مسؤوليّة فوكو

كريم محمد
6/10/2016

مسؤوليّة فوكو

دانيال زامورا

المصدر: مجلّة جاكوبين[1]

ترجمة: كريم محمد

تُعدّ مسألة دور دولة الرّفاه في مجتمعٍ رأسماليّ مسألةً معقّدة. وبطبيعة الحال، تبعًا للسّياق، يمكن لهذا الدّور أن يعمل على كبح الاحتجاج الاجتماعيّ، وعلى الحدّ من حركات التحوّل الرّاديكاليّ، وحتى على إعادة إنتاج بعض بنى اجتماعيّة جدّ محافظة (خاصّةً فيما يتعلّق بأدوار العرْق والجنوسة).

ومن الواضح أنّ دولة الرّفاه هي النتاج لتسويةٍ بين الطبقات الاجتماعيّة. وبالتالي، ليست المسألة مسألة "التوقّف هناك"، ولكن، على العكس من ذلك، مسألة الفهم بأنّ دولة الرّفاه يمكن أن تكون نقطة الانطلاق لشيءٍ ما جديد. إذن، ليست مشكلتي مع ميشيل فوكو هي أنّه يسعى إلى "تجاوز" دولة الرّفاه، وإنّما مشكلتي هي أنّ فوكو قد ساهمَ بفعاليّةٍ في تدميرها [دولة الرّفاه]، وأنّه قد قامَ بذلك بطريقةٍ كانت متماشية مع الانتقادات النيو-ليبراليّة للحاضر. فلم يكن غرض فوكو المضيّ نحو "الاشتراكيّة"، وإنّما للتخلّص منها.

لكن قبل مناقشة إشكال دولة الرّفاه في أواخر السبعينيّات والدّور الذي يمكن أن تلعبه في سياسةٍ تحرّريةٍ اليوم، دعونا ننعطفُ إلى بعضٍ من تلك "الأسئلة الجيّدة" التي كان يسألُها ميشيل فوكو.

هل سأل فوكو "بعضًا من الأسئلة الصحيحة"؟

لقد تعلّق السؤال الأوّل الذي سأله فوكو حول دولة الرّفاه بـ"حالات التبعيّة" (situations of dependency) التي قيلَ إنّها كانت السبب. فمن منظور فوكو، "نحن نمنح النّاس المزيد من الضّمان من ناحية، وننمّي تبعيّتهم من ناحيةٍ أخرى". فهل ينتج الضّمان الاجتماعيّ التبعيّةَ؟ إذ إن هذا النّقد مفاجئ بالأحرى من مؤلّف يُصنَّف على أنّه "يساريّ".  

وفوق ذلك، ليست هذه العبارة بمثابة تصريح منعزل. وهكذا، في مقابلة عام ١٩٨٣، يقول فوكو إنّه على موافقةٍ تامّة مع الصحافيّ الذي يقول إنّ هناك حاجةً اليوم إلى "التشديد على مسؤوليّة كلّ فرد عن خياراته الخاصّة" وإلى المضيّ نحو "مساءلة" (responsabilisation) أعظم.

وبالإضافة إلى "التبعيّة" التي من المفترض أنّ الضّمان الاجتماعيّ يخلقها، يعتقدُ فوكو بأنّ الضّمان الاجتماعيّ يخدم الثريّ، بنهاية المطاف وبالدّرجة الأولى. وهكذا، في مقابلة عام ١٩٧٦، يتوسّل فوكو، مرّة ثانيةً دون مزيد ابتعادٍ، بالحجّة النيو-ليبراليّة الكلاسيكيّة التي تنصّ على أنّ دولة الرّفاه ترقى فعليًّا لإعانة الأغنياء بالمال الذي يدفعه الفقراء، لأنّه في كثير من الأحيان يكون الأغنياء هم الذين يستفيدون الاستفادة القصوى من الخدمات المقدّمة.

وكما يشرح فوكو، "فإنّ التحويلات الاجتماعيّة التي كانت مأمولة من نظام الضّمان الاجتماعيّ لم تنجز المهمّة المتوقّعة [منها]... فالأغنى يواصل الاستفادة القصوى للخدمات الطبيّة من الفقير. هذه هي الحال في فرنسا اليوم. والنتيجة هي أنّ المستثمرين الأصغر، الذين هم الأفقر أيضًا، يدفعون بمساهمات ضريبيّة من أجل فرط استهلاك الأغنى".

هذه الحجّة التي طوّرها ميلتون فريدمان بشكلٍ واسع في كتيّبه الصغير حريّة الاختيار (Free to choose) -والذي كان فوكو عارفًا به بالتأكيد- هي حجّة معارضة أساسًا لأيّ شكلٍ من أشكال الخدمة الشاملة المموّلة من قبل الجمهور. إذ بحسب فريدمان، يؤدّي نظام كهذا دائمًا إلى "الانتقال من الأقل ثراءً إلى الأثرى".

وكما يوضّح العالم الاقتصاديّ [يقصد فريدمان -م]، فعلى الرّغم من أنّ "جدول الفائدة مُنحاز لصالح ذوي الأجور الدُّنيا، "يتجّه الأطفال من الأسر الفقيرة إلى العمل -ودفع ضراب العمل- في سنّ مبكّرة؛ في حين أنّ الأطفال من الأسر ذات الدخل المرتفع يبدأون العمل في سنّ متأخرة جدًّا. وفي الطّرف الآخر من دورة الحياة، فإنّ الأشخاص ذوي الدّخل المنخفض في المتوسّط لديهم مدى عُمريّ أقلّ من الأشخاص ذوي الدّخل الأعلى. والنتيجة النهائيّة هي أنّ الفقير يتجّه لدفع الضّرائب لسنواتٍ أكثر ويحصل على الفوائد لسنواتٍ أقلّ من الغنيّ -وكلّ ذلك باسم إعانة ومساعدة الفقير!”.   

إنّ "المشكلة" الرئيسة الكبرى التي شدّد عليها ميشيل فوكو فيما يخصّ الرعاية الصحيّة تكمن في الطبيعة "التعسفيّة" لمفهوم "الحق" في الصحّة، وفي أضراره المؤذية على إنفاقات النّظام المتزايدة. وفي الواقع، يقول فوكو إنّه لكون الاحتياجات في مجال الرّعاية الصّحيّة ليست باحتياجات قابلة للقياس ولا باحتياجات قابلة للتحديد، فليس "من الممكن أن نرسّخ بموضوعيةٍ معيارًا نظريًّا وعمليًّا، صالحًا للجميع، على أساسه يمكن القول إنّ الاحتياجات الصحيّة كانت تمامًا مرضيةً بشكلٍ حاسم". وبما أنّ رغباتنا المتعلّقة بالصحّة مختلفة جميعها، فكيف يمكن، بنهاية المطاف، أن يكون هناك "حقًّا" كونيًّا فيما يتعلّق بالصّحة؟

تؤدّي هذه الملاحظة، التي تُعيد إنتاج الحجّة الكلاسيكيّة لمناوئي أنظمة الصحّة العموميّة، بفوكو إلى أن يخلُص إلى هذه النتيجة بأنّه "من الواضح أنّه لا يكاد يكون هناك أيّ معنى في الحديث حول ‘الحق في الصحة‘". ومن هنا، يشرع فوكع طبيعيًّا إلى طرح السؤال القائل "هل يجب أن يسعى المجتمع لتلبية حاجة الأفراد للصحة؟ وهل بإمكان هؤلاء الأفراد أن يطالبوا، على نحوٍ شرعيّ، بإشباع هذه الحاجات؟". ويذهب فوكو إلى الإعلان "بأنّ الجواب التوكيديّ على هذا السّؤال لن يكون له تحقيق (realization) عمليّ سائع، أو حتى ممكن تخيّله".      

هذه الخطوة تقتربُ كثيرًا من الحجج الليبراليّة للسوق الحرّ ضدّ أنظمة الرّعاية الصحيّة الكونيّة، وهي الأنظمة التي كانت قد بُنِيَتْ بالتحديد على أساس فكرة "الحق" الكونيّ في الصحّة الذي يمكن تحديده موضوعيًّا لجميع السكّان. إنّ تصوّرًا كهذا يمكن التبرؤ منه شيئًا فشيئًا لصالح الفكرة التي دافع عنها هايك (Hayek) القائلة إنّ الرّعاية الصحيّة هي استهلاك جيّد مثلها مثل أيّ استهلاك آخر، وإنّه من مسؤوليّة كلّ فرد أن "يختار" الحصول على الرّعاية أن لا.

وبالتالي، كما يلاحظ جافني (A.W. Gaffney) في مقاله الممتاز على صحيفة جاكوبين، فبالنسبة إلى هايك "قد يفضّل شخصٌ دفع الإيجار على الحصول على الماموجرام [صورة الأشعة -م]، في حين أنّ شخصًا آخر قد يختار إجراء عمليّة جراحية قلبيّة لازمة على حساب قضاء إجازة لمدة أسبوع". ونتيجةً لذلك، فإنّ "الفكرة القائلة إنّ هناك معيارًا قابلًا للتحديد ‘بموضوعيّةٍ‘ للخدمات الطبيّة التي يمكن وينبغي أن تُقدَّم للجميع، وهو تصوّر يُشدّد على مخطّط بيفريدج (Beveridge) [أحد اقتصاديي بريطانيا] وهيئة الخدمات الصحيّة البريطانيّة بأكملها، لا تمتّ للواقع بصلة".

بهذا المعنى، فإنّ هايك، مثله مثل فوكو تمامًا، "يُنازِع في حدّ الفكرة ذاتها التي تقول إنّه يمكن أن يكون هناك شيء ما يُشبه رغبة كونيّة -ناهيكَ عن "حقّ"- في الخير الاجتماعيّ، بما في ذلك الرّعاية الصحيّة".

وتأكيدًا، يحرص فوكو على أن يشرح مباشرةً بأنّه [أي فوكو -م] “لا يدافع، الأمر الذي هو غنيّ عن القول، عن نوعٍ من أنواع السوق الحرّة الجامحة التي من شأنها أن تؤدّي إلى تأمين فرديّ لهؤلاء الذين لديهم الوسائل والموارد وإلى غياب التأمين لآخرين". لكن يبدو الأمر جليًّا لفوكو، مع ذلك، بأنّه من "المستحيل، على أيّة حال، السّماح بالإنفاق يتزايد تحت هذه الصّيغة في وتيرة السّنوات الأخيرة".

فوكو، إذن، غير مدافعٍ عن النيو-ليبراليّة، بيد أنّه يتبنّى كلّ انتقادات النيو-ليبراليّة لدولة الرّفاه. إذ يهاجم فوكو "التبعيّة" المزعومة التي تُنتجها دولة الرّفاه، أي فكرة "الحقوق"، وأثرها السلبيّ على الفقراء. ولا يصبو غرضه بالتالي إلى الانتقال نحو مجتمع نيو-ليبراليّ بالكليّة، وإنّما يصبو إلى أن يدمج في صُلب الجسد الاشتراكيّ بعضًا من العناصر الحاسمة للنقّد النيو-ليبراليّ للدّولة. والحال أنّه بهذا المعنى ينظر كولون جوردون (Colin Gordon) إلى فوكو باعتباره مبشّرًا بالبليريّة (blairism) [نسبةً إلى توني بلير -م].

يوضّح تقارب فوكو من بيير روسنفال (Pierre Rosanvallon) أيضًا هذه الأطروحة، ورسنفال هو الرّائد الفرنسيّ لـ"الليبراليّة الاجتماعيّة" السائدة حاليًا داخل الحزب الفرنسيّ الاشتراكيّ.

علاوةً على ذلك، يتحتّم علينا في ضوء ذلك أن نفهم دعم فوكو للفلاسفة الجُدد المعادين للشيوعيّة في السبعينّات. وكما قد أوضحَ مايكل سكوت كشيرستوفرسون (Michael Scott Christofferson)  -والذي أنا مدين له- بأن هذا الدعم كان يهدف بالمثل إلى معادة اتحاد اليسار والأيديولوجيا كلّها التي يمثّلها اليسار. (كان اتحاد اليسار هو التحالف الانتخابيّ الشيوعيّ-الاشتراكيّ الذي بدأ في السبعينيّات على يد القائد الفرنسيّ الاشتراكيّ فرانسو ميتران (François Mitterrand)، وهو الأمر الذي شكَّلَ منعطفًا يساريًّا حادًّا للاشتراكيين).

وبرأيي، فإن فوكو بالتالي لم يكن يسأل "الأسئلة الصحيحة". على العكس من ذلك، فقد أشاعَ جزءًا كبيرًا من الحسّ المشترك النيو-ليبراليّ الذي شكَّلَ الأساس النّظريّ للحرب التي شُنَّت ضدّ دولة الرّفاه. ويمثّل هذا الحسّ المشترك (common sense)، بعيدًا عن كونه إشكالًا ثانويًّا، برأيي إحدى العقبات الرئيسة أمام مؤسّسة السياسات الاجتماعيّة ذات التأثير الكبير.

فكيف يمكن أن نفكّر جديًّا بأن التسفيه من عمل الدولة في المجال الاجتماعي وبأن التخلي عن فكرة "الحقوق" الاجتماعيّة يشكّل تقدّمًا نحو التفكير "فيما وراء دولة الرّفاه"؟ فكلّ ما تمّ إنجازه هو السّماح لتدمير دولة الرّفاه، وليس لمحةً لشيءٍ ما يكمن "وراءها".

إن مثال الاقتباس من بياتريس بريسيادو (Beatriz Preciado) واضح بشكلٍ بارز. ففي عبارة بليغة، تطرح بريسيادو بأنّ تقهقر دولة الرّفاه ليس مشكلة سياسيّة خطيرة بنهاية المطاف. وربّما يجب علينا حتى أن نحتفل بتقهقرها، لأنّ هذا التقهقر سيُحرّر الأفراد من التحكّم الاجتماعيّ. وأقلّ ما يُمكن أن يقال هو أنّه وحده الأكاديميّ، أي الشّخص المحميّ نسبيًّا من التّداعي الاجتماعيّ، قد يقول شيئًا من هذا القبيل.

والحقيقة هي أنّه في أوروبّا القارّية -لكن أيضًا في الولايات المتحدة- قد أدّى تراجعُ البرامج الكونيّة إلى انحسارات اجتماعيّة جديرة بالاعتبار ذات تأثير ليس فقط ماديًّا وإنّما أيديولوجيًّا أيضًا. فليست دولة الرّفاه هي التي فقدناها فحسب -فما فقدناه هو قدرتنا على التفكير باختلافٍ، والتفكير خارج مقولات النيو-ليبراليّة.

ما هو السؤال "الصحيح"؟ 

في ردّه على مقابلتي[2] بجاكوبين، فإنّ واحدة من انتقادات بيتر فريز (Peter Frase) على حجّتي هي أنّها لا تقدّم أيّ أفقٍ سياسيّ راديكاليّ خارج الرأسماليّة. وإنّ تحليلي، بنهاية المطاف، مُقتصر على نقدٍ داخليّ للنيو-ليبراليّة، وإنّني آملُ، ربّما، العودة إلى الفورديّة ما قبل الحرب.

والحال أنّ حجّتي مختلفة تمامًا. وكما قد قلتُ في نهاية المقابلة، فإنّ "العودة" إلى الماضي لا هي ممكنة ولا مرغوب فيها. وعلى أكثر تقدير، فإن العودة إلى الماضي هي استيهام (fantasy) ليس لديه فرصة ليجري تحقيقه بطرقٍ تحرّريّة حقًّا. على النّقيض من ذلك، يكمن هذا الإحساس بالماضويّة (nostalgia) في قلْب النجاح السياسيّ للأحزاب المتطرّفة في يَمينيّتها، لكن أيضًا، بصورة متزايدة، لليمين السائد.

تُعدّ العودة إلى الماضي مغرية لقطاع لا يُستهان به من الطبقة العاملة. ففي الدّعوة لانقلاب راديكاليّ على اللبرلة الثقافيّة، وعلى التأثيرات الثقافيّة للعولمة النيو-ليبراليّة، فقد تمكّنت هذه الأحزاب من الفوز بكلا المعركتين الأيديولوجيّة والاقتصاديّة. فهي أحزاب لا تقترح أيّ بديل حقيقيّ للرأسماليّة، في حين تفوز بالنّضال السياسيّ على أرضيّة القيم العائليّة، والعمل، والمسؤوليّة.

وتخفي هذه الماضويّة، مع ذلك، بتأثيراتها المحافِظة بوضوح، في طيّاتها بُعدًا تقدّميًّا. وهكذا، مثلها مثل الدّين في تصوّر ماركس، فالماضويّة هي "صرخة المخلوق المضطهَد، والقلب لعالمٍ لا قلب له، والرّوح للظّروف اللاإنسانيّة. إنّ الماضويّة هي أفيون الشّعوب". بيد أنّ هذا الأفيون هو "في آن واحد وفي الوقت نفسه، بمثابة تعبير عن المعاناة الحقيقيّة وبمثابة احتجاج على هذه المعاناة الحقيقيّة".

لذا يجب علينا أن ندرك الطبيعة المتضاربة لهذه الصّرخة. فهي ليست مجرّد ماضويّة لعالمٍ بلا مهاجرين، ولعالم الحدود، وللنساء في المطبخ. لكنّها أيضًا عبارة عن مؤسّسات للضمان الاجتماعيّ والمكاسب الاجتماعيّة لعهد ما بعد الحرب. ينبغي أن يُقرَأ هذا الطّموح، مثله مثل الدّين من وجهة نظر ماركس، على كلّ وجهٍ من وجوهه. فإنّه ليس مجرّد رغبة للعودة إلى مجتمعٍ أكثر محافظيّةً، وإنّما هو أيضًا دلالة على ما قد يكون تحرّريَّا في هذا المجتمع؛ أي دلالة على القيم التقدّميّة التي مثلّها للطّبقة العاملة.

لا يصبو هدفي بكلّ وضوح إلى تقييدنا بهذا الإرث، بل على النّقيض من ذلك بصونه، لاستخدامه ليس فقط لاستعادة الطبقات العاملة مرة أخرى وإنّما أيضًا للسّماح بتطوير الأفكار السياسيّة الراديكاليّة بإخلاص. فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس ما إذا كانت دولة الرّفاه كما هو الحال في عهد ما بعد الحرب "طريقًا مسدودًا" لليسار. على العكس من ذلك، علينا أن نسأل أنفسنا كيف يمكننا استخدام أبعادها التقدّميّة لأغراض التحوّل الاجتماعيّ.

إنّه من الأيسر بكثير أن نتخيّل ما قد يماثلُ الشكل الآخر للتنظيم الاجتماعيّ على أساس العناصر الأكثر تقدّميّة في صلب دولة الرّفاه ممّا هو عليه الحال للبدء من أفكار تجريديّة هي غالبًا ما تكون منفصلة عن واقع العمّال. فدومًا يكون من السّهل أن نتخيّل عوالم أخرى ومجتمعاتٍ شيوعيّة بطرقٍ تجريديّة ونظريّة.

لكنّ هذه الأفكار تُصاغُ بالأساس في قاعات الجامعات الدراسيّة وفي اجتماعات المجموعات السياسيّة الهامشيّة. وعن طريق قطْع نفسه من المؤسّسات التي قد غيّرت فعليًّا (وليس نظريًّا) العالَمَ، يقطع اليسار الراديكاليّ نفسه أيضًا عن العالم وعن الإشكالات اليوميّة لأغلبيّة السكّان.

وقد كانت المؤسّسات التي أنشأتها حركة العمّال في أعقاب الحرب العالميّة الثانية أكثر بكثير من الأدوات [التي عملت] على "توطيد" الرأسماليّة. صحيحٌ أنّ هذه المؤسّسات انطلقت وهي تحملُ في طيّاتها تناقضات سياسيّة خطيرة، لكنّها مثَّلت أيضًا، في طور تشكّلها، العناصر لمجتمع آخر، حيث السوق لا يحتل الموقع المركزيّ كما هو اليوم.

لذلك علينا أن نواصل العمل السياسيّ والأيديولوجيّ الذي بدأ مع ميلاد دولة الرّفاه. وعلينا أن نُجذرن (radicalize) [من الجذريّة، والراديكاليّة، على وزْن نُعلمن وغيرها -م] إرثها، وعلينا أن ندفع بها أكثر من أيّ وقت مضى، ونتصوّر بها -لا ضدّها- مجتمعًا ديمقراطيًّا ومساواتيًّا حقًّا.



[1] https://www.jacobinmag.com/2014/12/michel-foucault-responsibility-socialist/

[2]  نشيرُ إلى أنّنا قد ترجمنا هذه المقابلة المهمّة والطويلة وذلك على صحيفة الجمهوريّة، ويمكن الاطّلاع عليها من خلال هذا الرّابط للصحيفة: http://aljumhuriya.net/34627.

cialis 10mg prix cialis 10mg prix cialis 10mg prix
cialis generique en cialis generique en cialis generique en
viagra online billig viagra apotheek viagra prijs apotheek
generic cialis pro cialis coupon codes discount cialis online discount
generic cialis pro click cialis online discount
cialis sample coupon eblogin.com drug discount coupons
printable cialis coupon link coupon for cialis
cialis discount coupons online blog.suntekusa.com cialis coupon
cialis discount coupons online cialis coupons 2015 coupon prescription
prescription savings card is-aber.net cialis manufacturer coupon
prescription savings card is-aber.net cialis manufacturer coupon
buscopan 10mg twodrunkmoms.com buscopan wirkung
cordarone kontrol click cordarone
cordarone kontrol cordarone og alkohol cordarone
etodolac recreational use etodolac uses etodolac 400 mg side effects
loperamide policereference.co.uk loperamide 2mg
loperamide loperamida para que es loperamide 2mg
etodolac side effects markthrice.com etodolac 300 mg
euthyrox euthyrox 100 euthyrox wirkstoff
diflucan djelovanje diflucan diflucan djelovanje
ciprol exlim.net cipromed
vaniqa comprar blog.rewardsrunner.com vaniqa venezuela
ventolin smpc ventolin doping ventolin doping
levitra cena v lekarni ibrahimbayir.com.tr levitra smpc
coupons for prescription medications free cialis coupon 2016 cialis coupon lilly
discount card for prescription drugs emergent-ventures.com prescription discounts cards
oxcarbazepine mylan oxcarbazepine 150 mg oxcarbazepine mylan
levitra 20 mg blog.tgworkshop.com levitra
levitra 20 mg blog.tgworkshop.com levitra



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة