آثار تدبّر القرآن في نقد ابن حزم للأديان

محمد حسن بدر الدين
5/13/2016

آثار تدبّر القرآن في نقد ابن حزم للأديان

محمد حسن بدر الدين

عاش ابن حزم (384-456ه/995-1064م) في مدينة قرطبة، جوهرة الأندلس مدّة طويلة، ورغم الاضطراب السيّاسي الذي خضعت له هذه المدينة، إلاّ أنّها ظلّت متميّزة بحفظ مكانة العلم والعلماء، وقد استفاد ابن حزم من عوامل الانفتاح والقوّة التي ظلّت تحرّك مسار المجتمع، فأقبل على العلم والتّحصيل، فكان بحقّ مفكّرا موسوعيّا، أسهم في جميع معارف عصره، حيث أثرى مباحث العلم، ونشّط حركة الفكر الإسلامي، في مختلف أبواب المعرفة: أدبًا وفقهًا ونقدًا وتاريخًا، وكان سبّاقا ورائدا في علم جديد، أسّس بنيانه وأقام دعائمه، على قواعد متينة، وهو علم مقارنة الأديان، فكان من أبرز العلماء المسلمين، الذين قدّموا بناءً متكامل التّكوين، وتامّ الصّنعة، في دراسة اليهوديّة والمسيحيّة، حيث درسهما عن علم، ونقدهما عن معرفة. فضلا عن تقصّياته الدّقيقة في المذاهب والفرق المختلفة، منذ أقدم العصور حتّى العصر الأندلسي الذي عاش فيه.

وضع أسس علم النّقد التّاريخي والنصّي:

استفاد ابن حزم في تكوينه الأساسي من القرآن الكريم، فقد كان ملازما له تلاوة وتدبّرا، كما استفاد من علم أصول الفقه الذي علّمه أساليب المقارنات والموازنات، ولذلك تميّز بالرّبط المحكم بين المعرفة النظريّة والتّطبيقيّة، وعندما تعرّض بالتّحليل والنّقد للمصادر اليهوديّة والنّصرانيّة، اهتدى بتوجيهات القرآن، ثمّ أقبل على مطالعة كتب اليهود والنّصارى، وتعمّق فيها، ثمّ اتّصل بهم وعاشرهم عن كثب، وخالطهم وناقشهم، وقد شغله موضوع اليهود واليهوديّة، وأراد أن يفهم نفسيّاتهم وطبائعهم، من خلال آثارهم وتواريخهم، فضلاً عن الاتّصال المباشر معهم، ومناقشتهم بصفة فرديّة وجماعيّة. فكانت مصادره عن العهد القديم، دقيقة وموضوعيّة، لأنّه كان محتكّا بالطّبقة المثقّفة من اليهود، الذين كانوا يملكون نسخًا ومخطوطات عن العهد القديم والجديد، اطّلع عليها عبر طريقتين على الأقلّ:

الطريقة الكتابيّة:

حيث كان يقرأ من نسخ لاتينيّة، وكان يعرف هذه اللّغة، ولا نقول يتقنها، وذلك من جهة أمّه، التي كانت ذات جذور أندلسيّة عريقة، ولم تكن النّسخ التي اطّلع عليها باللّغة العربيّة ولا بالعبريّة، لأنّ هذه اللّغة كانت قد انقرضت، ولم تُستعمل منذ قرون، ولم يكن اليهود يعرفونها زمن ابن حزم، وإن بدأوا في ذلك العصر، في إحيائها، وكتابة النّصوص العربيّة بحروفها، وقد كانت اللّغة العربيّة هي لغة الثّقافة والمخاطبة والكتابة في ربوع الأندلس كلّه.[1]

الطريقة الشّفويّة:

حيث كان متّصلا بالنّخبة المثقّفة من اليهود، وأغلبهم أطبّاء وأدباء، وقد ذكرهم في كتبه ورسائله، وكان يسألهم عمّا يعسر عليه فهمه، من سياقات التّوراة وتفرّعاتها الكثيرة، ويدقّق في مصطلحاتها الخاصّة، وما يتعلّق بتواريخها الموغلة في القدم، إلى جانب التقصّي عن مجموعة من الأحداث والشّخصيّات الواردة في العهد القديم.

مهّد العمل النّقدي الذي قام به ابن حزم، السّبيل لنشوء مباحث مقارنة الأديان، حول التّوراة وأسفارها الخمسة بالخصوص، فقد أسَّسَت تقصيّاتُه أصول علم النّقد الكتابي، لأنّ عمله في نقد التّوراة والأناجيل، كان في متناول العلماء اليهود والنّصارى، الذين كانوا يتقنون اللّغة العربيّة، وقد استفادوا من ذلك النّقد، وبنَوا عليه لاحقا، أصول علم النّقد النصّي، وخاصّة على يدي أبراهام بن عزرا الذي عاش في بلاد الأندلس، وكان من المتأثّرين بابن حزم.[2]

 وقد قرأ الفيلسوف الهولندي سبينوزا، تراث ابن عزرا، وتجاوزه، وأسّس قواعد جديدة، في نقد الأسفار الخمسة، وخاصة سفر التّكوين، التقت تماما مع عمل ابن حزم ومنهجه، والنّتائج التي توصّل إليها. كان سبينوزا هو الجسر الذي عبرت عليه جهود النقّاد اللاّحقين، أمثال ريشار سيمون الفرنسي، وجون استروك الفرنسي أيضا، وأيكهورن الألماني، وفلهاوزن المستشرق الألماني الذي كان مطّلعا على أعمال ابن حزم، باعتباره من أبرز المتخصّصين في التّراث العربي الإسلامي.

نتحدّث اليوم عن إسهامات إسلاميّة في عالم النّقد المنهجي لنصوص العهدين القديم والجديد، بفضل جهود ابن حزم، الذي لم يكتف بتأسيس علم النّقد التّاريخي والنصّي، وإنّما بنى أيضا مقتضيات الإيمان على الحجّة والبرهان، ودعمها بالسّند العلمي والمنطقي، ليطمئنّ إلى حقيقة اقتناعاته، وأصول دينه، عبر الدّراسة والمقارنة، فيحمد الله على نعمة الإسلام، ولذلك كان يستشهد كثيرا بالقرآن، ليقيم الحجّة على صدقه، أمام أديان أخرى، رأى بعد البحث والتّدقيق، أنّها لا تمتلك أصالة كافية، ولا موضوعية وافية. وقد استفاد من إضاءات القرآن الكريم، حول بني إسرائيل واليهود، من نواحٍ عديدة، تاريخيّة ونفسيّة، واستثمرها في مباحثه، وهذا من صميم مشاغل علم مقارنة الأديان ودراسة المذاهب والملل والنّحل. وكان مقصده من المقارنة والدّرس، تجلية الحقائق والدّفاع عنها ضدّ الطّمس والزّيف والتّحريف، وفي هذا فوائد إيمانيّة وسندات علميّة وفيرة، ملخّصها وجود ثغرات وارتباكات كثيرة في تقديم تصوّرات مضبوطة لمسائل المعتقد والغيب والأخلاق، في الأديان الأخرى غير الإسلام، وهذا معنى التّصحيح والهيمنة والنّسخ أو ختم النبوّة، الذي تعرّض له في مواقع كثيرة من كتابه: الفَصْل في المِلل والأهواء والنِّحل.

تصدّى ابن حزم لمسألة فهم العقليّة اليهوديّة والإسرائيليّة، واعتبرها مطلبًا مهمّا من مطالب الفكر الإسلامي في وقته، في مواجهته للهيمنة السياسيّة والتّشويش الدّيني، الذي بدأ اليهود والمسيحيّون اعتماده في عصره، نظرا للحريّة الدينيّة المتوفّرة، وأجواء الاحتكاك الثّقافي والحضاري التي برزت في عصره. وكان غرضه من ذلك، مواجهته عبر دراسة المنطلقات الفكريّة واللاّهوتية، التي بُنيت عليها أسفار العهد القديم والجديد، مستفيدًا بالخصوص من القرآن الكريم، الذي كشف أنّ الكتب الدينيّة السّابقة عليه، ضاعت وتبدّلت مع الزّمن، وقدّم نفسه على أنّه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل والتّحريف، وأنّه لا يحتوي أي ضرب من ضروب التّناقض أو التفاوت، ودعا إلى تدبّر آياته.

 وقد اعتبر ابن حزم أنّ من مقتضيات هذا التدبّر، العمل على تصديق أقوال القرآن بكشف زيف ادّعاءات اليهود والنّصارى، وبيان أنّ نسبة الأسفار اليهوديّة والمسيحيّة إلى الأنبياء، والتي اعتبرت من المسلّمات عبر العصور، ليست إلاّ ادّعاءات مزيّفة، لا تصمد أمام النّقد التّاريخي والتّحقيق العلمي.

التدبّر القرآني ومحفّزات نقد نصوص العهد القديم لدى ابن حزم:

اهتمّ ابن حزم في حديثه عن العهد القديم، بإبراز جوانب عديدة، منها كشف وجوه التّناقض البارزة في نسخ التّوراة، وتبيان تهافتها، ومنها إبراز طبيعة الانتحال والتّزييف في النّصوص المعتمدة لدى اليهود، والتي تتجاوز مرتبة التّناقض، لتصل إلى التّلفيق، ومنها تفنيد الافتراءات التي أطلقها بعض كتّاب اليهود على الإسلام والمسلمين، والردّ عليها ردّا قويّا، وقد ظهر ذلك بالخصوص في عرضه وتلخيصه لتلك الشّبهات، في صدر رسالته: الردّ على ابن النّغريلة.[3]

 ومنها اعتماد التّوثيق والدقّة، باعتماد مبدأ الاستشهاد بنصوص التّوراة، ومتابعة ثغراتها وتهافتها جزئيّا وكليّا، حيث لا يكتفي بالردّ العام، وإنّما يعتمد طريقة السّبر والتّقسيم المنطقيّة، حيث يحصرها حصراً وافياً، ثمّ يتبع ذلك بذكر الإحالات والشّواهد المتنوّعة، وهو يعبّر عن هذه الطّريقة بقوله: «ثمّ نحن إن شاء الله تعالى، ذاكرون بحول الله تعالى وقوّته، قليلاً من كثير من قبائحهم يديرونها وينسبونها إلى الباري تعالى، في كتبهم التي طالعناها، ووقفنا عليها».[4]

ومن هذه القبائح التي عرضها ابن حزم: استباحتهم الكذب بغير العبريّة، وتصويرهم الإله في صورة الخائف من يعقوب، ونسبتهم الزّنا لأنبيائهم، وزعمهم أنّ الله تعالى حضّهم على سرقة أموال المصرييّن، حين خروجهم من مصر، وأنّ هارون عليه السّلام، هو الذي صنع لهم العجل الذّهبي ليعبدوه. وغير هذا كثير، ممّا تحفل به التّوراة من عجائب.[5]

كانت في ذهن ابن حزم، منذ بدأ نقد المذاهب والفرق والأديان، خطّة رسم ملامحها في كتاب الفصل، لا تقتصر على الدّراسة والمعرفة، بل كان يبحث عن البواعث الاجتماعيّة والنّفسية والفكريّة التي تكوّنت في ظلّها الفرق والمذاهب. أمّا بالنّسبة للأديان، فكانت خطّته تقوم على طرح مجموعة إشكالات أساسيّة في نظره، اهتمّ بتجليتها وتمحيصها والإجابة عليها.

الإشكال الأوّل:

ذو طابع معرفي، يتعلّق بالمقارنة بين ما جاء في القرآن الكريم، وبين ما يدّعيه اليهود. فتدبّره للقرآن الكريم جعله يفهم إشارات الآيات إلى أنّ اليهود أضاعوا التّوراة، وتصرّفوا فيها بالزّيادة والنّقصان. نذكر من هذه الآيات، قوله تعالى:﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) آل عمران ﴾. فهذا المقطع من سورة آل عمران، يقرّر أنّ التّوراة لم تكن موجودة أصلا عند بني إسرائيل واليهود، ولذلك تحدّاهم بإظهارها وتلاوتها، إن كانوا صادقين في التمسّك بها أو الاستشهاد بها. ورد في التّفسير الوسيط للقرآن الكريم لمحمّد سيّد طنطاوي أنّهم «لم يجسروا على إخراج التّوراة، وبهتوا وانقلبوا صاغرين. وفي ذلك الحجّة البيّنة على صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم».[6]

والحقيقة أنّ الموضوع يتجاوز مسألة الحجّة البيّنة على صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ليتعلّق بموضوع أهمّ وأخطر، هو ضياع التّوراة الأصليّة، واحتكامهم إلى نصوص كتبها أحبار بني إسرائيل على امتداد القرون.

قال تعالى:﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) آل عمران ﴾. تفطّن ابن حزم إلى أنّ هذه الآية تتعلّق بما سبق عرضه، فبعد إضاعة التّوراة، فُتح باب الدّجل والشّعوذة باسم الدّين، وذكرت الآيات الكريمة صورا من هذا الدّجل منها: الكذب على الله وتقويل التّوراة أو الكتاب ما لم يقل، بصور من التشدّق اللّفظي، وتحريف الجمل وزخرفة الكلام والادّعاء، بأنّه كلام الله الوارد في التّوراة، وهو من اختراعهم، ومن خرافات أسلافهم وأساطيرهم. ولا يخفى أنّ تضخيم دور الأسطورة والخيال والتأويل في هذا العصر، هو من صور تبرير خرافات التّوراة وأساطيرها.

قال تعالى:﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) الأنعام ﴾. تكشف هذه الآية الكريمة، صورا أخرى من التّلاعب بالنّصوص، تتعلّق بالهواية المفضّلة لدى بني إسرائيل وهي: إخفاء النّصوص واحتكارها، واعتبارها من الأسرار الخفيّة التي لا يجوز أن يطّلع عليها إلاّ الأحبار، يُظهرون منها ما يشاؤون وما يتخّيرون، في الوقت الذي يحبّون. 

قارن ابن حزم بين ما تقوله مثل هذه الآيات، وبين ما يقوله اليهود المعاصرون له وكان عددهم بارزا في زمانه، كانوا يرون أنّ التّوراة التي بين أيديهم هي توراة موسى عليه السّلام التي نزلت عليه من عند الله تعالى. وأنّ موسى كتبها وسلّمها إلى أحبار آل هارون، وظلّت محفوظة، كما هي دون تبديل أو تحريف، حتّى وصلت إليهم. فأراد أن يتأكّد بنفسه، ويكوّن رأيا نقديّا سليما حول المسألة، فبدأ في قراءة التّوراة وأسفارها، وما تعلّق بها من شروح وتواريخ، بصفة متعّمقة، بالرّجوع إلى مصادر مكتوبة وشفهيّة.

الإشكال الثّاني:

ذو طابع تاريخي، وهو التّساؤل حول كيفيّة التأكّد من أنّ التّوراة الموجودة بين أيدي اليهود، هي التّوراة الحقيقيّة التي سمّاها القرآن الألواح:﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) الأعراف﴾.

كان على ابن حزم ليفهم هذا الإشكال، ويجيب عليه، أن يرجع إلى أسانيد التّوراة ومصادرها وتتبّع مراحلها التاريخيّة، وهو ما قام به بجدارة وتعمّق كبير، إذ سرد في كتاب الفصل، كلّ مراحل تاريخ بني إسرائيل واليهود، وتتبّع رحلة التّوراة معهم في رحلاتهم وحروبهم وتعدّد مجتمعاتهم.

 وقد استطاع أن يدقّق في المسار السياسي والدّيني في حالتي الإيمان والارتداد عن الإيمان، التي شهدها التاريخ اليهودي، ويتابع لدى من كان يُحتفظ بالتّوراة، والمكان الذي كانت تُحفظ فيه .قال موضّحا طبيعة هذا الإشكال ومقتضياته النّقدية:« وَنحن نصف إِن شَاءَ الله تَعَالَى حَال كَون التَّوْرَاة عِنْد بني إِسْرَائِيل من أوّل دولتهم إِثْر موت مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى انْقِرَاض دولتهم، إِلَى رجوعهم إِلَى بَيت المقدس، إِلَى أَن كتبهَا لَهُم عزرا الْورّاق بِإِجْمَاع من كتبهمْ واتّفاق من عُلَمَائهمْ، دون خلاف يُوجد من أحد مِنْهُم فِي ذَلِك، وَمَا اخْتلفُوا فِيهِ من ذَلِك نبّهنا عَلَيْهِ، ليتيقّن كلّ ذِي فهم أَنَّهَا محرّفة مبدّلة».[7]

الإشكال الثّالث:

ذو طبيعة منطقيّة ولغويّة تتعلّق بعلم النقد، والبحث في نصوص التّوراة والتماس مدى قدرتها على الصّمود أمام معايير النّقد، مثل: عدم التّناقض وعدم الاختلاف والصّدق، أو التطابق مع الأحداث التّاريخيّة، والوقائع الجغرافيّة. وهو منهج كامل نهض له ابن حزم بروح غير هيّابة، رغم أنّه لم يسترشد بأحد قبله، مهّد له السّبيل. غير أنّ تعمّقه في تدبّر القرآن الكريم واعتماده طريقا يسترشد به في فهم الدين والحياة، أغناه ومنحه قدرة كبيرة على التعمّق في تحليل النّصوص، وأدوات الكشف والتّمييز بين الحق والباطل.

 قال الباحث المغربي سعيد كفايتي: «لم يحتكم ابن حزم في نقده للتّوراة وباقي أسفار العهد القديم على النّصوص المدوّنة باللّغة العبريّة. ومع ذلك لم يجد أيّة غضاضة في أن يتعامل مع هذه النّصوص المترجمة إلى اللّغة العربيّة، وكأنّها نصوص أصليّة. ومن هنا كان إلحاحه على ضرورة الالتزام بما يُفهم من ظاهر اللّفظ وترك التأويلات. يقول ابن حزم: «ولو كان لهذا الخبر وجه وإن غمض ومخرج وإن بعد، أو أمكنت فيه حيلة أو ساغ فيه تأويل ما ذكرناه».[8]

وفي موقع آخر قال: «وقد قلنا: إنّ كلّ ما يمكن تخريجه بوجه وإن بعد، فلسنا نخرجه في فضائح كتابهم المكذوب».[9]

والواقع أنّه لا علاقة لمنهجه بمسألة اللّغة العبريّة، التي لم يكن أحد يعرفها غير بعض أحبار اليهود. وإنّما العلاقة مرتبطة بنظرة ابن حزم إلى النّصوص، كما ذهب إلى ذلك الباحث المصري: محمود علي حماية، حيث لم يكن ابن حزم ظاهري المذهب في أمور الفقه ومسائل التّشريع فحسب، فعندما نتأمّل في نقده لنصوص العهد القديم والجديد التي عرض لها في كتاب الفصل، نجد النّزعة الظّاهريّة واضحة في دراسته لهذه النّصوص، ممّا يدلّ على أنّه ارتكز على المنهج الظّاهري، وهو يناقش النّصارى واليهود.[10]

وقد لاحظ المستشرق الاسباني آسين بلاسيوس أنّ ابن حزم «استعمل مذهبه الظّاهري كذلك، في تفسير الأناجيل، كما فعل في الإسلام، فكان يستنكر تأويل رجال الكنيسة، ويخشى أن يكونوا خاطئين في تأويلاتهم، فكانت نتيجة ذلك القول، الرّجوع إلى النّصوص، وترك التأويلات، وهذا ما جاءت به حركة الإصلاح المسيحي البروتستانتية».[11]

هذا القول غنيّ فعلا بالمعاني، فقد تجلّت ظاهريّة ابن حزم في فهمه ومناقشته للتصوّر التّوراتي الغريب والعجيب عن الإله والملائكة والأنبياء، فكان يشمئزّ من التّأويلات والتّبريرات المزّيفة، وتصنّف هذه المناقشة، في الحقيقة في باب نقد العقائد اليهوديّة، ونقد نصوصها التي احتوت كثيرا من عبارات القذف في حقّ الأنبياء والرّسل الكرام، والتّجديف في حقّ الإله نفسه، وتشبيهه بصفات البشر، وتأويل النّصوص والأحداث تأويلات متعسّفة.

ولكنّ الفهم الظّاهري للنصّ لم يكن طريقا للإبداع، بل كان مرادفا للجمود في بعض تجارب الفكر الإسلامي، قبل ابن حزم وبعده، ويجب التماس إبداعات ابن حزم الحقيقيّة في عمق تدبّره للقرآن، وطرح الأسئلة عليه، وتلقّي الإجابة منه. وسنعرض أمثلة أخرى تعمّق هذا التوجّه في فكر ابن حزم وقدرته التحليليّة، من خلال نقده للتّوراة، باعتباره أنموذجا تطبيقيّا.

من ملامح الأصالة والمنهجيّة في نقد ابن حزم للتّوراة

عالج ابن حزم المسائل المتعلّقة بأصالة التّوراة ونسبتها، وتاريخ تدوينها، وهو موضوع محوري، تعلّق بالمنهج النّقدي الذي اعتمده في كشف الزّيف الذي أحاط بحقيقة الّتوراة وتاريخيّتها. ولا يخفى أنّه باعتباره فقيهًا وأصوليًا متمكّنا، قد استفاد كثيرا من القواعد الحديثيّة والأصوليّة التي ابتكرها علماء الحديث والأصول، في غربلة المرويّات ونقدها على أسس مبادئ الجرح والتّعديل والسبّر والتّقسيم، وشروط الصحّة واللّقيا والمعاصرة، فجاء عمله في هذا الباب ناضجا ومتميّزًا. وقد عالج هذه المسألة، من خلال نقد السّند والمتن، وإبراز التّفاوت في نسخ التّوراة ، والشكّ في صحّة نسبة التّوراة إلى النّبي موسى عليه السّلام.

وقد اعتبر ابن حزم أوّل مفكّر مسلم، طرح مسألة صحّة نسبة التّوراة إلى النّبي موسى عليه السّلام. فقد كان مجرّد إثارة هذا التّشكيك لدى اليهود والنّصارى على حدّ سواء، هرطقة وكفرا وخروجا عن الدّين القويم. فقد تفطّن بالاستهداء بالقرآن الكريم وبالمطالعة والبحث والاستقصاء، أنّ التّوراة تحتوي مجموعة من التّناقضات والأخطاء، فأغراه الأمر بتقديم دراسة معمّقة ومتكاملة، تضمّنها كتابه الفصل، الذي مكث في تصنيفه أكثر من عشرين عاما.

 وقد ساق جملة من الأدلّة للبرهنة على أنّ التّوراة الموجودة بين يدي اليهود، لا يمكن أن تكون هي التّوراة الكريمة التي أوحاها الله إلى موسى، وذكر أدلّة منهجيّة ومنطقيّة كثيرة تؤيّد مذهبه نذكر منها دليلين أساسيين:

الدّليل الأوّل:

الاختلاف بين نسخ التّوراة نفسها، المتوفّرة لدى اليهود أنفسهم، فجماعة تستند على توراة عبرانيّة، وجماعة أخرى تؤمن بتوراة سامريّة لا غير، ويفترض أنّ الوحي الذي نزل على موسى واحد وليس أكثر.[12]

قال ابن حزم مجليّا هذه المسألة الخطيرة في سلّم الأولويات لديه: «أوّل ذلك أن بأيدي السامريّة توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود، يزعمون أنّها المنزّلة، ويقطعون أنّ التي بأيدي اليهود محرّفة».[13]

الدّليل الثّاني:

دور تعاقب الأحداث التاريخيّة في حصول التّزييف.

يطلق القرآن مصطلح طول الأمد مرادفا لمدلول طول العهد والزّمن، الذي يؤدّي إلى النّسيان والتّراخي والخضوع إلى المألوف والمعتاد، حتّى تصاب القلوب بالقسوة والخروج عن الحقّ، وهذا ما وقع لأهل الكتاب. وقد حذّر الله تعالى المؤمنين من مغبّة أن يكونوا مثل هؤلاء:﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) الحديد﴾.

وقد قال ابن حزم في موضع آخر من كتاب الفصل، متحدّثا عن التّوراة السّامرية، متفطّنا إلى مسألة تقادم الزّمن، وتدخّل الرّؤساء في كتابة النّصوص، وصايةً على النّاس نظرًا لغياب الوعي:« هم الذين ينكرون التّوراة جملة وعندهم توراة أخرى غير هذه التي عند اليهود. فأمر توراة أولئك أضعف من توراة هؤلاء، لأنّهم لا يرجعون فيها إلى نبيّ أصلا، ولا كانوا هنالك أيّام دولة بني إسرائيل، وإنّما عملها لهم رؤساؤهم أيضا».[14]

تابع ابن حزم مناقشة الاختلاف بين التّوراة العبرانيّة والسّبعينيّة، وتعرّض إلى التّفاوت الثّاني بين نسختين أخريين من نسخ التّوراة هي العبرانيّة والسبعينيّة، فقال:« إنّ في التّوراة التّي ترجمها السّبعون شيخا لبطليموس الملك بعد ظهور التوراة وفشوّها، هي مخالفة للتي كتبها لهم عزرا الورّاق».[15]

ورغم أنّه لم يشكّك في الرّواية السبعينيّة التي تقول إنّ بطليموس الثّاني المعروف بفيلادلفيوس (283-247 ق.م) هو الذي ترجم التّوراة ليهود الإسكندريّة من اللّغة العبريّة إلى اللّغة اليونانيّة، بإشراف سبعين شخصا، إلاّ أنّه تفطّن إلى وجود اختلافات عديدة بين التّوراة العبريّة المزعومة والتّرجمة السّبعينية.[16]

نقول المزعومة لأنّ اللّغة العبريّة لم تكن موجودة في ذلك الوقت، وإنّما هناك الرّموز الحبريّة التي كان أحبار بني إسرائيل يتداولونها بينهم فقط، ولا يعلمها أحد غيرهم.

أمّا مخالفة التّوراة السّامرية لتوراة عزرا الكاتب الذي ذكره ابن حزم، فهذا أمر معلوم تاريخيّا. ويبدو ابن حزم مدقّقا، وقارئا جيّدا للتّاريخ في هذه المسألة، وفي مسائل أخرى كثيرة. وقد استقرى ذلك الخلاف من تاريخ بني إسرائيل أنفسهم، حيث انقسموا إلى مملكتين أو إلى منطقتين: منطقة القدس وغزّة أو مملكة الجنوب التي سمّاها الفرس يهوذا، وجعلوا عليها واليا من بني إسرائيل، وقد رفضوا قبول السّامريين في الهيكل الذي بناه لهم الفرس، ولم يعترفوا بما دوّنوه من شرائع ونصوص توراتيّة، فصنع السّامريون هيكلا لهم في السّامرة، واستقلّوا عن سكّان يهوذا، ودوّنوا لهم توراة خاصّة مختلفة تماما عن التّوراة العبرانيّة.

ويجب أن ننتبه هنا أنّ المقصود من نسبة التّوراة إلى اليهوديّة والعبرانيّة في استخدام ابن حزم هو الإحالة إلى قبيلة يهوذا، وليس الدّين أو اللّغة، لأنّه لا توجد ديانة يهوديّة ولا لغة عبريّة، إنّما المقصود بالتّوراة العبرانيّة، جملة المدوّنات التي كتبها أحبار بني إسرائيل في زمن الدّولة اليهوذية ( نسبة الى مملكة يهوذا)، أمّا السّامريون فلم تكن لهم دولة، ونُسبت توراتهم إلى مكان إقامتهم في مدينة السّامرة.[17]

من أهمّ الأدلّة التي ساقها ابن حزم في إثبات مظاهر التّحوير والتّبديل في التّوراة، وأنّها لا يمكن أن تكون وحيا: حديث التّوراة عن وفاة موسى، حيث ورد فيها كلام منسوب إلى موسى نفسه:« ثمّ قال في آخر توراتهم: فتوفّي موسى عبد الله بذلك الموضع في أرض مؤاب، مقابل بيت فغور، ولم يعرف آدميّ موضع قبره إلى اليوم. وكان موسى يوم توفّي ابن مائة وعشرين سنة، لم ينقض بصره، ولا تحرّكت أسنانه، فنعاه بنو إسرائيل».[18]

وقد علّق ابن حزم على الإصحاحات التي تناولت ذلك، والواردة في سفر التّثنية [19] قائلا: « لا يمكن أن يكون هذا الفصل منزّلا على موسى في حياته، فكان يكون إخبارا عنها لم يكن بمساق ما قد كان، وهذا هو محض الكذب تعالى الله عن ذلك، وقوله: لم يعرف قبره آدمي إلى اليوم، بيان لما ذكرنا كاف وأنّه ألّف بعد دهر طويل».[20]

وهو الدّليل نفسه الذي أورده أبراهام بن عزرا، في سياق دحضه لنسبة التّوراة إلى موسى.

وقد ألمح إليه باروخ سبينوزا قائلا:« سأبدأ أوّلا بمن قاموا بتدوين الأسفار الخمسة. لقد ظنّ الجميع تقريبًا أنّه موسى، بل إنّ الفريسيين أيّدوا هذا الرّأي بإصرار شديد، حتّى أنّهم عدُّوا من يظنّ خلاف ذلك من المارقين، ولهذا السّبب فإنّ ابن عزرا، وهو رجل كان فكره حرّا إلى حدّ بعيد، ولم يكن يُستهان به، وهو أوّل من تنبّه إلى هذا الخطأ فيما أعلم، لم يجرؤ على الإفصاح عن رأيه صراحة، واكتفى بالإشارة إليه بألفاظ مبهمة. أمّا أنا فلن أخشى توضيحها، وإظهار الحقّ ناصعاً».[21]



[1] -  أحمد شحلان، التّراث العبري اليهودي في الغرب الإسلامي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة، المملكة المغربيّة،1427ه/2006م.ص9.

[2] - أبراهام بن عزرا (484-562ه/ 1092-1167م) هو حبر يهودي مشهور في الأندلس، كان شاعرا وشارحا للتّوراة، وهو أوّل من تفطّن إلى التّناقضات والأخطاء الواردة فيها، ولكنّه لمّح إلى ذلك بأسلوب غامض، وقد تلقّى سبينوزا ذلك التّلميح وفهمه، وقدّم نقده الصّريح للتّوراة، فتعرّض إلى الطّرد واللّعن. انظر: عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهوديّة، دار الشّروق، الطبعة الثّالثة، القاهرة ،2006م.5/250.

[3] -  رسائل ابن حزم، تحقيق:إحسان عبّاس، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، لبنان، بيروت، 1981م.3/39.

[4] - المرجع نفسه.3/56.

[5] -  الفصل في الملل والأهواء والنّحل،لابن حزم، طبعة الخانجي، القاهرة،1395ه/1975م. 1/ 218، وانظر: رسالة الردّ على ابن النّغريلة، المرجع السّابق، 3/65. 

[6] - طنطاوي، محمّد سيّد، التّفسير الوسيط للقرآن الكريم، دار نهضة مصر للطّباعة والنّشر، الفجالة، الطّبعة الأولى، القاهرة، 1997م.2/183.

 

[7] - ابن حزم، الفصل،1/141.

[8] - سعيد كفايتي، دور ابن حزم في تأسيس علم مقارنة الأديان، مجلّة التّسامح، وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميّة، سلطنة عمان، العدد 12. وانظر: ابن حزم، الفصل، 1/144.

[9] - ابن حزم، الفصل،1/ 151.

[10] - محمّد علي حماية، ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان، طبعة دار المعارف بمصر،1983م، ص 177.

[11] - المرجع السّابق، ص 178.

[12] - نُسبت التّوراة السّامريّة إلى فرقة السّامريين وهي من الفرق اليهوديّة التي تكوّنت في مدينة السّامرة القديمة (نابلس). وهم لا يستعملون النّسخة الموجودة عند باقي اليهود، بل لهم نسخة تختلف اختلافا كبيرا عن التّوراة الشائعة. انظر: التّوراة السّامرية، ترجمة أبي الحسن إسحق الصّوري. نشر وتحقيق: أحمد حجازي السقّا، القاهرة، 1978م. وانظر: حسن ظاظا، الفكر الدّيني الإسرائيلي، معهد البحوث والدّراسات العربيّة،1971م، ص23.

[13] - ابن حزم، الفصل، 1/ 117.

[14] - المرجع السّابق، 1/ 195.

[15] - المرجع السّابق، 1/ 198.

[16] - حسن ظاظا، الفكر الدّيني الإسرائيلي، ص 247. سبق ذكره.

[17] - المرجع السّابق، ص 248.

[18] - ابن حزم، الفصل،1/ 186.

[19] - سفر التثنية، 24: 1-12

[20] - ابن حزم، الفصل،1/ 185.

[21] - باروخ سبينوزا، رسالة في اللاّهوت والسّياسة، ص 258. سبق ذكره. والفرّيسيون الذين أشار إليهم سبينوزا هم فرقة من علماء الشريعة اليهود كانت لهم سلطة كبيرة في المجتمع اليهودي على عهد المسيح.لهم اعتقاد راسخ بأن التوراة خُلقت منذ الأزل، وكانت مدوّنة على الألواح، غير أنّهم رأوا أنّ التّوراة ليست هي كلّ الكتب المقدّسة التي يُعتمد عليها، وإنّما هناك بجانب التّوراة المكتوبة، روايات شفويّة هي التّلمود.

where to buy viagra http://viagraforsaleuk1.com viagra dosage and side effects
prescription savings card open cialis discounts coupons
prescription coupons link cialis coupons from manufacturer
coupons for drugs go coupons for cialis
cialis sample coupon cialis coupons from manufacturer drug discount coupons
prescription coupon card is-aber.net coupons for prescriptions
cordarone kontrol cordarone og alkohol cordarone
etodolac recreational use etodolac etodolac 400 mg side effects
etodolac recreational use etodolac etodolac 400 mg side effects
etodolac side effects go etodolac 300 mg
flagyl click flagyl for bv
ibuprofen gel blog.tgworkshop.com ibuprofen kruidvat
ventolin smpc onlineseoanalyzer.com ventolin doping
tamoxifen dosering open tamoxifen dosering
micardis plus 80 website-knowledge.com micardis plus 40
radikale akzeptanz open radikalische substitution
the cost of abortion site depression after abortion



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة