الواجب ما بين الأخلاق والسياسة

عبد العزيز الخال
10/20/2016

الواجب ما بين الأخلاق والسياسة

عبد العزيز الخال[1]

أحاول في هذا المقال تقديم معالجة لمفهوم الواجب فيما بين الأخلاق والسياسة، من زاوية منطقية لا تنفك عن الواقع، تبيح لنا النظر إلى الأفراد المتواجدين على رقعة أرضية ويعيشون جنباً إلى جنبِ كأشخاص عاقلين تربطهم مجموعة من الواجبات التنظيمية فيما بينه، سواء كانت هذه الواجبات في تعامل فرد مع فرد أو في كل الأفراد فيما بينهم. ومهمة الفلسفة هنا ليست تجميد الحدود وإنما هي أن تقول بكل وضوح متى يكون الفعل صواباً[2] ومتى يكون غير ذلك، سواء في المجال العام الذي يلتزم فيه الفرد لقانون الدولة، أو في المجال الخاص الذي ينفلت فيه الفرد من قانون الدولة لكنه يظل خاضعاً لضميره الخاص. لكن ومع ذلك، تظل الحدود غير واضحة في تحديد الفرق ما بين الواجب الأخلاقي والواجب السياسي.

هكذا أصوغ إشكاليتي بشكل يتساءل عن: متى يكون فعل فرد ما واجباً أخلاقياً؟ ومتى يكون واجباً سياسياً؟ وما هي العلاقة التي يمكن أن تجمع ما بين الواجب الأخلاقي والواجب السياسي؟

لمحاولة مقاربة هذه التساؤلات قسمت ورقتي إلى محورين أساسيين، يتناول المحور الأول الواجب الأخلاقي كواجب يخضع للمبادئ العامة للإنسانية، في حين يعرض المحور الثاني الواجب السياسي باعتباره يمثل خضوع الفرد لقانون الدولة. مختتماً بما خلصت إليه من الأفكار عن تكامل الواجب الأخلاقي بالواجب السياسي. معتمداً في ذلك على كتاب الأخلاق والسياسية لهير، وكلي أمل في تشكيل رؤية واضحة للموضوع.

المحور الأول: الواجب الأخلاقي:

يقوم الواجب الأخلاقي، في نظر هير، على إطاعة القوانين التي لا تكون مفروضة فقط على المواطنين، بل كذلك على الزوار وكل إنسان وجد نفسه على أي رقعة أرض يشملها القانون[3]، وهذه الشمولية التي يتميز بها هذا القانون هي ما يعطيه البعد الأخلاقي؛ فمثلاً لا يجوز اعتداء أي إنسان على آخر في أي بلد من العالم، وحتى إن كانت خادمة أثناء تأديتها لعملها، فهذا القانون يمنع إرهاقها أو تعذيبها أو ضربها بأي وجه من الأوجه. فالقول بالواجب الأخلاقي هو قول بواجب يستند إلى مبادئ كونية[4] لا تقف عند حدود الواجبات التي تفرض عليّ كمواطن، وحتى وإن اتفقت مع الواجبات السياسية*، فهي في نفس الوقت تمثيل للواجب الأخلاقي.

إن الواجب الأخلاقي يوجب الفعل على أن يكون احتراماً لقانون نابع من احترام المبادئ العامة للإنسانية، باعتبار أنه مهما انقسمت الواجبات واختلفت يظل هناك شيء ما يجمع الإنسان من حيث هو كذلك، وبالتالي فما يعطي للواجب صبغته الأخلاقية هي الحرية في الالتزام بالشعور الواجب باعتباره قانوناً كونياً، لا مجرد قانون وطني تجبره قوة الدولة على تطبيقه؛ أي أن الواجب الأخلاقي يجعل الفعل "مطابقاً للمسلمة التي تتضمن في الوقت نفسه صلاحيتها الشاملة لكل كائن عاقل[5]، وهذا يعني أن استشعار المبادئ الكلية في القيام بالواجب هنا يصبح قانوناً للذات؛ فمثلاً إن الذي يستعمل دراجة هوائية في التنقل يومياً من مقر العمل إلى البيت، لا يفعل ذلك لأن قانون دولته يفرض عليه ذلك وليس لأحد الحق في معاقبته على تركها، على الرغم من أنه يفرض عليه احترام قوانين السير، بل يستعمل الدراجة الهوائية احتراما للطبيعة باعتبار الأكسجين ملكاً للجميع. كما يمكننا إيراد أمثلة كثيرة على هذا النوع من الواجب.

فالمثال الذي دشنه كانط وناقشه العديد من الفلاسفة، والذي يقول «قطعاً لا يجب عليك أن تكذب»، والذي يفيد أنه يجب عليك أنْ لا تكذب حتى لو أدى ذلك إلى إبادة تسعة وتسعين بالمائة من سكان الأرض؛ لأن الكذب لا يمكن تأسيس مبادئ شاملة للإنسانية على الكذب.  وبالتالي فلا تكذب هي أمرٌ بعدم الكذب حتى ولو كانت النتائج المحصلة من وراء الكذب خيرة أو يمكن أن تربح من ورائه شيئاً نفيساً؛ لأن ذلك أمر قطعي ولا يجب تجاوزه. إنه أمر مناف للأخلاق في ذاتها، ولو تم تعميمه فلن يعمل إلا على تهديم الواجب الأخلاقي الذي يجمع البشرية، فإذا كان الشخص لا ينتج إلا الكذب فمن سيثق به، لذلك لم يكن من الواجب الأخلاقي في شيء. من ثم يتأكد لنا أن الواجب الأخلاقي يلزم الفرد في قيام بواجبه بدافع من الاحترام الذاتي لهذا القانون الشامل، وهو ما يعطي للواجب قيمته الأخلاقية.

هكذا نخلص إلى نتيجة مفادها أن "الواجب الأخلاقي هو واجب سياسي من نوع خاص"[6]، أي أن الواجب الأخلاقي قد يتطابق مع الواجب السياسي، لكن الواجب الأخلاقي يجعل الفرد في تطبيقه للواجب يستشعر القانون الشامل للإنسانية الذي لا يختلف مع القانون الوطني للفرد هو ما يجعل القانون قانوناً أخلاقياً.  فالواجب الأخلاقي وإن كان فردياً في تطبيقه إلا أن قيم هذا السلوك شمولية، ففي قيام المواطن بواجبه الأخلاقي يخدم الجماعة الإنسانية[7]. وهذا التداخل بين الأخلاقي والسياسي يجعل الأمر أكثر تعقيداُ وصعوبة في تكوين معيار لتحديد الواجبات السياسية من الواجبات الأخلاقية، يُمَكننا من القطع بهوية كل واحد منهما.

على الرغم من هذا التداخل، نقر أنه مهما كانت قوانين الدولة شاملة فإنها تعجز عن الإحاطة بكل حركات وسكنات المواطنين، وحتى إن كانت للدولة القدرة على فعل ذلك فالمواطن وخاصة مواطن اليوم، صار ينزع بطبعه المتطور نحو أكبر قدر من الحرية، لهذا فهو يحرص على أن لا تحده قوانين في مجاله الخاص [الأمر الذي يظهر اليوم في مناهضة المواطنين للمراقبة التي تفرضها الدولة عليهم surveillance ]، وإن كان لا يمانع وربما يلح على وضع قوانين تنظيمية للمجتمع، والتي هي ما يحدد الواجبات السياسية.

المحور الثاني: الواجب السياسي:

إن الواجبات التي يقوم بها المواطنين أو الزوار على أساس أنها نظام للدولة يجب الخضوع له، سواء اتفق مع القانون الشامل الإنسانية* أم لا، هو ما نسميه واجباً سياسياً، بموجب أن الانسان الذي يخضع لحماية الدولة التي وجد في ترابها وعليها حمايته. فالواجب السياسي نابع من احترام قانون الدول دون إقامة الاعتبار للمبادئ الكونية. فمثلا الجنود في الجيش حين يقومون بالهجوم أو الدفاع الذي تأمرهم به الدولة التي ينتمون إليها فهم حينها يقومون بواجبهم السياسي، دون التفكير إن كان فعلهم يتوافق مع المبادئ العامة للإنسانية، "فالضابط العسكري يقول لا تفكروا ولكن نفذوا العمليات"[8]؛ لأن التفكير في هذه الحالة قد يخل بالنظام الذي وضعه الضابط، ولهذا يصبح تفكير الجندي يمثل خطرا على القيام بالواجب السياسي.

إن "الواجبات السياسية هي واجبات أخلاقية نمارسها لأننا مواطنون في دولة لها قوانين[9]، وهذه القوانين هي ما يحدد تلك الواجبات، والخضوع لتلك الواجبات التي يحددها القانون هو تنفيذ للواجب السياسي، مثل الخضوع لقانون الضرائب، وتجنب الرشوة، وعدم تزوير العملة النقدية باعتبارها هذه العملة تخص قانون البلد الواحد ولا يمكن التعامل بها خارج البلد التي هي رمز له. وهي كلها أمثلة تدل على أن الواجب السياسي هو خضوع تام للقانون الساري بالدولة. لكن عندما لم يكن لقانون الدولة القدرة على إخضاع الفرد في جميع ما يقوم به ، كان يلزم أن ينفتح الواجب السياسي على واجبات أخرى تكمله ولا تتناقض معه فكان هذا الواجب في نظري هو الواجب الأخلاقي؛ إذ للفرد أن يجد بعض الممرات الصغيرة والحيل للتحايل على القوانين، والانفلات من الواجبات وربما إلحاق الضرر بالآخرين، لكن في مثل هذه الحال يحضر الواجب الأخلاقي لسد هذه الثغرة، فيقضي بعدم خرق تلك الواجبات حتى وإن كانت للمواطن القدرة على ذلك، وهنا تصبح السرقة ممنوعة بشكل قطعي، مثلها في ذلك مثل الكذب. 

قد يحتج البعض الآخر بالقول إنه لا يَسرق إلا الفقير ولا يسرق الغني، لكن الأمر اليوم أصبح أكثر تعقيداً، إذ لم تعد السرقة تنحصر في سد الحد الأدنى من الحاجات الضرورية للحياة، كسرقة قطعة خبز أو ثمرة أو قنينة ماء...بل أصبحت السرقة تطال المصلحة العامة والمتمثلة بالأساس في سرقة المال العام، ومن يقدر على سرقة المال العام؟ إنه لا يقدر على سرقة من هذا النوع إلا للمشرفين على هذا المال؛ لأنهم الأقرب إلى التصرف به، وهنا يصبح الغني هو من يسرق الفقير. من ناحية أخرى، قد يحتج بالمنفعية أو الإنتاجية، التي تذهب إلى أن السرقة تحرك اقتصاد الدولة وتخلق مناصب عمل للمواطنين، كصانعي الأقفال وأجهزة المراقبة وتوظيف الحرس والشرطة...لكن كل ذلك يضيق أمام القول بأن السرقة تخل بالنظام العام، وكل ما ينظمه من واجب أخلاقي وسياسي. إذ لو كان المجتمع منظم بشكل جيد لأنتج مواطنوه أكثر مما يسرقون، ولخُلقت فرص عمل في مجال أعمق وبشكل أوفر. ومع ذلك فإن عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحفظ الملكيات الخاصة سيؤدي إلى انهيار الملكية العامة[10] بأكملها، التي تعني بالأساس انهيار كل واجب، الذي يعني الإعلان عن حالة الفوضى، ولهذا كان لزاما على الفرد ممارسة واجباته التي يضمنها القانون.

 خاتمة:

إن الواجب الأخلاقي والواجب السياسي يتفقان في كثير من الجوانب، ولا يختلفان إلا من حيث شعور الفرد أثناء تطبيقه للواجب؛ حيث أن الأول يمثل الخضوع لقانون الدولة دون التفكير إذا كان هذا القانون صائباً أم لا، في حين أن الثاني يربط القيام بالواجب الأخلاقي بالمبادئ العامة للإنسانية. من هنا أرى أن هناك تكامل بين الواجب الأخلاقي والواجب السياسي؛ حيث أن الأول يكون أكثر فاعلية حين يفشل الثاني، فتصير سلوكيات الأفراد أكثر انتظاماً حتى في الجوانب التي ينفلت من قانون الدولة تحديدها، ويصير المجتمع أكثر توازناً. لكن التساؤل الذي يظل مفتوحاً هو: هل فعلاً يمكن تأسيس الواجب الأخلاقي على مبادئ واقعية؟


 

الفهرس:

 مقدمة.

المحور الأول: الواجب الأخلاقي.

المحور الثاني: الواجب السياسي.

خاتمة.

لائحة المصادر والمراجع.

 

 

 



[1] . باحث مغربي، مختص في الحداثة العربية والفلسفة السياسية.

[2]. هير، ر. م، الأخلاق والسياسة، ترجمة إبراهيم لعريس، الطبعة الأولى، بيروت، دار الساقي 1993، ص 26.

[3]. هير، ر. م، الأخلاق والسياسة، نفسه، ص 07.

[4]. نفسه، ص 07.

*الواجب السياسي هو ما سأتوسع فيه في المحور الثاني.

[5]. كانط، إيمانويل، تأسيس ميتافيرقا الأخلاق، ترجمة عبد القادر مكاوي، منشورات الجمل، ص 126.

[6]. نفسه، ص 33.

[7]. راسل، برنراند، المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة، ترجمة عبد الكريم أحمد، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ص 69.

[8]. كانط، إيمانويل، «ما التنوير»، بروسيا، 30سبتمبر 1784، ترجمة مصطفى لعريصة، ص 11.

[9]. هير، ر. م، الأخلاق والسياسة، نفسه، ص 06.

[10] . نفسه، ص 17.

purchase low dose naltrexone naltrexone alcoholism medication naltrexone 4.5 mg side effects
revia side effects naltrexone alcoholism medication injections for alcoholics to stop drinking



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة