عرض كتاب: "تاريخ اللغة العربية في مصر"

محمد أحمد مجاهد
12/18/2016

عرض كتاب: "تاريخ اللغة العربية في مصر"

تأليف: دكتور أحمد مختار عمر.

الناشر: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر.

سنة النشر: 1390هـ- 1970م.

عرض : محمد أحمد مجاهد.

 

في هذا الكتاب يسرد الدكتور أحمد مختار قصة اللغة العربية في مصر، راصدًا حركاتها، متتبعًا علاقتها باللغة القبطية، وداحض ما لفها من كذب وأباطيل. وقد كسر المؤلف كتابه إلى تمهيد وبابين؛ تحدث في التمهيد عن اللغة العربية في مصر قبل دخول المسلمين إليها، وفي الباب الأول استجلى في خمسة فصول مراحل استيطان اللغة العربية في مصر، واستعرض مراحل الصراع بينها وبين اللغة القبطية، وفي الباب الثاني والذي جاء في خمسة فصول أيضا تحدث عن الخصائص اللغوية لعربية مصر؛ فأبان عن الصعوبات التي تعتور سالك هذا الطريق؛ فتحدث عن مادة التحليل، والمؤثرات التي دخلت على العربية مثل اللغة القبطية واللهجات العربية

اللغة العربية في مصر قبل الإسلام:

كان للغة العربية وجودا في مصر قبل دخول الإسلام إليها، وربما قبل ظهور المسيحية أيضًا، وقد أرجع المؤلف هذا الأمر إلى سببين:

الأول: التجارة: فقد أشار المؤرخون إلى وجود خطوط تجارية برية وبحرية تصل مصر بالجزيرة العربية. وكان التجار العرب يقدمون إلى غزة لبيع ما عندهم، ويشترون ما يلزمهم من حاصلات مصر وهذا قد ولّد احتكاكا مع التجار المصريين. ومن الثابت أيضًا أن عمرو العاص زار مصر قبل الفتح بوصفه تاجرًا.

الثاني: هجرات القبائل العربية: ذكر المؤرخون عدة هجرات اندفعت إلى مصر من الجزيرة العربية قبل الفتح الإسلامي؛ منها هجرة قبائل كهلانية من عرب الجنوب واستقرت في الجزء الشمالي الشرقي من مصر، وهجرة قبائل طيء التي استقرت في إقليم الشرقية، وقبيلة بلى والتي استوطنت ما بين القصير وقنا، وهجرة بطون من خزاعة أيضًا، وفي عهد عمر بن الخطاب وقبل فتح مصر هاجرت بعض القبائل من غسان ولخم وجذام وعاملة إلى مصر.

فمن الطبيعي بعد كل هذا الاحتكاك أن يكون حدث نوع من التبادل والتأثر بين اللغتين العربية والقبطية، ويذكر المؤلف أن نفوذ اللغة المصرية على اللغة العربية من ناحية المفردات كان كبيرًا، وفي النهاية يخلص إلى أن اللغة العربية كانت تتكلم في مصر في فترة ما قبل الإسلام بين الجاليات العربية وعلى ألسنة التجار العرب.

الباب الأول: استيطان اللغة العربية في مصر.

الصراع بين اللغة العربية، واللغة القبطية:

بدأ الصراع بين اللغتين بشكل واضح وجلي بعد الفتح الإسلامي لمصر، فقد حدثت معركة كبيرة بين اللغتين انتهت بهزيمة اللغة القبطية، ولم تحرز العربية انتصارها دفعة واحدة ولكن تم على مراحل، واستغرق فترة زمنية طويلة.

وقبل شروع المؤلف في مناقشة أسباب انتصار اللغة العربية على القبطية؛ ذكر لنا المؤلف العوامل التي تتحكم في صراع اللغات، وهذه العوامل هي:

1- العامل السياسي.

2- العامل الاقتصادي.

3- العامل الديني.

4- عامل التفوق اللغوي.

وبالنظر إلى العاملين السياسي والاقتصادي فنجد أنهما يعملا لصالح العربية، فنشر الإسلام وعمليات التعريب أدت إلى نتائج اقتصادية ساعدت في دعم اللغة العربية في مصر.

ومن الخطوات التنفيذية التي اتخذها العرب والتي قوَت جانبي الإسلام واللغة العربية:

1- إحلال اللغة العربية محل اللغة اليونانية أو القبطية في الدواوين وفي المكاتبات الرسمية.

2- تهجير عديد من القبائل العربية إلى مثر بقصد الإقامة الدائمة.

3- إحلال بعض المسلمين محل الأقباط في الوظائف الرسمية.

4- فرض أنواع مختلفة من الضرائب على الأقباط.

وبالنسبة إلى العامل الديني، فنجد أن الأقباط لم يجبروا للدخول في الإسلام، ولكن نجد ان المسلمون يتميزون على الأقباط بتفضيلهم عند شغل الوظائف القيادية، وقد أغرى هذا مجموعة من الأقباط لاعتناق الإسلام لينعموا بالمساواة في ظله.

وللعامل اللغوي أهمية كبيرة، فارتباط تقدم اللغة العربية وانتشارها بتقدم الإسلام وانتشاره في كل الأقطار المفتوحة كان واضحًا وجليًا

وقد انتقد المؤلف بعض الكتاب الذين توصلوا إلى نتيجة معينة هي أن الإسلام انتشر في مصر بالقوة. وعاب عليهم اعتمادهم على كتاب: سير الآباء البطاركة" لسويرس بن المقفع، وهو كتاب مليء بالوقائع المزورة والأكاذيب الفاضحة، وقد طعن في صحته كثير من العلماء في الشرق والغرب. ولا ينكر المؤلف وقوع مصادمات بين المسلمين والأقباط ولكن يمكن ردّها بسهولة إلى أسبابها الحقيقية. فقد تقع المصادمات على أيدي المتطرفين من كلا الجانبين، أو العوام الذين تتحكم فيه العاطفة، أو عمليات اضطهاد وقتية لبعض الحكام الظالمين. ولا يخفى على منصف أن الأقباط قد تمتعوا في ظل الحكم الإسلامي بحرية دينية لم يجدوها من قبل، وباشروا عبادتهم بحرية تامة.

ويرجع المؤلف مرة أخرى للحديث عن أسباب تفوق العربية، فوجد أن اللغة العربية تفوق القبطية في قيمتها الذاتية. فهي من ناحية لغة الحكام، ومن ناحية أخرى لغة النبي. وهي بالإضافة إلى ذلك لغة حضارة عظيمة وثقافة تفوق القبطية.

وبالإضافة للعوامل السابقة لتفوق العربية، يجب أن نضع في الاعتبار الحقيقتين التاليتين:

1- اللغة العربية انتشرت في كثير من أنحاء العالم وتمثلت ثقافات وحضارات كثيرة مما أعطاها ميزة ضخمة وقيمة كبيرة.

2- أن اللغة القبطية في فترة احتكاكها باللغة العربية كانت في موقف ضعيف لوقعها فريسة للغة اليونانية التي أصبحت فيما بعد لغة الكتابة.

المرحلة الأولى من الصراع؛ مرحلة المناوشة:

وتحدد هذه المرحلة بفترة ما بين الفتح الإسلامي(سنة20هـ) ونهاية القرن الأول الهجري(718م). وحدث تبادل وتأثير بين اللغتين ولكن لم تتمكن أي منهما من إحراز نصر على الأخرى، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب:

1- حسن كعاملة العرب الفاتحين للمصرين، وقد أكدت أوراق البردي التي يرجع عهدها للفتح الإسلامي هذه الحقيقة، وقد علّق المستشرق جروهمان على نص بقوله:" إن هذه المعاملة إزاء شعب مغلوب قلما نراها من شعب منتصر".

2- استمرار استعمال اللغة اليونانية (أو القبطية) بوصفها لغة رسمية حتى عام 87هـ = 706م عندما أصدر والي مصر إذ ذاك وهو عبد الله بن عبد الملك أوامره بإحلال العربية محلها.

3- حل الأقباط في إدارة البلاد محل الروم الذين غادروا مصر، كما ظلوا في وظائفهم العامة كما كانوا قبل الفتح، فكان منهم حكام المحافظات ورؤساء الدواوين وصغار الموظفين.

4- قلة عدد العرب طوال هذا القرن إذا قيس بعدد السكان الأصليين.

5- فرض ضريبة على الرهبان عام 65هـ تقدر بدينار، لأن عبد العزيز بن مروان رأى انه ليس من العدل أن تدفع الطبقات الفقيرة، ويعفى الرهبان والمطارنة الأغنياء.

6- الغاء عمر بن عبد العزيز ضريبة الرؤوس على الأقباط إذا اعتنقوا الإسلام، وقد أدت هذه السياسية إغراء بعض الأقباط بالدخول في الإسلام.

7- حركات الدخول في الإسلام سارت بطيئة في أنحاء البلاد خلال هذا القرن.

وكانت النتيجة الحتمية لتلك العوامل المتضاربة أن حقت اللغة العربية بعض النصر على حساب اللغة القبطية التي فقدت بدورها شيئًا من قوتها في صراعها من أجل الحياة، ولكن فشل أيهما في القضاء على الأخرى.

المرحلة الثانية من الصراع؛ مرحلة التقدم:

تحدد نهاية هذه المرحلة ب عام215هـ = 830م. وعلامتها المميزة انتصار العربية على اللغة القبطية وتحقيقها نجاحا كبيرا، ومن الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة ما يلي:

1- ازدياد حركة التعريب للدولة، وإحلال العرب أو المسلمين محل الأقباط.

2- إحكام الحصار على الأقباط لمنعهم من الفرار من دفع الجزية بأي وسيلة من الوسائل عدا اختيار الإسلام، وقد لجأ الأقباط إلى حيل متعدد قوبلت بردود أفعال مناسبة لمجابهتها.

3- تتابع هجرات القبائل العربية إلى مصر لأسباب مختلفة بعضها سياسي وبعضها ديني وبعضها اقتصادي. (كقبيلة لخم، وقيس عيلان وقد ساعدت هذه القبيلة بالذات في انتشار الإسلام)

4- ازدياد عدد الداخلين في الإسلام فرادى وجماعات لأسباب منها: قوة الحركة الدينية في مصر، حركة فردية بين المفكرين في تقبل الإسلام للتخلص من القلق في حياة المسيحية، والإعفاء المادي المتمثل في الجزية.

ويرى المؤلف أن بانتهاء هذه المرحلة كان كل شخص يعرف العربية يشعر بمكانته في المجتمع ويشعر أنه ابن من أبنائه بخلاف من أصر على تمسكه بلغته الأصلية، ولم يحاول تعلم اللغة العربية فقد أحس بانفصال عن المجتمع، وشعر بغربة لا يمكن أن يحس بها الشخص في وطنه.

المرحلة الثالثة من الصراع؛ مرحلة النصر:

وهي آخر مراحل الصراع، وقد شملت بقية القرن الثالث الهجري ومعظم القرن الرابع أو جميعه، وتلتها مرحلة من الهدوء والاستقرار بدأت مع القرن الخامس. ويرجع ذلك للأسباب الآتية:

1- ازدياد تدفق الهجرات العربية خلال هذه المرحلة. (هجرة قبيلة الكنز في خلافة المتوكل، وقبيلتا هلال وسليم في سنة 381هـ، ونزوح سلالة جعفر الطيار في أول القرن العاشر الميلادي)

2- في عام 216هـ=831م أخمد المأمون بالشدة أكبر ثورة للأقباط في البلاد وقد شملت الوجه البحري كله، وبعد هذه المعركة لم تقم للأقباط قائمة ودخل كثير منهم الإسلام.

3- تناقص أعداد المسيحين منذ القرن الثالث الهجري، ويعتبر عصر الحاكم بأمر (386هـ/411هـ) نهاية النفوذ المسيحي في مصر.

4- اندماج العرب في السكان الأصليين، واشتغالهم في الوظائف المدنية بعد قرار الخليفة المعتصم في عام 218هـ بتسريح الجيش العربي وإحلال الأتراك مكانهم.

5- استمرار إجراءات تعريب الدولة. وصبغها صبغة إسلامية.

النهضة الثقافية في مصر وأثرها على اللغة العربية:

كانت مصر في قرونها الإسلامية الأولى بمثابة منارة علمية تشع نورها على كل البلاد لمجاورة. ويؤمها الطلاب من المشرق والمغرب للتزود من علمها الغزير والنهل من موردها العزب.

وفي هذا الفصل يتحدث المؤلف عن جهود مصر في مجالات العلم المختلفة وخاصة الفروع التي تتعلق بالثقافة العربية والإسلامية والتي كان لها أثر قريب أو بعيد في النهوض بمستوى اللغة العربية في مصر والارتقاء بأساليب الكتابة والإنشاء، كما كان لها أثر كبير في مساعدة الأجانب على تعلم اللغة.

ففي مجال الدراسات الإسلامية كانت الريادة لأولئك العرب الذين صاحبوا جيش الفتح من الصحابة أو وفدوا بعده بقليل، واتخذوا مصر موطنا لهم ومن أشهر علماء القراءات من الصحابة عبيد بن عمر الذي شغل منصب أول قارئ رسمي في مصر، وعقبة بن الحارث الفهري، ومن التابعين عبد الرحمن ابن هرمز.

وتقدم أبو هريرة رجال الحديث الذين جاءوا إلى مصر في عهد مسلمة بن مخلد، وكذلك عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبوذر الغفاري، وتلاهم جيل من التابعين.

ومن مطلع القرن الثاني بدأ أول جيل من المصريين يسهم في إقامة صرح الدراسات الإسلامية:

القراءات: فنجد أول قارئ مصري ذاع صيته وهو عثمان بن سعيد الملقب ب ورش" الذي ولد عام 110هـ، وعاصره جمع آخر من القراء مثل سقلاب ابن شيبة، وعبد الله بن وهب، وغيرهم.

الحديث النبوي: وكان التأليف فيه أسبق من مجال القراءات والتفسير، إذ ان أقدم مجموع وصلنا هو ذلك الذي كتبه عبد الله بن وهب بعنوان "الجامع في الحديث".

الفقه: ألو فقيه مصري عرف كمجتهد كان يزيد بن أبي حبيب الذي شغل منصب مفتي مصر، وتلاه عدد من الفقهاء مثل الليث بن سعد.

الأدب: لم تنبغ مصر في مجال الأدب طوال حكم الأمويين، ولكن حقق تقدما ملحوظًا في مطلع العصر العباسي، ومع قيام الدولة الطولونية حقق الأدب تقدما آخر أخذ أشكالًا ثلاثة:

1- الشعر: انتعش الشعر نتيجة لتشجيع الحكام وإغدافهم الجوائز والهبات على الشعراء، ومن الشعراء المصريين نجد الحسين بن عبد السلام المسمى بالجمل الأكبر، والحسين المسمى بالجمل الأصغر، والقاسم بن يحيي، ومنصور بن إسماعيل بن عمر.

2- النثر: وجهت عناية كبيرة بديوان الإنشاء وأصبح مطمح كل كاتب أن يشغل منصبا فيه. وقد أدى هذا بالكتاب أن يحاولوا إجادة اللغة العربية، كما أدى إلى ظهور مؤلفات تأخذ بيد الكتاب الناشئين.

3- الدراسة الأدبية: وقد ظهر في هذه الفترة مجموعة من الدراسات الأدبية والنقدية ومن بينها كتاب" النقائض" لأبي العباس بن ولاد، وأخبار الشعراء، وشرح المعلقات، ومعاني الشعر وجميعها لأبي جعفر النحاس.

وفي نهاية هذا الفصل استعرض المؤلف أشهر مراكز الثقافة في مصر ومنها:

1- المسجد: وكانت أشهر المساجد في مصر خلال تلك الفترة هي: جامع عمرو بن العاص وكان الإمام الشافعي يلقي فيه دروسه ومحاضراته، وكذلك الإمام الطبري، وجامع أحمد ابن طولون، ثم الجامع الأزهر.

2- صالونات الحكام: وكانت تعقد فيها اجتماعات دورية وحلقات علم مستمرة. وكان من العادة حضور الحكام والوجهاء هذه الاجتماعات ويشاركوا في المناقشة ويثيبوا المتفوق فيها.

3- دور الكتب: وقد انتشرت دور الكتب الخاصة خلال تلك الفترة وتنافس الأغنياء والعلماء في اقتناء نوادر المخطوطات.

4- محلات الوراقة وبيع الكتب: ففضلًا عن دورها في نسخ المخطوطات وبيعها كانت مركزًا يلتقي فيه الدارسون ويتجاذبون الحديث ويديرون المناقشة.

الباب الثاني: الخصائص اللغوية لعربية مصر

وفي هذا الباب سيقدم المؤلف وصفا للغة العربية التي كانت بمصر في الفترة موضوع الدراسة، ويحدد العوامل التي تحكمت في تشكيلها.

وقد وجد أن هناك عاملين يعدان من أهم العوامل التي تستحق الدراسة في هذه الخصوص، بالكشف عن مدى أثرهما في عربية مصر، وهما:

1- اللغة القبطية (وإلى حد ما اليونانية).

2- اللهجات العربية.

وقبل الشروع في الحديث عن هذين المؤثرين سنستعرض بعض الصعوبات التي أوردها المؤلف والتي يواجهها دارس الخصائص اللغوية لعربية مصر، ومن هذه الصعوبات:

- قلة المادة اللغوية للهجات العربية القديمة من ناحية، وانعدام الدراسة اللغوية المنهجية لها من ناحية أخرى. واختلاط مادتها بعضها ببعض، وصعوبة عزل مادة أي واحدة منها عن غيرها، وهي صعوبة قد تصل أحيانا إلى حد الاستحالة والتعذر.

- كل المادة التي بين أيدينا وصلتنا عن طريق الكتابة. ومن المعروف أن الرموز المكتوبة لا تمثل إلا قدرا ضئيلا من اللغة.

- تعذر القيام بمسح جغرافي لمناطق اللهجات في مصر، وفصل اللهجات الإقليمية بعضها عن بعض، أو عمل ما يمكن أن يسمى بالأطلس اللغوي.

- الدراسات القديمة قد ألقت ثقلها في جانب اللفظ المفرد وبناء الكلمة، ولم يكن هناك اهتمام بنظام الجملة وجانب النحو الإعراب.

ثم شرع المؤلف في الحديث عن مادة التحليل اللغوي والتي بنى عليها دراسته لعربية مصر في تلك الفترة ومن المواد المكتوبة التي اعتمد عليها:

أولا: أوراق البردي العربية.

ثانيًا: كتب ألفها علماء متخصصون في الدراسات اللغوية في الدراسات اللغوية أو الأدبية ويمثل أسلوبها المستوى الرفيع في الكتابة في ذلك العصر.

ثالثا: كتب ألفها علماء أقباط ظلوا محتفظين بدينهم، وتعلموا اللغة العربية لسبب أو لآخر وأتقنوها، ولكن ظلت كتابتهم تبدو عليها المسحة الأجنبية.

رابعا: متفرقات ونماذج نثرية شعرية متناثرة في كتب الأدب والتاريخ واللغة.

المؤثر الأول: اللغة القبطية:

لم يتحقق لحياة أي لغة أن تكون بمعزل عن التأثيرات الخارجية على مدى تاريخها الطويل، وما أن تلتقي لغتان أو أكثر في مكان واحد فسرعان ما يحدث الاحتكاك بينهما، ويتبادلان التأثير والتأثر.

ولا يعني انتصار لغة وانهزام أخرى أن اللغة المنهزمة تموت وتتلاشى، كما لا يعني انهزام لغة أنها تموت موتا كاملا فهي تظل حية حياة جزئية في شكل بقايا وآثار تختلط باللغة المنتصرة، وتصبح لا يتجزأ منها.

ويرى المؤلف أن التأثير القبطي على عربية مصر لا يمكن إنكاره، وأن فترة التأثير القوى كنات في الأربعة قرون الأولى، ولكن قبل شروعه في دراسة هذه التأثيرات أرسى عدة مبادئ:

1- أن بعض التأثيرات القبطية قد غزا العربية الفصحى المشتركة.

2- أن قضية التأثير والتأثر من القضايا الشائكة التي يعسر أو يستحيل في بعض الأحيان القطع فيها برأي.

3- خصائص عربية مصر لا يمكن ردها دائما للنفوذ الخارجي، فقد ترجع للتطور الطبيعي للغة ونفوذ اللهجات العربية.

4- تفاوت تأثير القبطية على عربية مصر من مستوى لغوي إلى مستوى آخرـ ورما من كاتب إلى كاتب ومن متحدث إلى متحدث.

وقد توصل المؤلف إلى ثلاثة أنواع من التأثيرات للغة القبطية على عربية مصر:

(أ): التأثير الصوتي: يتصور المؤلف أن العربي في مراحل الاختلاط الأولى كان يتحدث بطريقته الخاصة غير المشوبة بعنصر أجنبي، أما القبطي الذي تعلم اللغة العربة فكان يتحدث بلهجة مخلوطة بلكنة أجنبية. ولكن السؤال الأهم: هل تركت اللغة القبطية أي آثار على الناحية الصوتية للحديث بحيث صارت هذه الآثار حقيقة مسلما بها، ودخلت لغة الخطاب العامة، وأصبحت لا تثير انتباه المتكلمين، ولا يشعر بغرابتها أو شذوذها السامعون؟

 وبعد الدراسة توصل المؤلف إلى ان تأثير اللغة القبطية على عربية مصر في مجال الأصوات معدوم تماما في لهجة القاهرة، وإن كنا لا ننكر احتمال وجود بعض التأثيرات في الصعيد ولكن بدرجة محدودة جدًا.

(ب): التأثير النحوي والصرفي: توصل المؤلف إلى عدم وجود نفوذ قبطي على جانبي النحو والصرف في لغة الكتابة بشقيها، ويعني بالنفوذ القبطي انتقال قاعدة نحوية أو نظام صرفي معين إلى لغة الكتابة العربية.

(ج): التأثير في مجال المفردات: كان للغة القبطية تأثير واضح على عربية مصر في مجال المفردات، ولكن اختلفت قوة هذا التأثير من مستوى لغوي إلى آخر، فعلى المستوى الأدبي كان أثر هذا العامل ضعيفًا لا يتجاوز بضع كلمات دخلت لغة الكتابة، أما مستوى الكتابة لغير المتخصصين فتردد فيه بكثرة نسبية الألفاظ الأجنبية ذات الأصل القبطي. ويخلص المؤلف إلى أن مخلفات اللغة القبطية في عامية مصر محدودة جدًا بعكس ما قد يظن.

والنتيجة النهائية التي استخلصها المؤلف أن التأثير القبطي على عربية مصر تأثير محدود جدا لا يكاد يتجاوز مجال المفردات.

المؤثر الثاني: اللهجات العربية:

تعددت القبائل العربية التي هاجرت إلى مصر، وحملت كل قبيلة معها لهجتا الخاصة التي تختلف قليلا عن اختها. واختلط كثير من هذه اللهجات. وانعزل بعضها مكونا جزرا لغوية.

أما آثار اللهجات العربية في المستوى الادبي لعربية مصر فانقسم إلى عدة مجالات:

(أ): في مجال النحو والصرف: فمن أمثلتها إلزام جمع المذكر السالم الياء في جميع حالاته الإعرابية، وحذف نون المثنى بدون إضافة، وحذا أن المصدرية قبل المضارع، وحذف النون في الأفعال الخمسة بدون ناصب ولا جازم وغيرها.

(ب): في مجال المفردات: ترددت مفردات في أشعار المصريين وكتاباتهم ليس لها وجود في المعاجم التي بين أيدينا، وتمثل استعمالات خاصة لبعض القبائل التي أهمل تسجيل لغتها. كاستعمال "ست" مكان سيدة، وعيالات جمعا لعيال، واستخدام كلمة التقليد بمعنى المحاكاة وغيرها.

أما آثار اللهجات العربية في المستوى نصف الأدبي أو اللغة الكتابية لغير المتخصصين فكثيرة غزيرة:

(أ): في مجال الأصوات: فنجد حلول التاء محل الثاء، كتابة القاف كافًا ونطقها قريبًا من صوت الكاف، كتابة الذال دالا ونطقها كذلك، والتبادل بين الصاد والسين وغيرها.

(ب): في مجال النحو والصرف: كانت أهم ظاهرة تلفت النظر هي إهمال الإعراب أو التخلص منه بالكلية، ومعاملة الفعل المعتل الآخر معاملة الصحيح في الإعراب، ومعاملة المؤنث معاملة المذكر في كل شيء، وأيضًا صرف الممنوع من الصرف مثل ذبحوا ذبائحا.

(ج): في مجال المفردات والتعبيرات: شاعت ألفاظ وعبارات كثيرة لها أصول عربية واضحة، ولكن تحرج المتحفظون من استعمالها فشجع بعض اللغويين الحكم عليها بعدم الفصاحة. مثل استعمالهم لفظتي قبلي وبحري في مقابل جنوبي وشمالي، واستعمال كلمة المزين، استعمال كلمة أبهات جمعا لأب، وهناك الكثير من الألفاظ.

وأما آثار اللهجات العربية في مستوى الخطاب العادي أو اللغة الدارجة فأكثر من أن تحصى.

مؤثرات أخرى

وفي فصل أخير وبجانب العاملين السابقين ذكر المؤلف بعض المؤثرات الأخرى على عربية مصر وإن كان يرى أن تأثيرها ثانويًا، مثل:

1- عامل النزوع نحو السهولة وتوفير الجهد.

2- عامل اللامبالاة.

3- عامل الاقتراض من لغات أخرى غير القبطية واليونانية. مثل اللاتينية والفارسية والتركية.

وفي خاتمة الكتاب أجرى المؤلف دراسة مقارنة عن مدى التأثير المتبادل بين القبطية والعربية، ورد في دراسته على بعض الكتاب الذين ادعوا أن مفردات عامية مصر مليئة بأعداد ضخمة من الكلمات ذات الأصل المصري القديم أو القبطي بدرجة تثير الدهشة والعجب.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة