استقلال العلماء في العصر العثماني: هل المال هو الحل؟

محمد المراكبي
2/10/2016

استقلال العلماء في العصر العثماني:

هل المال هو الحل؟[1]


من الجلي أن العلماء كانت لهم مكانة لا تضاهى في العصر العثماني، ولعله يصدق أن يقال إن ذلك العصر كان العصر الذهبي للعلماء. نجد الجبرتي مثلا في مقدمة كتابه يذكر أن أصناف العدل من الخلائق خمسة، وترتيبهم عنده: الأنبياء ثم العلماء ثم الملوك وولاة الأمر،  فقدم العلماء على ولاة الأمر. وقد يكون هذا أمرا مفهوما من الجبرتي كعالم يتعصب لبني قومه، لكن نجد في مواضع أخرى قصصا تثبت مصداق هذا عند غير العلماء، منها أن الوالي عقد حفلا لختان أولاده لم يشهد له مثيل، فدعا في اليوم الأول المشايخ والعلماء، وفي اليوم الثاني أرباب السجاجيد والرق، وفي اليوم الثالث الأمراء والصناجق.  فقدم العلماء هنا على الأمراء أيضا في الترتيب.

لكن ماذا كانت علاقة هؤلاء العلماء بالساسة والأمراء؟

من المهم أن نفهم دور العلماء كوسيط، فدورهم كان وسيطا بين العامة والأمراء، والأمراء وبعضهم البعض، والأمراء والوالي، والأمراء والخليفة. وهذا هو الدور الأساسي الذي كان يقوم به العلماء. وكان قدر مكانة العالم تعرف بقبول شفاعته وصون حمايته. يقول الجبرتي في ترجمة الشيخ عبد الله الشبرواي: (ولم يزل يترقى في الأحوال والأطوار ويفيد ويملي ويدرس حتى صار أعظم الأعاظم ... ونفذت كلمته وقبلت شفاعته)[2]. وقد تكون هذه الشفاعة بين الأمراء والأشراف وكبار الدولة[3]. وقد تكون الضمانة بين الوالي والأمراء[4]، لكن هذه العلاقة القائمة على التشفع لم تكن دائما هي الحال، فحين يشط المماليك ويوغلون في الظلم كان الحل عند العلماء هو الثورة والخروج عليهم بالتظاهر والإضراب تارة، وبالسلاح أخرى.

ونسوق للدلالة على مكانة العلماء الاجتماعية قصة حكاها الجبرتي في تاريخه؛ وذلك أن أميًرا يدعى "حسين بك" ذهب بجنوده إلى الحسينية وهجم على دار شخص يسمى "أحمد سالم الجزار"، فثارت جماعة من أهالي الحسينية بسبب ذلك، وحضروا إلى الجامع الأزهر وبأيديهم نبابيت ومساوق وذهبوا إلى الشيخ "الدردير"، فوافقهم وساعدهم بالكلام وقال لهم: أنا معكم فخرجوا من نواحي الجامع، وقفلوا أبوابه اعتراضا على ماحدث، وطلع منهم طائفة على أعلى المنارات يصيحون ويضربون بالطبول، وانتشروا بالاسواق وأغلقوا الحوانيت فيما يشبه الإضراب العام. وقال لهم الشيخ الدردير: في غد نجمع أهالي الأطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة، وأركب معكم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا، ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم. فلما كان بعد المغرب حضر الأغاوات والكتخدات، وذهبوا إلى الشيخ الدردير وتكلموا معه وخافوا من تضاعف الحال، وقالوا للشيخ اكتب لنا قائمة بالمنهوبات ونأتي بها من محل ما تكون. واتفقوا على ذلك وقرأوا الفاتحة وانصرفوا، كذا يحكي الجبرتي.[5] ولم تكن فترة إلا ويحدث فيها مثل هذا الحوادث، وكان علماء الأزهر حينها إما شفاعا لدى الأمراء والولاة لرفع ضرر أو خفض غرم، فإذا ما طفح الأمر غضبوا وثاروا وجمعوا العامة حتى يرجع البغاة عن غيهم ويكفوا عن فسادهم، ولم تكن وساطتهم تلك بين العامة والولاة فحسب بل كثيرا ما كانوا يصلحون بين طوائف الأمراء المتصارعة، أو بين الوالي العثماني والأمراء المماليك، وفي هذا دلالة على ما كان للعلماء من ثقل اجتماعي وسياسي بالإضافة إلى مكانتهم الدينية والعلمية[6].

وعلى هذا كان يرى العلماء أن واجبهم ودورهم الديني والاجتماعي هو الذود عن المظلومين إما بالتشفع والنصح أو الثورة والعنف، ومن ذلك اعتراضهم على أفعال "حسن باشا القبطان" وقالوا له: (إن مولانا السلطان قد أرسلك إلى مصر لإقامة الشريعة ومنع الظلم وهذا الفعل لا يجوز ولا يحل بيع الأحرار وأمهات الأولاد" ولما اغتاظ الباشا من كلامهم قالوا له "إن الواجب علينا قول الحق)[7].

وسبب مكانة العلماء؛ أنه من الآراء المشهورة والمستفيضة أن استقلال العلماء السياسي والاجتماعي نابع من استقلالهم المادي[8]، ومن ثم فالحل للعودة للعلماء إلى مكانتهم هو إعادة أوقافهم لهم كما يدعوا الكثيرون. ويبدو هذا جليا لدى أكثر من باحث وفي أكثر من مصدر خاصة عند الحديث عن دور الأوقاف في خلق المجال العام[9]، لكن ما أود طرحه هنا هو أن الوقف، رغم كونه أحد مصادر هذا الاستقلال، إلا أن في الحديث عنه مبالغة شديدة، فاستقلال العلماء أمر أعمق من هذا. ولنفهم هذا علينا أن نعرف مصادر دخل العلماء، يمكننا تقسيم العلماء إلى قسمين: قسم من طلبة العلم المجاورين ومن علماء صغار ومتوسطين، وقسم كبار العلماء ومشاهيرهم من أمثال رؤساء الأروقة وشيخ الأزهر والمفتين الأربعة ونحوهم. أما طلبة العلم فكان ينفق عليهم من الوقف وكانوا يعطون حد الكفاف، وكثيرا ما كانوا يثورون ويضجون إذا انقطعت عنهم الجراية لأنهم ليس لهم من مصدر رزق غيرها[10]، وكان نصيب الطالب منهم يتراوح بين رغيف وأربعة أرغفة في اليوم حسب مستواه الدراسي. أما صغار العلماء ومتوسطوهم فكانت لهم جراية جراء تدريسهم، لكن هذه الجراية أيضا كانت لا تغني ولا تسمن من جوع، وكانوا يضطرون للعمل الإضافي بالقراءة في المنازل وعلى المقابر في المناسبات المختلفة جراء الحصول على أموال قليلة تضاف لمصدر رزقهم، أو من خلال نسخ الكتب وبيعها ونحو ذلك[11]، لكن ما يهمنا هنا أن هؤلاء العلماء لم يكونوا موضع تأثير ولا تحريك لا على العامة ولا على الأمراء.

 أما من كان بيدهم التأثير ومن كانوا يشكلون المجال العام الحقيقي فهم كبار العلماء. نعم هذا الأمر تخلف في بعض الأمور كما حدث أثناء الثورة الفرنسية حين احتوى نابليون كبار العلماء في الديوان الفرنسي ونكصوا على أعقابهم أن يقفوا مع الشعب إلا قليلا منهم، فانبرى شباب العلماء إلى تجاوز الكبار وقيادة الثورة بأنفسهم ضد المحتل الفرنسي، لكن هذا لم يكن هو الدأب العام.

فما كان مصدر رزق هؤلاء العلماء؟

 تذكر المصادر أن الوقف كان هو أيضا المصدر الرئيس لكبار العلماء، لكن ليس بالوقف عليهم، وإنما من خلال تعيينهم كنظّار على تلك الأوقاف، وكان للنظار مرتب من الوقف نظير الإشراف على تلك الأوقاف، وكان في الغالب من يولى على تلك النظار من المماليك، لكن جعل للعلماء فيما بعد نصيب منها. ويمكننا تصور مدى الربح من تلك النظارة إذا علمنا أن مساحة الوقف كانت قريبة من ثلث مساحة مصر الزراعية في ذلك الوقت[12]، فنجد مثلا الشيخ السادات ناظرا على 52 وقفا، والشيخ البكري ناظرا على 44 وقفا، والشيخ مكرم عبيد على 10 وهكذا[13].  كما كان السبب الثاني في كسب الرزق هو التدريس في المدارس الوقفية، فمثلا مدرسة "محمد بيك أبو الذهب" التي بناها سنة 1774 ، كان المدرس فيها يأخذ 150 بارة في اليوم، وكذا كان لكل مدرسة مرتب للشيخ الذي يدرس فيها. كما أن بعض العلماء أيضا ملكوا الأطيان والمزارع، وكانت لهم ميزة في بعض الأحيان أنهم معفون من الضرائب فكان ثراؤهم أسرع، كما أن بعضهم نافس المماليك في نظام الالتزام وجنى من ذلك أموالا كالشيخ الشرقاوي شيخ الأزهر الذي كانت له التزامات في الشرقية[14].

ومن الطبيعي أن هذا كله كان بذله وعطاؤه بيد المماليك، فالذي يعين في الوظائف التدريسية أو يعين على نظارة وقف أو يعطي الحق في الالتزام كان هم المماليك والأمراء، فالأمراء كان بيدهم تعيين العلماء أو عزلهم تماما كما هو الحال في يومنا هذا. ومن ثم فإن الحديث عن استقلال العلماء أو الحديث عن الوقف كمصدر للمجال العام للعلماء خاصة، لا محل له من الإعراب عند مزيد من النظر. لكن هذا ليس كما تزعم "مليكة الزغل" أن العلماء الأثرياء كانوا أكثر ميولا للسلطة[15]، فالوقائع التاريخية المتكررة تدل على أن كبار العلماء، وهم الأكثر غنى، كانوا هم من يقفون غالبا في وجه الظلم، وإن لم يكن بسبب الوقف؛ فلأسباب أخرى نذكرها.

وأعجب من هذا كلام "عفاف مرسوت" أن غنى العلماء هو نتيجة لدعمهم السياسي للمماليك[16]، وهذا لا أساس له من الصحة ولا يقوم عليه دليل، بل إن المماليك هم من كانوا يتشفعون لدى بعض العلماء ليقبلوا عطاياهم وهم يرفضون[17].

في رأيي أننا كي نفهم مكانة العلماء في المجتمع العثماني فإننا بحاجة إلى أن نفهم البعد الروحي والديني لمكانة العلماء، وهو الأمر الذي افتقدناه في عصرنا الحالي مع تصاعد الترشيد، في ظل موجات الحداثة المتتالية على البلاد الإسلامية، وتراجع المد الصوفي لأسباب كثيرة ليس أقلها التوسع الوهابي. فالعلماء لم يكن ينظر إليهم على أنهم حملة العلم فقط، بل كان ينظر إليهم على أنهم ورثة الأنبياء الذين يقتبسون من نورهم، كما يقتبسون من علمهم، خاصة في ظل تبني العلماء للتصوف، فقد كان من العسير أن تجد عالما لا ينتمي إلى إحدى الطرق الصوفية في مصر. ولعل القصة التي يذكرها الجبرتي عن الداعية التركي الذي قدم إلى مصر وأخذ يدعو الناس إلى ترك التبرك بالقبور ودعاء الأولياء على أنها بدعة، وكيف تصدى له علماء من الأزهر وثاروا عليه وكتبوا الفتاوى ضده[18]. وهذا المقام الصوفي كان يقابله توقير واحترام من العامة والأمراء على حد سواء. فيحكي الجبرتي كيف أن بعض العامة كانوا يخدمون شيخا يسمي "حسن الهواري" وينقلون ترابه دون مقابل تبركا به[19]، ويحكى عن الشيخ عبد الوهاب المرزوقي كيف كان يفر من الأمراء ممن يأتي منهم لزيارته[20]. ويذكر عن الشيخ أحمد الملوي، وكان من كبار علماء الأزهر، أن الناس كانت تأتيه للتبرك وطلب الدعاء فيمدهم بأنفاسه ويدعو لهم[21].  ومن ذلك ما يذكره الجوهري عن فتنة تولي الجامع الأزهر بين الشيخ العريشي والشيخ العروسي، وعن تدخل الشيخ الجوهري ليرجح كفة الشيخ العروسي، فيقول: (وكان للأمراء اعتقاد وميل للشيخ محمد بن الجوهري، وذلك نساؤهم وأخواتهم)، وفي ذات الحادثة تجد العلماء قد استجاروا بمقام الإمام الشافعي وقالوا لمراد بك: (البلد بلد الإمام الشافعي وقد جئنا إليه وهو يأمرك بذلك وإن خالفت يخشى عليك)، فخوفوه غضب الإمام الشافعي والبلد بلده وهو ملازمون ضريحه[22]. بل إن بعض الأمراء والولاة قد التزموا طريق بعض المشايخ وبايعوهم، كما يحكي الجبرتي أن إسماعيل باشا والي مصر العثماني بايع الشيخ محمود الكردي وأخذ عليه العهد[23].

وبناء عليه؛ فإنه من الضروري حين التطرق للعلاقة بين العلماء والعامة، أو العلماء والأمراء، أن نفهم أن مكانة العلماء هذه ليست مكانة علمية فقط، بل كان ثم مكانة روحية وصوفية مهمة أيضا. وهنا يبدو واضحا الخلاف بين النموذج الذي نطرحه هنا ونموذج هابرمس العلماني.



[1]  الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز.

[2]السابق 1/209

[3]السابق 1/66

[4]السابق 1/424

[5] عبدالرحمن الجبرتي. عجائب الآثار في التراجم والأخبار. دار الجيل. 1968. 1 /610

[6] للوقوف على أمثلة من ذلك يراجع كتاب عبدالجواد صابر إسماعيل (دور الأزهر السياسي في مصر إبان الحكم العثماني). القاهرة: مكتبة وهبة. 1996. فقد ذكر العديد الأمثلة التي وقف فيها العلماء في وجه الظلم والظالمين.ص 13-51

[7] عبدالرحمن الجبرتي. عجائب الآثار في التراجم والأخبار. بيروت: دار الكتب العلمية. 2010.  1/437

[8] Jungmin Seo. Formation and Changing Political Status of the Egyptian Religious Establishment. International Area Review. Vol. 4. Nov. 2011 pp. 21-45  p.24

[9] Hoexter, Miriam. The Waqf and the Public Shpere. In (Ed.) Hoexter, Miriam, Shmuel Eisenstadt, and Nehemia Levtzion. The Public Sphere in Muslim Societies. Albany: State University of New York Press, 2002.

[10]  عبدالرحمن الجبرتي.  تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار. دار الجيل. 1968. 1/57

[11] Afaf Lutfi Marsot. The Political and Economic Function of ‘Ulama in the 18th Century. Journal of the Economic and Social History of the Orient, Vol. 16. No. 2/3 (Dec. 1973). Pp. 130-154

[12] Gesink, Indira Falk. Islamic Reform and Conservatism Al-Azhar and the Evolution of Modern Sunni Islam. London: Tauris Academic Studies, 2010.

[13] Afaf Lutfi Marsot. The Political and Economic Function of ‘Ulama in the 18th Century. Journal of the Economic and Social History of the Orient, Vol. 16. No. 2/3 (Dec. 1973). Pp. 130-154 p.141

[14] Ibid

[15] Malika Zeghal. Cairo as a Capital of Islamic Institutions? Al-Azhar Islamic University, the State, and the State. In (Ed.) Singerman, Diane. Cairo Contested Governance, Urban Space, and Global Modernity. Cairo: American University in Cairo Press, 2009. P.69

[16] Afaf Lutfi Marsot. The Political and Economic Function of ‘Ulama in the 18th Century. Journal of the Economic and Social History of the Orient, Vol. 16. No. 2/3 (Dec. 1973). Pp. 130-154  p.132

[17] عبدالرحمن الجبرتي. عجائب الآثار في التراجم والأخبار. بيروت: دار الكتب العلمية. 2010. 1213/

[18] عبدالرحمن الجبرتي.  تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار. دار الجيل. 1968. 1/83

 [19]عبدالرحمن الجبرتي. عجائب الآثار في التراجم والأخبار. بيروت: دار الكتب العلمية. 2010. 2/122

[20] السابق 1/213

 [21]السابق 2/235

 [22]السابق 1/373

 [23]السابق 1/378

cialis dose 10 cialis dose mg cialis dosing information
sex problems with diabetes open maximum cialis dosage
generic cialis pro cialis coupon codes discount cialis online discount
prescription coupons go cialis coupons from manufacturer
prescription transfer coupon eblogin.com prescription discounts cards
printable cialis coupon coupon for prescriptions coupon for cialis
prescription drugs coupons cialis coupons free cialis coupons printable
prescription drugs coupons discount prescriptions coupons cialis coupons printable
prescription drugs coupons discount prescriptions coupons cialis coupons printable
prescription coupon card is-aber.net coupons for prescriptions
aidastella aidaprima aidadiva
aidastella aida club aidadiva
venlafaxine 37.5 mg idippedut.dk venlafaxine 37.5 mg
arcoxia 30 mg forum site arcoxia tablete cijena
arcoxia 30 mg forum mostefaiamine.com arcoxia tablete cijena
venlafaxine site venlafaxine fk
adalat oros click adalate vidal
ibuprofen gel click ibuprofen kruidvat
levitra cena v lekarni go levitra smpc
radikale akzeptanz open radikalische substitution
lamivudine acute hepatitis b lamivudine history lamivudine history



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة