القيم الأخلاقية في القرآن

بن زينب شريف
10/30/2016

القيم الأخلاقية في القرآن

بن زينب شريف*

مقدمة

إذا كان عصرنا عصر التنقيات والبرمجيات المتطورة، فهو عصر البيئة وخطرها المهدد للإنسان،  خطر أوجدته التنقية والتسارع من أجل السيطرة على فساحة هذا الكون، حيث بدأت المشكلات البيئية أو الإيكولوجية تطرح منذ  ستينيات القرن الماضي، فلفتت انتباه الباحثين والمفكرين والفلاسفة على حد سواء. ولكن هذا الاهتمام تضاعف وتعاظم لما أظهرت الأبحاث الايكولوجية مدى خطورة المشكلات البيئية على الإنسان، حيث أصبحت تهدد وجوده. وهذا بسبب الاستغلال العشوائي والتدمير الممارس على البيئة. ولما تفاقمت المشكلات البيئية، بدأت دراسات وبحوث فكرية تنظر إلى هذه المشكلات من زوايا مختلفة، فكانت اتجاهات فكرية فلسفية تنظر للمشكلة البيئية وعلاقتها بالمنظومة الفكرية القيمية التي توجه وتحكم العلاقة (إنسانبيئة). وإذا كانت الفلسفة والبيولوجيا حملت على عاتقها مسألة الخطورة التي تهدد البيئة، فإن الأديان التوحيدية قد حددت هذه العلاقة في نصوص عدة، وإن اختلف الفهم حول مفهوم هذه العلاقة بين الإنسان والبيئة، حيث نعثر على بعض النصوص في الإنجيل تحدد هذه العلاقة في مفهوم السيطرة، مثلوباركهم الله وقال لهم: أثمروا وأكثروا واملؤوا الأرض، وأخضعوها وتسلطوا علي سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل حيوان يدب على الأرض»[i]، يحث هذا النص الإنسان على ضرورة السيطرة على المخلوقات، ولكن لا يحدد مدى وحدود هذه السيطرة، بل هي مطلقة. وفي موضع آخر يقولوقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وطير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض»[ii]، فمجل النصوص في الكتاب المقدس تنصّ على ضرورة السيطرة والتسلط والتحكم في كل ما يحيط بالإنسان. أما في القرآن الكريم نجد أن فعل الإفساد كان معروف قبل خلق الإنسان في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾[iii]، فلم تكن الغاية من خلق الإنسان الإفساد، بل الغاية هي التعمير، مع تسخير الموجودات لهذا الإنسان وهذا في قوله تعالى: ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾[iv]، وقوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ [v]، وقوله تعالى:﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى[vi]، فالغاية من هذا الخلق هو التعمير والتشييد لا الإفساد والتدمير، فالخليفة الذي بشر به القرآن الكريم  قد سخرت له كل الموجودات وهذا في مواضع كثيرة، ومنه قوله تعالى:﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾[vii]، وقوله كذلك:﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [viii]، وقوله كذلك:﴿ وَهوَّ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الأَرْضِ جَميعًا [ix]، لهذا فالغاية من وجود هذه البيئة والوجود عامة هو إنجاز مهمة الخلافة في الأرض، لهذا لما خلق الله البيئة كانت مهيأة لاستقبال الإنسان. في حالة تعرض البيئة للتلوث والتدمير، يمتد خطر التلوث للإنسان، وتؤكد تقارير المنظمة العالمية للصحة أن أكثر من ثلاثين ألف شخص يقتل يوميا بسبب التلوث، وأكثر هؤلاء في دول العالم الثالث[x].

وقبل عرض نظرة القرآن للبيئة وكيفية المحافظة عليها، والتأسيس لللأخلاق بيئية، لابد من التعريج على تعريف مفهوم البيئة ومعانيها، ولا نجانب الصواب إذا ما قلنا أن عصرنا يعتبر بحق عصر البيئة أو الأيكولوجي، وهذا بسبب المشكلات المتفاقمة التي أصبحت تهدد البيئة والوجود الإنساني ككل، فأصبحت الموضوع الرئيس للجل المشتغلين بالفكر والعلم على حد سواء.

تعريف الأيكولوجي  Ecology:

ظهرت الأكيولوجيا كفرع من فروع البيولوجيا،  حيث اشتق العالم الألماني أرنست هيكل Ernest (1834-1919) Haeckel عام 1886 من الكلمة اليونانية Oikos التي تعني منزل الأسرة، فنقل هذه الدلالة المكانية من منزل الأسرة الضيق إلى كوكب الأرض، كمنزل عام[xi] يسع جمع الموجودات. ليقدم بعد ذلك تعريفاً أكثر دقة على أن كلمة إيكولوجيا، هي دراسة مجموعة العلاقات التي تحكم الحيوان بالوسط، عفويا كان أو غير عفوي، بشكل مباشر أو غير مباشر[xii]. ومن خلال هذا التعريف يتضح لنا أن المحيط الذي نعيش فيه لا يتسع للإنسان فقط، بل لكل كائن حي.

وفي عام 1909 يقدم جاكوب فون يوكسكل  Jakob Johann Von Uexküll (1864- 1944) عالم البيولوجيا،مصطلح البيئة Environement والتي تعني الوسط الفيزيائي والكيميائي والبيولوجي، الذي يحيط بالكائن الحي[xiii]، كما تم تقديم تعريف على أنها تلك الدراسة التي تهتم بالعلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية والبيئة التي تعيش فيها فيزيائياًَ وحيوياً[xiv]، فالكرة الأرضية هي النطاق الايكولوجي الواسع الذي يشمل نطاقات عدة، من نطاق جوي، ونطاق مائي، ونطاق اليابسة، والنطاق الحيوي، وداخل هذه النطاقات توجد منظومات ايكولوجية صغيرة كالغابات والأنهار والصحاري والبحار[xv]وداخل هذه النطاقات، نجد نطاقات بيئية متناهية في الصغر تمثل عالم الأحياء الدقيقة. وإذا أوردنا تعريف للبيئة، لابد من عرض مفهوم المتعلق بالبيئة، وهو النظام البيئي أو المنظومة البيئيةEcosystem  على  أنها   تلك الوحدة البيئية الطبيعية التي تشمل جميع الكائنات الحية في منطقة معينة بالإضافة إلى العوامل الفيزيائية غير الحية لتلك البيئة، والتي تتفاعل معها الكائنات مما ينتج عنه نظام ثابت تقريباً[xvi]، ويقوم النظام البيئي على ثلاثة قوانين تحدد حركية المنظومات الايكولوجية، لتضمن الاستمرارية للبيئة:

1- كل شيء مرتبط بكل شيء آخر على نمط شبكي يعبر عنه بمفهوم الاعتماد المتبادل ineter-dependence   فالعلاقة التي تحكم الموجودات علاقة تبادلية.

2- المحدودية  limitation فالمواد الموجودة في المنظومة محدودة الكمية، بمعنى أنها قد تنضب في أي وقت، إلا أنه هناك مواد متجددة مثل الكائنات الحية، وغير متجددة كالمعادن والنفط.

3- التعقيد COMPLEXITYوالتنوع Diversity، اللذان يؤديا إلى ثبات المنظومة البيئية واتزانها[xvii]. فكل توازن في هذه القوانين يضمن توازن في المنظومة البيئية وكل إخلال بها- القوانين- يؤدي إلى تعريض البيئة للدمار.

البيئة لغة واصطلاحاً:

إذا كان مصطلح البيئة قد ظهر مع اشتقاقات أرنست هيكل، فإننا نعثر على جذور هذه المصطلح في اللغة العربية في فعل  الماضي "باء" و "بوأ" ومضارعه "يتبوأ" معناه ينزل ويحل، ونجد هذا اللفظ في "لسان البلاغة"[xviii] للزمخشري، و"القاموس المحيط "[xix] للفيروزأبادي، و"لسان العرب"[xx] لابن منظور. وتتفق المعاجم العربية على أن معنى باء هو المكان والحل أو الموضع كقول الشاعر صخر الغي** يمدح سيفاً له:

وصـارم أخلصـــت خشيته           أبيـــــــض، فـــــــي متـــنـــــه ربـــــــــــد

فلوت عنه سيوف أريح             حتى باء كفي، ولم أكد أجد

يصف سيفه حيث أصبح كفه مكان له.

وقول طرفة بن العبد***:

طيِّبوا الباءة سهلٌ ولهم                       سبلٌ إنْ شئتَ في وحشٍ وعِرْ

لهذا فلفظ البيئة يطلق على كل مكان يقيم فيه الإنسان أو غيره، وفي القرآن الكريم نجد مواضع عدة ذكر فيها لفظ " بوأ" كفعل أو اسم. يقول الله تعالى: ﴿ وَبوَّأَكُم فيِ الأَرضِ تَتَّخِذُونَ مَن سُهَولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا [xxi]و قوله كذلك:﴿ ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق [xxii]، وقوله كذلك في سورة يونس:﴿ وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَومِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بَُيُوتَكُم قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَواةَ وَبَشِّرِ المُومِنِينَ[xxiii]، وقوله كذلك: ﴿وَكَذلِكَ مَكنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء [xxiv]، وقوله تعالي في سورة الحج: ﴿وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا  تشرك بي شيئا﴾[xxv]، وقوله كذلك : ﴿والذين هاجروا في سبيل الله من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا حسنة ([xxvi]، فالآيات في هذا الصدد كثيرة، وكلها تحمل معنى المكان والمحل أو الموضع. كما نجد في الأحاديث النبوية الشريفة لفظ التبوء وهو يحمل نفس المعنى الموضع أو المنزل ومكان  الإقامة، في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدُ مِنَ النَّار»[xxvii]، لهذا فالمعنى العام للفظ البيئة في اللغة العربية يمثل المنزل، الموطن، المكان الذي يتخذه الإنسان مستقراً لنزوله، حيث يرجع إليه، فيتخذ فيه منزله وعيشه، أو ذلك الحيز الفيزيقي لبناء المجتمع المدني الذي يجد فيه الكائن الحي مكاناً ملائماً للعيش والإقامة[xxviii].

القرآن ومفهوم البيئة:

يقدم القرآن الكريم نظرة شاملة لمفهوم البيئة، حيث تشتمل على كل شيء مخلوق، من الإنسان إلى الحيوان، والجبال والبراري والجبال والصحاري وشمس وقمر وليل ونهار...إلخ وتعتبر البيئة بإرادة الله تعالى: ﴿ للهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء وَهُوَّ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيل﴾[xxix]، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾[xxx]، وقوله في سورة النمل : ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [xxxi]وكل هذه الآيات تقدم صورة عن البيئة في حالتها السليمة، قبل أن تطالها يد التغير والتدمير، حيث يقول الله تعالى:﴿ لَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾[xxxii].

الشريعة وحماية البيئة:

ينهى الإسلام عن الإفساد في الأرض، بل الغاية من هذا الوجود الإنساني هو الإصلاح والتعمير و تحسين البيئة، لهذا لا يجوز للمسلم بأي حال من الأحوال أن يساهم في الإضرار بأي إنسان آخر سواء كان الضرر ماديا آو معنوياً[xxxiii]، لهذا كان الترغيب والترهيب أو الثواب والعقاب مطلب ضروري في الحفاظ على البيئة، مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا كان التعامل في الإسلام قائم على القاعدة الذهبية: ﴿لا ضرر ولا ضرار﴾[xxxiv]. وكل الآيات توضح مدي أهمية التوازن البيئي في حفظ الاستقرار والاستمرارية، لهذا حذر القرآن الكريم من  الإفساد والإخلال بهذا النظام في العديد من الآيات البينات، ومنه قوله تعالى:﴿وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَاد﴾[xxxv]، وقوله كذلك:﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[xxxvi]، وفي سورة البقرة يحث القرآن على التمتع والاستمتاع بما خلق الله لنا، ولكن تمتع بدون إسراف وتبذير في قوله تعالى:﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[xxxvii]، كما بين الله لنا بعض أحوال الناس الذين يمتهنون الفساد حرفة في قوله تعالى:﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [xxxviii]، كما يأمرنا الله تعالى بضرورة الإصلاح و والإحسان ونبذ كل عملية إفساد في قوله تعالى:﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[xxxix]، وقوله تعالى في سورة ص: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾[xl] فجل الآيات أجمعت على النهي على الإفساد والإضرار بالأرض، وإن كان لفظ الأرض خاص فهو يحمل المعنى العام لكل ما يحيط بنا، كما عبر الله عن من يمتهن الإفساد ويحاول الظهور في ثوب المصلح في قوله تعالى:﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[xli]، وإذا كان القرآن الكريم قد قدم صورا عن مظاهر الإفساد وبين خطورته، فإن السنة  المحمدية، قدمت توضيحات عن هذه الظاهرة، في العديد من الأحاديث، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ من قتل عصفوراَ عبثاَ عج إلى الله يوم القيامة قول: إن فلاناً قتلني عبثاً، ولم يقتلني لمنفعة﴾[xlii].فإذا كانت التصرفات البشرية قد تخلو من العقلانية فتسبب التدهور البيئي، فإن الشريعة قد حددت إحدى مقاصدها وهو الحفظ على البيئة وحمايتها، فجاءت النصوص القرآنية تروم هذا المقصد فحذرت من التلوث البيئي في قوله تعالى:﴿ ظَهَر الفَسَادُ فِي البَرِّ والبَحْرِ بِمَا كَسَبت أَيْدِي النَّاس لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُم يَرجِعُون﴾[xliii] وواقعنا يثبت هذا الفساد والتلوث البري والمائي الذي أصبحنا نعيشه، تلوث أصبح يهدد الحياة البحرية والكائنات المائية معرضا إياه للانقراض. والأمر الذي لابد من توضيحه أن الأحكام الشرعية الواردة في هذا الشأن، لم ترد مفصلة مبينة بخصوص حماية البيئة، بل هي تنبيهات وتوجيهات تنحو منحى التعميم، ومرات منحى التفصيل، ولكنها كلها تروم التأسيس لثقافة بيئية تقنن السلوك الإنساني اتجاه البيئة والمجتمع، وتعصمه من الاعتداء على المحيط الطبيعي بالفساد في أي وضع كان فيه، وفي أي مستوى حضاري وصل إليه.[xliv] والمتأمل في الآيات التي سبق عرضها، يقف بالضرورة على مطلب المحافظة على البيئة وحمايتها من كل تلف، سواء تلف في الأفراد أو في الموجودات، حيث أن الشريعة القرآن الكريم يحذر من الاستغلال غير العقلاني وغير ذو حاجة. كما نجد الشريعة الإسلامية بنصوصها القرآنية أو الأحاديث النبوية تحذر من  تلوث المحيط لنقف على نصوص تؤسس فقهاً حضارياً يروم حماية البيئة، ويؤسس لمفهوم أخلاق بيئية من منظور ديني. ومن التوجيهات التي تنص على ضرورة المحافظة على البيئة من التلوث، نجد ما يتعلق بالطهارة وأهميتها في حياة الإنسان، انطلاقا من الطهارة الجسمية على الطهارة المكانية، وقد ارتقت الأوامر الشرعية في هذا الشأن لتؤسس مبدأ أساسي في السلوك والعبادة، حيث صحة العبادة تقف على صحة الطهارة[xlv]وهذا لقوله تعالى:﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُ التَوَّابِينَ ويُحِبُ المُتَطَهِّرِينَ﴾[xlvi] ويتضح من هذا إن الطهارة مفهوم شامل وأساسي في المحافظة على البيئة.

ومن بين النصوص التي نصت على ضرورة حماية الأماكن من التلوث، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:﴿اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل﴾[xlvii]، فهذه الأماكن مقصد الناس، فمن تلوث للبيئة وتلويت لها إلى جلب السباب واللعن والشقاق بين أفراد المجتمع، وواقعنا لا يفند هذا. ولهذا فإن الأحكام الشرعية في النظافة في مفهومها الواسع قد نستقي منها دلالات مهمة في الرفق وحماية البيئة، وهذا لكون السلوك الإنساني اليومي وممارسته للنظافة تفضي إلى بناء محيط نضيف، وكل إهمال في النظافة يعكر صفو المحيط البيئي. وما الأزمة البيئية التي نعيشها اليوم خاصة في مشكل تراكم القمامة في المدن الكبرى راجع إلى انعدام الحس البيئي المتعلق بالنظافة. فالمحافظة على البيئة، ليست مرتبطة بالفرد خلال فراغه فقط، فالشريعة الإسلامية حثت على ضرورة الغرس وتعمير الأرض وإن كانت نهاية الإنسان قريبة، وفي هذا الصدد يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:﴿ إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل [xlviii].

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا، كيف السبيل إلى تحقيق هذا السلوك البيئي والتأسيس لأخلاق بيئية؟

تعتمد العملية التأسيسية لسلوك بيئي على ثلاثة أساسات، الأسرة، المدرسة، والمسجد. فالإسلام حث على أن لكل من المسجد والأسرة والمدرسة والمجتمع دور في تنمية الوعي البيئي، مع غرس القيم الأخلاقية الإسلامية في نفوس الأفراد.

الأسرة والتأسيس للأخلاق البيئية:

تعتبر الأسرة النواة الأولى في تشكل أي مجتمع، ولها من الأهمية الحظ الأوفر في تربية النشء بغرس القيم الأخلاقية، والأنماط السلوكية المقبولة اجتماعيا، فرد يكون قادرا على تقدين إضافة لمجتمعه بشكل خاص والإنسانية بصفة عامة، فالرسالة الإسلامية تروم تقديم إنساني كوني لا محلي ضيق الأفق. لهذا فالأسرة لها الدور الكبير في التوعية البيئية والتنوير البيئي، وهذا من خلال إكساب الأفراد روح المسؤولية والمبادرة الايجابية والاندماج في كل عمل تطوعي جماعي، مع التركيز على تقديم تعريفات لمكونات البيئة وأهميتها ومشكلاتها وكيفية التصدي لهذه المشكلات[xlix]. ويحدد علماء النفس وظائف الأسرة في ثلاث وظائف أساسية:

1- تكوين الأطفال وإمدادهم بالبيئة الصالحة لتحقيق حاجاتهم البيولوجية والاجتماعية.

2- إعدادهم للمشاركة في حياة المجتمع وفي التعرف إلى دينه، قيمه وعاداته وتقاليده. 

3- تزويدهم بالوسائل التي تهيئ لهم تكوين ذواتهم داخل المجتمع.

ومن خلال هذا تتضح مهمة الأسرة وهي إعداد أنموذج الفعال في المجتمع. ولكن هذا الفرد المنشود، يستلزم وعي عند الأم في داخل الأسرة، وها يتطلب رفع مستوى الوعي البيئي عند الأم أولاً، مع تنمية معارفها ومهاراتها وخبراتها، حتى تكون قادرة على تقديم وعي بيئي لأبنائها، كالتدريب على وضع النفايات في العلب المخصصة لها، المشاركة في تزين المساحات الخضراء. فالأسرة تحمل على عاتقها مسؤولية في التصدي للمشكلات البيئية من خلال التربية العامة، الحد من مشكلة التلوث، التعريف بخطورة استنزاف موارد البيئة. ولنعرج على توضيح كل مسؤولية:

 1- دور الأسرة في التصدي لمشكلة التربية العامة: من أهم المشاكل التي تعاني منها الأسر، المشكلة الجهل التربوي والمعرفي والجهل الديني وسيطرة العادات والتقاليد البالية، وضعف التنظيم الأسري المشروع. ولا يكون هذا إلا بتوعية أفراد الأسرة، بدء بالأبوين.

2-  دور الأسرة في التصدي لمشكلة التلوث: يكتسب الأبناء كثيراً من سلوكياتهم من خلال تعايشهم اليومي مع أسرهم، وبالذات مع أمهاتهم، ويشكلون كثيراً من اتجاهاتهم من خلال مشاهداتهم اليومية لممارسات الوالدين والأخوة الكبار وغيرهم من أفراد الأسرة الذين يقطنون معهم. وتكاد تكون التربية بالتقليد من أهم وسائل التربية التي يمكن أن تلجأ إليها الأسرة لبناء اتجاهات إيجابية عند الأبناء نحو البيئة وتعزيز قيم المحافظة عليها. لهذا يجب على أفراد الأسرة خاصة الابتعاد عن السلوكيات السيئة التي تضر بالبيئة والمجتمع، فالطفل يتعلم بالتقليد أكثر من التلقين.

من بين السلوكيات التي نقدمها كتوضيح:

- عدم تبذير الماء عند الغسل- سيارة - أو عند الوضوء، بل حثهم على الاقتصاد باستعمال دلاء.

- التركيز على قيم النظافة، بضرورة المحافظة على نظافة الجسم والثوب والمكان، والمحيط الخارجي.

3- دور الأسرة في التصدي لمشكلة استنزاف موارد البيئة: بتحسيس الأبناء بأهمية موارد البيئة بشتى أنواعها فمن خلالها يحصل الإنسان على مقومات حياته، غير أن تعامل الإنسان غير العقلاني مع هذه الموارد البيئية قد أفسد بعضها، ولوث مجموعة أخرى وتسبب في انقراض بعض أنواع الكائنات الحية، وقلل من العمر الافتراضي لكثير من مصادر الطاقة والمعادن لهذا يجب على الآباء التوضيح للأبناء كيفية التخلص من النفايات الصلبة ومقاومة الحرائق (الهواء مورد دائم) أو الاعتناء بنباتات الحديقة أو الحيوانات الأليفة (موارد متجددة)، أو الحفاظ على الطاقة الكهربائية (موارد غير متجددة) فهم بذلك يقدمون لأبنائهم قيما بيئية تستهدف حماية موارد البيئة.

وعليه فالأسرة التي تنشىء أبنائها تنشئة وطنية تؤدي بالضرورة إلى تكوين فرد ذو وعي بيئي يحس بروح المسؤولية اتجاه نفسه ومجتمعه ووطنه، وعليه يجب توعية الأبناء أن البشرية شركاء في هذه البيئة، فالمحافظة عليها واجب كل فرد