"البوركيني" الذي يستر ويعرّي!

د. البشير عصام
9/28/2016

ليست المسألة قضية ثوب يُلبس فيستر أو يكشف ..

وليست قضية اختلاف في العادات الثقافية والاجتماعية ..

وليست قضية متعلقة بحقوق المرأة و"استعبادها" - كما يقول رئيس الحكومة الفرنسي- ولا قضية حريات فردية لا ينبغي انتهاكها - كما يقول خصومه ..

القضية أكبر بكثير ..

فما الذي يحدث حقا في فرنسا؟

في كتابه الأخير الصادر في شتنبر 2016، والمعنون بـ"خماسية من أجل لا شيء" "Un quinquennat pour rien"، كتب الصحفي الفرنسي ذو الأصول اليهودية "إيريك زمور- Eric Zemmour" أشياء كثيرة مثيرة للجدل، منها خصوصا: وجوب التسوية بين "المسلمين" و"الإسلاميين"، واستحالة التوافق بين دين الإسلام ومبادئ الجمهورية الفرنسية، والاحتلال الإسلامي لأحياء كاملة في كثير من المدن الفرنسية، بل بشّر بحرب أهلية محتملة في فرنسا بين المسلمين والدولة، وكان مما قاله (ص 36): (إن القيادة العليا للجيش واعية بأنه سيأتي اليوم الذي سيضطر فيه إلى استرداد هذه الأراضي التي صارت أجنبية مع أنها فوق ترابنا. إن الخطة موجودة عندهم، واسمها "عملية العُلّيق- Opération Ronces". وقد وُضعت الخطة بمساعدة مختصين من الجيش الإسرائيلي، نقلوا لنظرائهم الفرنسيين تجربتهم في غزة ..)!

وخرج "زمور" بعد ذلك في لقاءات تلفزية، يشرح كلامه، أمام صحافيين يحاولون أن يفهموا حقيقة أقواله، ويمارسون دورهم المعروف: المعارضة الهادئة، لكي لا يتحمل المنبر الإعلامي مسؤولية تصريحات الرجل العنيفة. ولكن حين تعلم، أن هذه المنابر لا تتأخر عن منع أشخاص معينين من الظهور؛ لأن أقوالهم أو مواقفهم مخالفة للقانون، أو للقيم العلمانية، أو معادية للسامية، فإنك تفهم حينئذ أن استضافة مثل هذا الرجل عندهم، دليلٌ على أنهم موافقون على أقواله إجمالا، أو - على الأقل - يشعرون بأن لها قبولا معينا عند طائفة من الجمهور الفرنسي.

هوَس الهُوية

قد يقول قائل هنا: هذه الأقوال المنقولة، لا تعدو أن تكون كلام رجل متطرف، لا يمثل عموم الشعب الفرنسي ولا قيادته السياسية.

والحق أن هذه المواقف وإن كانت اليوم قليلة أو حتى شاذة، فإنها تعبّر عن فكر تيار في تزايد داخل فرنسا، وهو التيار الذي يتحدث عن العنصرية تجاه البِيض، ويرفض أن تتحول فرنسا- بقوة الواقع الديمغرافي- إلى بلد مسلم أو إسلامي. وهذه المخاوف عبّر عنها عملان إبداعيان صدرا خلال السنة الماضية، ولقيا نجاحا جماهيريا كبيرا: أولهما: رواية "خضوع Soumission" لميشيل ويلبيك Michel Houellebecq، والثاني: رواية "2084" للجزائري بوعالم صنصال، وفي كليهما التحذير تحت ستار الإبداع الأدبي من سيطرة الإسلام على الدولة (وفي الثاني، إشارة لطيفة لرواية جورج أورويل المشهورة "1984").

إن نقاش البوركيني وما قبله من نقاشات في العقدين الأخيرين (الحجاب في المدارس، اللحم الحلال، النقاب ..)، هو نقاش يدل على أزمة هوية في تصاعد مستمر إلى درجة الهوَس، وعلى أن الآليات الديمقراطية التقليدية في فرنسا عاجزة عن حل الصراعات الاجتماعية المدفونة تحت الرماد، وذلك لأسباب متعددة منها على الخصوص تآكل خطاب الأحزاب السياسية التقليدية (باستثناء حزب "الجبهة الوطنية" الذي اكتسب عذرية سياسية، بعد طرد أمينه العام التاريخي، وتليين خطابه العنصري).

إن الأحزاب السياسية الفرنسية التي تعاني من آثار غياب الاستقلال الوطني عن الاتحاد الأوربي في القرارات السياسية المهمة، ومن التبعية المدمّرة للولايات المتحدة الأمريكية في حروبها العالمية خاصة في بلاد المسلمين-، ومن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة تحاول أن تشارك عبر قرارات خرقاء - في نقاشات الهُوية لاكتساب بعض الشعبية المفقودة.

لكن الحقيقة هي أن هنالك تفاوتا كبيرا بين السياسيين العاملين في الإطار المؤسسي والمنتمين للأحزاب التقليدية، والنخَب المثقفة المؤثرة إعلاميا، والضاغطة في اتجاه "تيامن" المزاج السياسي العام، أي: تحوله جهة اليمين، بالتخلي عن المقولات اليسارية المعروفة في مجالات الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان.

هذه النخب اليمينية صارت تحذر أكثر من أي وقت مضى من اندثار الجمهورية الفرنسية، وسقوط فرنسا كدولة/أمة، كما تجده في كتاب "الانتحار الفرنسي Le suicide français" لمؤلفه "زمور" السابق ذكره.

حقيقة العلمانية

يقدّم كثير من المحللين نقاش البوركيني، على أنه نقاش حول ماهية العلمانية في فرنسا، التي تجد بدايتها الرسمية في قوانين الفصل بين الكنيسة والدولة سنة 1905. لكن الحقيقة، أن الفهم الفرنسي للعلمانية، ليس كالفهم الأنجلوسكسوني. إنه فهم مبني خاصة خلال العقدين الأخيرين وما تخللها من صراعات مع الإسلام خصوصا - على أن الهوية تأتي قبل العلمانية!

وإذا كانت العلمانية كما نفهمها ويفهمها آباؤها الكبار عبر قرون من الجدل الفلسفي بينها وبين الدين - هي السماح للأديان بالممارسة الشعائرية دون تمييز أو منع، والوقوف على مسافة واحدة من جميعها، فإن الفهم الفرنسي السائد اليوم بخلاف ذلك! فالعلمانية عندهم تحارب الدين في كل ميدان، وتحاصره في أضيق مساحة ممكنة. ولعل السبب الرئيسي لذلك: التاريخ الصراعي مع الدين في فرنسا منذ السنوات الأولى للثورة الفرنسية، بخلاف التاريخ التعايشي بين الدولة والكنيسة في انجلترا.

ولذلك فالعلمانية الفرنسية تحارب حتى الكاثوليكية "المسالمة المنبطحة"، وتسخر من مظاهر التدين عموما، خلافا لما نجده في العالم الأنجلو-سكسوني. ومن الطريف حقا، أن كثيرا من عتاة العلمانيين الفرنسيين يستدلون في نقاشاتهم بالحكام العرب الذين يحاربون مظاهر التدين مثل بورقيبة صاحب المواقف المشهورة من الحجاب وصيام رمضان.

وإذا كان هذا موقف بعض نخبهم من الدين عموما، فإنهم يتخذون صرامة أكبر بكثير مع الإسلام ؛ لأنهم فهموا أنه قانون وشريعة، وليس دينا فرديا فقط كما هي الكاثوليكية اليوم! وهذا الفهم مرشح للتزايد في فرنسا، وقد يؤدي إلى تنامي العنصرية تجاه المسلمين، وإلى مطالبتهم صراحة بترك جميع مظاهر دينهم إن أرادوا أن تقبلهم الجمهورية!

والمسلمون في هذا؟

من المؤسف حقا أن أكثر التجمعات الإسلامية في فرنسا لا تزال تستدل على المخالفين في ما يشبه حوار الصمّ - بفهمها للعلمانية على الطريقة الأنجلوسكسونية، لا كما تقررها النخب الفرنسية.

والحق أن هذا الخطاب برهن على محدوديته الكبيرة في التأثير على صانع القرار السياسي. فمن الضروري أن ينتقل المسلمون إلى أساليب التدافع السلمي، وتكوين بؤر ضغط على الرأي العام والسياسيين خاصة في مجال الإعلام، بدلا من التباكي واستمراء دور الضحية، واستجداء مبادئ الحرية والمساواة والديمقراطية، التي لم يعد يصدقها أحد في الغرب.

على المسلمين أن يفهوا أن العالم الغربي دارويني المنهج، ولا يؤمن بغير القوة معيارا للحق!

وأخيرا ..

إذا كان البوركيني يستر المرأة المسلمة، فإنه يعرّي الجمهورية الفرنسية، ويزيل غطاءً كان إلى عهد قريب - يستر عند بعض الناس حقيقة ما تُضمره لنا فرنسا ، الأنوار والحريات ..

سقط القناع .. فهل يستيقظ المخدوعون؟

the cost of abortion site depression after abortion
vivitrex http://naltrexonealcoholismmedication.com/ low dose naltrexone side effects autism
purchase low dose naltrexone naltrexone alcoholism medication naltrexone 4.5 mg side effects



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة