حدسية بوانكاريه وأثرها المعرفي

سلطان البنوي
7/23/2015

 

للفعل الفلسفي خاصيته المستقلة كفعل اختراقي للمستويات العلمية يتفرد بها عن غيره من مجالات النظر والتأمل، وتستند قدرته الاختراقية على الإنسان بوصفه مفكرًا، فرغم اختلاف المستويات وتراتبها فإن فعل التفلسف يبدي اهتمامًا أقل لهذا التراتب والتمايز، إذ هو كعادته يقرءُ الأطروحات ويعيد صياغتها وربطها بغيرها فيخرج من ذلك بحوارات تنتج تساؤلات وإشكالات قد تساعد على فهم أطروحات سابقة أو تطوير أطروحات راهنة.

من هذه الآلية التداخلية والتفاعلية الإختراقية للتفلسف نستطيع النظر إلى حدسية الرياضياتي الفرنسي "هنري بوانكاريه" التي طرحها في عام 1904م، والحدسية بمعنى الفرضية من حيث الاشتغال العلمي رغم افتراقهما من حيث علاقتهما بمقدمات التفكير. فالحدس يضمر مقدماته بخلاف الفرض، والحدس يبقى سؤالاً حتى يتم الإجابة عنه بصحته أو خطئه أو اعتباره سؤالاً خاطئً، واعتبارية خطئه كامنة في عدم القدرة على إدخاله في الأنموذج الإرشادي المُوّجه للنظر العلمي، وحدسية بوانكاريه تفترض عدم القدرة على ملاحظة التغيرات الهندسية ذات الأبعاد الثلاثية داخل الهندسة ذات الأبعاد الثنائية، وكذلك في الهندسات الأخرى، إذ حتى نلاحظ هذه التغيرات بين الهندسات مختلفة الأبعاد.

ينبغي أن نخرج عن النسق الهندسي الطارئ عليه التغير، مما يعني إيجاب نقطة ثابتة يرصد منها الملاحظ ذلك النسق الهندسي، فيلزم من ذلك أن إدراك التغير غير ممكن بدون شرطين:

(1) الخروج عن النسق الهندسي المتغير.

(2) إيجاب نقطة ثابتة نلاحظ منها المتغيرات.

ومن هنا نتلمس مدخلا جديدا غير مدخل علم الكلام لسؤال: حلول الحوادث في ذات الله؟

إذ كما هو معلوم لأي قارئ لإشكاليات علم الكلام؛ أن أغلب مشكلات هذا العلم نبعت من أمرين؛ "اعتبارية العالم المُشَاهد دون غيره" و"دليل الحدوث" الذي التزم المتكلمون لأجلهما لوازم باطلة، من أهمها؛ نفي الصفات الإختيارية أو الفعلية عن الله عز وجل بحجة أن الحوادث متغيرات، والذات الإلهية إذا قبلت التغير انتفت عنها أخص صفة لها وهي "القدم"، إذ فسّر المتكلمون مفهوم القدم بمفهوم الثبات المطلق، وبذلك ألزموا أنفسهم بأمر هم في غنًى عنه حقيقة، فإن القدم لا يستلزم الثبات المطلق بل يستلزم دخول الزمن عليه، فالتقدم كالتزمن علامة على التغير، وبذلك وقعوا في ما أرادوا الانفكاك عنه.

ثم إن "دليل الحدوث" أوقعهم في مشكلة الفصل بين الذات وصفاتها حتى يستطيعوا تفسير مفهوم الخلق كفعل، فجعلوا الفعل هو المفعول، والذات نقطة الارتكاز لأنها ثابتة ثبوتا مطلقا، ومن ثم نبعت لوازم أخرى كمسألة العلم الكلي وقدمه، ومسألة الصفات عين الذات أم غيرها؟ وغير ذلك من المشاكل الكلامية الزائفة، ويدخل في هذا التزييف فلاسفة الإسلام أيضًا، حتى إذا افترقوا عن المتكلمين ببرهان "الإمكان والوجوب".

وكما هو معلوم في تاريخ العلوم الطبيعية؛ فقد جاء "ألبرت آينشتاين" بحل للحدسية البوانكاريه كوسمولوجيًا في نظريته النسبية بأن سرعة الضوء تمثل نقطة ارتكاز ثابتة ندرك من خلالها التغيرات، وقد رصد علماء الذرة في مركز سيرن للأبحاث النووية مؤخرًا (2011م) جسيم يفوق سرعة الضوء هو "النيوترينو"، مما أعاد إلى الأذهان حوار آينشتاين - بور في ثلاثينيات القرن العشرين، وإن اختلف موضوع النقاش في الماضي عن الراهن؛ إلا أن الجدل العلمي بين الرؤية النسبية والرؤية الكوانتية المتجلي في حيثيات الاكتشافات لم ينتهي بعد. ورياضيًا جاءت محاولات علماء الرياضيات لإثبات حدسية بوانكاريه، فقد تم إثبات صحة الحدسية على مستوى الأبعاد ما فوق الثلاثية قبل نهاية القرن العشرين، أما على مستوى الهندسة ذات الأبعاد الثلاثية التي هي أصل الحدسية حسب بوانكاريه فقد جاء حلها مؤخرا من الرياضياتي الروسي "غرويغوري بيرلمان" في عام 2006 م.

تمثل اللوازم النابعة من حدسية بوانكاريه، وأننا لا نستطيع إدراك التغيرات من داخل النسق الهندسي، أمرا في غاية الخطورة من الناحية الإبستمولوجية؛ إذ يكون الفهم والإدراك الإنساني وفقًا للحدسية مؤطرًا محدودًا بالنسق الهندسي المتواجد داخله فلا يستطيع إدراك التغيرات الطارئة، فإن استطاع حدسها فستكون آليات فهمها غير خاضعة للنسق المتواجد داخله، فالعالم يوجد داخل العقل الذي يوجد داخل العالم أو يوجد العقل داخل العالم الذي يوجد داخل العقل.. فما يسمح بمعرفتنا يحدُّ منها، وما يحدُّها يسمح بها.. وإن فكرة لا محدودية معرفتنا فكرة محدودة، وفكرة محدودية معرفتنا لها نتائج غير محدودة(1).

هناك إذن دور اقتراني بينهما، ولعل الناظر من جهة تأريخ الأفكار يلاحظ أثر هذا الأمر في بطىء تطور العلوم الكلاسيكية لارتباطها بالهندسة الإقليدية ذات الأبعاد الثلاثية، مما ربط التفلسف والنظر العلمي بمحدودية الهندسة الإقليدية كما هو ظاهر في فلسفة إيمانويل كانط، وجعله المكان الإقليدي مفهومًا قبليًا سابقًا على التجربة، إذ "كان مبدأ وضع المنطق من الهندسة الأقليدية، فجعلوه أشكالا كالأشكال الهندسية، وسموه حدودا كحدود تلك الاشكال، لينتقلوا من الشكل المحسوس إلى الشكل المعقول(2).

وبذلك تظهر كثيرا من الإشكالات الإنسانية وفقا للحدسية البوانكاريه مشاكل زائفة، كمشكلة أصل المعرفة مثلا، لأن شروط المعرفة هي عينها شروط العالم، وبما أن الكوسمولوجيا تفترض أبعادًا وهندسات شديدة التغاير والتمايز فبأي هندسة كونية نبني شروط معرفتنا، ولأي عالم هندسي نبني شروط معرفتنا!

وبما أن العقل فاعلية؛ فإن السلوك الإنساني داخل في مسمى العقل كما يدخل فيه الفهم والإدراك، مما يستلزم محدودية السلوك تبعا لمحدودية الفهم، أو محدودية الفهم تبعًا لمحدودية السلوك.

ومن هنا نتلمس مدخلا جديدا آخر غير مدخل علم الكلام لسؤال: الجبرية والحرية في الأفعال الإنسانية؟

فإن المتكلم ينطلق من سؤال آخر هو: هل قدرة الإنسان موجودة قبل الفعل أم معه؟ وعلى الخلاف المشهور بين الفرق الإسلامية؛ فمنهم القائل بأن القدرة مع الفعل لا تتأخر ولا تتقدم عليه (مفهوم الكسب) كأغلب الأشاعرة، وآخرون قائلون بخلق الإنسان لأفعاله كالمعتزلة وغيرهم، ومع أن رأي أهل السنة متفق على أن القدرة حقيقية وموجودة قبل الفعل، وأنه لا تعارض بين الإرادة الإلهية وإرادة الإنسان إذا فرّقنا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية؛ غير أننا إذا قرأنا الخلاف وفقًا للحدسية البوانكاريه نرى أن مفهوم القدرة متصل بهندسة هذا العالم كما هو متصل بمفهومه عن العالم، مما يجعل القدرة والفهم كالمرآيا المتقابلة مع بعضها البعض.

قد يرى المتشكك أو الملحد في هذه الحدسية مُتكَئًا له ومنطلقًا يفسرها باللاأدرية؛ غير أنها تثبت أمرا مغايرًا تمامًا هو أن الحقيقة أكبر من الإثبات العلمي أو كما يبرهن الرياضياتي "كارت غودل" في معادلته عن عدم الاكتمال، أو كما يبرهن الرياضياتي البولندي "ألفرد تارسكي" في مستويات اللغة الصورية، إذ تبدو الرؤية الإلحادية من وجهة نظر الرؤية الإيمانية كأنها مستغرقة في حل "مفارقة الكذاب" المنطقية من داخلها، بينما يكمن حلها في خارجها، سوى أن مجرد الخروج المستمر من المستويات يلزم منه تسلسلاً لانهائيًا لا ينتج عنه غير الضياع والتوهان، وبما أن الحقيقة مأوى الإنسان؛ فإنه بحاجة غريزية للإيمان، لذلك وجب عليه اثبات مصمم خارجي عنه يُسيّر له حياته وعالمه، ويغرس فيه طمأنينة فيستطيع الحياة.

 

______________________________

1)   ادغار موران - المنهج.

2) ابن تيمية - الرد على المنطقيين 179 بتصرف (إضافة لفظ الإقليدية فقط).

cialis dosage and frequency cialis dosage recommendations
viagra online billig http://viagrapillenkruidvat.com viagra prijs apotheek
generic cialis pro click cialis online discount
prescription drug cards go discount drug coupon
discount drug coupons blog.nvcoin.com prescription drugs coupon
coupons for drugs free discount prescription card coupons for cialis
prescription transfer coupon link prescription discounts cards
coupons for cialis 2016 click prescription drug cards
coupons for cialis 2016 click prescription drug cards
discount card for prescription drugs mha.dk discount prescriptions coupons
aidastella aida club aidadiva
venlafaxine 37.5 mg venlafaxine vergeten venlafaxine 37.5 mg
arcoxia 30 mg forum mostefaiamine.com arcoxia tablete cijena
etodolac recreational use etodolac uses etodolac 400 mg side effects
cipralex dosierung read cipralex alkohol
diflucan djelovanje click diflucan djelovanje
imodium alkoholi imodium imodium
vermox brez recepta vermox vermox prezzo
flagyl read flagyl for bv
ventolin smpc read ventolin doping
allow allods online alloy
levitra cena v lekarni click levitra smpc
coupons for prescription medications free cialis coupon 2016 cialis coupon lilly
paroxetine partickcurlingclub.co.uk paroxetine ervaring
oxcarbazepine dosage oxcarbazepine side effects oxcarbazepine mylan
levitra 20 mg open levitra
levitra 20 mg blog.tgworkshop.com levitra
vivitrex naltrexone alcoholism medication low dose naltrexone side effects autism
revia side effects http://naltrexonealcoholismmedication.com/ injections for alcoholics to stop drinking



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة