هل للإلحادِ إمكانيَّةُ بناءِ وعيٍ؟

سلطان البنوي
2/7/2016


العقلُ، اللُّغةُ، الإلحادُ:

هل للإلحادِ إمكانيَّةُ بناءِ وعيٍ؟


منذ نشأة النظام الفلسفي في اليونان - من الناحية التأريخية، لا من ناحية إمكانية التفلسف الإنساني - والفلاسفة متفقون بالعموم على دلالة لفظة اللوغوس (Logos) على وحدة العقل واللغة، والتي تطلق بازدواجية على مفهوم العقل تارة، وتارة أخرى على مفهوم اللغة؛ ولذلك: نلاحظ أنَّ أرسطوطاليس (المُعلِّم الأول) يُنظِّر في منطقِه الصوري للحدود اللفظية كمصوِّرة للمعاني والأشياء في العقل، فنجده يُعرِّف (الإنسان) بوصفه حيوانًا ناطقًا، ولا شكَّ أنَّنا سنجد اختلافاتٍ فلسفيَّةً في تصوير هذه العلاقة، فديكارت - مثلًا - يُفسِّرها: بثنائية العقل والجسد، ثم يضيف اللغةَ للعقل، وكانط يُفسِّرها: بتفريقه بين التحليلي والتركيبي، وكثير من فلاسفة المثالية الألمانية يرون قبلية العقل، ومن ثَمَّ قبلية اللغة تبعًا لذلك؛ إذ لا معنى للمثالية إذا جعلنا اللغة تجريبية؛ لأنَّ المعنى في اللغة - بغض النظر عن (معنى المعنى) - يكون حسِّيًّا بذلك، وهو ما يجعل الموضوع سابقًا على الذات بخلاف تقريراتهم الفلسفية، وتجهض بالتالي فكرة الذاتية والتأويل التي تُمثِّل أحد مرتكزاتهم، وهكذا: تنقض المثالية نفسها إذا أسست اللغة على التجريب الموضوعي، بل إنَّ بعضهم يذهب إلى أنَّ «اللغة ليست صورة تمثيلية عن الواقع... وهذه النظرة مصحوبة بتصوُّر للغة لا يراها نسخًا للواقع، بل هي مؤلف رمزي يُبدعه الإنسان»([1]).

ولذلك: فمعنى القبلية هنا ليس معنى القبلية الكانطية فقط، بل تعني أيضًا قبلية العقل، كما عند هيجل أو كما يُسمِّيه: (الروح المطلق)، والناظر سيدرك عدة تشابهات بين رؤية كانط وهيجل، ليس آخرها النزعة المتعالية على المادة، وهذا يُؤكِّد على إدراك عامة الفلاسفة لهذه العلاقة، وإن اختلفوا في تحديد نوعيتها أو التعمق في دراستها، وقد نظرتْ كثيرٌ من الدراسات الفلسفية إلى اللفظة الإغريقية لكلمة (Λούος) على أنَّها تحمل معنى العقل واللغة، والمنطق الأرسطي بأكمله يدرس القضايا البرهانية من داخل اللغة مقابلًا بها العالـم كأنَّها مرآة تعكس ما فيه من كليات محايثة للوجود، ومسألة الكليات في الفلسفة من أهم الإشكالات التي تتشعب منها هذه العلاقة، فهي مهمة لإظهارها وتأمل تلازماتها داخل الإشكالات الأخرى، فأرسطو الذي يجعل الكليَّ محايثًا للماهية في الخارج يرى أنَّ اللغة البرهانية التي تُصاغ في القضايا الكلية تعكس ما هو في الخارج إلى ما هو في الذهن، وهذا التصور لآلية اللغة وعلاقتها بالعقل موجود من القِدم في المذاهب الفلسفية، حتى جاء المبحث الإبستمولوجي المعاصر وأعاد دراسة الكثير من تلك المسائل المترابطة، وأوضح أنَّ القضايا البرهانية الكلية هي في حقيقتها دوال قضايا تحمل قيمًا منطقية مجهولة، كما برهن على ذلك برتراند راسل في كتابه: «أُصول الرياضيات»، ممَّا يعني أنَّ هذه القضايا الكلية لا تصور العالـم كما هو؛ إذ لو كان تصويرها للعالـم صحيحًا لَـمَا حملت قيمًا مجهولة، «ولا أعلم في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها، مع أنَّ القضية الكلية ليست حسية... فإنَّ الحسَّ لا يُدرِك إلَّا شيئًا حسيًّا»([2]).

وازدادت أزمة المنطق الأرسطي حينما حلَّلت المدرسة الوضعية طبيعته، وكشفت أنَّ الحدَّ الأوسط في القضية الكلية لا يُمكن معرفته مستقلًا عن التجربة، ممَّا أظهر مشكلة التسوير والتقنين التي يضبط بها أرسطو قضاياه الكلية، ولا تنحصر إشكالية التسوير في هذا الضبط للكليات، بل إنَّها تصطنع واقعًا فوقيًّا يتماهى معه النُّظار، أو كما يُسمِّيها توماس كون الأنموذج الفكري، أو الإطار النظري الذي يتأمَّل العلماء عبره أفكارهم ونظرياتهم، وهكذا تبرز مسألة الكليات مدى أصالة العلاقة بين العقل واللغة، مع أنَّه «لـم يكن ممكنًا التفكير بوجود مسألة تختص بطبيعة العقل، لو أنَّ نوعنا البشري حصر نفسه بمعرفة الحالات الجزئية»([3]) فقط، لكن التفاعل الفلسفي بين المذاهب نقل اضطرار العقل الإنساني للكليات لتكوين قوانين إجرائية يتعامل بها مع الطبيعة إلى تفسير طبيعة العقل ذاته، وهذا النقل أثَّر في مفهوم العقل بالنسبة للفلسفة؛ ليجعله جوهرًا، وأدائية اللغة له ليس بمعنى الأداة التي تحمل درجة إجرائية أدنى فقط، بل بالمعنى الصوري، كما هو بالضبط الجوهر العقلي النقي، هذه التصورات الانعكاسية بين مرايا العقل واللغة أصبحت مع تطور فلسفة العلم المعاصر أنقاضًا ومتاحفًا لا تُعطَى لها أهمية سوى من الناحية التاريخية وكيفية تحول رؤية الوعي الإنساني لذاته من وحدة الجوهر العقلي المفارق إلى نسبية الإدراك واللغة البشرية.

يتداخل موضوع الإلحاد بالعقل واللغة على تخوم هذه الصراعات الفكرية، غير أنَّها صراعات على الحدود سرعان ما تترأس طاولات الحوار وموائد النقاش، فالأنساق الفكرية أنظمة يشدُّ بعضها بعضًا؛ إذ النسق إذا تفكك عاد على الفكر بالنقض؛ لأنَّ اللزوم خاصية الفكر السليم، وما نظنُّه بعيد فتأثيره قريب؛ ولذلك: تهتم هذه الكلمات بالتأمل في عدة إشكالات تترابط فيما بينها، فتنتظم هذه الأفكار والآراء لتخرج بتصور عن التساؤل الأساسي: (هل للإلحاد إمكانية بناء وعي؟) عبر فحص العلاقة بين العقل واللغة من جهة، وعلاقة الإلحاد بهما من جهة أخرى؛ فإنَّ النظر للآراء والأفكار كجزر متفرقة يعكس ضعف البصيرة، وانحسار ملكة الفهم، فمن أعظم خصائص العقل معرفة التماثل والاختلاف، فليس ما به الاشتراك مثل ما به الامتياز، وليس ما يتلازم مثل ما يفترق!

                                                                                                      

* العقل الصوري والإلحاد:

نحتاج ابتداء التحدث عن العقل واللغة بشكل مُستقِلٍّ، وهذا الاستقلال الجزئي للتوصل لتحليل أكثر إفهامًا، ولا يأخذ معنى الفصل التام بينهما؛ إذ انتقال الفكر الفلسفي عامة في مفهوم العقل من الجوهرية المطلقة إلى النسبية الإدراكية لا يلزم منه فكُّ التشارط مع اللغة، «فحينما يعجز العقل عن مسايرة ما هو حيوي ومتصل (اللغة) يعمد إلى إيقاف حركة الزمان في حاضر يبقى مصطنعًا»([4])، فالعقل الصوري، أو الرياضيات الصورية تتَّسِمُ باللازمنية بخلاف اللغة التي تدرس العلامات والرموز داخل السياق السيميائي أو الزمكاني.

يتميَّزُ المدخل المنطقي الرياضي لسبر هذه الترابطات والإشكاليات بأنَّه أقصى المحاولات العلمية لصورنة العقل، فالمنطق الصوري ابتداءً من أرسطو واهتمامه بالقضية الحملية جاعلًا منها قضية كلية، ولقد «كانت نظريته في القياس أكثر اهتمامًا بدراسة قواعد الربط الصحيح بين ثلاثة (حدود)، أو (أصناف) منها بدراسة قواعد الاستنباط بين القضايا»([5])، ورغم عقلية أرسطو الاستثنائية - مقارنة بمعاصريه - ؛ فإنَّه لـم يدرك كثيرًا من المباحث المنطقية، كالشرطيات في المنطق الرواقي، أو نظرية الأنساق في المنطق الأكسيومي، غير أنَّ تطور المنطق الصوري الحديث بعد الفيلسوف الألـماني إيمانويل كانط الذي أسس رياضياته على مفهوم الزمن، فمقولة الزمن كإطار حدسي عند كانط قبلية، فهو يستخرج السمة التركيبية للرياضيات من مفهوم الزمانية؛ إذ العدد في فلسفته مجرد إضافات متعاقبة للوحدات في الزمن، وبذلك تكون اللغة الرياضية عنده تحليلية تركيبية، ممَّا يجعلها سابقة على التجربة وتخبر عنها أيضًا، ولقد خالفه المنطقي الألـماني جوتلوب فريغه بمحاولته تأسيس الرياضيات على المنطق؛ إذ تقوم رياضياته على مفهوم العدد الذي يقوم بدوره على مفهوم الفئة، وليست الوحدات المتعاقبة بالنسبة له زمانية بل فئوية، وهذا ما يجعل فلسفة فريغه أفلاطونية في أحد ركائزها، ومع قيام النزعة اللوجيستيقية في المنطق الصوري التي ترى أنَّ «البحث في الرياضيات وأصولها تتمثل في محاولة الوصول إلى أقل عدد ممكن من الأفكار والتعاريف الأساسية التي تعتبر بمثابة أصول الاشتقاق، وبحيث تسمح لنا باشتقاق أو استنباط الرياضيات بأسرها منها»([6])، وهذا ما يجعل كتاب ألفريد وايتهيد وبرتراند راسل: «مبادئ الرياضيات»، أو «برنكيبيا ماتيماتيكا» غاية في الأهمية؛ لأنَّه محاولة تطبيقية لإعادة تنسيق الرياضيات وفقًا للمنطق، فهو بذلك يمثل فاصلًا مرحليًا في تأريخ المنطق الرياضي، ولقد كان لاهتمام المنطقي الإنجليزي برتراند راسل بمؤلفات فريغه ورؤيته لفرادتها المنطقية رغم صعوبة نسقها الهندسي ودراسته لها تأثير عليه، فاستفاد منها حتى كشف راسل عن «أول هذه الصعوبات... والتي سُمِّيت فيما بعد «متناقضة راسل»، وهي تخصُّ مشكلة الفئة التي ليست عضوًا في ذاتها»([7])، مثلت هذه المفارقة هزَّة عنيفة لرائد المنطق الحديث جوتلوب فريغه وللمنطق الرياضي عامة، وهذه المفارقة نشأت عن مغالطة الانعكاس (إشارة القضية العامة لذاتها)، ويرى راسل أنَّ هذه المفارقة تستلزم مجالًا أو نمطًا دلاليًّا إضافيًّا هو (الفئة الفارغة)، والذي أنتج اللَّامعنى كقيمة منطقية فيما بعد، ويرى أيضًا أنَّ هذه المفارقة لن تظهر في اللغة الصورية التامة، فهي سمة للغات الطبيعية فقط؛ لأنَّ المفارقات تبرز في اللغة ناقصة التركيب حسب رؤيته؛ «إذ صرَّح بأنَّ المفارقات ليست قضايا حقيقية؛ لكونها غير سليمة التركيب وتقوم على الدوْر»([8])، ولعلَّ هذا ما نقل راسل لفلسفته التحليلية اللغوية الذرية لاحقًا، فالتحليل عنده لصورنة اللغة (فلكل رمز دلالة واحدة فقط)، وليس كالتحليل في فلسفة فتنجشتين الثانية - وسنتطرق لهذا عند مفهوم اللغة لاحقًا -.

إذن: قادت مفارقة راسل لحدس مجال، أو نمط دلالي هو (الفئة الفارغة)، والذي يتسق مع المنطق ثنائي القيم وقانونه الثالث المرفوع؛ لأنَّه نمط قام لأجل استبعاد مغالطة الانعكاس، فتلك الفئة الصفرية لا تنعكس على ذاتها لعدم احتواءها على ما يمكن الانعكاس عليه (العناصر)، فهي تمثل البنية الأولى لبناء نظريته في الأنماط، ويتفرع عن تلك الفئة الصفرية بقية الأنماط سوى أنها تحوي عناصرا؛ لذلك: فإنَّ احتواءها يكون عبر جعل كل عنصر ينتمي إلى نمطه فقط دون خلط الأنماط على ذاتها الذي يلزم منه مغالطة الانعكاس التي تدلُّ على إشارة النمط إلى نفسه ممَّا يُظهر المفارقة التي تُظهر اللَّامعنى كقيمة منطقية، وهو ما تحاول النظرية الابتعاد عنه؛ لأنَّ الوقوع فيها يلزم منه نقض قانون الثالث المرفوع الذي يلتزم به برتراند راسل، فالدلالة تنغلق داخل نمطها أو مجالها الدلالي، فالعنصر يدلُّ داخل نمطه، ونمطه لا يدلُّ على نفسه لأنَّه ليس مجالًا دلاليًّا لنفسه، بل يدلُّ عليه النمط الأعلى منه وهكذا، وهذه النظرية بجعلها الأنماط مغلقة لا تحقق إغلاقها بشكل تام؛ لأنَّ تمامها يستلزم تسلسلها، وبتسلسل نظرية الأنماط ينفتح النسق ولا يكتمل، ومن ثَمَّ تسقط إمكانية قيام المنطق الرياضي بذاته التي تعني سقوط محاولات الصورنة، وأيضًا تُؤدِّي جدلية التمام والتسلسل إلى تناقض واضح، وهكذا سنعود لنفس المفارقة!

لقد كانت الرياضيات نموذج العلم العقلاني؛ لأنَّ الكون والفساد لا يدخلان على الكائنات الرياضية؛ ولذلك: كانت المدرسة البولندية وعلى رأسها ديفيد هلبرت ترى أنَّ الذي أدَّى لظهور مفارقة راسل ليس تراكيب اللغة الطبيعية، بل عدم اكتمال النسق المنطقي عند فريغه أو عند راسل، فسعى لمزيد من الصورنة، فأسَّس منهج الأكسيوميتك الذي يبني أنساقه على (مبدأ عدم التناقض، ومبدأ التمام) غير أنَّ آماله ضاعت هباء منثورًا عندما نشر المنطقي كورت غودل - مستخدمًا نفس الشروط الأكسيومية - منظومته، أو (مبرهنة عدم الاكتمال) التي «برهن فيها على استحالة البرهنة على اتساق نسق معقد يضم الحساب... ولقد انتهى في سعيه إلى إثبات استحالة البرهنة على بعض القضايا في الحساب إلى الجزم بامتناع أن تتجاوز الصورنة حدودا معينة دون أن تفقد فعاليتها»([9])، وتدخل في الميتافيزيقا التي يبدو أنَّه يصعب الفرار منها، «فنحن إذن أمام قضية تقر بعدم قابليتها للبرهنة، الأمر الذي يجعلها تماثل مفارقة الكذاب مع اختلافهما من جهة التعريف عوض الصدق، فنحن نجد أنفسنا أمام قضية تثبت بنفسها عدم اشتقاقها»([10])، فمبرهنة عدم الاكتمال التي تعني أنَّه يستحيل تقديم برهان يؤكد نسقية نظام ما من داخله ممَّا يقيم البناء الرياضي برمته على التسليم، كما نرى أنَّ المبرهنة الثانية تقضي بخضوع الأنساق لحدود ترتبط بها وبالشروط التي تفرضها، وهكذا: فإنَّ غودل يرى أنَّه يستحيل قيام أنساق صورية دون استنادها إلى عوامل خارجة عنها تبني منها نسقيتها، ثم إنَّ وجود قضايا ليست مشتقة يعني أنَّ سمة التضمن في النسق الرياضي ليست كافية لتفريع القضايا عن بعضها، فالضرورة البنائية للنسق تستلزم منه خروجه عنه.

هنا: نستطيع التأمل بشكل جزئي في السؤال الأساسي للمقالة: (هل للإلحاد إمكانية بناء وعي؟)، لكن ينبغي التأكيد على أمر مهمٌّ، وهو أنَّ التحدث عن الإلحاد يوقع المتحدث شاء ذلك، أم أبى في التناقض؛ لأنَّ الكتابة عمَّا ليس بنسق في الحقيقة بأسلوب نسقي نوع من التلاعب الذي تسمح به اللغة الطبيعية ولا إشكال في ذلك؛ لأنَّ الكتابة بذلك تكون في دائرة ما يُسمِّيه فتنجشتين الألعاب اللغوية، أو العقلانيات الواسعة التي تسمح بها اللغات الطبيعية خلافًا للغة الصورية؛ إذ «بعد أن ساد الحديث لمدة عقود عن وجود عقلانية واحدة مجردة، أصبح الحديث عن العقلانيات مألوفًا في الأوساط الفكرية، بفضل مباحث فتنجشتين وكواين»([11])، ثم «إنَّ المقدس هو عنصر من عناصر بنية الوعي وليس مرحلة من مراحل تاريخ الوعي»([12])، ممَّا يعني أنَّ المقدس الذي ينفيه الملحد، ولا يقع ضمن حدود العقل عند المؤمن، ويُسمح في نفس الوقت بالتحدث عنه في اللغات الطبيعية يجعل اللغة أكثر إمكانية لتحمل معاني ليس لها دلالة مادية؛ لأنَّه إذا حصرنا اللغة في الإشارة المادية فقط انتقلنا من العقلانيات المتعددة إلى العقلانية الصورية التي تَبيَّن لنا أنَّها عقيمة في ما تدعي الوصول إليه.

 

* إذن: تشترك الصورنة والنظرة الإلحادية في عدة أمور، منها:

- إنَّ النظر لمفهوم العقل كجوهر يستلزم تضمنه لكافة الحقائق الصورية بشكل مبدئي، وهذا أمرٌ تَبيَّن عدم صحته؛ ولذلك: انتقل الفكر الفلسفي لتقرير نسبية الإدراك وتفاوت الملكات والقدرات العقلية، وهو ما يتفق مع كون الحقائق خارجة عن الوجود الذهني؛ إذ لو كانت ذهنية لوجب وجودها في كافة العقول والمجتمعات؛ لأنَّ فهمنا لمعنى الحقيقة يسلتزم الإقرار بها وإلَّا لـم يكن لمعناها فائدة، فالحقائق تكتسب معناها من ضرورة التسليم بها غير أنَّ دلالة المعنى خارجي وليس ذهنيًّا؛ إذ لو كان ذهنيًّا لكان صوريًّا، وهذا أمر ثبت خطأه العلمي، فيكمن الإشكال في مدى إدراك العقول للحقائق الخارجية، وهكذا: فإنَّ تفسير «نسبية الإدراك» بنسبية الحقيقة عند الملحد غير سليم؛ لأنَّ النسبية متعلقة بالإدراك وتفاوته، وليست متعلقة بالحقائق وضرورتها؛ إذ لو كانت متعلقة بالحقائق الخارجية لكان العقل جوهرًا، وبالتالي: مرآة للطبيعة!

- السمة التي لا تنفكُّ عن المعرفة أنَّها إنسانية؛ لذلك: فهي مجموعة من الخبرات والتجارب يتم تنظيمها وفق أنساق متعددة، وهذا وجه يُخالف المذهب العقلاني الصوري الذي يتبنَّى - كما أوضحنا أعلاه - نزعةً للتعالي، وحصر الممارسات العقلانية في قالب واحد مغلق، وهو ما يشترك ضمنيًّا مع الفكر الإلحادي في مبدأه الأساسي الذي يزعم نفي الإله، أو سلب وجوده، ممَّا يلزم منه تأليه ممارسة عقلانية معينة؛ لأنّ السلب ليس مجرد سلب فقط، بل السلب تبع للإثبات، وهذا الإثبات يُؤدِّي لتصوير شكل معين للعقل في الفكر الإلحادي، وتعيين ممارسة عقلانية دون غيرها يُؤدِّي إلى إضفاء مفهوم الألوهية عليها؛ لأنَّ التأليه يلزم منه التوحيد، وقد يظنُّ معترضٌ أنَّ مجرد السلب يُؤدِّي لتعدد وانفتاح العقلانيات وعدم حصرها، لكنَّ هذا غيرُ دقيقٍ؛ لأنَّه لو قلنا: «إنَّ النفي قد يُؤدِّي للتعدد»، لـم يصحَّ شرط الإغلاق النسقي في الصورنة؛ لاشتراك مفهوم الإثبات - الذي هو نقيض السلب - مع مفهوم الصورنة في مبدأ الاكتفاء الذاتي للأمر المتعين، فالماهيات في الخارج لا تنفصل عن وجودها. إذن: فشرط الإغلاق ملزوم لمبدأ الاكتمال، أو الاكتفاء الذي يُؤسِّس للعقلية الصورية، كما يُؤسِّس للفكر الإلحادي.

- مع المنطقي كورت غودل أصبحت المفارقة مبرهنة، والحقيقة أكبر من الإثبات الرياضي الصوري، ممَّا يعني أنَّ الحقيقة ليست ذهنية، بل خارجية؛ إذ لو كانت ذهنية، لكانت صورية، ولأمكن إثباتها بالعقل الصوري البحت، فإذا كانت الحقيقة خارجة عن الوجود الذهني؛ فإنَّ الإقرار بها من عدمه لا يؤثر فيها، ولذلك: فإنَّ نفي الملحد لربوبية إلهٍ حقيقي في الخارج ليست ذات صلة بما هو في الخارج حقيقة؛ لأنَّ اختلاط الوجود الذهني بالوجود الخارجي يُؤدِّي لافتراض ما يظنُّه المدعي أمرًا حقيقيًّا، أو مؤثرًا، وليس بذلك عند التحقيق.

- تُظهر مسألة الكليات في الفلسفة كيف كان تصوير العقل الإنساني كمرآة للطبيعة، فلقد كان هدف أغلب المذاهب الفلسفية هو كيفية تنقية هذه المرآة، وتصفيتها من شوائب الرغبات، وعواصف التحيُّزات وتقاليد المجتمعات؛ ولذلك: كانوا يتمسَّكُون بفكرة العقل الجوهري المفارق؛ لأنَّه بغض النظر عن أصل فكرته في الأساطير الإغريقية؛ فإنَّه كان يُمثِّل قمة التعالي الإنساني على غيره، فإذا انهار تبعه سقوط التعالي الفلسفي على بقية العلوم، بل تتراجع من منصبها القيادي إلى منصب التابع؛ لذلك: انفك مفهوم العقل تاريخيًّا عن أصله الديني الإغريقي، ليصبح سمة ذاتية للإنسان دون غيره، هذه الخاصية الفريدة أكسبته الوصف الإلهي، وتقرير ما هو بدهي ممَّا هو غير بدهي، وتقرير ما هو خيِّر ممَّا هو شرير، بل وصف الاستعداد الأصلي للإنسان بالخيريَّة، كما حاول إيمانويل كانط البرهنة على ذلك في كتابه: «الدين في حدود مجرد العقل»، ولا غرابة في ذلك؛ لأنَّ القول بجوهرية العقل يستلزم نقاوته بوصفه مرآة للطبيعة، ممَّا يلزم عنه ادِّعاء خيريَّته مطلقًا؛ لأنَّ الخير في حدود مجرد العقل الجوهري لا يختلط بالشر؛ إذ اختلاطه يعني خروجه من حدود العقل الجوهري؛ وبالتالي: نسبيته ممَّا يستبعد نقاء الجوهر العقلي، وهكذا يتفاعل الملحد مع إشكالية الشر؛ فهو يضع معيارًا كُلِّيًّا يقيس به، ثم يسقط معياره بطريقة تحكيمه له، فالكلي - كما تَبيَّن - ليس مرآة للطبيعة، ممَّا يعني أنَّ معياريته ليست دقيقة في الإخبار عن العالـم الواقعي، وإضافة لذلك: فإنَّ وصف الطبيعة بالشر لا يتفق مع النظرة الإلحادية.

يتبيَّن ممَّا سبق أنَّ بناء نسق إلحادي يشترك بنيويًّا مع محاولات بناء عقل صوري بحت، للتعليلات والأسباب التي ذكرت أعلاه، وممَّا يُثير الغرابة: أنَّ المنطقي كورت غودل عندما أرسل لأحد أصدقائه مبرهناته عن عدم اكتمال الأنساق الرياضية استدرك قائلًا: «مع أنِّي لست مؤمنًا»، فقد كان يعي جيدًا أنَّ معادلاته تُؤدِّي لإثبات مفهوم التسليم، أو الإيمان عند التأمل فيها فلسفيًّا، غير أنَّ نفي إمكانية بناء عقل إلحادي صوري لا يُمثِّل سوى نصف الإجابة عن السؤال الأساسي: (هل للإلحاد إمكانية بناء؟)، وقد علمنا أنَّ خاصية المعرفة المهمة «إنسانيتها»، فهي تقوم على الخبرات والتجارب وتمتزج بالمرء وتتموج معه، فليس لها من وصف الكليِّ سوى إجرائيته والرغبة في استيعاب المجهول في المعلوم؛ ولذلك: فإنَّ فهم المعرفة يرتبط بفهم العقل، وفهمه يتصل باللغة؛ لأنَّها التي تُكسب العقل حيويته وتنوعه، ولأنَّ اللغة الصورية تفتقر للتنوع والتعدد؛ فإنَّ العقل يُكسب غناءه وثراءه من اللغات الطبيعية؛ إذ اللغة الطبيعية: «تُبنى بطريقة لا واعية من خلال عادات الجماعة اللغوية، ولا يُمكن للغتين أن تكونَا متشابهتين بما فيه الكفاية ليُقال عنهما: إنَّهما تُمثلان الواقع الاجتماعي نفسه»([13]).

 

* اللغة الطبيعية ونقض الإلحاد:

كان للتفريق بين مفهومي التحليلي والتركيبي عند كانط أثرٌ مُهِمٌّ في المنطق الحديث وعلاقته باللغة، فنجد جوتلوب فريغه - مثلًا - يهتم بهما عبر تفريقه بين الهُوية التحليلية والهوية الإخبارية، ونجد فتغنشتين يُخالفه في كتابه: «رسالة منطقية فلسفية»؛ إذ يُحلِّل المفاهيم التحليلية التي تعتبر الأسس التي يشتق منها المنطق الرياضي إلى (تحصيلات حاصل)، وغيرهما من المناطقة، وهذا يعكس اتفاقًا ضمنيًّا بوجوب تحديد العلاقة بين ما هو موضوعي، وما هو ذاتي، بغضِّ النظر عن اختلاف تفسير التحليلي أو التركيبي بين المناطقة، أو المهتمين باللغة الرمزية، فبدون هذ المعيار يستحيل بناء اللغة الرمزية التي تهدف لصياغة العلم في قالب مكتمل وتامٍّ، ومن ثَمَّ: تعيين عقلانية واحدة؛ لأنَّ المفاهيم التحليلية بحسبهم عمومية أو كلية، ونستطيع بالتالي: اشتقاق بقية اللغة الرياضية منها، وهو ما يشترك - كما أشرنا سابقًا - مع الفكر الإلحادي في تبنِّي مبدأ الاكتفاء، أو الاكتمال لبناء النسق العقلاني المطلق، وأكَّدنا على أنَّ الزعم بأنَّ الإلحاد يُؤدِّي إلى التعدد وانفتاح العقلانيات غير صحيح للتعليلات المذكورة أعلاه، وأيضًا؛ لأنَّ سبك مفهوم العقل في قالب مغلق يتعارض بشكل منطقي مع القائلين بالنظرية التوليدية التي تتبنَّى التطورية الداروينية؛ إذ إرجاعها اللغة للاستبطان البيولوجي يُؤدِّي لنقض اللغة الرمزية قبل أن تُوجد، فالاستبطان يلزم منه لغة للأنا مستقلة، وإذا كانت اللغة في أدنى صورها تعبر عن المعنى، والمعنى هو البنية الأساسية لتصور أي عالـم؛ فهذا يعني أنَّ لغةَ الأنا تبني عالـمًا مُغلَقًا لا تخرج عنه ممَّا يلزم منه وجود عوالـم لا تتصل ببعضها الذي يُؤدِّي بدوره إلى نقض فكرة اللغة الرمزية بوصفها كلية وعامة لاستحالة التواصل بين عوالـم لغة الأنا؛ ولذلك: فإنَّ الفكر الإلحادي لا يكتفي بكونه أزمة معرفية، بل إنَّنا نلاحظ خاصيته لتوليد أزمات من أي جهة كانت تفسيراته وانطلاقاته.

أيُّ قارئ لتاريخ علاقة المنطق باللغة يلاحظ مدى الأهمية التي لمفهومي التحليلي والتركيبي عند المناطقة، بوصفهما مقياسًا ومعيارًا للتفريق بين حقائق الصورنة وحقائق التجربة، فبه يمكن للفيلسوف تمييز الأوهام عن الوقائع والأشياء دون أدنى ريبة وشكٍّ، سوى أنَّ الوثوقية بهذا المقياس المفاهيمي تكاد تتزعزع أكثر بعد إدراك حدود الصورنة مع مبرهنة غودل، فالمبرهنة جعلت للعقل الصوري حدًّا للقدرة، ولـم تجعل له حدًّا للتمييز بين ما هو ضرورة صورية وضرورة تجريبية، لكن هذا المعيار التمييزي بين الصورنة (الذاتية) والتجربة (الموضوعية) بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة مع الفيلسوف الأمريكي ويلارد كواين، ففي نظريته عن «لا تعيّن الترجمة» يرى أنَّ العقلانية الصورية تعجز عن معالجة نسبية الرؤية إلى العالـم الأنطولوجي، ومن ثَمَّ: نسبية التعبير اللغوي عنه؛ فإنَّ الصورنة - بحسب المنطق الرياضي - تحليلية، وما هو تحليلي صادق بالضرورة، واللغة تحليلية - كما أشرنا سابقًا - ، لكنَّها تتَّسم بالمفارقات التي تمنع من تحقق الصدق والكذب المنطقيين، ممَّا يعني إخفاق المقياس (التحليلي والتركيبي) عن تأكيد وجود شيء ثابت وكلي جدير بأن يُفسّـر التقابلات أو الاختلافات في ترجمة النظريات العلمية للعالـم؛ إذ يكمن أصل أطروحته في أنَّ المرجع المادي للكلمات ليس مطابقًا لِـمَا في الأذهان عامة فضلًا عن مطابقته للواقع الأنطولوجي الخارجي، فما يُعبِّر عنه العلم الطبيعي بوصفه واقعة أنطولوجية ليس بالضرورة أنَّه يطابقها في الخارج؛ لأنَّ الإدراك لا يعي حسًّا بشكل خام ونقي بل يعيه عبر شبكة مفاهيمية توفرها له اللغة الطبيعية، ممَّا يجعل الإدراك يظنُّ وجود ما ليس في الخارج أحيانًا؛ ولذلك: يجادل كواين بأن أطروحته تهتم بالالتزام الأنطولوجي لأي منظومة لغوية وليس بالأنطولوجية الخارجية فقط، فهي تذهب إلى «حدٍّ أبعد من الارتباك في المفاهيم... فليست فقط عبارات اللغة لها دلالات مختلفة، بل هي حقيقية بالنسبة لأشياء مختلفة. وبالتالي: المرجع هو نفسه الغامض، فعملية الإشارة بالأصبع التي نقوم بها لتعليم الكلمة العامة الملموسة... لا تختلف عن الحركة التي نقوم بها لتعليم الكلمة الفريدة المجرَّدة... ومع ذلك: ليس لهما بالطبع المرجع ذاته»([14])، ممَّا ينقل آثار النسبية من التمثلات الذهنية عن الواقع إلى أثر الاختلافات اللغوية في التمثل الذهني للواقع، ممَّا يلزم منه نسبية الأنطولوجية الإدراكية.

إذن: إذا كان من الصعب الفصل بين ما هو ذهني عن ما هو واقعي، فسيلزم من هذه الصعوبة عدم التمييز أو التوضيح بين ما يعود في لغة ما إلى صيغتها الدلالية وما يعود إلى التمثلات الذهنية عند المتكلمين بهذه اللغة؛ ولذلك: كانت للمرجعية، أو الدلالة غموضًا عند كواين، فالترجمة من لغة لأخرى أو ترجمة الوقائع إلى لغة العلم عائد لخطاطاتنا المفهومية التي اكتسبناها عبر تعلم اللغة الطبيعية؛ ولذلك: حينما نترجم واقعة ما أو لغة ما؛ فإنَّ التأويل المفهومي لها يخضع اللغة المترجمة أو الواقعة لمنطق لغتنا الطبيعية التي تعلمناها من المجتمع، فنحن بذلك لا نترجم بوضع المساوي اللغوي للكلمة أو الواقعة، بل نسقط معاني لغتنا على ما نحاول معرفته، ولا يوجد معيار نكتشف به صحة فهمنا لمعاني لغة ما؛ لأنَّ كل تحليل يتضمن لغة خلفية، وبالتالي: التزام أنطولوجي بهذه اللغة الخلفية... وهكذا، فعملية الإسقاط اللغوي للمترجم لا ينفكُّ منها، لكنَّها ليست شمولية أيضًا؛ وإلَّا: لـم يتمَّ التفاهم بين خطابين مختلفين، وبمعنى آخر: «إنَّ الترجمة هي فرض لمقولات لغة المترجم على لغة الغريب، وبالتالي: فهي محاولة لإزالة كل تعارض بين الفكر المتوحش وفكر المترجم المتحضر»([15])، غير أنَّ «الألسنيين هم أول مَن أشار إلى أنَّ لغات الشعوب القبلية لغات معقدة وراقية شأنها شأن لغات الشعوب المتمدنة، فليس ثمة لغات بدائية»([16])، ممَّا يلزم منه نقض مبدأ التطور اللغوي في الفكر الإلحادي.

أطروحة كواين تمثل ردًّا غير مباشر على رؤية جان بياجيه في أسبقية تأثير الحركة الحسية في الفكر على تأثير اللغة فيه، وحتى إذا قبلنا بتأثير الحركة الحسية في نمو الفكر؛ فإنَّ نمو اللغة واستمرارها يزيدها تشعبًا واختلاطًا بالفكر، فيتأثَّر باختلافها ونسبيتها؛ لأنَّ تنظيم المعرفة يكتسب من تنظيم اللغة وتراتيبها أكثر من اتساقية الحركة الحسية؛ إذ خاصية الاتساق لا تتفاعل مع الفكر بدون واسطة، فالاتساق نسق مكوَّن من الكليات، وما يوجد في الذهن كليًّا لا يوجد في الخارج إلَّا متعينًا، وما دام أنَّ الفكر مضطر لكليات إجرائية يتعامل بها مع الطبيعة؛ فإنَّ تعلُّمها يسبق اتساق الحركة الحسية، والسبيل الوحيد لتعلُّم تلك الكليات هو اللغة الطبيعية، وهذا يُعطي لمفهوم الاتساق الحسي عند بياجيه أثر بعدي لا أوليًّا، كما يحاول تقريره، سوى أنَّ له الفضل في نقل الإشكالية من البحث النظري عن أسبقية، وأولية العقل على التجربة، أو العكس إلى البحث عن كيفيات وحيثيات النمو المعرفي؛ فهذا النقل للإشكالية أعاد تعريفها بما يُوافق نوعًا من الحدود الإنسانيَّة، ومدى سلطتها على مفهوم المعرفة، ممَّا جعل علماء الإدراك واللغويات ينظرون لمسألة أخرى هي: «هل اكتساب المعرفة خاضع لذاتية وقدرة الإنسان، أم إنَّها تنمو عبر البينذاتيات الاجتماعية؟»؛ إذ لو كانت المعرفة ذاتية أو قصدية بتعبير إدموند هوسرل، فسنجد للبحث الأسبقي عن أصل المعرفة إجابة غير أنَّ هذا البحث النظري ممتنع، «فلا يجوز أن يستدل الإنسان على كونه عالـمًا بدليل؛ فإنَّ علمه بمقدمات ذلك الدليل يحتاج إلى أن يجد نفسه عالمة بها، فلو احتاج علمه بكونه عالـمًا إلى دليل أفضى إلى الدور والتسلسل»([17])، وسيلزم من هذا التساؤل الإشكالي عن أصل المعرفة إمَّا خضوع نظرية المواضعة في اللغة إلى التسلسل الممتنع، أو إرجاع نظرية الاستبطان إلى الدور الممتنع، فلا يبقى سوى نظرية التعلُّم البينذاتي إذن، حتى نستطيع الإجابة على سؤال: (الذاتية أم البينذاتية؟)، ممَّا ينقلنا إلى التساؤل الأساسي للمقالة: (هل للإلحاد إمكانية بناء وعي؟)، فإذا كانت اللغة تعليم بينذاتي، فسيكون الوعي تبعًا لها؛ لأنَّها هي التي تكوَّن الكليات في الذهن، ومن ثَمَّ تتشكَّل بها خاصية الاتساق في الوعي، فيبدأ بتنسيق أنطولوجيته الإدراكية وَفقًا لذلك، وإمكانية بناء وعي بالاستبطان أو بالمواضعة - كما تحاول نشره الأدبيات الإلحادية - يعود على الفكر بالنقض والهدم.

من النظريات التي أعادتها أطروحة كواين على طاولات دارسة اللغة، وعلاقتها بالمنطق نظرية: (سابير - وورف)؛ فإنَّ الناظر يُلاحظ التشابه بينهما في النظرة؛ لعدم تكافؤ الترجمة بين اللغات، ممَّا يلزم اتفاقهما في النسبية اللغوية، وتعقيد اللغات البدائية، وسياقية المعنى وغيرها من التلازمات؛ ولذلك نفهم ممَّا سبق: «لـماذا لـم يَعتبِر فتغنشتين العلم بديلًا للإيمان؟ ولـماذا لـم يعتبر أنَّ العلم بحدِّ ذاته كفيلٌ بتأسيس قاعدة الإيمان؟... فإذا كان العلم يشترك مع الدين في تكوين معتقدات فردية وجماعية؛ فإنَّ دراسة تكوين المعتقدات هي أحدُ مداخل فهم الفعل العقلاني»([18])، وأهم مدخل لفهم الفعل العقلاني هو آثار اللغات عليه، ثم إنَّ اعتبار لغة العلم الطبيعي أعقد، يعني: أنَّه من الناحية الفكرية أكثر تحضُّرًا من الفكر البدائي، ولو صحَّ ذلك؛ لصحَّ مفهوم التطور اللغوي، وهذا ما تَبيَّن عدمُ دقته.

لقد كان كتاب فتغنشتين: «بحوث فلسفية» انعطافًا داخل المنعرج اللغوي في الفلسفة، فقد برهن على أنَّ ظهور نموذج فكري جديد يلزم منه ظهور لعبة لغوية جديدة، ولا يستطيع الملحد وفقًا لذلك الادعاء بأنَّه يُقدِّم نموذجًا فكريًّا جديدًا؛ لأنَّ الألعاب اللغوية التي أسَّست تعدد العقلانيات تلتزم بنظرية التعلم البينذاتي التي تلتزم بدورها بأولية المُعلِّم، وهذا أمرٌ يتعارض مع النظرة الإلحادية في نفي الإله، فإذا كانت اللغة الطبيعية تبني الوعي عبر التعلُّم البينذاتي؛ فإنَّها بذلك تخضع الوعي لمفهوم السياق، وإذا كان المعنى في اللغة استعماليًّا - كما يقرر ذلك فتنغشيتن - ؛ فإنَّ إمكانية الوعي عبر خاصية الاستبطان البيولوجي أو الذاتية القصدية مستحيلة؛ لأنَّ ذلك سيعود بنا إلى حدود الصورنة ومداها، وهو ما تَبيَّن استحالة تحقيقه، ولقد رفض فتغنشتين في فلسفته الثانية اللغة الصورية، ليس لأنَّها لا تحيط بالمعنى فقط، بل لأنَّ اللغة عنده تُعبِّرُ عن شكل للحياة، فإذا كانت الصورنة تنزع الحياة عن اللغة؛ فإنَّها بذلك تنزع إمكانية بناء الوعي، وهو ما تشترك فيه مع الفكر الإلحادي، لقد أدَّى تطبيع بحوث فتغنشتين لتحويل التقعيد المنطقي والتقنين الصوري للغة إلى دراسة تعدُّد الممارسات اللغوية والاستعمالات العقلانية، ممَّا نقل الحديث عن القضايا الكلية إلى الحديث عن الاعتقاد «وإلى التخلِّي عن دراسة العقلانية من زاوية فلسفة العلوم التقليدية، أو اللسانيات الحاسوبية، معتمدين على نظريات القرار العقلاني»([19])، ومن الإبستمولوجيا الصورية إلى سوسيولوجيا العقل واللغة، ممَّا يعني أنَّ الوعي الانساني ينمو داخل المجتمع لا متعاليًا عليه، وهذا يعارض مفهوم التشجير التطوري للغة بحسب البيولوجيا اللغوية، فسوسيولوجية اللغة ملزومة لعقلانيات المجتمعات، ممَّا يلزم منه نقض مفهوم التطور اللغوي الذي يتبنَّاه الفكر الإلحادي؛ لأنَّ سوسيولوجية العقلانيات تقطع التسلسل التطوري الذي يجعل اللغة نظام أصوات متوارثة، فماذا يبقى للملحد، سوى التسليم بعجز محاولاته في بناء وعيه دون الدخول في متاهة يصنعها بنفسه! فلا يخرج منها سالـمًا، أو تبقى نفسه مُطمئِنَّة هادئة.

 

* خاتمةٌ:

نخرج من تلك التلازمات والتساؤلات الإشكالية السابقة إلى أنَّ بناء الفكر بدون سياق لغوي يتعلَّمه الإنسان عبر التعلُّم البينذاتي غير ممكن، ومن ثَمَّ: فإنَّ نظريات الفكر الإلحادي التي تُحاول بناء نموذج فكري جديد عبر نموذج لغوي جديد سيعود عليه بالدوْرِ أو التسلسل، وأنَّ غاية اللغة الصورية في جعل اللغة تُكافِئ العالـم غير ممكنة؛ فإنَّ الوعي - كما أشرنا سابقًا - ليس قضايا لغوية تنقل كليات حسية، ثم تتساوى مع الواقع عبرها أو تصيبه، كما يصيب السهم هدفه، بل إنَّه جزء من تفاعلات ورسوم تتناسب وتتغاير حسب تأثيرات نسبية التعليم اللغوي للإنسان، فيتأثر الوعي بما يعتقده السياق الاجتماعي، غير أنِّي أُشير أيضًا أنَّ سؤال المقالة عن إمكانية بناء الوعي إلحادي أكثر عمقًا وتشعبًا ممَّا ذكر، ويكفي من المقالة طرحُ السؤال على الأذهان، ولا أجد مثالًا لتقريب بعض المفاهيم المذكورة أفضل من تحفة الإنجليزي أوسكار وايلد الروائية: «صورة دوريان جراي» التي أراد من خلالها الردَّ على المدرسة الانطباعية في الفنِّ، والتي ترى بضرورة نقل الطبيعة بالإحساس الخام الخالي من تأثيرات البينذاتية والرمزية؛ ولذلك: ترك المتأثرون بهذه المدرسة سكون معاملهم، وهدأة مجالسهم إلى ضوضاء الطبيعة، وضجيج الكائنات أملًا في صُنع مرايا صافية، ولقد سبر الكاتب عبر السرد التصاعدي للرواية كيف تتماهى الحياة والفنُّ في مسيرة شخصيته الرئيسة، وقد أعلن أوسكار وايلد: «بجرأة أنَّ الحياة تُحاكي الفن»([20])، فالعلاماتُ والرموز ليست موضوعية بشكل بحت، حتى ندَّعي إمكانية نقلها إلى الذهن، أو ذاتية بشكل بحت، حتى نزعم بإمكانية إدراكها مستقلة عن الحسِّ، بل إنَّ لتموقع الإدراك وكيفية التمثيل الذهني ودور اللغة فيه، وارتباط المجتمع بذلك كله أهمية في صناعة الفعل العقلاني، ولتلك العلامات والرموز أهمية بنيوية في بناء الوعي الإنساني عن العالـم؛ إذ الحدود بين الموضوعية والذاتية ليست صلدة، سوى أنَّ الوعي الإنساني بطبيعته غير مكتفي بذاته؛ فلذلك: نراه يسعى لدفع قدراته إلى حدودها الممكنة، وتوسيع مجالاته إلى عوالـمها المفترضة، فيفتح لنا هذا الوعي المريد تساؤلات وإشكالات عن إمكانية الوعي وبنائيته، وارتباطه باللغة ودورها في تشكيل الفكر الإنساني.


([1]) «المثالية الألمانية»، (2 /971).

([2]) ابن تيمية: «الرد على المنطقيين»، (ص / 246).

([3]) ريتشارد رورتي: «الفلسفة ومرآة الطبيعة»، (ص / 90).

([4]) «جماليات الصورة عند غاستون باشلار»، (ص / 82).

([5]) محمود زيدان: «المنطق الرمزي»، (ص / 38).

([6]) ماهر عبدالقادر: «المنطق الرياضي»، (ص / 52).

([7]) حسان الباهي: «اللغة والمنطق»، بحث في المفارقات، (ص / 160).

([8]) جمال حمود: «المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة»، (ص / 22).

([9]) حسان الباهي: «اللغة والمنطق»، بحث في المفارقات.

([10]) حسان الباهي: «اللغة والمنطق»، بحث في المفارقات.

([11]) «المعرفة... نحو عقلانيات إجرائية»: عالـم الفكر عدد (ديسمبر 2012 م).

([12]) ميرتشيا إلياده: «البحث عن التاريخ والمعنى في الدين»، (ص / 39).

([13]) سيلفان أورو: «فلسفة اللغة»، (ص / 271).

([14]) سيلفان أورو: «فلسفة اللغة»، (ص / 291).

([15]) مقدمة يونس تيبس على ترجمته لكتاب: «من وجهة نظر منطقية»، لكواين.

([16]) ليونارد جاكسون: «بؤس البنيوية»، (ص / 84).

([17]) ابن تيمية: «نقض المنطق»، (ص / 28).

([18]) «المعرفة... نحو عقلانيات إجرائية»: عالـم الفكر، عدد (ديسمبر 2012 م).

([19]) «المعرفة... نحو عقلانيات إجرائية»: عالـم الفكر، عدد (ديسمبر 2012 م).

([20]) دانيال تشاندلر: «أُسس السيميائيَّة»، (ص / 350).

cialis dosage and frequency site cialis dosage recommendations
sex problems with diabetes maximum cialis dosage
acheter viagra generique europe acheter viagra generique europe acheter viagra generique europe
prescription drug cards go discount drug coupon
prescription savings card sporturfintl.com cialis discounts coupons
prescription coupons coupon prescription cialis coupons from manufacturer
coupons for drugs prescription coupon card coupons for cialis
coupons for drugs go coupons for cialis
coupons for cialis 2016 link prescription drug cards
prescription drugs coupons discount prescriptions coupons cialis coupons printable
prescription savings card is-aber.net cialis manufacturer coupon
aidastella aidaprima aidadiva
venlafaxine 37.5 mg read venlafaxine 37.5 mg
maps click mpa in n/mm2
cordarone kontrol cordarone og alkohol cordarone
etodolac recreational use etodolac uses etodolac 400 mg side effects
etodolac side effects markthrice.com etodolac 300 mg
vermox brez recepta vermox vermox prezzo
flagyl read flagyl for bv
levitra cena v lekarni go levitra smpc
coupons for prescription medications free cialis coupon 2016 cialis coupon lilly
radikale akzeptanz ourblog.bebrand.tv radikalische substitution
vivitrex http://naltrexonealcoholismmedication.com/ low dose naltrexone side effects autism
purchase low dose naltrexone naltrexone alcoholism medication naltrexone 4.5 mg side effects



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة