الدرس اللغوي عند الأصوليين

محمد بنعمر
2/11/2014

إشكالات أولية:

تداخل العلوم في التراث العربي الإسلامي

من الظواهر الثقافية التي تستوقف الدارس والباحث والمتابع لمسار التراث العربي الإسلامي في تطوره التاريخي هو ذلك التداخل القائم بين العلوم التي نشأت في هذا التراث حيث إن العلاقة التداخلية والتكاملية كانت هي السمة البارزة والغالبة على جميع العلوم التي نشأت وتطورت في أحضان الثقافة العربية الإسلامية[1]

وهذا التداخل بين العلوم استوقف كثيرا من الدارسين وأثار عددًا من الباحثين وهو ما جعلهم يبحثون عن الأسباب وينقبون عن الدواعي ويرصدون النتائج التي كانت من وراء هذا التداخل والتكامل الذي كان حاضرا وقائمًا بشكل ملفت للانتباه بين عدد من العلوم. وكان من آثار هذه المتابعة أن تمت مجاوزة الأطروحات والتوجهات والرؤى التي تتجه نحو مناصرة التوجه والموقف القائل باستقلالية العلوم من حيث الموضوع والمنهج والإطار المرجعي. وانفصالها من حيث المفاهيم المتداولة والمصطلحات المشكلة لجهازها المفاهيمي. وهذا يعني أن هذه العلوم رغم مقاسمتها لكثير من القضايا المشتركة فإنها مع ذلك ظلت تتقاسمها مجموعة من الثنائيات المتصارعة أحيانًا والمتعايشة أحيانًا أخرى تبعًا للسياقات التاريخية والظروف الثقافية والحضارية التي نشأت وتطورت في أحضانها تلك العلوم.

وللتصدي ومجاوزة هذه الأطروحات القائلة بالفصل والاستقلالية بين هذه العلوم التراثية فقد نظمت عدة لقاءات وأعدت عدة ندوات وأنجزت عدة بحوث قصد استحضار وتمثل أهم القضايا والإشكالات ذات الصلة بموضوع تداخل العلوم من أجل استجلاء المعالم الكبرى وتمثل الدواعي الاساسية التي ساهمت في هذا التداخل ورصد أهم الأسباب والنتائج التي ساهمت في هذا التداخل القائم على أهم انتقال واستجلاء المفاهيم من علم إلى آخر[2].

 من هنا ندرك أن فكرة التداخل والتكامل بين العلوم شكلت أحد الأفكار الأساسية والمحاور الكبرى التي لقيت رواجًا واسعًا ومناقشة مستفيضة بين الدارسين والباحثين المنشغلين بالدراسات التراثية في الآونة الأخيرة، وهو ما أفضى إلى جعل فكرة التداخل موضع عناية ومحور اشتغال واهتمام بين المشتغلين بالتراث العربي الإسلامي.

 ومن أبرز الأسباب التي ساهمت في هذا التداخل هو أن العلوم الشرعية لم تكن بمنأى عما تعرفه العلوم الأخرى من إشكالات نظرية وتحولات معرفية وتساؤلات منهجية خاصة في تبادل الوظائف واستعارة المفاهيم. أو في ما تطرح هذه العلوم من أسئلة نظرية وإشكالات معرفية ومنهجية خاصة ما كان من قبيل الأسئلة المؤسسة لبنائها المعرفي وجهازها المفاهيمي. أو ما تعلق كذلك بمرجعيتها المؤسسة لها. وإنما كانت هذه العلوم منفتحة فيما بينها ومتداخلة في مفاهيمها ومتواصلة ومتفاعلة حتى مع العلوم العقلية الدخيلة على الثقافة العربية الإسلامية.[3] خاصة تلك العلوم التي انتقلت من اليونان إلى المسلمين عن طريق الترجمة والمثاقفة الحضارية والمسماة بالعلوم الدخيلة. وإن كان هذا الانتقال مر بمرحلة النقد والمراجعة خاصة في الجانب المتصل بالإشكالات النظرية والأسئلة المعرفية والأبعاد المرجعية سواء في المناهج أو في المواضيع أو في المفاهيم. وهو مما جعل الانفصال والاستقلال غير وارد أو مطروح بين جميع العلوم التي نشأت في أحضان الثقافة العربية الإسلامية بفعل وحدة المرجع الذي كان يجمعها وهو النص القرآني.

ومن آثار هذا التداخل تصنيف العلوم إلى علوم أصلية وعلوم خادمة للأصل. أو علوم مقصودة وعلوم خادمة للعلوم المقصودة. قال ابن رشد في كتابه الضروري في صناعة النحو: "إن العلوم صنفان: علوم مقصودة لنفسها وعلوم مسددة للإنسان في تعلم [4]العلوم المقصودة في نفسها "[5]. ومن العلوم المسددة علم النحو وعلم المنطق "فمنزلة النحو كمنزلة المنطق علمان مسددان إلا أن الأول يسدد اللسان والثاني يسدد العقل والفكر، حتى لا يقع غلط فيهما "، وتعد هذه العلوم: علم أصول الفقه وعلم النحو وعلم الكلام من أكثر العلوم تبادلا للمفاهيم فقد انتقلت مفاهيم الأصوليين إلى النحويين. كما انتقلت مفاهيم اللغويين إلى الأصوليين وكان من آثار هذا الانتقال أن اكتسبت هذه المفاهيم معان جديدة غير المعاني التي كانت عليها في علومه الأصلية وهذا مؤشر على ضرورة التمييز بين هذه المفاهيم في الدلالة والمعنى في حقولها المعرفية الأصلية أو في الحقول المعرفية الأخرى التي انتقلت إليها هذه المفاهيم. فمفاهيم علماء الأصول اكتسبت دلالات جديدة عند علماء اللغة وهذا أمر طبيعي لأن موضوع العلمين غير متقاربين من حيث الموضوع والمنهج. ذلك أن موضوع علم أصول هو الاستدلال على الأحكام وضبط النص في فهمه. أما موضوع علم اللغة فهو وضع معايير لضبط التواصل والتخاطب بين المتخاطبين. كما أن الجهاز المفاهيمي عند اللغويين اعتراه نوعًا من التحول في الدلالة عند علماء الأصول. وهو المعطى الذي يجب الانتباه إليه لكل من مارس القراءة أو البحث في مسار المفاهيم وتاريخ المصطلحات المتداولة في التراث العربي الإسلامي فالمصطلح الواحد تتنوع دلالته وتتعدد معانيه تبعا للحقل المعرفي المتداول فيه.

وللخروج من هذا الإشكال كان من الضروري إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية عامة والمعجم التاريخي للمصطلحات خاصة. فهذا المشروع هو الكفيل بإزالة الإبهام والفصل بين المفاهيم المتداولة تبعا لحقولها الأصلية.

ومما اتصفت بالحقول المعرفية في الثقافة العربية الإسلامية هو التعدد في حقولها المعرفية والتنوع في معجمها المفاهيمي بسبب وحدة الهدف وتعدد الغاية وهذا المعطى يشعر أن التعدد والتنوع في الثقافة الإسلامية كان من أبرز مكوناتها وخصائصها خاصة ما تعلق بالحقول المعرفية ذات الصلة بمرجعية النص القرآني. وهذا التعدد كان في الموضوع والمنهج. ولم يكن في التصور ولا في الرؤية ولا في الإطار أو في المرجع الموجه والجامع لهذه الحقول المعرفية.

ومما ساعد على هذا التكامل والتواصل بين هذه العلوم بجميع فروعها وأقسامها أصلية كانت أو خادمة للأصل نقليه كانت أم عقلية هو وحدة الإطار والمرجع الذي يجمع هذه العلوم. إذ التحمت هذه العلوم بمجملها وفي نسق واحد من أجل خدمتها للقرآن الكريم توثيقًا واستمدادًا وبيانًا. فقد اتجهت كل العلوم نحو القرآن الكريم بيانًا واستنباطًا واستمدادًا وتفسيرًا وتأويلًا وتوثيقًا وتحقيقًا وقراءة[6].ذلك أن القرآن - كما قال ابن جزي الكلبي - كان هو المقصود بذاته وسائر العلوم أدوات تعين عليه أو تتعلق به أو تتفرع عنه[7].

إذ شكل القرآن الكريم النص المؤسس للحضارة الإسلامية والمحور المشيد للمعارف والعلوم والمنطلق المشترك والجامع لكل الجهود الفكرية والعلمية في الثقافة العربية الإسلامية. فقد دارت حوله مختلف العلوم والدراسات رغم اختلاف مرجعية هذه العلوم وتنوع مواضيعها وتوزع حقولها المعرفية الشيء الذي جعل هذه العلوم منصهرة في بناء واحد. فهو المرجع والمشترك بين كثير من العلوم.

فما من علم إلا وكان القرآن الكريم هو المحور الذي يتحرك حوله هذا العلم.وهذا الأمر ينطبق على مختلف فروع المعرفة الإنسانية التي ظهرت في الثقافة العربية الإسلامية.فمدار العلوم الإسلامية كلها كان هو النص المؤسس وهو القرآن الكريم مما جعل البحث في أي علم من العلوم الإسلامية يشكل ميدانًا فسيحًا وفضاء متشابكًا ومتداخلًا بين عدد من العلوم وهو مما انعكس أثره على تطور المعرفة في الثقافة الإسلامية.

هذا الأصل المعرفي الثابت هو ما جعل كثيرًا من الدارسين يرون أن عطاء الفكر العربي الإسلامي وإبداعه إنما نشأ أساسًا من خلال تعامله المباشر مع النص القرآني. وهو الأمر الذي يجعلنا ننعت الثقافة العربية الإسلامية بأنها ثقافة محورها النص. وهذا يقودنا إلى القول والاعتراف أن هناك خلفية دينية تحكمت في توجيه الدراسات اللغوية والقرآنية. وجعلت العلوم على اختلاف تخصصاتها ومنازعها وتوجهاتها تتجه نحو خدمة النص القرآني[8] في جميع مستوياته ومناحيه.

وإن كان الجامع المشترك لهذه العلوم هو الاتجاه نحو توثيق النص باعتبار أن التوثيق والتحقيق يعد مرحلة أولية وأساسية في التعامل مع النص تمهيدًا لاستمداد المعنى منه. فإن هذه العلوم اتجهت كذلك نحو استمداد المعنى من النص وتمثل المستويات الدلالية في النص.

وما يقتضيه هذا الموقف أن طلب العلوم التراثية معرفيًا ومنهجيًا يقتضي من طالبها استحضار قبلي لمجموعة من المعارف والعلوم المركبة لهذا التراث لكون هذه العلوم علوما جامعة ومشتركة في مجموعة من القضايا والمسائل النظرية خاصة ما كان من قبيل المرجعيات والمفاهيم والمصطلحات التي انتقلت من حقولها المعرفية إلى حقول معرفية أخرى مكتسبة بهذا الانتقال والعبور معان ودلالات جديدة. ومتداخلة في الوظائف والمهام والأدوار والقاسم الذي يجمعها هو خدمتها للنص القرآني توثيقًا واستمدادًا وبيانًا وتفسيرا.

ومن آثار هذا التداخل انتقال كثير من المفاهيم من حقولها المعرفية الأصلية إلى حقول معرفية أخرى مثل مفاهيم الأصوليين التي كانت متداولة بينهم فقد انتقلت إلى علماء اللغة وهو ما يستدعي استحضار هذا البعد في أية مقاربة لأي حقل معرفي في التراث العربي الإسلامي.فانتقال المفاهيم والمصطلحات من حقولها المعرفية إلى حقول معرفية أخرى من الأساسيات التي لا ينبغي التنكر لها أو التغاضي عنها أو إهمالها أو إبعادها لكل من توجه أو اختار البحث الأكاديمي في التراث العربي الإسلامي خاصة ما كان من قبيل الدراسة المصطلحية.

ومما يثير الباحث وهو يستحضر ويتابع آثار هذا التداخل أن كثيرا من العلوم نضجت وتطورت في أحضان علوم أخرى خاصة العلوم التي يجمعها وحدة الموضوع وتتقاسم وحدة الهدف والغاية فعلم البلاغة وعلم اللغة من العلوم التي نضجت ونمت في أحضان كتب التفسير لأن هذا العلم اجتمع فيه ما تفرق في غيره. وهو ما يفسر لنا أن عددًا من المفسرين كانوا علماء لغة وبلاغة مثل الإمام الزمخشري والإمام الراغب الاصفهاني والإمام السمين الحلبي والإمام الفيروز آبادي. ويعد علم أصول الفقه من أبرز العلوم التي شكلت محورا لالتقاء مجموعة من العلوم حيث وضفت فيه عدة معارف واستثمرت فيه عدة مفاهيم مما أهله لأن يكون علمًا جامعًا بين العلوم النقلية والعلوم العقلية وبين علوم الفهم وعلوم الاستدلال.

وكان من آثار عدم تمثل هذه العلاقة التداخلية بين العلوم أن كثيرا من الوهن والضعف اعترى وأصاب بعض العلوم. فقد عاتب ابن جزي الكلبي في مقدمة تفسيره بعض المفسرين لأنهم لم يستحضروا مباحث علم أصول الفقه في تفسيرهم للقرآن الكريم خاصة ما تعلق بالقواعد اللغوية المخصصة لتفسير النص القرآني[9].

وهذا العتاب يعود بالأساس إلى الصلة القوية القائمة بين علم أصول الفقه والتفسير فكلاهما يشتغل على محور التفسير[10].

وفي نفس السياق ألح ابن جزي الكلبي في مقدمة تفسيره التسهيل على ضرورة انفتاح المفسر على علم أصول الفقه خاصة ما كان من قبيل القواعد المخصصة للفهم والتفسير والتأويل. فقواعد هذا العلم آليات معينة ووسائل مساعدة على الفهم والتأويل والنظر[11]. لأنها قواعد وضعت أساسًا لضبط فهم النص واستمداد معناه." من هنا كان من اللازم والضروري على المفسر أن يستعين بهذه القواعد في التفسير وهو ما يلزمه منه طلبها من مظانها ومصادرها وإعمالها في التفسير".

إشـكـــال أولـــي:

 1- الدرس اللغوي عند علماء أصول الفقه:

يحظى الدرس اللغوي بأهمية واسعة في علم أصول الفقه لأن الاستدلال على الأحكام الشرعية متوقف على فهم الخطاب الشرعي بحيث لا تظهر ثمرة الاستدلال على الأحكام الشرعية إلا بفهم الخطاب الشرعي، وهذا الفهم ينبغي أن يكون فهمًا سليمًا ومضبوطًا بضوابط التفسير بحيث تراعى فيه الضوابط اللغوية والأصول الشرعية المتعلقة بالفهم والبيان، وأغلب هذه الضوابط مستمدة ومستنتجة عن طريق استقراء تراكيب اللغة العربية وتتبع أساليبها وتعبيرها في الأداء والإبلاغ والتخاطب.

فمن الشروط اللازمة على مستنبط الأحكام الشرعية أن يكون على علم باللسان العربي ليفهم عن الله عز وجل وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون عالما بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن الكريم، " فمن جهل اللغة وهي الألفاظ الواقعة على المسميات وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات الواقعة على المعاني لم يحل له الفتيا"[12].

والمعنى ذاته نجده عند إمام الحرمين الجويني الذي أقر أن الاستقلال باللغة العربية ضرورة على المشتغل بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف "فلا بد من الارتواء من العربية فهي الذريعة إلى مدارك الشريعة"[13].

وقد أوجب الإمام ابن حزم الأندلسي ضرورة ولزومًا على الفقيه أن يكون لغويًا ونحويا إذا أراد الإفتاء والاستدلال على الأحكام الشرعية، أما إن كانت كفايته اللغوية ضعيفة وقاصرة فهو ناقص وبالتالي" لا يحل له أن يفتي بجهله بمعاني الأسماء[14].

فالعلم بالقرآن والسنة النبوية من لوازمه العلم باللغة. جاء في كتاب الصاحبي لابن فارس: "إن العلم بلغة العرب واجب على كل متعلق من العلم بالقرآن والسنة"[15].

والباعث على عناية علماء أصول الفقه بالمجال اللغوي هو جريان الخطاب الشرعي على لغة العرب في التخاطب والأداء من هنا فإن "أغلب ما صنف في علم أصول الفقه من الفنون إنما هو من المطالب العربية"[16]. بل إن كثيرا من كتب الأصول اختارت تصدير مقدماتها بمباحث هي من صميم علم اللغة ليكون تعلمها ضروريًا على كل من اختار التصدي للإفتاء أو الاجتهاد قال الإمام الغزالي: "المقدمات - أي في علم أصول الفقه- هي التي تجري منه مجرى الآلات كعلم اللغة والنحو. فإنهما آلة لعلم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وليست اللغة والنحو من العلوم الشرعية في أنفسهما ولكن يلزم الخوض فيهما بسبب الشرع إذ جاءت هذه الشريعة بلغة العرب. وكل شريعة لا تظهر إلا بلغة فيصير تعلم تلك اللغة آلة"[17].

فالقرآن الكريم والسنة النبوية نزلا بلسان عربي مبين وباللغة العربية وقع التخاطب ومن ثم فإن استجلاء الدلالة واكتساب المعنى موقوف على مدى الدراية والتمكن من اللغة العربية في مستوياتها ومكوناتها.

وهذا المعطى هو ما كشف عنه القرآن في كثير من آياته.قال سبحانه: " وإنه لتنزيل رب الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بلسان عربي مبين" [الشعراء 195]. وقال سبحانه في سورة يوسف: " إنا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ" [يوسف: 2].

 وقولنه سبحانه: "لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ " [سورة النحل آية 10]. 

والدرس اللغوي عند علماء أصول الفقه يأخذ عدة جهات ومستويات أبرزها جهة اللفظ في علاقته بالمعنى، وهي المسماة بالدلالات. واهتمام الأصوليين بهذه الجهة أملته عدة اعتبارات أبرزها كون اللفظ أصغر وحدة معجمية في أداء المعنى وإبلاغ الدلالة وإيصال المطلوب، فهو وسيلة ضرورية لتحصيل المعنى المراد من تداول الخطاب علمًا أن المعنى هو المقصود من التخاطب واللفظ أداة، من هنا "فلا بيان إلا بالألفاظ المعبرة عن المعاني التي وقعت عليها في اللغة"[18].

قال الإمام الشاطبي: "اللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد والمعنى هو المقصود"[19].

ولقد حظيت الألفاظ العربية ومعانيها ودلالتها حسب السياق التي وردت فيه بنصيب كبير من العناية والاهتمام والمتابعة بين علماء أصول الفقه، وهذا ما جعل علماء أصول الفقه يتابعون الألفاظ في حالة الإفراد والتركيب والإطلاق والتقييد والخصوص والعموم والأمر والنهي والإعمال والإهمال  إذ فصلوا القول في جميع الجهات والزوايا التي يتقاطع فيها اللفظ بالمعنى ووضعوا القواعد والضوابط لفهم النصوص الشرعية وفق هذه الضوابط تمهيدا لاستنباط الأحكام الشرعية منها، واعتبروا الالتزام بهذه الشروط والمقتضيات ضابطًا منهجيًا وقيدًا ضروريًا من أجل استجلاء المعنى الذي يحمله الخطاب[20].

ولتسليط الضوء على مساهمة علماء أصول الفقه في الميدان اللغوي حاولنا في هذا البحث الاقتراب من مدارسة علماء أصول الفقه للفظ في علاقته بالمعنى وهي مدارسة كان الهدف والغاية منها هو فهم النصوص الشرعية وتحديد دلالتها لتمثل المعنى والقصد الشرعي منها.

اللفــظ عنـد الأصـولييــن:

يعد مبحث اللفظ من أهم البحوث التي أسست المحاور الكبرى لعلم أصول الفقه لأن بواسطة اللفظ يتحقق التفاهم ويتيسر التواصل ويسهل التخاطب.

فعلماء أصول الفقه كانوا على دراية واسعة وفهم مسبق ومعرفة عميقة بأن فهم النص الشرعي وضبط معانيه اللغوية والشرعية والإحاطة بمنطوقه ومفهومه وظاهره وفحواه وتمييز واضح ألفاظه من خفيها وحقيقته من مجازه. لا يتم إلا بتوسط اللفظ ومن ثم فلا سبيل "إلى معرفة حقائق الأشياء إلا بتوسط اللفظ"[21].

فهذه الأهمية التي اكتسبها اللفظ في الدرس الأصولي قادت علماء أصول الفقه إلى تتبع اللفظ مفردا ومركبا مطلقا ومقيدا خاصا وعاما حقيقة ومجازا.[22] وكانت هذه المتابعة من جميع الجهات والزوايا، وذلك بدراسته باعتبارات متعددة وتقسيمات متشعبة بحيث يصعب الوقوف على جميع الجهات والزوايا التي كانت محور دراسة علماء أصول الفقه للفظ [23].

وقد وصف الأصولي ابن أمير الحاج (ت 879 هـ) هذه الجهات والزوايا المتعلقة بمدارسة الأصوليين للفظ بأنها أقسام متعددات متباينات ومتداخلات[24].

وهذا ما يفسر لنا اتسام البحث الأصولي في اللفظ بالسعة والشمولية والدقة، لأن التمكن من دلالات الألفاظ في حالتي الإفراد والتركيب يجعل الأصولي في مأمن من أي تعثر في الاستنباط ومن أي سقوط في الاستدلال خاصة وأن موضوعه هو الأحكام الشرعية.

جاء في البرهان لإمام الحرمين: "اعلم أن معظم الكلام في الأصول يتعلق بالألفاظ والمعاني، أما الألفاظ فلا بد من الاعتناء بها، فإن الشريعة عربية ولن يستكمل المرء خلال الاستقلال بالنظر في الشرع ما لم يكن ريانًا من النحو واللغة[25].

أما ابن خلدون في المقدمة فقد كشف عن العلاقة الجامعة والمتبادلة بين الألفاظ وتحصيل المعنى فقال: "يتعين النظر في دلالة الألفاظ، وذلك أن استفادة المعاني على الإطلاق من تراكيب الكلام على الإطلاق يتوقف على معرفة الدلالات الوضعية والمركبة"[26].

فتخصيص عدة مباحث للألفاظ في كتب علم أصول الفقه يعود إلى توقف البيان والاستدلال والفهم على معرفة موقع اللفظ داخل الخطاب، فتحديد "دلالة اللفظ على معناه من ناحية الوضوح والخفاء والإبهام لـه أثر ملحوظ في تفسير النصوص واستنباط الأحكام، وقيام التكليف"[27].

كما اعتبر اللفظ أسهل الطرق في التواصل والتخاطب إذا ما هو قورن بالأشكال التخاطبية الأخرى، لأن الغاية من "وضع الألفاظ هو تحقيق التفاهم"[28]، فهو من أهم الأدوات اللفظية المفيدة للتخاطب، مقارنة بالأدوات التخاطبية الأخرى التي يتداخل فيها النسق اللفظي بغير اللفظي.

جاء في كتاب نهاية السول: " أما كونه أفيد فلعمومه من حيث أنه يمكن التعبير به عن الذات والمعنى الموضوع والمعدوم والحاضر والغائب"[29] فاللغة هي أكثر الأدوات يسرا.وأكثرها إفادة من الإشارة والمثال. "أما كونها أيسر فلأنها موافقة للأمر الطبيعي. لأن الحروف كيفيات تعرض للنفس الضروري. أما كونها أكثر إفادة فإنها تعم كل معلوم موجود ومعدوم بخلاف الإشارة فإنها تختص بالموجود المحسوس".

 كما أن الغاية من "وضع الألفاظ هو تحقيق التفاهم. من هنا كان اللفظ من أهم الأدوات اللفظية المفيدة للتخاطب.

بناء على هذا الأساس فانه لا يلجأ في التفاهم إلى اللفظ الذي يحتمل في دلالته أكثر من معنى، إذ من مقتضيات التخاطب أن يوضح المخاطب القصد من دلالة خطابه. ومن هنا فانه يحضر استعمال اللفظ لمعنيين فأكثر في استعمال واحد. لما يؤدي هذا الحمل إلى استعجام المعنى على السامع والمتلقي.

وقد ذكر الإمام أبو الحسين البصري أن شيخه القاضي عبد الجبار الهمذاني شدد النكير على من أوقع معنيين على لفظ واحد في استعمال واحد[30].

من هنا كان القصد في البيان هو استعمال اللفظ المتداول المتفق عليه ليكون قاضيًا في عملية التفاهم[31] وهو المقتضى والأصل في عملية التخاطب بين المتكلم والسامع، فالمواضعة بمفردها لا تكفي في هذه العملية إن هي جردت عن القصد الذي قيدا في اداء المعنى. وقديمًا قال الجاحظ في كتابه البيان والتبين كلما كان اللسان أبين كان أحمد.

من هنا ندرك أن علم أصول الفقه هو بحث في دلالة اللفظ في النص الشرعي وهو ما كان دافعا للأصوليين إلى استقراء واسعا لأنواع العلاقات التي تقوم بين بين اللفظ والمعنى في النص الشرعي[32] .

المتابعــة الأصـوليـة للـفـــظ:

إن تحديد دلالة الألفاظ من حيث الوضوح والخفاء له أثر كبير في الاستنباط أو في تفسير النصوص الشرعية، لأن الخطاب الشرعي الذي يعد أصل الاستدلال ومرجع الفتوى لا يعلم المراد منه ولا تدرك دلالته إلا بمعرفة معاني مفرداته وألفاظه وما استعملت فيه من حيث الوضع. ثم معرفة معاني المركبات والوقوف على الأساليب والتراكيب وهذا ما جعل البحث في دلالة اللفظ على المعنى من أهم البحوث التي يقوم عليها استنباط الأحكام في الشريعة والقانـــون"[33]على حد سواء.

في حين اعتبر الأصوليون استعمال الألفاظ في غير مواضعها من شانه أن يؤدي إلى الفوضى في التأويل وإلى القصور في الفهم والضعف في الإدراك، فلا شيء أصعب "وأهون من إيقاع الأسماء على غير مسمياتها"[34].

فتوخي الدقة والضبط من أجل تفهم النص تفهمًا صحيحًا وسليمًا دفع بعلماء الأصول إلى استقراء وتتبع تراكيب وأساليب وألفاظ اللغة العربية وأخذوا من هذا الاستقراء عددًا من القواعد والضوابط والشروط وعدوا التقيد بهذه الضوابط والشروط أمرا ملزمًا وقيدًا ضروريًا لكل من أراد الاستدلال أو توخى الاستنباط[35]، فأول ما يجب على المستدل والمفسر أن يشتغل به هو التحقق من دلالة الألفاظ وهو الذي نعته الراغب "بالعلوم اللفظية" [36]، ومن قبيل هذه العلوم اللفظية معرفة مراتب وأقسام اللفظ من حيث الوضوح والخفاء ومن حيث دلالته على المعنى ومن حيث الاستعمال والإهمال ومتى يكون استعماله يحمل دلالة أصلية أو تبعية[37].

وكان من نتائج هذا البحث الواسع للفظ من جميع الجهات والزوايا أن عمل علماء أصول الفقه على استثمار حصيلة ونتائج هذا البحث في استنباطاتهم الفقهية، وفي هذه الاستنباطات تتجلى مدى الصلة القوية القائمة بين اللغة والاستدلال على الأحكام الشرعية، وكذا بين العلوم اللغوية والعلوم الشرعية[38]. ذلك أن الخدمة اللغوية للنص الشرعي يجب أن تكون البداية فيه بتحقيق الألفاظ في علاقتها بالمعاني، فهذه المعرفة من شأنها أن تجلي دلالة الخطاب في جميع مراتبه ومستوياته من حيث الوضوح والخفاء، والخدمة اللغوية للنص الشرعي الذي يعد التحقق من الألفاظ شكلًا من أشكاله وواحدًا من عناصره الأساسية وهذا يعد عملًا ضروريًا ومسلكًا أساسيًا في تفسير القرآن الكريم وكذا "في كل علم من علوم الشرع"[39].

من هنا فإن المعنى في اللفظ نوعان: معنى إفرادي وهو اللفظة مجردة عن التركيب والسياق، ومعنى تركيبي وهو المعنى في التركيب، والأصل في اكتساب المعاني وتمثلها هي التي جاءت في التركيب فإن أفادت سميت كلامًا وإن لم تفد سميت كَلِمًا، من هنا قرر علماء الأصول أن المعنى الحقيقي للفظ هو المعنى في التركيب ولو جرد اللفظ عن التركيب ونزع منه فإن اللفظ يفقد معناه ودلالته لأن المعنى في التركيب هو المقصود والأصل واللفظ ما هو إلا وسيلة[40].

منطلقـات منهجيـة في دراسـة اللفـظ عند الأصـوليين:

إن المنهج الأصولي في دراسة اللفظ عند الأصوليين أخذ عدة مستويات وأبعاد ومن أبرز هذه المستويات:

- تناهي الألفاظ دون تناهي المعاني وهذا مؤشر بإمكانية أن تحمل الألفاظ أكثر من معنى، قال الإمام فخر الدين الرازي (ت66ه) "لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ، لأن الألفاظ متناهية لأنها مركبة من الحروف والحروف متناهية"[41]. بالمقابل أن المعاني غير متناهية.

بناء على هذا أن الأصل في اللغة أن يوضع اللفظ الواحد للمعنى الواحد لكن ظروفًا طارئة قد تجعل اللفظ لأن يحمل لأكثر من معنى لكن في استعمالات متباينة[42]. وهذا الإشكال مسلم به بين علماء اللغة والأصول على حد سواء. ولولا هذا الاحتمال في حمل اللفظ أكثر من معنى "لخلت أكثر المسميات من الألفاظ"[43]. بناء على تناهي الألفاظ دون المعاني وهو ما كان دافعا للأصوليين لان يقسموا الألفاظ إلى عدة أقسام منها: المتواطئ والمتباين، المترادف والمشترك.

قال سيبويه في مقدمة كتابه الكتاب: "واعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللفظين والمعنى واحد واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين"[44].

- المتباين هو: "هو أن يدل اللفظ الواحد على معنى واحد، وبعبارة أخرى اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، مثل فرس ورجل، وأكثر الكلام من قبيل المتباين[45].

وبعبارة الإمام الغزالي في المستصفى أن الألفاظ المتباينة هي: "الأسامي المتعددة والمختلفة في المعاني"[46].

- المترادفة فهي: "الأسامي المختلفة الواردة على مسمى واحد كالليث والأسد أو اختلاف الأسماء والمعنى واحد.[47].أو هو اللفظ المتعدد المتحد المعنى[48].

- المشترك: "هو اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين أو أكثر دلالة على السواء، وبصيغة أخرى أن تحتمل اللفظة معنيين فأكثر[49].أو أن يتحد اللفظ ويتعدد المعنى. وبعبارة الإمام الأخضري: "أن يتحد اللفظ دون المعنى فيه"[50].

الأصـل فـي الخـطــاب الإفـــادة:

إن الأصل في اللفظ أن يحقق التفاهم والتواصل ذلك أن الغرض من "وضع الكلام هو الإفهام"[51]. وهذا ما أملى على الأصوليين أن يقرروا هذه القاعدة وهي أن اللفظ المتداول بين العامة والخاصة لا يجوز أن يكون موضوعا لمعنى خفي لا يعرفه إلا الخواص[52].

ومما قرره علماء أصول الفقه في هذا الباب أنه لا يجوز أن يرد في القرآن ما ليس له معنى أصلا وهو المهمل والباري سبحانه منزه أن يخاطب عباده بالمهمل الذي لا فائدة فيه أو ما كان له معنى ولا يفهم ذلك المعنى لسبب خارج عن الوضع، لأن من شروط التكليف أن يفهم المخاطب الرسالة التي كلف بها، أو بعبارة الأصوليين: البيان أصل في التكليف. والتكليف بالمجمل يعد تكليفا بما لا يطاق. ومن قواعد الأصوليين: عدم تأخر البيان عن وقت الحاجة.

 "فالأصل في الكلام أن يوضع للفائدة"[53]، ولقد كان التركيز على قيد الفائدة في الخطاب أو ما يعبر عنه بنفعية الخطاب جزءا أساسيا من مفهوم البيان بمعناه العام في التراث اللغوي العربي عامة والأصولي خاصة ولا أدل على التعبير الذي جاء على لسان أبي الحسين البصري في المعتمد حيث قال: "إن الغرض من إرسال الخطاب هو الإفهام"[54]. وهو المعبر عنه بهذه القاعدة: "كلما كان الخطاب أبين كان أحمد"[55].

وهذا الأصل مؤسس على المرجعية المشيدة للغة العربية ذلك أن النظام اللغوي في العربية أنما وضع من أجل تبليع أغراض المتكلم للمستمع صونا لهذا الخطاب من اللبس والخفاء والغموض. فمما لا ريب فيه أن النظام اللغوي إنما خلق للإفادة أي لتبليغ أغراض المتكلم للسامع[56].

وهذا ما سيقودنا إلى الاعتراف بأن قيد الافادة وعدم اللبس في تداول الخطاب يعد من أبرز مقتضيات التخاطب في اللغة العربية.

تبعا لهذا أطلق علماء الأصول مصطلح الكلام على كل ما كان مفيدا وهو الجمل المركبة، كقولك "زيد قائم وزيد خرج راكباً وغير المفيد كقولك زيد لا عمر وفي فإن الكلام غير المفيد لا يحصل منه معنى وإن كان آحاد كلماته موضوعة بالوضع للدلالة على المعنى وقد اختلف في تسمية هذا كلاما"[57].قال الامام الغزالي: "الكلام المفهم جملة مركبة من مبتدأ وخبر كقولك: زيد منطلق أو فعل وفاعل كقولك: قام زيد أو شرط وجزاء كقولك: إن جئتني اكرمتك"[58].والكلم يطلق على الجمل غير المفهمة التي لا تفيد أية معنى[59]، ومن         الكلم          اللفظة   المفردة التي لا تفيد أي معنى ولا تكتسب أية دلالة." والحرف لا يفهم وكالاسم بمفرده"[60] ومن هنا فإن الكلام لا يسمى مفيدًا حتى "يشتمل على اسميين أسند أحدهما إلى الآخر، أما الكلم هو ما كان من قبيل الحرف أو كل كلمة بمفردها ولا تفهم[61].

جافي كتاب المنخول: "الكلم ينقسم إلى اسم وفعل وحرف. ولم يقل الكلام لأنه المفهوم. والحرف لا يفهم وكذا الاسم "[62] بمفرده.

ومن الأصوليين من لم يميز بين الاستعمالين فالكلام والكلمة بمعنى واحد في المعنى، فالكلمة عند أهل اللغة هي اللفظ المفرد والكلام هي الجملة المفيدة، "وقال أكثر الأصوليين أنه لا فرق بينهما فكل واحد منهما يتناول المفرد والمركب"[63].

من هنا كان القصد من تداول الخطاب هو تحقق التفاهم. فقد تصدرت الإبانة والإفهام سلم الوظائف التي تؤديها اللغة في مختلف المحاورات والمخاطبات والنصوص في التداول العربي الإسلامي، وهذا المعطى يقابله إقصاء ومصادرة كل خطاب غابت عنه فائدة البيان من التداول والتخاطب، ولتتحقق الفائدة في التخاطب كان من اللازم على المتخاطبين الاحتكام إلى قيد اصطلاح التخاطب مع الخضوع للمواضعة أصلية كانت وهي اللغوية أو الطارئة وهي الشرعية أو العرفية وإتباع هذا القيد بقصد المتكلم من الخطاب الذي يعد المقوم الأساسي أو المشارك للمواضعة في عملية التخاطب.

بناء على هذا فإن علماء أصول الفقه ميزوا بين نوعين من الدلالة، دلالة أصلية وهي الدلالة التي تنبني على الإفادة والإفهام، فالقرآن الكريم هو كتاب الله عز وجل ورسالته للناس تتحدد دلالته الأصلية في الإفهام والبيان، والدلالة التبعية هي كل دلالة خادمة للدلالة الأصلية وجاءت لتحقيق البيان والإفادة.

القـول باعتباطيـة العلاقـة بين الألفـاظ والمعـاني:

من المبادئ المقررة بين الأصوليين القول باعتباطية العلاقة الجامعة بين اللفظ والمعنى ومعارضة نظرية عباد بن سليمان الصيمري المعتزلي (ت 250 هـ) القائل بمناسبة الألفاظ للمعاني، والذي يدل على فساد قول عباد بن سليمان المعتزلي أن دلالة الألفاظ لو كانت ذاتية لما اختلفت اللغات الإنسانية ولكان بمقدور أي إنسان أن يهتدي إلى أية لغة بدون تعلم أو معرفة[64].

فالنظرة الأصولية للألفاظ في علاقتها بالمعاني تقوم على حقيقة مفادها أن الألفاظ لا تدل على المعنى بذاتها. ولو صحت نظرية عباد المعتزلي لاستوت جميع لغات العالم[65].

قال جمال الدين الإسنوي في كتابه نهاية السول: "أنها لو كانت ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي ولكان كل إنسان يهتدي إلى كل لغة، ولكان الوضع للضدين محال"([66].في حين أن اللفظ بالإمكان أن يحمل أكثر من معنىقال الإمام الآمدي ": إنه لا يمتنع عقلا أن يضع أحد اللفظين على مسمى واحد"[67].

ومن الحجج التي استند إليها علماء أصول الفقه في رفضهم لهذه النظرية، أنه لو صحت هذه النظرية لكان بإمكان كل إنسان أن يهتدي إلى أية لغة، ولما صح كذلك وضع اللفظ للضدين كالقرء يستعمل للحيض والطهر، والجون يطلق على الأبيض والأسود[68].

بموجب هذا الرفض فإن الأصوليين قالوا بالمواضعة اللغوية وقاموا برصد دلالات الألفاظ ومتابعتها في مختلف الجهات والزوايا ودراستها باعتبارات متعددة وتقسيمات متشعبة يصعب السيطرة عليها[69]، وتيسر لهم هذا العمل بعد أن قاموا باستقراء ومتابعة اللفظ في جميع استخداماته واستعمالاته المعجمية والدلالية وكانت هذه المتابعة من أول وضع الواضع إلى آخر فهم السامع، دون إغفال أو إهمال ما لدور السياق بقسميه الحالي والمقامي من أهمية في توجيه المعنى[70].

فقد رصدوا اللفظ في مختلف الجهات والزوايا، فقد رصدوا اللفظ من حيث الوضع والاستعمال ومن حيث الوضوح والخفاء كما تتبعوا كافة الاعتبارات والأحوال والسياقات التي تعتري اللفظ وهو يؤدي المعنى المراد في الخطاب كل هذا من إرساء قواعد ضابطة لفهم سليم للنص الشرعي، ومن دواعي هذا الرصد والمتابعة أن اكتساب الدلالة يجب أن يكون المنطلق فيه هو مدارسة اللفظ في جميع مستوياته وأقسامه[71].

والمنطلق المنهجي في هذا الرصد هو الاستعانة بمجموعة من القواعد والضوابط التي تم تحصيلها عن طريق الاستقراء ومن ذلك:

- إن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز "فالواجب حمله على الحقيقة"[72]، لأن الغرض من تداول الخطاب هو الإفهام، والمخاطب إنما يفهم من الخطاب حقيقته دون مجازه. فلو كلف المكلف بالمجاز من غير قرينة فانه لا يمتلك السبيل إلى ما طولب به أو كلف به[73]. والخطاب بالمجاز يعد من قبيل المجمل. والمجمل ليس بالأصل في التكليف.

- إن الانتقال من الحقيقة إلى المجاز بأقسامه وأنواعه متوقف على القرائن الصارفة للمعنى وهذا يعني أن النقل الدلالي للألفاظ بدون دليل وبدون الاستعانة بالقرائن وفق ما يقره الاستعمال وأعراف اللغة واصطلاح التخاطب هو من قبيل إبطال التخاطب والتفاهم وهو أحد أشكال تحريف المعنى من النص  جاء في كتاب الروضة: "متى دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز فهو للحقيقة ولا يكون للمجاز إلا أن يدل دليل على أنه أريد[74] به المجاز".

ومن ثم فإن اللفظ إنما يصرف إلى المجاز بوجود قرينة، وكذلك عند تعذر الحمل على الحقيقة صونا للفظ عن الإهمال، واستنادا على القاعدة التي تنص بأن الأصل إعمال اللفظ أولى من إهماله أو إلغاءه[75].

- إن الألفاظ إذا تم تداولها في الخطاب الشرعي فهي تحمل على معناها الشرعي لأن اللفظ إذا كان المخاطب به بكسر الطاء صاحب الشرع فهو محمول على معناه الشرعي لأن اللفظ محمول على عرف المخاطب بالكسر شارعا كان أو أهل اللغة أو أهل العرف، استنادا أن الشارع جاء لبيان الشرعيات"[76].ومن ثم فإن الحمل على المعنى الشرعي هو الأولى.

- جاء في كتاب نشر البنود على مراقي السعود:

- واللفظ محمل على الشرعي " إن لم يكن فمطلق العرفي.

إضافة إلى هذا فإن القصد من الخطاب الشرعي هو بيان حكم الشرع، ومن ثم فإن الحمل عليه كان هو الأولى[77].

- إن نقل الألفاظ من دلالة إلى أخرى لابد أن يكون مصحوبًا بدليل ومن ثم وجب على مفسر الخطاب أن يتمسك بالمعنى الظاهر الراجح للفظ ولا ينتقل إلى المعنى المرجوح إلا بدليل[78]، وهذا الدليل يشترط فيه أن يتوافق مع السياق.

كما أن النقل الدلالي للفظ لا يعني إخراج الألفاظ عن ظاهرها وهو المعنى المفهوم من إطلاقها في الخطاب لأن كل تأويل يرفع أو يلغي المعنى الظاهر للفظ فهو من قبيل التأويل المردود. فلا بد من وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. وهي علاقة ضرورية بين المعنيين: "وإلا جاز إطلاق كل لفظ على كل معنى"[79].

النـظــر في سيــاق الخـطــاب:

ومن أسس دراسة اللفظ عند الأصوليين النظر إلى دلالة اللفظ في بعدها المعجمي والسياقي، وضرورة النظر والاحتكام إلى سياق الخطاب وهي المقتضيات المحيطة به.بناء على أن الألفاظ لم تقصد لذاتها وإنما المرجع في تعيين المعنى هو سلطة المتكلم ومراده من الخطاب، ومن ثم كان شرط القصد من مقومات الدلالة في الدرس الأصولي، استنادا إلى هذه القاعدة: "العبرة بالمقصود لا بالملفوظ". أو بعبارة ابن رشد الجد: أن دلالات الألفاظ "إنما تحمل على ما يعلم من قصد المتكلم بها"[80].

ولقد سبق الذكر أن الوجهة التفسيرية لعلم أصول الفقه التي تحدد في تفسير النص هي التي جعلت علماء أصول الفقه يشتغلون بالقضايا والمباحث التي هي من صميم علم اللغة، وهذا ما جعل كتب الأصول تثقل مباحثها بالدراسات اللغوية والدلالية والتداولية. وإن كان وجهة الأصوليين في هذه الدراسة هو الوجهة الدلالية وهي المسماة عند اللغويين: "بنحو الدلالة"[81].

الأمر الذي جعل البعض ينعت نحو الأصوليين بنحو الدلالة، وكانت الغاية من هذا الاستحضار هو ضبط الفهم للنص الذي هو محل استدلال عالم أصول الفقه وتبعا لهذا المعطى شاع بين علماء الأصول استخدام كثير من المفاهيم والمصطلحات التي تنتمي لعلم اللغة مثل: البيان، اللفظ، المعنى، السياق الأصلي، السياق التبعي، الدلالة الحقيقية، الدلالة التبعية، القصد، الوضع، الاستعمال، الإهمال، اللفظ المفرد، اللفظ المركب، النص الظاهر، المحكم، المفسر، القرائن الحالية، القرائن المقالية.

فهذه المفاهيم أصلها ينتمي إلى الحقل اللغوي واستثمره علماء الأصول في سياق اشتغالهم على المعنى المودع في النص وهي بحاجة إلى مزيد من البيان تبعا لاستعمال علماء الأصول لها، بحكم دقة المفاهيم والمصطلحات اللغوية التي استخدموها وتداولوها علماء الأصول بينهم وقد أخذت هذه المصطلحات معان جديدة تبعًا للاستعمال والسياق الذي وردت فيه.

ونظرًا للحاجة الماسة لبيان هذه المفاهيم ودفعًا للبس ورفعًا للإبهام والخفاء فقد خصها علماء الأصول بمقدمات سميت عندهم بالمقدمات في الأصول وهذه المقدمات تكاد تغطي أغلب المصنفات التي دونت في علم أصول الفقه والتي تعد من قبيل الكتب الأساسية.

مـراعــاة التحــول الـدلالـي للـفـــظ:

من المبادئ المقررة بين علماء الأصول واللغة أن الدلالة الحقيقية للفظ تتحدد داخل التركيب، أما ما كان خارج التركيب فدلالة اللفظ تكون دلالة ميتة[82].

ولقد تفطن القدماء والمعاصرون على حد سواء إلى الأهمية التي يكتسيها التحول الدلالي للألفاظ وانتقال هذه الألفاظ من دلالة إلى أخرى بمقتضى الاستعمال المتكرر لهذه الألفاظ، وانتقالها من المواضعة اللغوية إلى المواضعة العرفية ومن المواضعة الشرعية، ومن قبيل الألفاظ التي لحقها التغير على مستوى المعنى والدلالة، تلك الألفاظ التي نقلها الشارع من اللغة إلى الشرع مثل كلمة: الصلاة – الصيام – الحج – النذر.

ونظرا لأهمية هذه الألفاظ على مستوى التفسير والبيان، وحتى يكون المفسر على بينة منها، فقد تتبع كثير من العلماء هذه الألفاظ التي نقلها الشارع من اللغة إلى الشرع، ووضعوها في كتب مستقلة تسهيلا على الباحث وكذا المفسر ومن أبرز هذه الكتب كتاب "الزينة في الألفاظ العربية الإسلامية" لأبي حاتم الرازي (ت322هـ)[83]، والكتاب عبارة عن رصد واسع لأهم الألفاظ التي نقلت من اللغة إلى الشرع.

وهناك كتاب آخر لا يقل أهمية عن هذا الكتاب وأعني كتاب: "أساس البلاغة" للإمام الزمخشري[84] (ت 538 هـ) وهو عبارة عن متابعة واسعة للألفاظ التي انتقلت من الحقيقة إلى المجاز.

ولابد من الإشارة أن ابن حزم الظاهري الأندلسي يعترف بهذه الألفاظ التي انتقلت من اللغة إلى الشرع وينعتها "بالأسماء الشرعية"[85]. ويتحاشى أن يسميها بالمجاز وقد اعتبر كثير من علماء اللغة والأصول هذا النقل هو من قبيل المجاز اللغوي.

جاء في كتاب البلاغة في أصول اللغة للقنوجي: ولا تخرج بهذا النقل عن أحد قسمي كلام العرب وهو المجاز[86].

وبالمقابل فإن ابن حزم يتحاشى إطلاق لفظ المجاز على هذه الألفاظ فإذا جاء "في القرآن لفظ عربي منقول عن موضعه في اللغة إلى معنى آخر كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فإن هذه ألفاظ لغوية نقلت إلى معان شرعية لم تكن العرب تعرفها قبل ذلك، فهذا ليس مجازا بل هي تسمية صحيحة"[87].

البحـث الأصـولـي فـي اللفـظ أسبـابـه وبـواعـثــه:

من أبرز الأسباب التي كانت من وراء اشتغال الأصوليين بالمباحث اللفظية هو جريان الخطاب الشرعي على لغة العرب في التخاطب والتواصل، قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه" (إبراهيم 5)، وقال سبحانه: "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" (يوسف 2) ومن ثم فإن تمثل الخطاب الشرعي في دلالته ومعانيه متوقف على تحصيل اللغة والتمكن من تراكيبها ودلالتها ومعجمها، فعلى "أسلوب العرب يجب أن تفهم ولا سبيل إلى تطلب فهمها من غير هذه الجهة"[88].

والتمكن من اللغة يعد من الديانة "إن هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين"[89] جاء في كتاب الصاحبي: "إن العلم بلغة العرب واجب على كل متعلق من العلم بالقرآن والسنة"[90] وهي من أهم الوسائل الخادمة للنص القرآني والكاشفة عن معناه والدالة على مقصده، هذا الترابط الوثيق القائم بين الخطاب الشرعي واللغة ألزم الأصوليين تصدير مصنفاتهم وكتبهم بدراسات ومباحث هي من صميم علم اللغة، "ذلك أن لمباحث اللغات مدخلًا كبيرا لمن يريد دخول أبواب الفقه والاطلاع على حقائقها، فأصول الفقه متوقفة على معرفة اللغة لورود الكتاب والسنة بها اللذين هما أصول الفقه وأدلته، فمن لا يعرف اللغة لا يمكنه استخراج الأحكام من الكتاب والسنة"[91].

قال الإمام الجرمي وهو من فقهاء المالكية أنا منذ ثلاثين سنة وأنا أفتي بكتاب سيبويه، والمراد بهذا الكلام أن سيبويه وإن تكلم في النحو فقد نبه في كلامه على مقاصد العرب في التخاطب وعادتهم في التصرف اللفظي والمعنوي[92].

فالتمكن من اللغة والدراية بأعرافها وسننها في التخاطب أمر ملزم لكل من رام الاستدلال أو الاستنباط "ليفهم عن الله عز وجل، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون عالمًا بالنحو الذي هو تركيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن"[93]، "لابد للناظر في مسائلها من التمكن من اللغة "فإن القرآن والسنة لما كانا عربيين لم يكن لينظر فيهما إلا عربي، كما أن من لم يعرف مقصدهما لم يحل له أن يتكلم فيهما إذ لا يصح له نظر حتى يكون عالمًا بهما"[94].

بالمقابل ذهب علماء الأصول أن التقصير في طلبها وضعف الهمم في تعلمها يجنب صاحبه الصواب في الاستدلال والاستنباط.

وقد اعتبر الإمام الغزالي العلم باللغة والسبيل إليها مصعدًا ومرقاة "فإن علم اللغة سلم ومرقاة إلى جميع العلوم. ومن لم يعلم اللغة فلا سبيل إلى تحصيل العلوم". فإن من أراد أن يصعد السطح لابد له من الاستعانة بالسلم كذلك علم اللغة بالنسبة للفقيه[95].

جاء في كتاب "الموافقات" لأبي إسحاق الشاطبي: "إن الشريعة عربية وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنهما سيان في النمط، فإذا فرضنا مبتدئًا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة أو متوسطًا فهو متوسط في فهم الشريعة والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية"[96].

ومما ترتب على ضابط عربية الخطاب الشرعي ضرورة تمكن المستنبط والمستدل من اللغة العربية وعلومها بشكل عام وعلم النحو بشكل خاص، قال ابن حزم: "ففرض على كل فقيه أن يكون عالما بلسان العرب ليفهم عن الله عز وجل وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون عالما بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به أنزل القرآن"[97].

وقد نفى علماء أصول الفقه المبالغة في قيد المعرفة العميقة باللغة العربية والتمكن من علومها وقالوا إن القدر الواجب على المجتهد معرفته في علم اللغة هو فهم خطاب العرب وعادتهم في تداول الخطاب والتمييز بين صريح الكلام ومفهومه وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصة ومحكمه ومتشابهه، فلابد من هذه المعارف اللغوية كوسيلة إلى فهم مقاصد الشريعة الإسلامية[98].

ويعد ابن حزم علم النحو علما ضروريا للفقيه والمستنبط بحيث لو سقط " علم النحو لسقط فهم القرآن[99]، والذي يخلص إليه ابن حزم أن الجهل باللغة العربية وهي: "الألفاظ الواقعة على المسميات"[100]، والجهل بالنحو الذي هو اختلاف الحركات لاختلاف المعاني يعد مانعا من موانع الإفتاء والاستدلال.

ومما ترتب على هذا الضابط المتعلق بضرورة تمكن المجتهد من علوم اللغة إلزام الأصوليين المستنبط ومفسر الخطاب الشرعي أن يحمل الألفاظ على معانيها كما دل على ذلك اصطلاح التخاطب فقد وقع العلم الضروري "أن الألفاظ إنما وضعت ليعبر بها عما تقتضيه في اللغة، وليعبر بكل لفظة عن المعنى الذي علقت عليه، فمن أحالها (عن معناها) فقد قصد إبطال الحقائق جملة وهذا غاية الفساد"[101].

لكن إذا اعترى اللفظ نوع من التحول في دلالته تبعا للسياق والمقتضى الذي ورد فيه فإنه لا يلجأ إلى ذلك المعنى الطارئ إلا بدليل تقتضيه القرائن أو اصطلاح التخاطب أو السياق.، فالمقتضى المنهجي الذي ألزم علماء أصول الفقه العناية باللغة العربية هو احتكام النصوص الشرعية إلى منطق اللغة العربية في الدلالة على مراد الشارع.

من هنا فإن استجلاء دلالة الخطاب الشرعي لابد أن يكون المنطلق فيه هو اللغة التي كانت متداولة في عصر التنزيل مع مراعاة التحول الذي أوقعه الشارع على كثير من الألفاظ، ومن ثم فلا ينبغي إخراج هذه الألفاظ عن مدلولها الأصلي فيصير لفظ الشارع غير مطابق لمسماه الأصلي[102].

التقـسيــم المنطـقـي للـفــــظ:

شكل البحث في اللفظ جهة مشتركة بين كثير من المعارف والعلوم البيانية العربية، ويحتل علم أصول الفقه مع المنطق موقع الصدارة في الاهتمام باللفظ باعتباره أداة للتواصل والتخاطب والمحاورة، وحاجة المنطقي إلى معرفة مراتب الألفاظ "أمر تدعو إليه الضرورة، وليس للمنطقي من حيث هو منطقي شغل بالألفاظ إلا من جهة المخاطبة والمحاورة، فاضطرت صناعة المنطق إلى أن يصير لبعض أجزائها نظر في أحوال الألفاظ"[103].

على هذا الأساس فإن كثيرا من الأصوليين استعادوا تقسيم المناطقة للفظ واستفادوا من تفريعاتهم للفظ بدعوى أن البحث المنطقي في اللفظ اتصف بالدقة والصرامة على مستوى المنهج والمعرفة. إضافة إلى وجود مواقع وقواسم مشتركة بين العلمين في مدارسة اللفظ.

اللفــظ عـنــد المنـاطـقـــة[104]:

اللفظ عند المناطقة هو: "لفظ مركب دال على جملة معنى".[105]ويتفرع إلى عدة أقسام أبــرزهـــا:

- دال: هو اللفظ المستعمل الدال على معنى. ويكون اسما أو فعلا أو حرفا. والحرف هو الأداة التي يراد بها "كل ما يدل على معنى لا يمكن أن يفهم بنفسه ما لم يقترن بغيره.وهو المسمى بحروف المعاني[106].

- غير دال: هو اللفظ الذي لا يحمل إفادة وهو المسمى بالمهمل[107].

- والمناطقة في هذا التقسيم يستوون مع علماء اللغة فقد قسموا الكلام إلى مهمل وهو الكلام الذي لا يفيد فائدة لأنه لم يتواضع عليه. والمستعمل وهو الكلام المفيد. ولا يصير الكلام مفيدًا إلا بقيد المواضعة بين المتخاطبينواللفظ لا تحدد إفادته إلا بالاستعمال.

وهذا التقسيم باعتبار الإفادة والبيان، وأما باعتبار الإفراد والتركيب فإن اللفظ عند المناطقة يتوزع إلى قسمين أساسيين: مفرد ومركب: [108].

- المفرد: "لا يفيد فائدة أكثر من نفسه كقولك رجل وزيد وما أشبه ذلك" [109]وبعبارة أخرى هو "ما لا يدل جزؤه على جزء معناه كزيد "[110] والمفرد بدوره يأخذ تقسيمين: كلي وجزئي. ومعين مطلق فالمعين هو ما دل على معنى واحد والمطلق وهو ما دل على أشياء استوت في معنى واحد.

- المركب فهو الذي "يفيدك خبرا صحيحًا كقولك زيد أمير"[111]، أو ما دل جزؤه على جزء معناه كزيد قائم، وبعبارة أخرى هو الكلام المفيد وهو جملة مركبة من مبتدأ وخبر مثل: زيد منطلق، أو من فعل وفاعل مثل قام زيد وقد تكون شرطية[112].

- وهذا التقسيم كما ذكر أبو نصر الفارابي ليس خاصًا باللغة العربية وإنما تستوي فيه جميع اللغات فالألفاظ الدالة في لسان كل أمة تنقسم إلى قسمين: مفرد ومركب. فالمفرد كالبياض والسواد والإنسان والحيوان. والمركب كقولنا الإنسان حيوان. وعمر أبيض[113].

وقيد الإفادة الذي يجعل الجملة مفيدة عند الأصوليين يتحدد في الإسناد بين المسند والمسند إليه. بحيث يسند اسم إلى آخر، أو اسم يسند إلى فعل نحو قولك ضرب زيد وقام عمرو[114].

فالجملة إذا هي أفادت سميت كلامًا. وإن لم تفد سميت كلم وهذا التقسيم هو الذي أخد بهذا الإمام العزالي في المنخول[115].وعليه جرى أغلب علماء اللغة وعلماء الأصول.

لكن الإمام فخر الدين الرازي قد ذكر في مقدمة تفسيره أن أكثر الأصوليين لا يميزون من حيث الدلالة بين الكلام والكلمة.

ويأخذ اللفظ تقسيما آخر باعتبار النسب الدائرة بين المعاني والألفاظ[116]، فالألفاظ بهذا الاعتبار إما "متواطئة أو متباينة أو مترادفة أو مشتركة أو متفقة"[117].

- المتواطئة: هي الألفاظ الدالة على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها كدلالة اسم إنسان على زيد وعمرو. وبعبارة الإمام الغزالي في المستصفى: الألفاظ "المتواطئة هي الألفاظ التي تطلق على أشياء متغايرة بالعدد ولكنها متفقة المعاني الذي وضع الاسم عليه. كاسم الرجل يطلق فانه يطلق على زيد وعمرو"[118].

- المتباينـة: هي الأسامي المختلفة للمسميات المختلفة كالفرس والنور والسماء[119].

- المترادفة: هو اللفظ الذي معناه واحد وأسماؤه كثيرة[120] أو هو "اللفظ المتعدد المتحد المعنى"[121].

وبتحديد الإمام فخر الدين الرازي (تـ 606 هـ) فإن الترادف هو "الألفاظ المفردة الدالة على مسمى واحد باعتبار واحد"[122].

وقد لقي الترادف عناية خاصة واهتماما أكبر من لدن علماء اللغة والمناطقة وعلماء الأصول، بحيث تباينت الآراء والمواقف في حقيقة الترادف بين مثبت وناكر[123].

- المشتـــرك: وهو اللفظ الذي وضع لمعنيين أو أكثر وصفًا متعددا.[124]وينقسم إلى قسمين أساسيين:

* اشتراك يجمع معاني مختلفة متضادة مثل القرء فيطلق على الحيض والطهر والجون على الأبيض والأسود.

* اشتراك يقع على معان مختلفة غير متضادة مثل قوله تعالى: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا" (المائدة 35) "فأو" من قبيل المشترك هل هي للتخيير أو للتفصيل أي أن هذه الأحكام تختلف تبعا لاختلاف الجنايات.[125]

* ويقع المشترك في الأسماء والأفعال والحروف. وأغلب حروف المعاني هي من قبيل المشترك كما دل على ذلك الإمام جلال الدين السيوطي[126].

خطاطة لتقسيم اللفظ عند المناطقة[127]:

- الـكـلــي: هو الذي معناه في الذهن يصلح لاشتراك كثيرين كالإنسان والحيوان.

- الجزئـي: هو الذي معناه يمنع وقوع الشركة فيه كزيد وعمرو.

النظرة الأصولية للفظ:

من المبادئ والقواعد المقررة بين علماء أصول الفقه أن الأصل في الألفاظ التباين والاختلاف [128].ونظرا للأهمية التي يكتسيها اللفظ في الإفهام والتخاطب وكذا في الاستدلال والاستنباط، فإن علماء الأصول نظروا إلى اللفظ من مختلف الجهات والزوايا. ورصدوا هذه الجهات إذ نظروا إلى اللفظ من حيث الوضع ومن حيث الإفراد والتركيب ومن حيث الإهمال والإفادة ومن حيث الوضوح والخفاء[129].

وقد حاول الإمام الأزميري أن يقيد هذه الجهات فجعلها من "أول وضع الواضع إلى آخر فهم السامع"[130] ومن أبرز الجهات التي كانت محل عناية الأصوليين:

- جهة وضع اللفظ للمعنى ويشمل العام والخاص والمشترك.

- جهة استعمال المعنى حقيقة أو مجاز.

- جهة الوضوح والخفاء الظاهر والنص والمفسر والمحكم.

ويقابل هذه الأربعة خفي الدلالة ويتفرع إلى هذه الأقسام: الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه[131].

تقسيمات الأصوليين للفظ عند الأصوليين:

وهناك تقسيم عام للفظ عند الأصوليين وهذا التقسيم يأخذ هذا الشكل: اللفظ باعتبار المعني الذي وضع له وهو ثلاثة أصناف: الخاص والعام والمشترك. اللفظ باعتبار المعني الذي استعمل فيه وهو صنفان: حقيقة ومجاز واللفظ باعتبار درجة وضوح معناه وهو صنفان رئيسان: محكم ومتشابه وتتدرج الألفاظ من حيث الوضوح والخفاء حسب الترتيب التالي: المحكم، المفسّر، النصّ، الظاهر، الخفيّ، المشكل، المجمل، المتشابه وهذا التقسيم التنازلي من حيث الوضوح هو تقسيم الأحناف.

اما المتكلمون فاختاروا هذه القسمة: النص – الظاهر وهذا القسم هو الواضح من الألفاظ. والمجمل – المتشابه وأدرجوه من الخفي من الألفاظ[132].

واللفظ باعتبار طريق دلالته علی المراد منه أربعة أقسام: دلالة الإشارة، دلالة النصّ ودلالة الاقتضاء وأنواع الدلالة عند الشافعية هي؛ دلالة المنظوم والمقصود؛ دلالة المفهوم وهي نوعان ؛ مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة وهو أنواع: مفهوم الصفة؛ مفهوم الحصر؛ مفهوم الشرط؛ مفهوم الغاية؛ مفهوم العدد[133].

تقسيــم المتكلميـن للفـظ من حيـث الـوضــوح:

إن الأصوليين من المتكلمين قد قسموا اللفظ من حيث الوضوح إلى قسمين أساسيين: النص والظاهر[134]، واعتبروا الظاهر أدنى مرتبة من النص من حيث قوة الوضوح، فالظاهر هو اللفظ المحتمل لمعنيين فصاعدا هو في أحدهما أظهر.[135] أما النص فهو: "ما رفع في بيانه إلى أقصى غاياته"[136]، وقيل كل "لفظ لا يحتمل إلا معنى واحدا"[137]، وعرف كذلك: "بأنه ما أفاد بنفسه من غير احتمال"[138].

ومن أمثلة النص أسماء الأعداد كالعشرة والمائة والألف ومن ذلك قوله تعالى: "تلك عشرة كاملة" (سورة البقرة 195) وقوله سبحانه " قل هو الله أحد" (الإخلاص1) وقوله عليه السلام: "في أربع وعشرين من الإبل فما دون الغنم. في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين فقيها بنت مخاض"[139].

وقد نص الإمام الشاطبي المالكي بأن النص بهذا التحديد والمواصفات قليل الورود في النص القرآني والحديث النبوي وفي لسان العرب، فاللسان العربي "يعدم فيه النص أو ينذر"[140] كما أن النص لا احتمال فيه، والاحتمال من خصائص الألفاظ"[141] وقد أجمل الإمام محمد الأمين الشنقيطــي (ت 1393 هـ) في كتابه مذكرة في أصول الفقه تقسيم المتكلمين للفظ من حيث الوضوح والحفاء فقال: "الكلام إما أن يحتمل معنى واحدا فقط، فهو النص مثال " تلك عشرة كاملة" (البقرة 195) وإن احتمل معنيين فأكثر فلابد أن يكون في أحدهما أظهر من الآخر أولا، فإن كان أظهر في أحدهما فهو الظاهر ويقابله المحتمل المرجوح كالأسد فإنه ظاهر في الحيوان المفترس ومحتمل في الرجل الشجاع، وإن كان لا رجحان له في أحد المعنيين أو المعاني فهو المجمل كالعين والقرء"[142].

وقد حكى الإمام الباجي (ت474 هـ) مذهب القائلين بندرة النص في الكتاب والسنة وقرر أن الصحيح خلافه.[143].

ومن خلال هذه الخطاطة يتبين لنا أقسام اللفظ من حيث الوضوح والخفاء عند الاصوليين من مدرسة المتكلمين:

التقسيـم الحنفـي للفـظ من حيـث الـوضـوح والخـفــاء:

إن احتمال الكلمة لأكثر من معنى ظاهرة لغوية تكاد تعم كل لغات العالم، قال اللغوي ألمان ستيفن في كتابه: دور الكلمة في اللغة "إن قدرة الكلمة الواحدة على التعبير على مدلولات متعددة إنما هي خاصية من الخصائص الأساسية للكلام الإنساني"[144].

وبحكم احتمال الكلمة لأكثر من معنى ودلالة، فإن الأصوليين قسموا اللفظ حسب الوضوح والخفاء إلى أربعة أقسام وهي بحسب الترتيب من الأدنى إلى الأعلى: الظاهر ثم النص ثم المفسر ثم المحكم[145]ويقابل هذه الأربعة اللفظ غير واضح الدلالة، وهو ما خفي المراد منه وهو أقسام أربعة: الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه[146].

والمعيار الذي يميز هذه الأقسام ويحدد دلالتها بشكل أدق هو السياق والقرائن بقسميها المقالي والمقامي[147] وتسمى هذه الأقسام الأربعة بقسميها الواضح والخفي بالمتقابلات[148]. لأن كل قسم يقابل القسم الآخر[149]والمتقابلات هما الشيئان اللذان لا يمكن أن يوجد معا في موضوع واحد.

فاللفظ: «إن ظهر معناه فإما أن يحتمل التأويل أو التخصيص أولا، فإن احتمل وكان ظهور معناه لمجرد صيغته فهو الظاهر، وإلا فهو النص وإن لم يحتمل فإن قبل النسخ فهو المفسر وإن لم يقبل فهو المحكم"[150].

وحتى يقترب القارئ من التقسيم الحنفي للفظ، اخترنا إدراج هذا التقسيم في هذه الخطاطة وهي مرتبة ترتيبا تصاعديا.

وقد اعتبر الدكتور فتحي الدريني تقسيم الأحناف للفظ أدق وأضبط من تقسيم المتكلمين ومما "ولا شك أن تقسيم الحنفية للفظ الواضح إلى مراتب من حيث قوة الوضوح هو تقسيم في الواقع يرسم مناهج منطقية وشرعية تضبط الاجتهاد بالرأي في حين أن تقسيم الجمهور ومنهم الشافعية قد جانبه الدقة في التمييز بين هذه الأقسام"[151].

اسـتـنـتـــــــــاج:

يمكن القول إن علماء أصول الفقه جعلوا من الدرس اللغوي المنطلق الأساس في الفهم والاستنباط والتدبر بحيث استطاعوا استثمار ما توصل إليه علماء اللغة من نتائج تخص مباحث الألفاظ والدلالات بحيث أسسوا مباحثهم اللفظية وقواعد استنباطاتهم اللغوية على ما قرره علماء اللغة من نتائج تفرعت إلى قواعد وأصول وضوابط. ولم يتأتى لهم ذلك بعد استقرائهم لطبيعة اللغة العربية ومتابعتهم لها في أدائها للمعنى وما يعتري هذا المعنى من تحولات تبعا للسياق والاستعمال.

ولا نبالغ إذا قلنا إن علماء أصول الفقه كانوا أشد حرصًا من اللغويين في ضبط مدلولات العبارة واستمداد المعنى من الخطاب لأن هدفهم من مدارسة اللغة هو استجلاء المعنى في النص الشرعي من أجل استنباط الأحكام الشرعية من الخطاب. فالمعرفة اللغوية والتمكن من علومها كانت من أهم الأدوات والوسائل والآليات التي استعان بها علماء الإسلام في فهم النصوص القرآنية والحديثية كما كانت لهم مشاركة واسعة وبحوث رائدة في البحث عن العديد من المسائل والقضايا اللغوية وهو ما تؤكده المصنفات وتثبته الكتب المدونة في هذا العلم. وإن كانت المباحث المخصصة للألفاظ في علاقتها بالمعاني والروابط تكاد تستحوذ على اغلب مباحثهم.

إن هذا الحضور يقف عليه كل من له علاقة أو اطلاع على البحوث والدراسات اللغوية في كتب علم أصول الفقه[152]، بحيث إن هذه النتائج التي توصل إليها علماء أصول الفقه في بحوثهم اللغوية تجعلنا نقر بأن الدرس اللغوي عند علماء أصول الفقه شكل حلقة مهمة في مسار تطور البحث اللغوي في التراث العربي الإسلامي. وان كان هذا الدرس اتجه نحو النص أي العناية بالنص من حيث المعاني التي تحملها الألفاظ وما يعترض هذه المعاني من تحول وتغير تبعا للسياق أو لقصد المتكلم من الخطاب. فاعتناء علماء الأصول بالقضايا اللغوية مؤشر للباحثين أن يتجهوا إلى المدونات الأصولية لضبط مستويات اشتغال اللغة في هذه المصنفات.

وإن كنا نعترف مبدئيا أن اشتغال المعنى في النص كان هو القصد والغاية من مدارسة الأصوليين للغة. وهو المحور الذي كانت تشتغل عليه جميع الاتجاهات الفقهية والنحوية واللغوية والبلاغية في التراث العربي الإسلامي.

 ومن ثم فإن هذا الحضور اللغوي في الدرس الأصولي يدفعنا إلى القول وبدون تردد أو تحفظ إن الأصوليين حاولوا أكثر من غيرهم بناء نظرية دلالية متماسكة ومنسجمة تكشف عن مستويات اشتغال المعنى والدلالة داخل النص[153].

وبموجب هذا الاعتراف بالقيمة المعرفية للحضور اللغوي في مدونات كتب الأصول. أصبحت هذه الكتب وجهة لكثير من الباحثين واللغويين والدارسين الذين أدركوا أن هذه الكتب والمصنفات تختزل عددًا كبيرًا من المباحث في قضايا اللغة وهي بحاجة ماسة إلى مزيد من البحث والمتابعة الأكاديمية.

وكان من نتائج هذا الاعتراف الأولي أن ظهرت عدة دراسات وبحوث تتقصى الأبعاد المعرفية والمنهجية في المدارسة اللغوية التي أقدم عليها علماء الأصول. وإن كانت أغلب هذه البحوث مازالت في بدايتها تنطلق من الأعم وتتجه نحو الأخص فإن - مع ذلك - البحوث التي ستأتي في المستقبل ستتجه نحو التعمق الدقيق.



[1]- يراجع: منهجية التكامل المعرفي: مقدمات في المنهجية الإسلامية للدكتور حسن ملكاوي. منشوران المعهد العالمي للفكر الإسلامي: "2012.

[2]- من قبيل هذه الندوات ندوة دار الحديث الحسنية في موضوع: التكامل المعرفي بين العلوم الإسلامية.11و120فبراير: 2010.

[3]- إشكالية مفهوم التداخل في الإسلام: بنيتها وتجلياتها .للدكتور عبد المجيد الصغير: : .ضمن أعمال ندوة دار الحديث الحسنية: 2010.

[4]  الضروري في صناعة النحو لابن رشد الحفيد: 2.

[5] - يراجع كتاب: الضروري في صناعة النحو لابن رشد الحفيد: 22.

[6]- يراجع: دراسات الطبري للمعنى من خلال تفسيره جامع البيان. للدكتور محمد المالكي: ص: 21 وهو من منشورات وزارة الأوقاف المغربية 2000.

[7]- مقدمة كتاب التسهيل لعلوم التنزيل: 1/5.

[8]- جهود الطبري في دراسة الشواهد الشعرية للدكتور محمد المالكي: 12. منشورات كلية الآداب فاس المغرب: 1994.

[9] - مقدمة تفسير ابن جزي الكلبي المسمى التسهيل: 1/3.

[10] - يراجع أطروحة الدكتور فهد الوهبي: المسائل المشتركة بين علوم القرآن وعلم أصول الفقه وهي رسالة جامعية.

[11] - نفسه.

[12] - الإحكام: 1/125.

[13] - غيات الأمم: 254.

[14] - الإحكام لابن حزم: 3/39.

[15] - الصاحبي: 50.

[16] - الموافقات: 4/117.

[17] - الإحياء للإمام الغزالي: 1/17.

[18] - التقريب لحد المنطق: 4/128.

[19] - الموافقات: 2/87.وفي كتاب التنقيح للإمام القرافي: "واللفظ هو المفيد للمعنى عند التخاطب " التنقيح: 4.

[20]- التصور اللغوي عند الأصوليين للسيد عبد الغفار، مكتبة وهبة، مصر 1988.

- يراجع كذلك بنية العقل العربي للدكتور محمد عابد الجابري حيث يقول في الصفحة 55: " إن السلطة المرجعية في علم أصول الفقه هي البحوث اللغوية ... والمحور الرئيسي الذي ينتظم هذه البحوث هو علاقة اللفظ بالمعنى".

[21] - جاء في كتاب التقريب: " وثبت في العقول انه لا بيان إلا بالألفاظ المعبرة عن المعاني التي أوقعت عليها في اللغة." التقريب: 282.

[22] - الدلالة عند الأصوليين لعبد الكريم مجاهد: 129.مجلة الفكر العربي العدد: 41.السنة السابعة 1986.

[23] - الخطاب الشرعي وطرق استثماره: 174.

[24]- التقرير والتحبير لابن أمير الحاج: 1/68.

[25] - البرهان لإمام الحرمين: 1/130.

[26] - المقدمة: 445.

[27] - تفسير النصوص لأديب صالح: 1/11.

[28] - الوصول إلى الأصول لابن برهان البغدادي: 1/11 – الإحكام في أصول الأحكام (ابن حزم) 3/3.

[29] - نهاية السول لجمال الدين الأسنوي: 1/133.

[30] - المعتمد لأبي الحسين البصري: 2/225.

[31] - التقريب لحد المنطق: 284.

[32] - بنية العقل العربي للدكتور محمد عابد الجابري: 56.

[33] - المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي: 268.

[34] - الإحكام في أصول الأحكام: ( لابن حزم): 3/268.

[35] - أصول الفقه للدكتور مصطفى شبلي: 379. تفسير النصوص لأديب صالح: 1/9.

[36] - مفردات الراغب الاصفهاني: 6.

[37]- المقاصد اللغوية بين التقصيد الدلالي وفهم الخطاب الشرعي: لعبد الحميد العلمي: ضمن أعمال ندوة الرابطة المحمدية للعلماء: الاستمداد من الوحي السنة: 2008.

[38]- يراجع أعمال ندوة: معالم التلاقي بين علوم اللغة العربية والعلوم الإسلامية جامعة الأزهر أبريل: 2010.

[39]- مقدمة مفردات الراغب الأصفهاني: 2.

[40]- منهج السياق في فهم النص للدكتور عبد الرحمان بودرع: كتاب الأمة عدد 111، السنة 1423 هـ.

[41]- المزهر: 1/7.

[42]- ذكر أبو الحسين البصري في كتابه المعتمد أن شيخه القاضي عبد الجار شدد النكير على من حمل اللفظ على أكثر من معنى في استعمال واحد .يراجع المعتمد: 2/235.

[43]- نهاية الوصول لابن الساعاتي: 1/51.

[44]- الكتاب لسيبويه: 1/28- منهج السياق في فهم النص للدكتور عبد الرحمان بودراع: كتاب الأمة عدد 111، السنة 1423.

[45]- محك النظر للإمام الغزالي: 12.

[46]- المستصفى: 1/310.

[47]- معيار العلم للغزالي: 10.

[48]- نشر البنود: 1/120.

[49]- الصاحبي لابن فارس: 456.

لمزيد من التفصيل في هذا الموضوع يستحسن الرجوع إلى دراسة العياشي السنوسي: المتباين والمشترك والمتضاد والمترادف من الألفاظ. مجلة ندوة الدراسات المصطلحية والعلوم الاصطلاحية. كلية الآداب فاس.

[50]- السلم في المنطق: 36.

[51]- شرح التلويح على التوضيح: 1/153.

[52]- زوائد الأصول لجمال الدين الأسنوي: 288.

[54]- المعتمد: 2/910.

[55]- هذا التعبير ورد عند الجاحظ في كتابه البيان والتبين: 1/232.

[56]- نظرية النحو العربي للدكتور نهاد الموسى: 87.

[57]- المنخول: 351.

[58]- المنخول: 89.

[59]- المنخول للغزالي: 89

[60]- نفسه.

[61]- المستصفى: 1/334-المنخول: 89.

[62]- المنخول: 89.

[63]- التفسير الكبير للإمام الرازي: 1/17.

[64]- نهاية السول لجمال الدين الإسنوي: 1/136.

[65]- معاجم المصطلحات العربية للدكتور رمضان عبد التواب، مجلة كلية الآداب فاس، عدد خاص 4.

[66]- نهاية السول: 1/136، وقال في زوائد الأصول: " ليس بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية": 211. يراجع الكاشف عن المحصول: 1/429.

[67]- الأحكام للآمدي: 1/30.

[68]- المزهر: 1/47... - للوقوف على نظرة الأصوليين للغة يستحسن الرجوع إلى الدراسات الآتية:

          - الفكر اللساني في الحضارة العربية للدكتور عبد السلام المسدي الدار العربية للكتاب.

- أثر الدلالة النحوية واللغوية في استنباط الأحكام للسعدي عبد الغفار، مكتبة الخلود: بغداد 1986.

[69]- الخطاب الشرعي وطرق استثماره: 476.

[70]- يراجع: السياق عند الأصوليين لفاطمة بوسلامة. رسالة جامعية مرقونة بكلية الآداب فاس المغرب.

[71]- الدلالة عند الأصوليين لعبد الكريم مجاهد - مجلة الفكر العربي العدد: 1- السنة السابعة - 1986.

[72]- المعتمد لأبي الحسين البصري: 2/911.

[73]- المعتمد: 2/910.

[74]- الروضة لابن قدامة: 155.

[75]- التمهيد في تخريج الفروع على الأصول لجمال الدين الإسنوي: 32.

[76]- نشر البنود على مراقي السعود: 2/135.

[77]- اللمع للشيرازي 6.

[78]- المناهج الأصولية لفتحي الدريني: 201.

[79]- نهاية الوصول لابن الساعاتي: 1/51.

[80]- المقدمات الممهدات لابن رشد الحفيد: 2/430.

[81]- دراسة الطبري للمعنى للدكتور محمد المالكي: 22.

[82]- دور الكلمة في اللغة لستفن أولمان ترجمة كمال بشر: 69.

[83]- هذا الكتاب حققه الدكتور حسين الهمداني وصدر في جزأين وطبع بالقاهرة: 1958.

[84]- طبع هذا الكتاب في دار الفكر، بيروت سنة 1989.

[85]- جاء في المحلى: "إن الشفعة ليست لفظة قديمة وإنما هي لفظة شرعية": المحلى: 9/89. .

[86]- أصول اللغة للقنوجي: : 117.

[87]- النبذ: 62.

[88]- الموافقات للإمام الشاطبي: 2/64.

[89]- فقه اللغة للثعالبي: 21.

[90]- الصاحبي: 50.

[91]- شرح مختصر الروضة: 1/469 .جاء في كتاب الكوكب الدري لجمال الدين الإسنوي: "أما العربية فلأن أدلته من الكتاب والسنة عربية": ص45.

[92]- الموافقات: 4/114.

[93]- للوقوف على علاقة اللغة بالخطاب الشرعي وضرورة إلمام المستنبط من علوم اللغة يراجع:

 الإحكام في أصول الأحكام (ابن حزم): 5/ 126 – 1/51.

- رسائل ابن حزم: 3/126- التحصيل من المحصول: 1/198.

          - إحكام الفصول في أحكام الأصول: 721، الإرشاد والتقريب: 1/391.

          - تفسير محمد بن جرير الطبري: 1/75.

          - البحر المحيط لبدر الدين الزركشي: 2/233.

          - شرح مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي: 1/469.

[94]- المواففات: 3/13.

[95] -القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي: 108.

[96] - نفســــه: 4/115. يراجع الرسالة: 52.

[97] - الإحكام في أصول الأحكام: 5/126.

[98] - الموافقات: 4/116.

[99]- رسائل ابن حزم 3/126.

[100]- الإحكام: 5/126.

[101]- نفسه: 1/58.

[102]- أثر السياق في فهم النص للدكتور عبد الرحمان بودراع. مجلة الإحياء، ع 25، س. 2007.

[103]- الشفا في المنطق لابن سينا: 1/22. يراجع كذلك: المنطق السينوي لجعفر آل ياسين: 66.

[104]- من المناطقة من يستعمل الكلمة للدلالة على اللفظة قال الغزالي: "الكلمة هي لفظة مفردة على معنى....".معيار العلم: 80.

[105]- موسوعة مصطلحات علم المنطق عند العرب: 776.عمل مشترك من إعداد: سميح نجيم ورفيق العجم وجرار جهامي.

    - للوقوف على حد اللفظ عند المناطقة يراجع: تفسير فخر الدين الرازي: 1/28.

[106]- معيار العلم: 88.

[107]- موسوعة مصطلحات علم المنطق عند العرب: 776.عمل مشترك من إعداد: سميح نجيم ورفيق العجم وجرار جهامي.

- للوقوف على حد اللفظ عند المناطقة يراجع: تفسير فخر الدين الرازي: 1/28.يراجع كذلك دراسة الدكتور عبد الحميد العلمي: مفهوم اللفظ المنشورة في ندوة الدراسات المصطلحية والعلوم الإنسانية.

[108]- محك النظر: 10.

[109]- التقريب لحد المنطق: 4/137.

[110]- رسالة في المنطق للشيخ الدمنهوري: 34.

[111]- التقريب: 137 – نهاية السول لجمال الدين الإسنوي: 2/62.

[112]- المنخول للغزالي: 89.

[113]- إحصاء العلوم لأبي نصر الفارابي: 58.

[114]- مقاصد الفلاسفة: 1/334.

[115]- المنخول 89.

[116]- ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة لعبد الرحمان الميداني: 47.

[117]- نزهة الخاطر العاطر لابن بدران الدمشقي: 1/48.

[118]- المستصفى: 1/3.

[119]- معيار العلم في المنطق للغزالي: 53. وفي كتاب مقاصد الفلاسفة: " الألفاظ على المعاني على خمسة منازل: المتواطئة والمترادفة والمتباينة والمشتركة والمتفقة"10.

[120]- نهاية السول: 1/137 – شرح الكوكب المنير: 1/136 – شرح تنقيح الفصول: 31 – التعريفات: 106.

[121]- نشر البنود على مراقي السعود: 1/120.

[122]- المحصول في علم الأصول لفخر الدين الرازي: ج1، ق 1، ص 347.

- نـفـس التحديـد نجـده عند المناطقــة: "اشتراك الألفاظ المتعددة في معنى واحد". المنطق للشيخ محمد رضا المظفر: 42.

[123]- شرح الترادف في القرآن الكريم للدكتور محمد المنجد: 93.

[124]- يراجع: شرح الكوكب المنير: 1/137 – مناهج العقول للبد خشي: 2/197 – المزهر: 1/369.

[125]- الإنصاف لابن السيد البطليوسي: 37. تفسير فخر الدين الرازي: 6/221.

[126]- المزهر للإمام السيوطي: 1/370.

-[127] اعتمدنا في إعداد هذه الخطاطة على: البصائر النصيرية في علم المنطق للساوي: 34- الإشارات والتنبيهات لابن سينا 187- معيار العلم للغزالي: 16.

[128]- دلالات الألفاظ لإبراهيم أنيس: 213.

[129]- اللفظ عند الأصوليين للدكتور عبد الحميد العلمي.

[130]- حاشية الأزميري على المرآة: 43.

[131] - اللغة العربية معناها ومبناها لتمام حسان: 322.

[132]- يراجع تفسير النصوص لأديب صالح: 1/123.

[133]- يراجع تفسير النصوص لأديب صالح: 1/241.

[134]- المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: 187- تفسير النصوص: 1/140. الأدلة الشرعية والقواعد الأصولية اللغوية لزكريا ألبري 43.

[135]- العدة لأبي يعلى الفراء الحنبلي: 1/137.

[136]- الحدود: 42 المنهاج في ترتيب الحجاج: 15.

[137]- شرح مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي 1/553.

[138]- رسالة في أصول لفقه للعكبري الحنبلي: 105.

[139]- صحيح الإمام البخاري: 2/138.

[140]- الموافقات: 4/324.

[141]- المناهج الأصولية لفتحي الدريني: 105.

[142]- مذكرة في أصول الفقه للأمين الشنقيطي: 211. - يراجع الكاشف عن المحصول لابن عباد العجلي الأصفهاني: 4/35.

[143]- إحكام الفصول: 190.

[144]- دور الكلمة في اللغة لستيفن ألمان ترجمة كمال بشر: 114.

[145]- أصول السرخسي: 1/132 – التقرير والتحبير في علم الأصول: 1/192.

[146]- أصول الشاشي: 61 شرح التلويح على التوضيح: 1/226.- كتاب أصول الفقه لأبي الثناء الماتريدي.

[147]- نظرية السياق: دراسة أصولية للدكتور نجم الدين الزنكي: 106.

[148]- أصول الشاشي: 61.

[149]- يراجع رسالة المتقابلات الأصولية وأثرها في التشريع والاجتهاد – رسالة مرقونة بكلية الآداب فاس: 2000.

[150]- مرآة الأصول: 32.

[151]- المناهج الأصولية لفتحي الدريني: 251.

[152]- علم أصول الفقه وعلاقته بالدرس اللغوي لفؤاد بوقجيج . مجلة دعوة الحق العدد: 360.السنة: 2002.

[153]- قضية المعنى في تفسير الطبري: 22.

cialis dosage maximum click cialis dosage when
cialis generique en http://cialis20mgsuisse.com/generique/en cialis generique en
viagra online billig viagra apotheek viagra prijs apotheek
cialis 20mg price lipseysguns.com cialis price discount
generic cialis pro cialis coupon codes discount cialis online discount
prescription savings card sporturfintl.com cialis discounts coupons
cialis discount coupons online blog.suntekusa.com coupon prescription
coupons for cialis 2016 click prescription drug cards
prescription savings card is-aber.net cialis manufacturer coupon
maps open mpa in n/mm2
maps click mpa in n/mm2
cordarone kontrol click cordarone
arcoxia 30 mg forum site arcoxia tablete cijena
euthyrox euthyrox 112 euthyrox wirkstoff
adalat oros click adalate vidal
adalat sony rileytech.net adalat cc
micardis plus 80 website-knowledge.com micardis plus 40
lamivudine acute hepatitis b go lamivudine history
purchase low dose naltrexone naltrexone alcoholism medication naltrexone 4.5 mg side effects



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة