الوقف -والانتظار- خلف المسرح إذا هم استمرّوا في تكرار الألحان الفكريّة لأوروبّا وأمريكا، الذي غالبًا ما يكون على نحوٍ هزيل. فلكي يكسبوا الاهتمام، والأهمّ من ذلك لكي يقودوا أنفسَهم والآخرين إلى مستقبلٍ فكريّ واعد كما نأمل، فإنّهم بحاجةٍ إلى دمج ضرورات الاعتبار الأول في صلب انقضاضٍ فكريّ هائل ينعم النّظر في الأساسات العميقة لعصر التنوير وكيف أدّت تلك الأساسات إلى الهشاشة الحرجة -إنْ لم تكن المدّمرة بصورة هائلة- للحياة الحديثة. والمدهش في ذلك كلّه هو أنّ القيمة الكَشْفيّة للتقليد الإسلاميّ قد نُبذت بالكليّة تقريبًا، مع استثناءات قليلة (طه عبد الرحمن مرّة ثانية). فقد اكتسبَ تقليد الحداثيين المسلمين معاني جديدة غير محدودة بحدٍّ تقريبًا.

 

حسن أزد: وماذا عن المثقفين الغربيين؟

وائل حلّاق: حسنًا، لا أعتقدُ أنّ ما قاموا به كافيًا على أيّة حال. فكونهم مشاركين في تقليدٍ كولونياليّ وورثاء للكولونياليين إنّما يضعُ على عاتقهم مسؤوليّة أخلاقيّة عن ترميم المستعمرات التي هدّموها. ولم يُعترَف بعدُ بالعبء الأخلاقيّ، لكنّ فشل الاعتراف هذا لن يقلّل من العبء حتى في جزء صغير منه. ويتوجّب عليهم أن يتحمّلوا مثل هذا العبء، كجماعيّة معرفيّة، وكجزءٍ لا يتجزّأ من نظام المعرفة/السلطة الذي حطّمَ الكثير من العالم. ويتحمّلون أيضًا المسؤوليّة الأخلاقيّة المتميزة للإنصات بعنايةٍ والاشتباك بتواضع وتمعّن. إنّ قليلًا من التواضع سيفيد، وذلك على افتراض أنّهم يرغبون في بذل مزيد من الجهد. ربّما أتوقّع أكثر من اللازم.

 

حسن أزد: أنا على يقينٍ من أنّ كثيرًا من هؤلاء المثقفين سيعلنون براءتهم من أيّ مشروعٍ كولونياليّ، وسيخبروننا أنّهم ناقدون لممارسات الحكومة، إلخ. وسيقولون إنّهم يتعاطفون مع المضطهَد والضعيف، أكانوا مسلمين أم غير مسلمين.

وائل حلّاق: هذا صحيحٌ جدًّا، لكنّه بالكاد يَضرّ حجّتي. فالموضوع معقّد، وأودّ إحالتَك إلى ورقةٍ طويلة نسبيًّا كنتُ قد كتبتها ردًّا على أحد نقّادي، بالتحديد حول هذه النقطة. وقد نُشرت في دوريّة (Islamic Law and Society) في عام *٢٠١١.

 

حسن أزد: ما هي أنواع التقييدات التي وضعها الفكر الغربيّ الحديث على الفكر الإسلاميّ؟

وائل حلّاق: تصبح الأفكار في نطاق التفكير والبحث العقلانيّ مقيّدة فعلًا فقط بقدر ما نسمح لها نحن بأنْ توجد مفاهيميًّا على هذا النّحو. إنّ فكّكَ أغلال سيّدك الحديديّة هو فعلٌ خارجيّ ويدلّ على السيّد الجبّار الذي قد يوجّه أسلحته الفتّاكة ضدّك. إلّا أنّها ليست أفعالًا عقليّة إلى حدّ كبير، فهي أفعال مخفية. ويمكن للمرء أن يكون مسترقًّا جسديًّا، لكنّه حرّ فكريًّا. أي حرّ في تفكيره وفي فهم العالَم كما يرغب. ولذلك، فإنّ الإجابة المختصرة على سؤالك هي أنّ الهيمنة الفكريّة للغرب على البقيّة ليس لها مسوّغ على الإطلاق. أتفهم الصعوبات في تخليص النّفس من التقييدات الماديّة لسلطةٍ كولونياليّة جبّارة (على سبيل المثال، الولايات المتحدة في أفغانستان أو إسرائيل في غزّة). لكنّني لا يمكنني تفهّم العبوديّة العقليّة والفكريّة. وبالتالي، بغضّ النّظر عن مدى الصعوبة التي عملَ بها الأمريكيّون والأوروبيّون والتي لا يزالون يعملون بها على استعباد عقول المسلمين والأفارقة والآخرين، فإنّ هؤلاء الأخيرين لا عذرَ لهم بتاتًا. وكما قلتُ سابقًا، لقد اختار الكتّاب المسلمون مسار العبوديّة الفكريّة حتى الآن، باستثناء أصوات نادرة وثانويّة منهم. ودعونا نتذكّر أحد النقاشات الأقدم في العالم: العبدُ هو الشخص الذي يعتمد على إرادة الآخر. فإذا رُبّي أحدهم على إرادة تفاصيل وأفعال وبنى وبراديغمات تعاليم السيّد وسلوكه، فهو عبدٌ إذن. ولا دليلَ لديّ على أنّ بنية العالم الفكريّ الإسلاميّ قد أثبتت أن تكون الأمور على خلاف ذلك.   

 

حسن أزد: ما هو ردك على هؤلاء الذين يضربون مثالَ الخليفة العبّاسيّ المأمون وبيت الحكمة ودوره في ترجمة النّصوص اليونانيّة القديمة، ودمجها في صلب كثيرٍ من الفلسفة والميتافيزيقا الإسلاميّة وخلافهما، كدليلٍ على مدى استفادة المفكّرين المسلمين من مصادر المعرفة الأجنبيّة كوسيلةٍ لإثراء فكرهم بالماضي، وذلك بحجّة أنّه يتوجّب على المفكرين المسلمين أن يفعلوا الشيءَ نفسَه فيما يتعلّق بالفكر والفلسفة الغربيّة الحديثة؟

وائل حلّاق: هذا سؤال مهمّ، وقد سُئلته مرارًا وتكرارًا. اسمح لي أن أستهلّ بالقول إنّ سرديّة بيت الحكمة في خطاب القرن التاسع عشر والعشرين هي سرديّة استشراقيّة بالأساس، وهي تابو مركزيّ تمّ ترديده مرارًا وبطرقٍ مختلفة. إنّني لا أشكّك في التاريخانيّة الفعليّة لـ"حدثٍ" أو ظاهرة تُدعى بيت الحكمة، لكنّني أسألُ بالأحرى عن كيف تمّ تجهيزها لتأويلٍ جديد للتاريخ، ومن ثمّ لهويّة بعينها. والحال أنّ لهذه السرديّة العديد من النّظائر، وكلّها تمضي إلى معنى الأثر نفسه، لبناء سرديّة "الاستعارة الثقافيّة" التي تستأصل الهويّة المستقلّة واللاكولونياليّة. قام جوزيف شاخت، على سبيل المثال، بالسرديّة نفسها في حقل الفقه. فقد حاجج بأنّ "الفقه الإسلاميّ" مستعار من القوانين الرّومانيّة والبيزنطيّة واليهوديّة، التي يُنظَر إليها في مجملها على أنّها نتاجٌ غربيّ (وهو اختلاقٌ بالمقام الأوّل). بمعنى آخر، بُنيَ الإسلامُ كـ"متعلّم" ومُستعير لثقافته الفقهيّة (التي هي "جوهر الحضارة ونواتها" على حدّ تعبيره) من الآخرين، والآخرين الأوروبيين دائمًا. أمّا الآن، فلا تزال السرديّة مستمرّة، وتغيّرت الأشياء مع الحداثة مرّة أخرى، ولم يعد "الإسلام" القديمُ مقبولًا في هذا العالم الجديد. وبالتالي، يجب على المسلمين أنْ ينظروا إلى الغرب مرّة ثانية ويتعلّموا، كما قاموا بذلك منذ أكثر من اثني عشر أو ثلاثة عشر قرنًا. إنّ الحكمة الاستشراقيّة الدفينة (اللاشعوريّة؟) هي أنّ المسلمينَ قد تعلّموا دائمًا من الغرب، فلماذا لا يتعلّمون الآن؟ وهكذا، تلعبُ سرديّة بيت الحكمة على الوتر نفسه بألحانٍ مختلفة.

لكنّ هذا ليس كلّ ما في الأمر. فلا إنكارَ بأنّ المسلمين -منذ القرن الثامن على الأقلّ- قد اعتنوا بصورة مكثّفة بالآخرين، سواء أكانوا هنودًا أو إيرانيين قدماء أو يونانيين. وترجموا أعمالَهم بالفعل ودمجوا في "تربتهم الفكريّة" الكثير ممّا اعتبروه ناجعًا بالنسبة إليهم. وكان الاستيعابُ متطوّرًا جدًّا بحيث يكادُ يكون من المستحيل تقريبًا أن تفصلَ مكوّنات ما هو "يونانيّ"، مثلًا، عن ما هو إسلاميّ. لكن ليس بمقدوري التأكيد بما يكفي على أنّ هذا الاستيعاب قد تمّ على حساب الأنساق المعرفيّة الأُمّ. فقد دُمِجَ ما تمّ استيعابه، لكنّ كثيرًا منه لم يكن كذلك، وبالتالي تمّ رفضه. ومشاريع ابن حزم والغَزّاليّ وابن تيميّة، من بين مشاريع أخرى لا تُعدّ ولا تُحصَى، ما هي إلّا أدّلة وبراهين قاطعة على ذلك. وقد كانت هذه أيضًا تجربتي لثلاثين عامًا مع فرعٍ من المعرفة الفقهيّة يُدعى أصول الفقه، من بين أمور أُخَر. حيث إنّ هذا العلمَ الفقهيّ المعقّد بإجادةٍ مُشبَع بتأثيرٍ فكريّ ذي مصادر متعدّدة. ومع ذلك، فإنّه علمٌ فريدٌ من نوعه في العالَم، ولا يماثل أيّ شيءٍ معروف عن الثقافات الأخرى أو من التشكلات الفكريّة. لقد أفادَ بلا ريبٍ من أتباع كُثر، بيد أنّني لا أعتقدُ أنّ أيّ باحث جادّ قد يحاجج بأنّ علم أصول الفقه ليس له هويّة إسلاميّة خاصّة، وأنه يلبّي الاحتيجات المظنونة باستقلاليّة للفقه والشريعة في بيئاتهم.

ما أودّ الإشارة إليه ههنا هو أنّه بمقدار ما يتوجّب على المفكّرين المسلمين أن يتجنّبوا تقليد أوروبّا وأمريكا وعصر أنوارهما، فعليهم أيضًا أن يدرسوا بعنايةٍ تقليدَهم هم مع تقاليده الفرعيّة، كما يتحتّم عليهم أنْ يعتبروا ويفحصوا ثقافاتٍ أخرى كذلك، لا سيّما ثقافات آسيا (البوذيّة، الهندوسيّة، إلخ). ففي الواقع، يمكن الحجاج بلا نزاعٍ بأنّ جنوب آسيا وشرقها لديهما الكثير ليقدّمانه عن أمريكا وأوروبّا. ويجب أن يشمل بيت الحكمة العالَم ككلّ، وهو العالم الذي يبدأ في عقل المرء وتفكيره النقديّ. أمّا نهايته، فلا يمكن ولا يجب التنبّؤ بها. ومع ذلك، للشروع على ذلك كلّه، فعليهم أنْ يبذلوا قصارى جهدهم النّقديّ كلّه، إذ يتمثّل المفتاح لذلك في تفكيرهم الخاصّ والمستقلّ.



*   نُشر هذا الحوار على جدليّة، وحاوره حسن أزد، ههنا الأصل: http://www.jadaliyya.com/pages/index/18036/muslims-and-the-path-of-intellectual-slavery_an-in. [المترجم]

**  لقد ترجمنا الجزءَ الأول منه بعنوان "المعرفة بوصفها سياسة بوسائل أخرى"، ونُشر على مركز نماء أيضًا، ههنا: http://nama-center.com/DialogueDatials.aspx?ID=53. [المترجم]

*   ههنا المحاضرة بالإنجليزيّة: https://www.youtube.com/watch?v=WFAqQiIVsF8، وقد تُرجمت إلى العربيّة على هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=cr-UnZ1JyZE. [المترجم]

*   لعلّ الأستاذ حلّاق يُشير إلى كتاب علي حرب المسمّى أصناف النّظريّة وأطياف الحريّة: نقد تشومسكي وبورديو، عام ٢٠٠١، عن المركز الثقافيّ العربيّ.

*   لقد بحثتُ عن هذه المقالة، وهي بالفعل نُشرت بعنوان "On Orientalism, Self-Consciousness and History”، والمردود عليه هو ديفيد باورز. وقد تُرجمت إلى العربيّة في كتابٍ صدرَ عن مركز نماء للأبحاث والدراسات تحت عنوان: دراسات في الفقه الإسلامي: وائل حلاق ومجادلوه (٢٠١٦).



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة