تفكيك استعمار العلمانويّة

كريم محمد
11/6/2016

تفكيك استعمار العلمانويّة 1

قراءة في كتاب صبا محمود الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ

كميل روبسيس2

ترجمة: كريم محمد3

المصدر: Syndicate Network

سلّط الباحثون من شتّى الحقول لسنواتٍ عديدة حتى الآن، الضوءَ على الدّور المركزيّ الذي لعبته الكولونياليّة في نشأة وتطوّر الليبراليّة. وبصورة مقنعة، أظهرَ المؤرّخون والمنظّرون السياسيّون خصوصًا الكيفيّة التي شكّلت بها الاهتماماتُ الكولونياليّةُ المنظّرين الكبار لليبراليّة (مثلًا: آدم سميث، وإدوموند بيرك، وألكسيس دو توكفيل، أو جون ستيورات مِلْ)، بل وأيضًا السياسيين والموظّفين الحكوميين والمديرين الذين أسّسوا الليبراليّة كممارسةٍ في أوروبّا الغربيّة على مدار القرن التاسع عشر. وكانت الليبراليّة الأمريكيّة والفرنسيّة والجمهوريانيّة الفرنسيّة مرتكزتين على الكونيّة (بطرقٍ مختلفة): حقوق الإنسان المجرّدة والمساواة أمام القانون. ومع ذلك، قبلَ كلٌّ من الليبراليّة والجمهوريانيّة بسلسلةٍ من الاستثناءات والإقصاءات - أبرزها النّساء، والعبيد، والذّوات الكولونياليّة.

وبينما بمقدور الباحثين أن يوافقوا، عمومًا، على هذه النّقطة، فإنّ السؤال الكبير الفاصل في المعرفة الحالية حول الإمبرياليّة يتعلّق بطبيعة هذه الاستثناءات والإقصاءات. بالنسبة إلى البعض، كانت عنصريّة الإمبرياليّة مجرّد أمر هامشيّ، وشذوذًا، أو مشكلة تنفيذ خاطئ تمّ التغلب عليه بالأخير وتمّ تداركه في القرن العشرين من خلال القانون. ولا ريبَ في أنّ الإقصاءات قد تواصل ظهورها حتّى اليوم، لكن علينا أن نكافح من أجل شكلٍ أفضل وأكثر تماميّةً وأكثر رحابة من الكونيّة. ومع ذلك، بالنسبة إلى آخرين، لم تكن الكولونياليّة والإمبرياليّة والعنصريّة هي الآثارَ الجانبيّة الضارّة للكونيّة الليبراليّة، وإنّما هي سماتها التأسيسيّة. ومن هذا المنظور، يجب ألّا يبقى التفكير النّقديّ عالقًا حول مَن أو ما هو الكونيّ بصدق أو بغير صدق أو عالقًا في بحثٍ زائف من أجل كونيّة تحرريّة حقًّا. إنّما علينا، بدلًا من ذلك، السعي لفهم الكيفيّة التي أنتجت بها الكونيّةُ الاختلافَ باستمرار – بنيويًّا - بطرقٍ محدّدة بالفعل تاريخيًّا وجغرافيًّا.

والحال أنّ العقدين الماضيين أيضًا في حقل الدراسات الدينيّة قد اتّسما على نحو مشابهٍ بسلسلة من النّقاشات المكثّفة حول تعريفات وحدود الدينيّ والعلمانيّ. فقد تحدّى طلال أسد، بالخصوص، التقليد الطّويل الذي عرَّف النّقدَ بالعلمانويّة4 والحداثة والتنوير5، ولعلّ ذلك يتمثّل أفضل تمثُّل اليوم في أعمال يورغن هابرماس. وكما حاججَ أسد، فإنّه من المهمّ أن ننظر إلى الدّين فيما وراء الاعتقاد، أي أن ننظر إليه كممارسةٍ ماديّة، وأن نعيد التفكير في العلمانويّة فيما وراء مبدأ حياديّة الدّولة وفصل الكنيسة عن الدّولة، أي أن نفكّر فيها كشكلٍ من أشكال الحوكمة السياسيّة.

لا يجب فهم العلمانويّة باعتبارها تراجع الدّولة عن الدّين، وكمقابل للدّين، أو كتنحيةٍ للدّين إلى المجال الخاصّ، بل باعتبارها، كما تطرح ذلك صبا محمود، شكلًا من أشكال تدقيق الدّولة الحادّ باستمرار "الذي ينصّ على ما هو الديّن أو ما يجب أن يكونه، والذي يحدّد مضمونه المناسب، وينشر ذاتيّات مُلازمة، وأنساقًا إيتيقيّة، وممارسات يوميّة" (ص3). إذ العلمانيّ ضمن هذا البراديغم "ليس الأساس الطبيعيّ الذي ينبثق الدّين منه، وليس هو ما يبقى حينما يتم إقصاء الدّين"، ولكنّه تصوّر جديد لـ"الذّات، والزّمان، والمكان، والإيتيقا، والأخلاقيّة، مثلما هو إعادة تنظيم للحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة (ص3). وبمقتضى هذا الفهم للعلمانويّة، يغدو البحث عن "علمانويّات متعدّدة" وافرًا مثلما الدّعوة إلى "حداثات بديلة" وإلى "كونيّات أكثر كونيّة" - فكلّها تتناول العلمانويّة والحداثة والكونيّة باعتبارهم المثاليّة المعياريّة التي تنطلق منها النماذج الأخرى كلّها.

في كتابها الجديد البارع "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ: تقرير الأقليّة" (Religious Difference in a Secular Age: A Minority Report)، تجمع صبا محمود هذين الحقلين من النّقد الكولونياليّ/مابعد الكولونياليّ والأنثروبولوجيا الدينيّة عن طريق تفكيك استعمار" العلمانويّة بفعاليّة. وتتخذ محمود مواقفَ حادّة في كلا النقاشين اللذين، كما تحاجج، يرتبطان ارتباطًا وثيقًا ببعضهما؛ لأنّ المساواة الدينيّة قد عملت عملها كـ"سمة تأسيسيّة للعلمانويّة السياسيّة" (ص5).

وكما تشرح، فهي معنيّة بـ"المفارقات البنيويّة التي تطارد المشروع العلمانيّ"، وهما بالأخصّ: لماذا "أصبحت الدّولة الحديثة"، رغم ادّعائها للحياديّة الدينيّة، "أكثر انخراطًا في تنظيم وإدارة الحياة الدينيّة"، ولماذا سمحت "الحوكمة العلمانيّة الحديثة" بازدهار الاختلافات الدينيّة في المجتمع، بدلًا من "تهديمها في المجال السياسيّ"، وبأنْ "تتخلّل الهويّة والمعايير العموميّة" (ص2).

إنّ هذه هي السّمات البنيويّة للعلمانويّة، بمعنى أنّها تناقضات نسقيّة وتوليديّة وملازمة تنبع من علّة وجود العلمانويّة نفسها.

وعلى الرّغم من التزامها بتحليلٍ بنيويّ، فإنّ محمود معنيّة أيضًا بسبر دور الطارئيّة6 (contingency)، دارسةً كيف تمنح الخصوصيّةُ الجغرافيّة والزمنيّة هذه البنى قوامَها الخاصّ. بمعنى آخر، لا تندرج العلمانويّة في كتاب محمود تحت منطقٍ شموليّ (للرأسمال العالميّ أو للحداثة على سبيل المثال). فكما تقول: إنّني أعالج العلمانويّة لا كتشكُّل أحاديّ يُبدّل كلّ التواريخ، بشكلٍ متجانس، ولا كتعدّديّة معبّرٍ عنها في أشكال ثقافيّة محليّة. وأقترح، على النّقيض من ذلك، أنّ العلمانويّة تنطوي على شكلٍ من أشكال البَنْينة (structuration) السياسيّة - القوميّة المُعضَّدة حول مشكلة الاختلاف الدينيّ، وهي مشكلة يأخذ حلّها أشكالًا مماثلة، بشكلٍ مدهش، عبر السّياقات الجغرافيّة. في ضوء ذلك، ليس الإشكالُ النّقديّ متعلّقًا بجمعنة (pluralize) العلمانويّة كما بمفهمة تغيّراتها فيما يتعلّق بمشروع كونيّ، الذي ينطوي أيضًا، في سياق ما بعد كولونياليّ، على إخضاع متواصل للمجتمعات اللا غربيّة لشتّى أشكال الهيمنة الغربيّة (ص10).

إنّ مصر هي الحالة الدراسيّة لمحمود لاستكشاف "تغيّرات [العلمانويّة] هذه فيما يتعلّق بمشروعٍ كونيّ". حيث تتيح مصر لمحمود أن تبحث كيف كانت الكولونياليّة والليبراليّة والعلمانويّة - ولا يزالون - لا يمكن فصلهم عن بعضهم البعض. وكما تكتب محمود، فإنّ كثيرًا من "مفاهيم ومؤسّسات وممارسات [العلمانويّة]... تمّ تقديمها عبر الحكم الكولونياليّ" (ص11). أضف إلى ذلك أنّ في مصر "ساهمت الحوكمة العلمانيّة الحديثة في مفاقمة التوتّرات الدينيّة. مُصلِّبةً الحدود البين دينيّة ومستقطبةً الاختلافات الدينيّة" (ص1). وكما توضّح محمود، مثلما أنّ الإمبراطوريّة لم تكن لاحقةً غُفلًا للدّولة القوميّة (خصوصيّة الكونيّ)، فبمقدور مصر الإجابة على بعضٍ من الأسئلة الأساسيّة التي تطارد المجتمعات الغربيّة العلمانيّة والليبراليّة اليوم. وعلى حدّ تعبير محمود: بدلًا من النّظر إلى التاريخ الكولونياليّ باعتباره موازيًا لتطوّر العلمانويّة، فإنّني أشيرُ إلى أنّه متكامل مع إعداد المشروع العلمانيّ".

بعبارةٍ أخرى، توفّر مصر، كما يُشير عنوان الكتاب، "تقريرًا حول الأقليّة" يَمسّ الجوهر أيضًا، أي الأكثريّة، ويضع المنطق نفسه للمُقَابِلات الثنائيّة الكامنة وراء الليبراليّة العلمانيّة موضعَ تساؤل: الخصوصيّ / الكونيّ، الخاصّ / العامّ، المختلف / العاديّ. ولمرّة ثانية، لا يرمي هدف محمود ههنا إلى الدّفاع عن علمانويّة بديلة أو الإشارة إلى أنّه ينبغي علينا أن نتخلّص من العلمانويّة إلى الأبد. فكما تقول: من الخطأ الإشارة إلى التحقيق العلميّ في الخصيصة الثنائيّة [للعلمانويّة]، وفي حدودها، وتناقضاتها، وعنفها، باعتباره شجبًا للعلمانويّة أو بوصفه دعوةً لزوالها. فالعلمانويّة ليست الشيء الذي يمكن التخلّص منه بمقدار ما لا يمكن التخلّص من الحداثة. إنّ العلمانويّة جانب لا مفرّ من شرطنا الرّاهن، باعتبارها مخيالًا سياسيًّا وحدًّا إبستمولوجيًّا على حدّ سواء. ولا يعني أن تنقدَ نظامًا معياريًّا معيّنًا أن ترفضه وتشجب عليه؛ بالعكس، فعن طريق تحليل أبعاده التنظيميّة والإنتاجيّة، يمكن للمرء فقط أن يجرّده من البراءة والحياديّة لصناعة مستقبلٍ أفضل، ربّما (ص21).

وبالتالي، يُقدّم لنا كتاب "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ" نموذجًا ناجحًا بخاصّةٍ للنّقد، بمعنى ماركس لمصطلح النّقد، أي باعتباره نزعًا نسقيًّا للتعمية (systematic demystification). وتَستجوب محمود كلّ مفهوم من المفاهيم التي قدّمت البرنامج المعياريّ الترنسندنتاليّ والبديهيّ (البريء والمحايد") لكلٍّ من الليبراليّة والعلمانويّة: الحريّة الدينيّة، المساواة السياسيّة، حقوق الأقليّات، الخاصّ والعامّ. وكما يطرح ماركس، إنّ صياغة سؤال هي حلّه. يرافق ماركس، أو ماركس الشّاب على الأقلّ - التفكيكيّ تقريبًا -، محمودًا على طول هذا الكتاب. مثلها مثل ماركس تمامًا بمقالته عام 1843 "حول المسألة اليهوديّة"7 التي هاجمت بورنو باور (كممثّل للهيغيليّة المثاليّة) لإشارته أنّ الحريّة قد تبزغ مع انتهاء الدّين وتوطيد دولة علمانيّة بإخلاصٍ من شأنها أن تتنصّل من كافّة الأديان والخصوصيّات، تؤكّد محمود على أنّ: الأمل العلمانويّ بأنّ الدّولة المُعلمَنة ستنقلنا من صراع وتحيّز دينيين هو أمل قائم على سوء فهم أساسي لما هي الدّولة محيادة تجاهه (أو لما يمكن أن تكون حياله محايدة). وكما حاججَ ماركس، لا تنزع الدّولة الليبراليّة العلمانيّة التسيُّس عن الدّين ببساطة؛ إذ إنّها تُضمِّنه أيضًا في صلب الحياة الاجتماعيّة للدّولة عن طريق إقصائه إلى المجال الخصوصيّ والمجتمع المدنيّ" (ص21). إنّ الدّين ليس هو المشكلة القصوى: فالدّولة الليبراليّة هي المشكلة.

تدور أسئلتي لمحمود بالأغلب حول هذه النّقطة الأخيرة التي تتعلّق بدور حوكمة الدّولة في حجّتها. وبشكلٍ أكثر تحديدًا، فقد بقيت معي ثلاثة أسئلة بعد أن أنهيت قراءة كتابها المثير للغاية الذي يتكامل فيه تحليل تاريخيّ مفصّل واشتباكٌ نظريٌّ صارم مع عمل ميدانيّ أنثربولوجيّ صارم.

يتعلّق سؤالي الأوّل بالكرونولوجيا8 (chronology) الخاصّة بمحمود، أمّا الثاني فيتعلّق بالسيرورة الفعليّة للتجريد الذي تطلبه الليبراليّة والعلمانويّة كلتاهما، ويتعلّق الثالث ببديل سلطة الدّولة الذي تتصوّره محمود وتومي إليه في نقاطٍ عدّة على مدار كتابها.

تعكس الكرونولوجيا التي تعزّز حجّة محمود إلى حدّ بعيد كرونولوجيا ماركس في مقاله "حول المسألة اليهوديّة". يُميّز ماركس بين ثلاثة أزمنة: زمن "الدّولة المسيحيّة" التي يميّزها حاكمٌ واحدٌ وانتشار العقارات والشركات والنّقابات والامتيازات، وهو زمن يُعرف أيضًا باسم الاستبداد أو الإقطاعيّة؛ ثمّ زمن "التحرّر السياسيّ" التالي للثورتين الأمريكيّة والفرنسيّة الذي يُشير جوهريًّا إلى الليبراليّة، وهي نظام سياسيّ قائم على العلمانويّة وحقوق الإنسان المجرّدة والمساواة أمام القانون والانقسام الحادّ بين العامّ والخاصّ؛ ثمّ أخيرًا ما يدعوه ماركس زمن "التحرّر الإنسانيّ" الذي من المحتمل أن يحلّ مع الشيوعيّة (أو مع الثورة الدائمة، أو النّقد الراديكاليّ، وعلينا أن نختار لفهم تعبير ماركس الغامض). إنّ الهدف من هجوم ماركس بالأساس هو "التحرّر السياسيّ" [الزمن الثاني - م]، أي الليبراليّة، وذلك للأسباب نفسها التي تطوّرها محمود في "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ". فالدّولة الليبراليّة لا تتجاهل الدين كما تدّعي، وإنّما تعملُ في الواقع باعتبارها وسيطًا "مراوغًا"، نازعةً التسيُّس عن المواطنين والمجال العموميّ بشكلٍ عامّ. وإذا استعملنا مصطلحات ماركس: فإنّ الثورة السياسيّة... ألغت الخصيصة السياسيّة للمجتمع المدنيّ". لا يرمي ماركس ههنا إلى أنّنا ينبغي أن نتوق إلى "الأيام الخوالي" (good old days) للاستبداد، وإنّما يرمي إلى أنّ الدّولة، حتى في الليبراليّة، ليست محايدة بتاتًا وأنّ "التحرّر السياسيّ" ليس سوى خطوة (وإنْ تكن خطوة ضروريّة) تجاه التحرّر الإنسانيّ. فالليبراليّة، بعبارةٍ أخرى، ليست هي المرحلة الأخيرة.

تبدو أيضًا سرديّة محمود متمحورة حول كرونولوجيا ثلاثيّة لدرجة أنّ الإمبراطوريّة العثمانيّة9 التي تصفها تُماثل "الدّولة المسيحيّة" لدى ماركس مع تفاوتات متباينة (دينيّة، وأسريّة، وسياسيّة) مُرسَّخة في القانون وإلى حدّ أنّ "التحرّر السياسيّ" أو الليبراليّة تصبح مثاليّة معياريّة في الشرق الأوسط بعد القرن التاسع عشر، حتى في الدّول السلطويّة بوضوح (ص5).

بيد أنّني أتساءل عمّا إذا كان منطق الدّولة الليبراليّة متّسقًا بالفعل منذ القرن التاسع عشر. ففي فقرة ساحرة على سبيل المثال، تستكشف محمود الآثار التي دشّنتها اللبرلة الاقتصاديّة ورفع القيود والخصخصة على يد نظام السادات وأدمجها نظام مبارك على الدّين، وتُشير إلى أنّ تلك السيرورات قد جعلت المؤسّسات الدينيّة أكثر مركزيّة للحياة المدنيّة والاجتماعيّة (ص83). فهل الليبراليّة ههنا مجرّد استفحال لليبراليّة؟ وهل العقلانيّة السياسيّة للدولة الحديثة تعمل حذو النّعل بالنّعل كما كانت تعمل في القرن التاسع عشر أمّ أنّ هناك منطقًا مختلفًا (نيوليبراليًّا ربّما؟) على المحكّ ههنا؟ وهل يشكّل "إضفاء الطّابع الاقتصاديّ" (economization) الكلّيّ على المؤسسة الاجتماعيّة قطيعة عن الليبراليّة الكلاسيكيّة أم "إعادة برمجة للنيوليبراليّة" على حدّ تعبير ويندي براون؟

يدفعني ذلك إلى سؤالي الثاني: أودّ أن أفهم بصورة أفضل كيف تعمل الحوكمة العلمانيّة بالضبط. هل قلق محمود هو أنّ الكونيّ دائمًا ما يُملأ بمضمون خصوصيّ؟ إذ إنّها تشيرُ إلى ذلك في نقاط عدّة عندما تكتب مثلًا بأنّ "القواعد القانونيّة للعلمانويّة السياسيّة لا هي محايدة ولا تجريديّة ولكنّها مُشرَبة، بوصفها جزءًا من البنية التنظيميّة للدّولة القوميّة، بمعايير وقيم مُحدّدة تاريخيًّا تمنح الدّولةَ القوميّةَ هويّةً مميّزة (ص175)، أو بأنّ "هذه المشاكل متأصّلة في صرْح المواطنة الليبراليّة، التي هي تجريديّة زعمًا لكنّها أكثرويّة ممارسةً من الناحية المعياريّة" (ص106). أمّ أنّ التجريد هو الشاغل الأساسيّ لدى محمود بصورة عامّة: التجريد الذي يُعزّز الكونيّة الليبراليّة ولكن أيضًا تجريد الدين كمعتقدٍ فرديّ في البروتستانتيّة التي كانت مثالًا ونموذجًا للعلمانويّة (إذا اتّبعنا طلال أسد في هذه النّقطة)؟ وهل يؤدّي التجريد دائمًا إلى "البراءة والحياديّة" (ص21)؟ وإذا كان كذلك، فكيفَ لنا أن نعيد التفكير في السياسيّ من غير التجريد و/أو التمثيل؟ وهل التمثيل قناعٌ للمثاليّة، أي هذا الضرب من ضروب المثاليّة السياسيّة والفلسفيّة الذي يقدِّره بورنو باور والهيغليّون الشباب؟ أمّ أنّ من المحتمل أن يكون هدف محمود هو الدّولة؟

في خاتمة كتابها، تتناول محمود سؤال الدّولة بصورة مباشرة، وتقترح مفهوم "العلمانيّة" (secularity) (الذي تعرّفه بوصفه "ركيزة للحساسيّات والمواقف والتدابير الإيتيقيّة") كبديلٍ للعلمانويّة (secularism)، باعتبارها [العلمانيّة -م] ممارسة نقديّة لا تعطي الأفضليّة لفاعليّة الدّولة" (ص212). إنّني أفهم العلمانيّة ههنا كشكلٍ من أشكال ما تُشير إليه محمود على أنّه "ممارسة سياسيّة" (political praxis)، باعتبارها خارجة عن "إطار الحقوق" (ص32)، ولكن أيضًا كضربٍ من ضروب "الموضعة الإيتيقيّة" (ethical thematization) التي تدعو إليها في آخر صفحة من كتابها كجوابٍ على "عجزنا الجماعيّ عن تخيّل سياسةٍ لا تعتبر الدّولة وسيطًا للعلاقات بين الأكثريّة والأقليّة" (ص213).

أودّ، مرّة أخرى هنا، أن أسمع المزيد حول "الموضعة الإيتيقيّة". هل هذا مشابه لـ"التحرّر الإنسانيّ"10 الذي نادى به ماركس؟ وإذا كان، فهل يؤدّي لا محالة إلى فهمٍ أناركيّ مُحدّد للاجتماعيّ أو إلى التدمير الفعليّ للدّولة؟ أو هل تقتضي "الموضعة الإيتيقيّة" تدبيرًا ذاتيًّا خاصًّا أو نفسيًّا -أي ثورة في رأس الفرد؟ وهل هذا شكلٌ من أشكال "التموضع" (embeddedness) أو "حياة العالم" بديلٌ للتجريد؟ وإذا كان كذلك، فما هو نوع السياسة الذي يمكننا أن نستمدّه من هذا النموذج دون السقوط في استيهام (fantasy) لممارسةٍ من شأنها أن تكون دون وساطة وغير فاسدة وغير تمثيليّة -وذلك مثالٌ على "رطانة الأصالة"11 (jargon of authenticity) التي انتقدها أدورنو بجدارة؟ بإثارة هذه الأسئلة الحاسمة والصعبة، فإنّ محمود قد منحتنا كتابًا مهمًّا للغاية.

1- انتقيتُ هذه المراجعة المعنونة Decolonizing Secularism من بين عددٍ من المراجعات التي نشرها موقع متميّز، هو Syndicate Network، حول كتاب صبا محمود الجديد. إشارة: الهوامش كلّها من صنع المترجم.

2- كميل روبسيس (Camille Robcis) هي أستاذة مساعدة في جامعة كورنيل، مختصّة في التاريخ الأوروبيّ الحديث، ومهتمّة بقضايا الجندر والليبراليّة والتاريخ الفرنسيّ. وهي مؤلّفة كتاب "قانون القرابة: الأنثربولوجيا والتحليل النّفسيّ والأسرة في فرنسا" (The Law of Kinship: Anthropology, Psychoanalysis, and the Family in France). وكنتُ قد ترجمتُ لها حوارًا حول كتابها هذا وأشياء أخرى بعنوان: معضلة الجندر في في فرنسا"، منشور على موقع نماء ههنا:

http://www.nama-center.com/DialogueDatials.aspx?ID=47.

3- باحث ومترجم مصريّ.

4- نفرّق بين "العلمانويّة" (secularism) و"العلمانيّة" (secularity)، والحال أنّ كتاب محمود يقوم بالأساس على هذا التفريق، ويُشير التفريق ببساطة إلى أنّ: العلمانويّة هي نظام الحوكمة السياسيّة أو "المشروع الدولتيّ" (الأيديولوجيا)، أمّا العلمانيّة فهي مجموعة من المفاهيم والممارسات والحساسيّات والتدابير التي تميّز الذات الحديثة. ويمكن تلمّس هذا التفريق بصورة أجلى في: "تشكّلات العلمانيّ" لطلال أسد (٢٠٠٣)، و"الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ" لصبا محمود (٢٠١٦)، و"مساءلة العلمانويّة" لحسين عجرمة (٢٠١٦)، وفي "العلمانيّ والعلمانيّات" لخوسيه كازانوفا (٢٠٠٩).

5- يمكن تتبّع هذه الفكرة لطلال أسد بصورة أوسع في بحثه بكتاب "هل النّقد علمانيّ؟" الذي كتبه بالاشتراك مع صبا محمود وويندي براون وجوديث بتلر. وقد ترجمتُ جزءًا منه تجده منشورًا في دوريّة نماء الأولى من ص ٣٩٣ إلى ص ٤٠٧، ههنا:

http:// nama-center.com /ImagesGallary/photoGallary/pdf/Namaa_Mag[1]E-book.pdf.

6- أي ما يَطرأ ويحلّ، باعتبار أنّ التحليل البنيويّ يهتمّ بالأنساق، فهي لا تغفل أيضًا الطارئ وغير النّسقيّ الهارب.

7- هذا المقال شديد الأهميّة لماركس، لا سيّما كما استخدمته محمود في كتابها لتحليل كيف تستخدم الدّولة الليبراليّة الدين عن طريق تحييده إلى المجال الخاصّ بينما هي تدّعي تجاهل الدين وإغفاله، وكيف أنّها لم تلغِ الدّين. وهناك ترجمة عربيّة لنصّ ماركس هذا.

8- الكرونولوجيا هي تقسيم الزّمن إلى فترات، أي التسلسل الزمنيّ للوقائع.

9- حتى لا يتشوّش القارئ، نشير إلى أنّ الشطر الأول من الفصل الأوّل من كتاب محمود يدور حول الدّولة العثمانيّة وسياسة الأقليّات فيها.

10- التحرّر الإنسانيّ" هو الزّمن الثالث كما شرحت روبسيس في المقال أعلاه توضيحًا لفكرة ماركس.

11- "رطانة الأصالة" هو كتيّب لثيودور أدرنو، متوفّر بترجمة إنجليزيّة.

purchase low dose naltrexone naltrexone alcoholism medication naltrexone 4.5 mg side effects
purchase low dose naltrexone naltrexone alcoholism medication naltrexone 4.5 mg side effects



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة