أطروحات الفكر العربي المعاصر في مناهج تحليل التراث

سفيان البطل
9/12/2016

قراءة في كتاب:

«أطروحات الفكر العربي المعاصر في مناهج تحليل التراث»

يوسف بن عدي

قراءة: سفيان البطل

يدور موضوع قراءتنا حول كتاب الباحث المغربي يوسف بن عدي «أطروحات الفكر العربي المعاصر في مناهج تحليل التراث» الطبعة الأولى 2015، والصادر عن منشورات دار التوحيدي، عدد الصفحات 277.

يتميز مشروع الباحث في هذا الكتاب بمحاولة تجاوز الخطاب الإيديولوجي المهيمن، وخرق العادة بإخراج قراءته للفكر العربي وأطروحاته عن نفس الصبغة الإنتاجية للفكر القديم في ظل هاجس إيديولوجي محض، من ثمة نفهم حاجته إلى رصد التيارات الفلسفية في الفكر العربي المعاصر السائدة والتي غلب عليها موضوع التراث والحداثة كمواقف فكرية واستدلالية حققت شيئاً من الانتقال الذي كان مرده دحض مركزية الإيديولوجية مما يفضي إلى دعوة فلسفية جديدة تتأطر فيما هو منهجي ونظري حاضر بقوة، وبشكل جلي مع السياق العربي المعاصر، حيث انفتح العقل العربي على قضية الحداثة فكان من ثمرة ذلك أن أعيد قراءة الفكر الإسلامي والخطاب العربي وتم البحث في أوجه التعثر الإبداعي في الفلسفة العربية ...، كل هذا يتناوله الباحث انطلاقاً من مجموعة من الإشكالات المطروحة والتي نرى أنها لا زالت قائمة كموضوعات الساعة وكأطروحات بحثية تتلخص في الشكل التالي:

كيف يستوعب الفكر العربي مكتسبات الفكر الليبرالي دون أن يعيش مرحلة ليبرالية؟ (عبد الله العروي)، كيف نقرأ الفكر الإسلامي قراءة عملية؟ (محمد أركون)، كيف نفهم تعثر الإبداع في الفلسفة العربية؟ (أبو يعرب المرزوقي)، لماذا تأخر العرب والمسلمون وتقدم الغرب؟ (شكيب أرسلان).

من هنا يمكن أن نوجز بالقول على أن مشروع الأستاذ يوسف بن عدي هو محاولة لرصد ملامح هذا الفكر ومناهجه بموازاة مع قراءته للتراكم النهضوي والفلسفي العربي، وبالتالي يقدم ما هو معرفي على ما هو إيديولوجي ... وعلى هذا الأمر استقر نظر الباحث حيث سنلمس في كتابه ثلاث انتقالات نوعية يمكن أن نجمل أنها غير مسبوقة في أطروحاته السابقة، حيث أجمع على أن يقدم التراث الإسلامي بمنهج أكاديمي وتصور فكري منفتح، ينتقل به من التقليد إلى التجديد فالإبداع.

كما لا يجب أن نفهم الإبداع بمعناه الفلسفي الأصيل، أي إظهار عن عدم، وإنما هو إبداع في قراءة التراث وإعادة إحيائه بما يتناسب مع متغيرات الواقع ومستجدات الفكر، عن طريق مناهج تحليل التراث كممارسة نقدية وتأويلية له. كما نلمس في الكاتب عمقاً وإحاطة موسعة بالخوض في دراسة التراث القديم وسبل بعثه بالشكل الذي يليق مع ما يتناسب مع خصوصية كل مبحث ومنهجيته التي يتفرد بها كل على حدة.

وبهذا العمل يقرب يوسف بن عدي القارئ من إشكاليات الفكر العربي بصور منوطة بأن توصف بريئة حيث يوظف أسلوب الاستقراء والاستنباط كمناهج محددة لتعدد تلك الصور، ومنه خالف الباحث المغربي مد التأثير العالي أي الكثيرين من مفكري عصره وغيرهم ممن سبقوه،كما تجاوز إلى حد ما قصور تفكيرهم النظري والفلسفي الذي طغت عليه أيديولوجيتهم والتي أفضت إلى تراجع قيمة الفكر العربي.

لهذا السبب، يمكن أن نجمل على أن الباحث قام منهجه العام "البحثي والأكاديمي" على المحاورة والجدل والبرهان كأسلوب لجعل أرضية الفلسفة أرضية محايدة، فانظر إلى قوله نفسه عندما جعل : ”الفلسفة هي كالعقل الهيولاني يقبل جميع الصور ولا يكون واحداً منها، فمتى قبلت الفلسفة صورة المادية صارت مؤدلجة داعية إلى القهر والتوحيد للمختلف والمتباين“، هكذا تكون الممارسة الفلسفية المتعددة الدلالات بالنسبة للباحث يوسف ابن عدي، بكونها ممارسة لا تردد أفكار الغير بقدر ما هي نظر في طرق تفكيرهم وعلى هذا قام مشروع "أطروحات الفكر العربي المعاصر في مناهج تحليل التراث".

من خلال ما سبق يمكننا الآن أن نفتح الباب للنظر في فصول الكتاب المقسمة إلى ثمانية، وهي بهذا التقسيم فتحت عين الباحث على مباحث مختلفة يتناول فيها مبحث التأويل ومبحث فلسفة الدين ومراجعات في الفلسفة الإسلامية بتواز مع أطروحات الفكر العربي.

تتمركز رؤية الباحث في الفصل الأول على النظر في "منازعات في فلسفة الفارابي بين محمد عزيز الحبابي ومحمد عابد الجابري" وذلك بمحاولته إبراز المكانة التي يحتلها الفارابي في فلسفة الرجلين وإبراز أوجه التطابق وأوجه الاختلاف في دراستهما له نظراً لكونهما ينتميان إلى نفس العصر، حيث لم يشهد وجودهما اختلافاً بعيداً عن الأجواء الفلسفية والفكرية وحتى السياسية التي عاشاها معاً.

ومنه، انطلق يوسف بن عدي في فحصه للآليات التي اشتغل بها الرجلان "الحبابي والجابري" كوسيلة لاستشكال وقراءة المصادر الفكرية والاجتماعية التي قد تكون حكمت رؤيتهما في رسم موقفهما من التراث والحداثة[1].

تتميز جدة الباحث في هذا الفصل بكونه خالف المألوف بالجمع بين المتفاضلين، وتجاوز الممارسة الإيديولوجية بتمرير الخطاب المنمق بفكرة ما والمكسوة تحت شعار إبراز التعارض. بل إننا نقول على أن الباحث اليوم عمد إلى الحبابي والجابري كعلمين كبيرين في تاريخ الفلسفة والممارسة الفلسفية بالمغرب، وهما عمودان رغم اختلافهما النظري والإيديولوجي سعيا على استيعاب خصوصية الهوية العربية ودمج سؤال التراث في قلب مسار الحداثة وفكرها وتحولاتها[2].

وبالتالي نفهم أن الحبابي والجابري لم يكونا يجسدان ذلك التفكير الإقصائي الذي يرفض التراث بقدر ما كانا يعملان على انتقاده لبيان حدوده والإفادة منه، هكذا يقرأ الباحث الرجلين بدرس هيدغيري حصيلته ”ان اعتقادنا بأن التراث والماضي هو وراءنا هو اعتقاد خاطئ، إذ هو أمامنا، إنه قدرنا، ولا يمكن الانفلات منه إلا عبر عمليتي التملك والتجاوز“[3]، فما كان من هذا الفهم العميق من طرف المؤلف إلا أن يقف عند استيعاب مشروع الحبابي والجابري الذي يرتكز على مقوم دفع الهوية العربية وخصوصيتها التاريخية والحضارية لبناء مشروع حداثي/معاصر ذي طابع عربي.

وللحظة التي يبدو فيها أن مشروع الرجلين مشروع مثالي قامت قائمة الباحث يوسف بن عدي ليقف عند حدود الرجلين والإفادة منهما فكانت رؤيته مختبراً لأفكار هؤلاء وسلسلة من القراءات الاستشرافية لهما، إذ يعتبر أن مشروع هذين الرجلين تحكمه خلفية إيديولوجية رغم ما يتسمان به من رؤية طموحة تسعى إلى تحصيل شروط التجديد والإبداع.

فعندما حاول الجابري وضع أسس مشروعه النقدي العربي والذي وُفّق في تحقيقه لحد كبير؛ وفي حين عمد الحبابي إلى التركيز على الإنسان ولواحقه كالانفتاح على الآخر والتحرر من قيود الذات، تتوضح من هذه الرؤية الثنائية محاولة تدعو إلى تخطي الحاضر المنغلق نحو الانفتاح على مستجدات العصر، وهي محاولة بتعبير المؤلف عملية تعصير الأصالة وتأصيل المعاصرة[4].    

وعلى هذا الغرار يمكن أن نعتبر تناول الحبابي والجابري لفلسفة الفارابي هي قضية تأويلية تستحضر الماضي وامتداداته في الحاضر بنية قراءة لبنية مستقبلية، وهنا حيث اتسم الهاجس المنهجي الذي –حكم الرجلين- بالاتصال والانفصال في قراءة متن المعلم الثاني وتأويله تأويلاً لا يخرج عن ثنائية التوظيف الإيديولوجي وسؤال الإنسية الأخلاقية.

من خلال تركيز الجابري والحبابي على أهمية البعد التاريخي، يعتبر الباحث يوسف بن عدي أن قراءة الجابري للتراث الفلسفي العربي لم تخرج عن ثلاثية : المعالجة البنيوية والتحليل التاريخي والطرح الإيديولوجي بهدف تحقيق مبدأ الاتصال من أجل الانفصال. بينما رؤية الحبابي والتي لم تأت بطرح مخالف غير مسبوق عن هذه الأجواء الفلسفية، بل كانت مؤكدة له لكن بتعبير آخر يقوم على استحضار أفعال الإنسان الوجدانية والعقلانية وكذا الحسية.  

منعطف القول في مشروع الباحث المغربي والمؤلف هنا لم يتوقف عند استعراض أفكار الحبابي والجابري فقط، بل تمثل في كشف الفجوة بينهما في بعدها التاريخي والتأريخي لأفكار الفارابي، حيث كان الحبابي يتصور المعلم الثاني كفيلسوف ملتزم ”مندمج في الصيرورة الإنسانية ومسؤولاً عن مصيرها“[5] وجعل من مستلزمات هذه المسؤولية الحرية في النظر والعمل. لذلك اعتبر الحبابي إنسانية الإنسان تشترط الانفتاح والاستعداد لهذا الانفتاح بشكل واع لا حصر فيه.

وهكذا إن الانعطاف في القول عند يوسف بن عدي برز مع الحبابي بصيغة أكثر وغاب عند الجابري، حيث اعتبر الحبابي قد أمسك بسؤال الإنسان والإنسية التي هي مدار الفكر الفلسفي المعاصر، هذا على اعتبار أن فلسفة الفارابي "فلسفة الكل"[6] تبحث عن شمولية الوجود بقدر ما هي ترمي إلى النظر في شمولية المستنفدين من الموجودات كما عبر الحبابي نفسه. وهنا اكتسبت الفارابية بالنسبة للمؤلف حق المعاصرة لنا، لكونها فلسفة إنسية أخلاقية تلتزم بقضايا شمولية وتتوجه نحو الإنسان ”وهو يتطلع إلى فهم ذاته والعالم وإلى ممارسة التحرر“[7] وعلى هذا الأساس الفكري الفلسفي ترسخت الشخصانية.

الفصل الثاني المعنون بـ: روح الحداثة في فكر طه عبد الرحمان من عقلانية التجريد إلى عقلانية التأييد، وأول ما يركز عليه البحث هنا هو النظر في أخلاقيات الحداثة الإسلامية ومقابلتها بالقيم الأمريكية والغربية الحديثة، في الوقت الذي كانت فيه قيم الحداثة الغربية نسبية لا كونية فيها وتنبني على عقل سياسي مصلحي-سلطوي، تصبح من خلاله الثقافة تعريفاً ومبرراً للصراع القيمي، كانت الحداثة الإسلامية تتأسس على نظر ملكوتي من شأنه أن يؤسس العقل على الإيمان، والسياسة على الخير، والثقافة على الفطرة[8]. وبهذا تكون ”الخلفية المنهجية والنظرية التي تحكم تفكير طه عبد الرحمان هي المزاوجة بين النظر النقدي (التقويمي) وفعل التأسيس والبناء“[9].

إن بناء الحداثة الإسلامية يستلزم إعادة بناء القيم السائدة وتقويمها، وهذا برأي الباحث لا يتحقق إلا بالوقوف عند سؤال المعنى، حيث كانت دعوة الفيلسوف طه عبد الرحمان تقف عند دعوة بلوغ الغاية بالمعنى، أي بإخراج الشيء من العبث إلى المعنى المراد أو الجدوى منه. هكذا يصبح من الواضح أن هذه الحداثة الموسومة بالإسلامية تتميز بضمها لكل مقتضيات الفطرة الإنسانية بما في ذلك شعوراً إيمانياً كان أو دينياً أو حتى أخلاقياً. فالاكتفاء بالنظر العقلي على غرار الحداثة الغربية من شأنه أن ينتهي بنا إلى سبيل محدود الأفق وبالتالي الوقوع في صراعات لا مناص لنا عنها. لذلك يرى يوسف بن عدى أنه كان على المفكر العربي/المسلم أن يتعامل مع قضية الحداثة الغربية ويأخذها بروح التجرد والنقد حتى يتسنى له أن يضم مع ذلك نوعاً من الممارسة التجديدية.

أما مع طه عبد الرحمان يعتبر الباحث يوسف بن عدي أن من أهم مبادئ الحداثة الإسلامية التي نحتها الفكر الطاهوي هو مبدأ الرشد الذي بمقتضاه ينتقل الإنسان من حالة البلادة (أي القصور المعرفي والجمود) إلى حال التمدن (أي الرشد والنضوج الفكري)، فكان من أهم أركان هذا المبدأ هناك "الاستقلال" كتحرر من كل وصاية تشي بالفرد نحو تحقيق أناه في النظر والتأمل والتفكير.ثم "الإبداع" حيث يسعى الإنسان الراشد على حد تعبير يوسف بن عدي إلى أن يبدع ”أفكاره وأقواله وأفعاله“[10]، فيبني سلوكه على قيم جديدة يحدثها بإرادته المفكرة، أو يسلك لها مسلك القيم القديمة لكن يبدع في فهمها ويعيد إحياءها على ما يراها عليه، على هذا تم مبدأ الرشد من التنوير إلى المعرفة النافعة، ومن مقتضى التحرر الذي يخرج الفرد من قيود المخلوق القديمة إلى أفعال الخالق الواسعة.

وبالتالي يمكن أن نجمع القول على أن الحداثة تشترط فيها طريق الإبداع بل إنها لا تكون إلا بهذا الطريق، لذلك سارع طه عبد الرحمان إلى ”بيان مبادئ روح الحداثة التي تتأسس على مبدأ الرشد بركنيه: الاستقلال والإبداع، ومبدأ النقد بركنيه: التعقيل والتفصيل، ومبدأ الشمول بركنيه: التوسيع والتعميم“[11]، هذه هي مبادئ روح الحداثة الإسلامية التي تنقلنا من عقم التقليد إلى حقانية الإبداع.

من خلال ما سبق يمكن أن نجمل القول أن مشروع الحداثة عند طه عبد الرحمان كما يقدم ذلك مؤلف الكتاب هو مشروع أخلاقي، شيد على أسوار التجربة الروحية فيما في ذلك من قيم ومبادئ مع ما لا يتعارض مع المعرفة العقلية، وبالتالي يفند ويدحض الباحث أي افتراض يقول بتعارض روح الحداثة وفكرها مع الأخلاق والقيم الدينية في المشروع الطاهوي، وعلى هذا الأساس جعلت الحداثة الإسلامية في تقابل مع خصائص العمل الأخلاقي، إنها حداثة أخلاقية تربط النظر بالعمل والقول بالفعل والقيم بالعلم ثم الشاهد بالغائب[12] وبهذا صارت حداثة مؤيدة تبعث روح الإبداع والتجديد في الفكر العربي المسلم.

الفصل الثالث: معضلة التأويل في التراث الإسلامي/العربي (مسار داعية التنوير) ومن خلال عنوان هذا الفصل تتوضح لنا رؤية الباحث بحيث يتطرق إلى إشكال يوضح فيه كيف اقتحم التأويل مدار النص الديني ليصوغ لنا مواقف متعددة الأبعاد يتداخل فيها العقدي بالنظري، والاجتماعي بالإيديولوجي في التراث الإسلامي العربي.

إذن، يمكن أن نجزم القول بأن "إشكالية التأويل في التراث العربي الإسلامي هي إشكالية التراث والحداثة"[13]، وبالتالي تعود ضرورة التأويل كلحظة تعرية وكشف وتحقيق في التاريخ الفكري القديم بآليات ومفاهيم الفكر الحديث، وذلك تم من خلال تعقب الباحث لمنهجية تفكير "نصر حامد أبوزيد" الذي كان له دور تفجير أسئلة الحداثة في جوف التراث، ومنه سلك لذلك معبرين:

معبر نقد الحاضر: من غلبة الإيديولوجي إلى التداول المعرفي (المنهجي) لرصد الأبعاد الإيديولوجية والاجتماعية وكذا السياسية التي تتحكم في رهانات الفكر الإنساني، وشرح بذلك سبب انحياز "حامد أبوزيد" إلى دور المثقف المعارض كذات تتميز بالانفتاح ومراجعة الذات ضداًلمثقف السلطة الذي يمكن أن نعتبره على حد سواء ابن الدولة ومنتج الحقيقة على مقياس الدولة المهيمنة.

وبناء عليه؛ يلاحظ يوسف بن عدي أن استحضار نصر حامد أبوزيد للفكر التاريخي في قراءة النصوص الدينية يعد من أهم المرتكزات التي ستساهم في تحديث الفكر الديني، ومنه قام الباحث أبوزيد بمراجعة الإيديولوجيا الشافعية من منطلق نظرية المعرفة مما ساعده على تحرير العقل البشري من سلطة النصوص الدينية، وإلى جانب قراءته للشافعي هناك عودة من قبل الباحث إلى المنظومة الأشعرية حيث عمد على انتقاد مرتكزاتها ومقولاتها مما يتوضح معه إعلاء من شأن الفكر الاعتزالي العقلاني الحر[14]، وبالتالي ثمرة مجهود حامد أبوزيد هنا تقوم على إعادة قراءة التراث بآلية الفكر الحداثي حتى يتسنى له رفع مستوى الفكر الديني إلى الوعي العلمي.

وفي معبر هذا قام يوسف بن عدي بالوقوف عند نقد مقولة "التلفيقية" في الخطاب العربي، حيث يرى أن الباحث المصري لم يقف فقط عند حدود تفكيك آليات الخطاب الديني ونقد منطلقاته الفكرية والإيديولوجية[15]، بل تعدت رؤيته إلى انتقاد مجموعة من المفكرين في شكل تأويلهم لنماذج الفكر النهضوي العربي الحديث، وهو كلام موجه إلى محمد أركون وأدونيس ومحمد عمارة وزكي نجيب محمود، حيث طغت على كتاباتهم  غلبة البعد السياسي والإيديولوجي فيما يتعلق بعلاقة الفكر الحداثي بالفكر التراثي، ذلك أن السمة التي سكنت روح كتابات هؤلاء لا تخرج عن ما هو توفيقي أو تلفيقي.

وكلحظة ثانية في تفجير أسئلة الحداثة في جوف التراث، سلك يوسف بن عدي في كتابه معبر نقد الماضي: في معاينة المنهجية (الإيديولوجي والمعرفي) حيث تطرق إلى شكل تفاعل الفكر مع الواقع اللغوي والدلالي والرمزي من خلال منهجية تحليل الخطاب في فكر أبوزيد مبرراً أهمية التأويل والدور الذي ساهم في كشف المشهد التاريخي لديه. ومنه فالمجاز وممارسة التأويل عند الباحث المصري أبوزيد كان لهما دور بارز في تحقيق مشروعه القائم على الوعي العلمي بالتراث، لكن يقف في الأخير مؤلف الكتاب على لبس إيديولوجي وفكري في أعمال نصر حامد أبوزيد وهو ما عبر عنه في سؤال: ”كيف يرفع الرجل شعارات العقلانية والتنوير في الوقت الذي يميل فيه كل الميل إلى العرفانية الاشراقية في أهم قطب فيها ألا وهو محيي الدين ابن عربي؟؟“[16].

الفصل الرابع: العلمانية في التأليف العربي الحديث والمعاصر: مراجعات ومتابعات، وهنا ينطلق الباحث من تحديد أدوار العلمانية التي استقرت بين الحامي للدين من جور السياسة والإيديولوجية وبين الضاد على الدين نفسه وكل عقيدة ولاهوت، لذلك جعل المؤلف مقوم مفهوم العلمانية يعود إلى فلسفة الأنوار والفلسفة السياسية كما احتلتها مع ماكيافيلي وهوبز. وبالتالي فهي كـ"مفهوم" يقوم على نشاط إعادة ترتيب العلاقة بين الدين وحقل السياسة في أرض تتعدد الحداثة فيها إلى حداثات والحرية إلى حريات مما ينجم عنه تغيرات جذرية يمكن أن نسميها انقلابات فكرية وسياسية ومعرفية وكذا اجتماعية تجتمع فقط في السياق العربي المعاصر.

من هنا شرع في الحديث عن دور الدين في المجتمع السياسي العربي كقاعدة لتأسيس الهوية وبناء الذات، فكان مدار هذا الحديث عائداً إلى محمد عابد الجابري المتمثل في موقفه إزاء الشريعة والديمقراطية وكذا الحرية والقومية ... إلخ[17]،التي تحتاج قضاياها إلى النقد الابستمولوجي، وهنا تصدر نقد العقل العربي إشكال نقد التراث، وفي معرض ذلك قدم يوسف بن عدي رؤية فهمي جدعان حيث رد التفكير في علاقة الديني بالسياسي إلى لزوم إعادة قراءة الواقع العربي قراءة نقدية، ليخلص المؤلف إلى أن هذه الرؤية الأخيرة تعتبر من المشكلات الحقيقية في التاريخ والحاضر العربي الإسلامي والتي لها تداعيات خطيرة على الفكر والمجتمع، ومنه ينبه يوسف بن عدي على سؤال ذكي أبان عن فطنته بأهمية الموضوع يتجلى في قوله: ”فلما كان مبدأ الفصل بينهما (السياسة والعقيدة) من مبادئ الحداثة السياسية الأوروبية، فهل يكون ذلك مبرراً نظرياً وفكرياً لسحبه على التراث العربي الإسلامي؟!“[18].

حصيلة هذا السؤال هو أن البحث في أطروحات الفكر العربي في مسألة الدين والدولة ما هو إلا إطار نهضوي أو تراثي المرجعية، وبالتالي هو لا يخرج عن جدل فكري إيديولوجي، لذلك يدعو المؤلف إلى وقف الطلب والعرض في هذا الطرح لأن نقد إيديولوجيا ما يولد إيديولوجيا غيرها، ومنه قدم صاحب الكتاب بديلاً كامناً في إعادة قراءة قضايا الدين والدولة والمجتمع ... في مشهد المنجز المعرفي والمنهجي على أساس يشكله هو بكونه الشرط في بناء فكرنا العربي المعاصر، أي بفهم مرامي الدين وفهم مقاصد الإنسانية واستيعاب القصور ”في غايات العلمنة في حياة الإنسان المعاصر“[19].

الفصل الخامس: من العقلانية الابستمولوجية إلى العقلانية النهضوية في فكر محمد عابد الجابري، ينطلق من معالجة إشكال نظري وفكري جمع بين العقلانية والنهضة في مشروع محمد عابد الجابري، حيث عبر عنه بتساؤلين هما: ”هل يمكن تحقيق حداثة دون سلاح العقل والعقلانية؟ هل يمكن تحقيق نهضة بدون عقل ناهض؟“[20]. الحاصل هنا أن جعلت من وظائف العقلانية النهضوية في فكر الجابري ترتيب قضايا الفكر العربي المعاصر وإعادة النظر فيها في ضوء تحولات الواقع العربي المعاصر على حد تعبير المؤلف، الأمر الذي يسهم معه تجدد المنظومات الإيديولوجية العربية، وبالتالي أضحى من الممكن التمييز بين استعمالين للعقلانية: أحدها: هو عقلانية منهجية (أي الابستمولوجية) وثانيها: العقلانية النهضوية.

وفي خضم هذا كله يسعى الباحث إلى شرح اختلاف مفهومَي العقل والعقلانية من حيث الفعل والإمكان[21] مما يستدعي معه القول بضرورة الاتصال والانفصال مع فكر الجابري بحيث يتم دحض تصور كونه فكراً قائماً بذاته. ما الحداثة إذن في فكر الجابري؟

إنها ”تحديث التراث ونقد تصوراته التقليدية واللاتاريخية التي لم تسهم إلا في ترسيخ الجمود الفلسفي والعمى الفكري في الفكر العربي المعاصر“[22]، وعليه تصبح علاقتنا مع التراث علاقة عقلية وجدانية اضطرارية، ومن ثمة كان هذا مبرر دخول الجابري في التراث لكشف آفاقه وحدوده المعرفية والتاريخية وأيضا للانفصال عنه بتجاوزه عن طريق النظر في بعض جوانبه الايديولوجية الإيجابية التي يمكن استثمارها في الحاضر العربي.

فالعقلانية الابستمولوجية (المنهجية) كلحظة فصل انبنت على منطلقين، الأول: سُمي مشكلة الموضوعية، وهي دعوى لفصل المقروء عن القارئ، وهي لا تتحصل إلا من خلال خطوات ثلاث "المعالجة البنيوية" و"التحليل التاريخي" ثم "الطرح الايديولوجي"[23]. أما المنطلق الثاني فسُمي مشكلة الاستمرارية أي بوصل القارئ بالمقروء، حيث يتولد عن هذه الأخيرة ممارسة النقد ونقد النقد بالانفصال عن التراث، وهذه عملية تحقق استمرارية الوعي والحرص على تقدمه بالبحث عن الحقيقة.

أما العقلانية النهضوية كلحظة وصل فهي تمثل إعادة النظر في المشروع النهضوي، أي أن تقوم بعمليات القراءة وتأويلها على أساس قائم على المفاهيم والتصورات المنتخبة كرؤية منهجية وفكرية واضحة.

الفصل السادس: أطروحات المفكر العربي عبد الله القصيمي من المدافعة الإيديولوجية إلى التفكير بالمعول الهدام، وهو فيلسوف نعتبر فكره نفضاً لغبار التقليد والقدامة، وقد سعى يوسف بن عدي من خلال هذا الفصل إلى بيان أفكار "القصيمي" في ظل دائرة النظام من اللانظام ولإبراز إيديولوجيته في معرض اللاإيديولوجي[24]،وهذا من خلال تقسيم مراحل تفكير الفيلسوف الثائر إلى مرحلة المدافعة المذهبية ثم إلى مرحلة التفكير النقدي الانقلابي، وتناوله من إشكال: ”كيف قرأ القصيمي التصدعات الاجتماعية والتحولات الفكرية العالمية والعربية المشهودة؟ وكيف انقلب من المدافعة الإيديولوجية الوهابية إلى التفلسف الجينيالوجي والحفر بالمعول الهدام؟“[25].

يرى مؤلف الكتاب أن الظروف الاجتماعية والسياسية كان لها دور هام في تحول عبد الله القصيمي الفكري حيث اتسم المشهد معه بتحقيق تحول جذري من مدافع عن الأطروحات الوهابية إلى ألد خصوم المتصوفة والشيعة لاعتبار ميوعي شهده في تعاملهم مع قضية التأويل لينتقل به الأمر إلى مناصرة الحرية والانفتاح على الآخر بدلاً من التشدد الوهابي الإيديولوجي العقيم.

ولهذا استحق "القصيمي" لقبه الفيلسوف المتمرد، حيث يراه المؤلف يتطلع إلى التخلص من عبق التراث نحو البحث في ذواتنا عن تفسير لهزائمنا وطموحاتنا ”إنهم صنعوا لنا من أنفسنا أغلالاً وقيوداً لمنعنا من إعمال الفكر وتشريح ذواتنا وخرق الحدود وخرم القواعد والمبادئ ... "هذي هي الأغلال" ... فيأيها العقل ما لي لا أراك؟ هل أصبح العالم بدون عقل؟ ... هل أصبح التاريخ في مأزق؟ لماذا يكذبون كي يرو الإله جميلاً؟ هل بالفعل أصبح العرب ظاهرة صوتية؟!“[26].

الفصل السابع: من علم الكلام إلى فلسفة الدين نحو قراءة جديدة، وهو مجموعة من الورقات التي تسعى إلى النظر في وظيفة علم الكلام الحجاجية وموضوعاته في ظل التحولات الفكرية والاجتماعية ... فكان هذا مبرر عودة مؤلف الكتاب إلى النظر في الفارابي كمحدد لدور المتكلم ولطه عبد الرحمان كمحيٍ لمنهج علم الكلام بترسيخ مبادئه العقلانية التي تتمثل في المناظرة والمحاورة، في حين جاءت قراءة الجابري لعلم الكلام في إطار قراءة التراث الفلسفي العربي القديم[27] لتمييز العقلانية المغربية من العقلانية المشرقية، فكان هذا مبرراً للانتقال إلى الحديث عن فلسفة الدين بالنسبة للباحث يوسف بن عدي من أجل تحليل فكرة الإله والإيمان والمقدس ...

ففلسفة الدين بالنسبة للباحث تعتبر أساس لتوسيع النظر العقلي في الدين وتوضيح ارتباطاته بالفرد والجماعة من مختلف الميادين، وعليه كان أصل الانتقال من علم الكلام إلى فلسفة الدين نتيجة الدعوة لتجديد الرؤية في علم الكلام التي تقتضي التوسل بمجال يعمل على نفس الموضوعات ويستثمرها قطاع علمي يتطلب شمولية الرؤية ومنظور مختلف للإنسان كمفتاح لحقيقة الدين.

الفصل الثامن: هل بالإمكان اعتبار كتاب "روح الدين" مساهمة في فلسفة الدين؟! وهنا يثمن يوسف بن عدي هذا الفصل بتساؤل مركزي هو ”ما مشروعية القول إن تفكير طه عبد الرحمان الأخير هو تفكير في دائرة فيلسوف الدين؟“[28].

يرى الباحث بن عديحصيلة ما بلغه طه عبد الرحمان في بناء فلسفة الدين قائماً على إعادة التجديد والنظر في علمي الكلام وأصول الفقه، فقد قام طه عبد الرحمان بالنسبة للباحث بنقل علم الكلام من صراعه الإيديولوجي والنظري إلى الخوض في منهجها العقلاني الاستدلالي “ويحقق عن هذا، أن المنهجية الكلامية تسعف الفكر الإسلامي العربي المعاصر في إنشاء علاقات جديدة ومثمرة لعلاقة الدين بالعلم ولعلاقة العقل بالوحي، ولعلاقة القول الفلسفي بالإنسان والله عن طريق مبدأ "العقل" ومبدأ "المعاقلة"”[29]، وعلى هذا الأساس قام الباحث بقراءة "روح الدين"والنظر في مرتكزات فلسفة الدين من خلال قراءة ثانية في كتاب "سؤال العمل" الذي يسعى لإعادة النظر في جملة من المسلمات التي صارت أصولاً دينية.

وبالتالي يعتبر يوسف بن عدي التأملات الطاهوية في الدين وعلاقاته بالسياسة والعلم والعقل ... ماهي إلا ممهدات ومرتكزات لفتح أفق فلسفي ديني عند الرجل، وبالتالي يحسم المؤلف في فعالية دور طه عبد الرحمان في رسم معالم التفكير في فلسفة الدين على أساس إيجابي قد لنا طبقا من ثمرة الحكمة.

خلاصة القول؛ نسجل على الكتاب أنهاتخذ شكلاً من التميز والتفرد في عرض ومناقشة أطروحات الفكر العربي المعاصر وتقديم نتائجَ كلِ حصرٍ سَنَّهُ المؤلف بِسِنانِ الرؤية المنهجية والاستشرافية، والذي يبدو واضحاً لنا أن الباحث المغربي يوسف بن عدي قد تفوق على ذاته مرة أخرى في إنجازه لهذا العمل حيث عمل على الانتقال كقطيعة من الفصل إلى الوصل في ترابط بين الأفكار وتعبيرها، وهو ما قد أبان عن نباهة ذكية من المؤلف، بتتبعه لخيوط مشبوكة في فكر الفلاسفة الذين ناقشهم فصلاً ووصلاً بلغة هيدغيرية لتأسيس قول فلسفي عبر عنه في كتابه المعنون بـ: أطروحات الفكر العربي المعاصر في مناهج تحليل التراث وهو قول جدير بالقراءة والتأمل والاجتهاد فيه، لأنه للحظة ما يتجسد كلبنة أولى فيما يعرضه، لذلك إننا نرى هذا الكتاب في كل ما أتى بصدده الباحث أوفى المقال منطقه ومداره الفلسفي، وبالتالي فقد حقق يوسف بن عدي رؤيته في أطروحاتالفكر العربيالمعاصر فيمناهجتحليلالتراث بتركيز النظر على ما هو معرفي أكثر مما هو إيديولوجي.

 

 



[1]. الصفحة 21.

[2]. الصفحة 23.

[3]. الصفحة 23.

[4]. الصفحة 26.

[5]. الصفحة 33.

[6]. الصفحة 33

[7]. الصفحة 34.

[8]. الصفحة 42.

[9]. الصفحة 41.

[10]. الصفحة 48.

[11]. الصفحة 55 – 56.

[12]. الصفحة 61.

[13]. الصفحة 73.

[14]. الصفحة 79.

[15]. الصفحة 81.

[16]. الصفحة 96.

[17]. الصفحة 120.

[18]. الصفحة 127.

[19]. الصفحة 150.

. الصفحة 165.[20]

[21]. الصفحة 166.

[22]. الصفحة 170.

[23]. الصفحة 172.

[24]. الصفحة 191.

[25]. الصفحة 195.

[26]. الصفحة 218.

[27]. الصفحة 236.

[28]. الصفحة 250.

[29]. الصفحة 252.

lamivudine acute hepatitis b lamivudine history lamivudine history
levitra 20 mg levitra hap levitra
the cost of abortion site depression after abortion
revia side effects naltrexone alcoholism medication injections for alcoholics to stop drinking



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة