الأحزاب الإسلامية في مرحلة ما بعد الربيع العربي

ترجمة/ محمد مسعود
8/11/2013

تكتسي هذه المقالة أهمية باعتبارين اثنين:

الأول: لأن كاتبها يعتبر من أحد أهم الباحثين في المراكز البحثية الغربية في الحركات الإسلامية ومن المناصرين القدامى لفكرة إدماج الإسلاميين في العملية السياسية .

والثاني: لأن الموضوع يهم مقاربة التحولات التي عرفها الإسلاميون، وأثر الربيع العربي في  تغيير تشكيلاتهم وإعادة صياغة خطابهم ومواقفهم من العديد من القضايا.

ومع أن المقالة تتضمن الكثير من الأفكار التي تستدعي نقاشا مستفيضا، والملاحظات التي تثار بعض الأسئلة عن مدى دقتها، فضلا عن بعض الخلاصات التي تحتاج إلى مؤشرات إضافية لإسنادها، فإن مركز "نماء" وسعيا منه في تقريب  الأوراق البحثية التي تصدرها مراكز البحث الغربية، يضع بين يدي القراء هذه المقالة المهمة،  ويقترح على الباحثين مناقشتها أو تطوير عناصرها أو ممارسة النقد عليها.

يعد صعود الأحزاب السياسية واحدة من السمات الرئيسة التي تؤسس المشهد السياسي في الشرق الأوسط الجديد. بعد عقود من القمع الوحشي والإقصاء، فتح الربيع العربي أبواب السلطة للإسلاميين.  من المغرب إلى مصر، كان أداء الأحزاب الإسلامية في الانتخابات كاسحا ومميزا منذ اندلاع الثورات في أوائل عام 2011. الأهم من ذلك، لقد ساعد الربيع العربي على إنهاء الصورة القديمة للإسلاميين باعتبارهم "ضحايا" الأنظمة الاستبدادية. لكن، كأصحاب مصلحة جديدة في خضم العمليات السياسية الرسمية، من الظاهر أن الإسلاميين سيحاولون بدون شك منع الأنظمة الاستبدادية القديمة من أن تولد جديد.

و مع ذلك، فإن الربيع العربي مازال يخلو من تأثيره على الأحزاب الإسلامية. يبدو أن إشراك الجهات الفاعلة في العملية الانتخابية له تأثير قوي على إيديولوجيتهم وأجندتهم. و للاستفادة من الفضاء السياسي الجديد، يتم دفع الإسلاميين إلى تكييف وتغيير أيديولوجيتهم وهياكلهم بالإضافة إلى تكتيكاتهم. وعلاوة على ذلك، يشكل الربيع العربي العديد من التحديات والتهديدات التي يتعرض لها الإسلاميين كحكام. ومن أجل العمل في جو حر وبيئة أكثر انفتاح يتطلب ذلك تكتيكات وآليات مختلفة. فلذلك، بدلا من العمل في المقعد الخلفي للسياسة كمعارضة، انتقل الإسلاميون إلى واجهة السياسة العربية كأصحاب سلطة هذه المرة.

هذا، وتشكل التركة الثقيلة التي خلفتها الأنظمة المخلوعة تحديا للإسلاميين في مواجهة السياسات الاقتصادية والسياسية على حد سواء. وما يزيد في الطين بلة هي المشاكل المزمنة التي تطرحها كل من البطالة والفقر والفساد ... الخ،  والتي سوف تعيق - لا محالة - قدرتها على حكم سلس.

لقد أعاد الربيع العربي تشكيل السياسة الإسلامية بشكل كبير، دون إغفال العديد من التغيرات الجارية في الوقت الراهن. ما يلاحظ كذلك، هو أن هذه التغيرات والديناميات الجديدة أربكت الباحثين في شؤون الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي يؤكد فيه بعض الباحثين على أن الربيع العربي لم يفعل شيئا إلا أنه مكن للإسلاميين وزاد من قوتهم على حساب بناء أنظمة جديدة تؤسس لديمقراطيات حقيقية، يرى البعض الأخر أن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر دون دمج الإسلاميين في سيرورتها.

وعلى الرغم من أهمية هذا الجدل،  فان الحقيقة تكمن في أن هذا الربيع العربي قد نجح في الدفع بعملية طويلة من التغير والتحول من شانها أن تضع نظريات الإسلاميين وممارساتهم على المحك.

نهاية الروايات القديمة

على مدى القرن الماضي،  مرت الحركة الإسلامية بثلاث مراحل تحول. كان التحول الأول هو إنشاء جماعة الإخوان المسلمين على يد المدرس المصري حسن البنا عام 1928. حينها بات الإخوان يعدون بمثابة حركة جماهيرية داخل العالم العربي، تسعى إلى الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي. استطاع البنا إبانها وبنجاح أن يحول "نخبوية " خطاب الإصلاح الإسلامي الذي كان يتبناه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في غضون القرنين التاسع عشر والعشرين إلى حركة اجتماعية شعبوية.

مند ذلك الحين، أصبحت الإيديولوجية الإسلامية أكثر وضوحا للكثيرين في العالم العربي وخارجه.

أما التحول الثاني في التاريخ الحديث للحركة الإسلامية، فيتمثل في الثورة الإيرانية في سنة 1979. وهي المرة الأولى مند تفكك الدولة العثمانية في عام 1924 يستطيع الإسلاميون الوصول إلى مقاليد السلطة ليؤسسوا ما أصبح يعرف آنذاك بـ "الدولة الإسلامية". لقد سمحت الثورة الإيرانية أخيرا عند الكثيرين من الإسلاميين بصياغة الإيديولوجية الإسلامية ضمن نظام سياسي.

أما التحول الثالث، وربما هو الأكثر أهمية في تطور الحركة الإسلامية، كان هو الربيع العربي، ليس لأنه سمح للإسلاميين بالاستيلاء على السلطة من خلال صناديق الاقتراع، ولكن، في واقع الأمر، بسبب تبعات مثل هذا التطور على مستوى إيديولوجية وتكتيكات هؤلاء الإسلاميين.

إن الانتقال من موقع المعارضة إلى  الحكومة جعل الإسلاميين يواجهون مخاطر جمة وتحديات كبرى. من الآن فصاعدا، لن يتمكنوا من توظيف"المحنة " و "المظلومية" في محاولة شرعنة وتبرير مواقفهم وممارساتهم السياسية. بدلا من ذلك، سوف يقفون في موقف لا يحسدون عليه، ذلك لأنهم  سوف يكونون محاسبين على أفعالهم و قراراتهم بشكل أكثر شدة. بعبارة أخرى، فإنه للحفاظ على خاصية الجذب و القوة يتعين على الاسلاميين أن يقدموا تنازلات، ومن ثم التفاوض ليتمكنوا من التغيير والتحول.

في نفس الوقت، أصبحت الروايات القديمة حول كيفية دراسة ومقاربة الحركات الإسلامية بالية إلى حد كبير. فبعد مسار من التأرجح بين مفهومي الجواهرانية (Essentialism) والسياقية (Contextualism) يبدو أن  أنه قد تمت الإساءة بشكل مستمر في فهم الظاهرة الإسلامية كما تمت الإساءة في معاملتها.  إن الجدل القديم حول ما إذا كان الإسلام والديمقراطية متوافقان يبدو الآن أنه أمر غير مناسب. لقد أثبت الربيع العربي أن الإسلاميين، دون ذكر المسلمين، حريصون على بناء مؤسسات ديمقراطية معول عليها في كل المناحي. لكن ما يسترعي الانتباه هو أن الشباب العربي الذين خرجوا إلى الشوارع في تونس ومصر وليبيا واليمن وأماكن أخرى كانوا في حقيقة الأمر لا يدعون إلى "دولة إسلامية "، بل لم يكونوا يحتجون ضد الدين حتى. كانوا في الواقع يطالبون ويلحون على الحرية والعدالة والكرامة التي أصبحت فيما بعد القيم الأساسية التي يسعى الربيع العربي إلى تحقيقها.

ديناميات جديدة وفاعلون جدد

لقد أعاد الربيع العربي تشكيل السياسة الاسلامية في الشرق الأوسط. كما بدأت تظهر على الساحة ناشئة من الفاعلين الإسلاميين الجدد، في حين اضطر القدماء لأن يغيروا من تكتيكاتهم ونظراتهم الإيديولوجية لملاءمة وجودهم كذلك داخل المعترك السياسي. في هذا الصدد، يمكن أن نسلط الضوء على أربع تحولات وديناميات كبيرة.

يهم الأول نهاية "الهندسة الحركية الإسلامية القديمة". إن الوضع الإسلامي الجديد في العالم العربي هو في منأى ولا يزال بعيدا عن التوحد والتجانس، بل إنه في الواقع يتصف بطبيعة مرنة  ودينامية حثيثة وأكثر إثارة للجدل بشكل ملحوظ.

فبالإضافة إلى الإسلاميين المؤسسين مثل الإخوان المسلمين في مصر وليبيا، وكذا النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في المغرب، هناك أيضا الفاعلون الإسلاميون الناشئون الجدد. هم في الواقع يأتون من خلفيات إيديولوجية وسياسية مختلفة، متأرجحين  من الأكثر محافظة إلى الإصلاحيين، وكذا من المعتدلين إلى المتطرفين، هذا فضلا عن السلفيين المسيسين، والجهاديين السابقين والإسلاميين السابقين والصوفيين....الخ.

في مصر، على سبيل المثال، تم تأسيس زهاء 15 حزبا إسلاميا بعضها رسمي وبعضها غير رسمي، وذلك مند الإطاحة بمبارك ونظامه. كل هذه الأحزاب أنتجتها إيديولوجيات إسلامية مختلفة. و ما يثير الدهشة هو أن السلفيين الذين كانوا يتبرمون من ممارسة السياسة باعتبارها أمرأ منهيا عنه دينيا أي "حرام"، أصبحوا الآن فاعلين أساسيين في السياسة المصرية. لقد هبوا بكثافة نحو الانتخابات السياسية وفازوا بـ 25% من مقاعد مجلس الشعب المصري  (البرلمان).

التحول الثاني الملحوظ في المشهد الإسلامي هو ظهور ما يعرف بـ الإسلاميين "اللارسميين".

لعقود، كانت كل  من الأحزاب الإسلامية والحركات والمنظمات الممثل الشرعي للحركات الإسلامية. لكن، مع بزوغ الربيع العربي، انبثقت طائفة جديدة من الفاعلين الإسلاميين والتي يمكن نعتها هي الأخرى كذلك بـ "الإسلاميين اللارسميين". هاته الأخيرة لا تنتمي بصفة رسمية للحركات والجمعيات الإسلامية، كما أنها ليست حريصة على إنشاء أحزاب أو منظمات خاصة بها. ومن المفارقات أنها تجنبت الانضمام إلى الأحزاب الجديدة التي أنشأها الربيع العربي، فاختارت أن تكون متحررة وخالية من الأعباء التنظيمية و الهرمية.

يعتمد "الإسلاميون اللارسميون" بشكل كبير جدا على الشبكات الاجتماعية و القرابة وصلات الصداقة والتكنولوجيات الجديدة في سبيل نشر فكرهم وتوسيع نفوذهم. كما أن لديهم أتباع من مختلف الطبقات الاجتماعية سواء الحضرية أو الريفية، والفقراء والأغنياء، وفي المدارس و الجامعات، وغيرها من الأطياف التلوينات الاجتماعية. بالنسبة إليهم، فالباعة المتجولون في الشوارع والأزقة لا يقلون في واقع الأمر أهمية عن أساتذة الجامعات.

في مصر، على سبيل المثال، ظهرت الكثير من الطوائف الإسلامية "اللارسمية" مند قيام الثورة. أربعة من  المرشحين الإسلاميين الذين تنافسوا على الاستحقاقات الانتخابية جاءوا بالفعل من تيارات إسلامية "غير رسمية": وهم حازم صلاح أبو إسماعيل، والذي كان الأوفر حظا في الانتخابات قبل أن يتم استعباده لأسباب قانونية ذات صلة بجنسية أمه المزدوجة، و كذا عبد المنعم أبو الفتوح الذي أقصي في الجولة الأولى، إلى جانب محمد سليم العوا المرشح الإسلامي الثاني الذي خسر الانتخابات. كلهم كانوا دعاة صرحاء متمتعين بكاريزما مؤثرة ومدعمين ومؤيدين بأتباع. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت العديد من الشبكات الإسلامية مند الثورة المصرية، بما في ذلك الجبهة السلفية وشبكة "حازمون" واللجنة الفقهية للحقوق و الإصلاح.

التحول الثالث الذي يتعلق بالسياسة الإسلامية يهم الخطاب الإسلامي والإيديولوجية والتكتيكات. وقد أثر إشراك الإسلاميين في السياسة الانتخابية على وجهات نظرهم الإيديولوجية والسياسية. على سبيل المثال، نأى الكثير من الإسلاميين الآن بأنفسهم بعيدا عن "المطلق الديني" وثنائية الحلال و الحرام، بل اعتمدوا النسبية والبراغماتية. فقد حولوا خطابهم من الهوامش الإيديولوجية الضيقة نحو المركز السياسي. وهكذا، أصبحت لغة السياسة تطغى على خطابهم الديني. قبل الربيع العربي، كانت المصطلحات مثل الانتخابات والديمقراطية والمواطنة مستغربة وذات حمولة مدنسة بالنسبة لهم وخصوصا السلفيين منهم.

ومع ذلك، فهم يستعملون هاته المصطلحات في خطابهم اليومي مما يدل على أن "علمنة" الإسلاميين قد بدأت، وإن بشكل خفي. خلال الحملات الانتخابية في مصر وتونس والمغرب، تخلت الأحزاب الإسلامية عن الدعاية الدينية والعقائدية. لم يكونوا يعدون صراحة بالجنة ولا الفردوس الأعلى لمن يصوت لصالحهم، و لكن بدلا عن ذلك، تعهدوا بتحسين الاقتصاد ومحاربة الفساد وجلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. لذلك أدرك الإسلاميون على نحو متزايد بأن شرعيتهم لا تنبع من "المسجد" فقط، بل من أدائهم الوظيفي في إدارة الشأن العام وتدبيره.

و أخيرا، فإن الدينامية الرابعة الجديدة في السياسة الإسلامية تكمن في الصراعات البين إسلامية. أعاد الربيع العربي بناء العلاقة بين (وضمن) الحركات الإسلامية لتصبح أكثر تعقيدا وفي بعض الأحيان أكثر مواجهة.

بالإضافة إلى الخلافات اللاهوتية والعقائدية، أصبحت الانقسامات الإسلامية الآن تطال مختلف الخطوط والجبهات. على سبيل المثال، احتدم الخلاف في تونس بين حزب النهضة والسلفيين المحافظين حول قضايا الحريات العامة ودور الدين في المجال العام. وبالمثل في مصر، صارت العلاقة بين السلفيين والإخوان المسلمين متوترة وغير مستقرة. كلاهم يحاول توسيع نفوذه وحضوره خارج دوائره الانتخابية التقليدية مما يخلق التوتر بينهما. حتى داخل المعسكر الإسلامي الواحد، يبدو أن الصراعات والمنافسة باتت أمرا لا مناص ولا مفر منه، بل ويبدو  كذلك أن طابع التماسك والانضباط التنظيمي الذي توصف به الحركات الإسلامية بات الآن في حالة التلاشي والاضمحلال.

أجندة إسلامية

قبل الربيع العربي، وقف الإسلاميون كمتهمين جدد بـ " أجندة خفية ". كما شكك خصومهم بصفة مستمرة في نواياهم وإجراءاتهم. ومع ذلك، منذ الربيع العربي، بدأت هذه الشكوك تتبدد.

هذا ليس فقط بسبب الأنظمة السابقة التي كانت توجه مثل هذه الاتهامات لإذكاء الخوف وافتعال ذريعة لإضفاء الشرعية أو لإطالة مدة حكمها، ولكن أيضا بسبب الأجندات الإسلامية والتي يتم تجريبها والحكم عليها بشكل عادل.

حتى الآن أظهر الإسلاميون في كل من مصر وتونس والمغرب براغماتية حقيقية، حيث استجابوا بشكل مسؤول للتغيرات الداخلية والخارجية التي تواجهها بلدانهم على مدى العقود الثلاثة الماضية. كان خطاب الإسلاميين وعقليتهم منشغلا بمسألة أسلمة ممارسات المجتمع والدولة و كذا الحياة اليومية. ففي  الوقت الذي تبنى فيه الإسلاميون أو الجهاديون العنيفون الشدة والعنف كوسيلة سياسية وحيدة لتحقيق هاته الأهداف، تبنت القيادات المعتدلة في المقابل الوسائل السلمية. كلاهما يعتبر أن تطبيق الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للشرعية، لكن، في أعقاب الربيع العربي، تغيرت أجندة الإسلاميين بشكل لافت. وبدا الاسلاميون "الجدد" منشغلين الآن بثلاث أهداف مختلفة : حكامة جيدة، وتحسين الاقتصاد، وتحقيق الاستقرار.

ما يلاحظ كذلك أن الأنظمة السياسية السابقة في مصر وتونس وليبيا خلفت إرثا من الفساد المستشري والفقر والبطالة. في الواقع، كانت هذه المشاكل في قلب ثورات الربيع العربي، بل كانت تشكل الوقود الذي يحرك دواليبها. الآن، وبعد أن تقلد الإسلاميون مقاليد الحكم، فقد أصبحوا يواجهون هاته المشاكل بشكل أكثر مسؤولية، ومن ثم صار مفروضا عليهم إيجاد حلول معقولة وقابلة للتطبيق.

علاوة على ذلك، فقد أصبحت برامج الإسلاميين الانتخابية في مصر وتونس والمغرب تكشف عن تحول في أولوياتها. ففي مصر، على سبيل المثال، لم يستعمل الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة شعار الحركة "الإسلام هو الحل". وركزوا في المقابل على الكيفية الإستعجالية للتغلب على الفقر ومحاربة الفساد و تحقيق العدالة الاجتماعية. و من المفارقات، فإن برنامج الإسلاميين  صارت تؤيد اقتصاد السوق الحر وتدعم سياسات الخصخصة. وبالمثل، تعهد حزب العدالة والتنمية في المغرب بالقضاء على الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة وإعادة بنائها على أسس شفافة وخاضعة للمساءلة.  أما في تونس، فقد أكد راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة، باستمرار على أن حزبه لن يتوانى في محاربة الفساد والقضاء على الفقر. ومع ذلك، فإن تحسين الاقتصاد و التنمية الاجتماعية لا زالت تشكل القضايا الأكثر وضوحا وإلحاحا على مستوى جدول أعمال الإسلاميين. في الواقع، يظهر أن كل الحركات الإسلامية تعتمد على ما أصبح يطلق عليه بـ "النهضة" أو مشروع النهضة.

رغم خاصية  هذا المشروع الشعبية والغامضة، فهو يعكس وعي الإسلاميين بجل المشاكل التي تعاني منها بلدانهم. وانطلاقا من هذا، فإنهم يتبنون سياسات اقتصادية واقعية. فهم يتفقون مثلا على الدور المتكامل للاستثمارات المحلية والأجنبية من أجل تنفيذ جدول أعمالهم الاقتصادي. ويشير خيرت الشاطر الملياردير والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية إلى أن النهضة لا يمكن تحقيقها بدون الاستثمارات الخارجية المباشرة. فهو يدعم كل من التجارة الحرة والقطاع الخاص والورشات الاقتصادية الكبرى. ويؤكد قياديو حزب العدالة والتنمية في المغرب كذلك علي أهمية تحسين والإبقاء على الشراكة الاقتصادية والتجارية مع الاتحاد الأوروبي. كما أن النهضة هدفت إلي طمأنة المستثمرين الأجانب من خلال منحهم مجموعة من الامتيازات الإيديولوجية وذلك علي حساب تطبيق الشريعة. ويشجع السلفيون المصريون علي الاقتصاد الحر، وينادون بضرورة زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر. ويشير واحد من الوجوه الرئيسية لحزب النور السلفي بأن الحزب يدعم البورصة المصرية رغم عدم اعتمادها على أسس إسلامية.

يتضح جليا بأن الربيع العربي لا يتبنى أي قضية خارجية.  فعلي مر القرون الثلاث الماضية، كان من النادر جدا رؤية كل من الإسلاميين واليساريين والوطنيين يخرجون إلى الشارع بسبب قضية داخلية كتغيير النظام أو الثورة... إلخ.  فمنذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية سنة 2000، كانت مسيرة المليون رجل النموذج الوحيد بالعالم العربي لدعم القضية الفلسطينية، وبعد ذلك العراق سنة 2003. لكن الربيع العربي عكس المسار، وغير شكل الأولويات الخارجية والداخلية للإنسان  العربي، حيث لم يخرج الإسلاميين بجانب كل من الليبراليين واليساريين والمواطنين العاديين في المدن الرئيسية من أجل تحرير فلسطين أو العراق، ولكن خرجوا من أجل تحرير أنفسهم من الظلم والطغيان.

ويدرك الإسلاميون جيدا العلاقة الوطيدة بين الاستقرار والنمو، وكذلك الحاجة إلي التخفيف من الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية. ولهذا يركزون على كيفية خلق تحفيزات سياسية وقانونية من شأنها جلب استثمارات أجنبية مباشرة، وكذلك تشجيع الشركات التجارية. بالنسبة للإسلاميين، ليست القضية الفلسطينية هي أولى الأولويات، ولكن الاستقرار والتطور يحتلان الأولوية في جدول أعمالهم. فحركة الإخوان المسلمين مثلا، والتي هي أصل حركة المقاومة الفلسطينية حماس، تعهدت باحترام بنود اتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل. ولم تقف حركة الإخوان عند هذا الحد، بل تعدته وضغطت على حماس من أجل أن تكون أكثر واقعية في تعاملها مع إسرائيل.

الافتقار إلي الديمقراطية

من بين المواضيع المتنازع عليها مع الإسلاميين، موضوع  التزامهم بالقيم الديمقراطية،  وخاصة حقوق الأقليات وحريتهم الشخصية. وعبر العديد  من الليبراليين والعلمانيين عن تخوفهم وشكوكهم من مواقف الإسلاميين إزاء هذه المواضيع  الرئيسية  كحقوق المرأة وتمثيلية الأقليات والحرية الفردية. و لكن موقف الإسلاميين بخصوص هذه المواضيع غير موحد. فالإسلاميون المتحررون بتونس والمغرب يميلون إلي احترام الحريات الفردية، ويدرجونها ضمن جدول أعمالهم. و كمثال علي ذلك أكد زعماء حزب النهضة أكثر من مرة علي أنهم يحترمون حقوق  المرأة ويرفضون أي تغيير قد يمس ويؤثر علي وضعها الشخصي، فأكد الغنوشي علي أن حزبه يشجع علي المساواة بين الجنسين في العديد من المجالات كالتعليم والعمل وكذلك شغل المناصب العمومية.

ومن الضروري الإشارة إلى أن من أصل 49 امرأة عضو بالمجلس الدستوري التونسي، هناك 42 امرأة عضو بحزب النهضة. وعبر زعماء النهضة كذلك على حرية المرأة  في ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه. بل أكثر من ذلك، عاتب حزب النهضة السلفيين لمحاولتهم فرض الحجاب داخل الجامعات التونسية. أما بالنسبة لحقوق الأقليات، فقد التزمت النهضة بشكل علني باحترام حقوق اليهود وكذلك الأقلية المسيحية.

وأبان حزب العدالة والتنمية عن الالتزام باحترام الحقوق والحريات الفردية، حيت أكد عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب  العدالة والتنمية، وأول رئيس حكومة  إسلامي بالمغرب، علي حرية المرأة في اللباس وكذلك في التعبير عن رأيها. وبرغم من التمثيلية الغير الكافية للمرأة بالحكومة المغربية -امرأة واحدة كوزيرة- فإن حزب العدالة والتنمية شجعها في الانتخابات البرلمانية، وتمكنت على إثر ذلك 16 مرشحة من الفوز.

بالإضافة الي ذلك، أيد الحزب سنة 2005 مدونة الأسرة، والتي أعطت المرأة مجموعة من الحقوق سواء علي المستوى القانوني أو الشخصي: زواج ، طلاق،... إلخ.

لكن حركة الإخوان المصرية والسلفيين يتبنون نزعة محافظة وغير متحررة فيما يخص حقوق  المرأة وكذلك الأقليات. وبالرغم من أن قاعدة الإخوان المسلمين، وكذلك تصريحاتهم، تؤكد علي المواطنة والمساواة بين الجنسين في التعليم والشغل والتغطية الصحية...إلخ، فهم يرفضون حق المرأة والمسيحيين للترشح للانتخابات الرئاسية. ويعلل قادة الإخوان المسلمين هذا الموقف بالطابع التقليدي والمحافظ للمجتمع المصري. ومع ذلك، فإن مجموعة من الإسلاميين المستقلين كمحمد سليم العوا وعبد المنعم أبو الفتوح لهم رأي مختلف بخصوص هذا الموضوع.

بالنسبة لموضوع المرأة، فإن حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي لحركة الإخوان، رشح عددا كبيرا من النساء للانتخابات البرلمانية، بالإضافة إلي أن 4 من أن أصل 9 برلمانيات هم من بين أعضائه.

لكن للسلفيين موقف صارم ومحافظ بخصوص حقوق النساء والأقليات. ويعتقد العديد منهم بأن الدور المثالي للمرأة، يكمن في اعتنائها بعائلتها كزوجة وكأم. وفي هذا الإطار، يعارض الكثير منهم دور المرأة كقيادية، وبعضهم يدعو الي التقليص من أنشطتها علي المستوي العمومي. فيما أوصت الانتخابات البرلمانية لسنة 2011 /2012 علي إدراج اسم امرأة واحدة على الأقل باللوائح الانتخابية لجميع الأحزاب. فقد احتلت مرشحات حزب النور دائما أسفل اللائحة. ويدعم السلفيون التطبيق الصارم والدقيق للشريعة الإسلامية بصفة عامة، حيت يعتقدون أنها تستلزم التفرقة بين الجنسين، اللباس الإسلامي بالنسبة للمرأة، وكذلك القيود الاجتماعية كتحريم شرب الخمر. أما بالنسبة لحقوق الإسلاميين، فقط عبر العديد من الزعماء السلفيين علي رفضهم منح  كل الحقوق السياسية لغير المسلمين. رغم ذلك، يؤكد كل من حزب النور وكذلك الشيوخ السلفيين بأن الشريعة تضمن للمسيحيين حق ممارسة معتقداتهم بما فيها حق إدارة أحوالهم الشخصية وعائلاتهم وفق التقاليد المسيحية.

لهذا يتضح جليا بأن انعدام كل من الخبرة والنضج السياسيين لدى السلفيين يؤثر لا محالة علي مواقفهم إزاء موضوع المرأة والأقليات، وبالتالي، فإن إدماجهم سياسيا قد يغير نوعا ما من آرائهم السياسية.

سياسة الإسلاميين الخارجية

تعتبر الواقعية الكلمة الرئيسية لفهم سياسة الإسلاميين الخارجية حيث أنهم علي وعي تام بالتغييرات السياسية والاستراتيجية التي جاء بها الربيع العربي. وبالتالي أبانوا عن استعدادهم للتخلي عن مواقفهم الدغمائية والإيديولوجية وتبني الواقعية في كل ما يخص إعداد جدول أعمال سياستهم الخارجية.

فمثلا تبنى الإسلاميون مواقف عدائية تجاه الغرب لعقود كثيرة. لكن عقب الربيع العربي، مال العديد من الأحزاب الإسلامية الي إعادة بناء علاقاتهم بالغرب وفق الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. ويمكن الإشارة الي أن حزب النهضة مثلا متحمس جدا للحفاظ علي الشراكة  الاستراتجية لتونس بالإتحاد الأوروبي.

ويؤكد زعماء النهضة بشكل متكرر علي الدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه الإتحاد الأوروبي في مساعدة الديمقراطية الناشئة بتونس. ويبدو كذلك  أن حزب العدالة والتنمية في المغرب واقعي في بناء علاقته مع الغرب حيت تعهد في برنامجه بدعم اتفاقيات التجارة الحرة مع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب بالإضافة إلى دعم رؤية الملك وسياسته تجاه القضية الفلسطينية. كما أبانت كذلك حركة الإخوان عن استعدادها للتخلي عن خطابها الدغمائي والإيديولوجي تجاه الغرب. فمند تأسيسها شهر يونيو سنة 2011، انخرط الزعماء في الحوار والنقاش مع السفراء والحكومات الأجنبية، وأكدوا على ضرورة إعادة بناء العلاقة بين حركة الإخوان والدول الغربية بعد سوء التفاهم الذي دام لأزيد من عقد.

بالنسبة للسلفيين، لم يظهر إلى حد الآن أي توجه معين بخصوص سياستهم الخارجية. ويعتبر العديد منهم الحضارة الغربية مادية وغير أخلاقية. لكن حزب النور يبدو أكثر واقعية. فقاعدته تدعوا إلى بناء علاقات جيدة مع الغرب بناءا على التعايش السلمي والمصالح المشتركة. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فيتبنى الحزب مقاربة واقعية وعملية، حيث عبر زعمائه عن احترامهم لمعاهدة السلام مع إسرائيل. وفي خطوة نادرة من نوعها، خص يسري حماد الناطق الرسمي لحزب النور الإذاعة الإسرائيلية بتصريح يؤكد فيه علي أهمية السلم بين مصر وإسرائيل.

باختصار، عقب أحدات الربيع العربي تجد الأحزاب الإسلامية نفسها على حافة تحول تاريخي يمس إطارها الإيديولوجي وأولوياتها واستراتيجياتها. بحيث لم يعد السؤال هو من يدافع عن الإسلام، ولكن من يتحدث باسم الإسلاميين.

 

* خليل العناني: كلية العلاقات الحكومية و الدولية، جامعة درهام – المملكة المتحدة.

acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise
where to buy viagra viagra for sale uk viagra dosage and side effects
discount drug coupons cialis coupons from lilly prescription drugs coupon
prescription coupons coupon prescription cialis coupons from manufacturer
prescription coupons link cialis coupons from manufacturer
coupons for drugs prescription coupon card coupons for cialis
cialis sample coupon cialis coupons from manufacturer drug discount coupons
cialis discount coupons online go cialis coupon
aidastella aida club aidadiva
maps open mpa in n/mm2
cipralex dosierung read cipralex alkohol
cipralex dosierung igliving.com cipralex alkohol
diflucan djelovanje click diflucan djelovanje
flagyl click flagyl for bv
lasix dosis lasix 40 mg lasix indicaciones
lasix dosis lasix precio lasix indicaciones
clamoxyl 125 deploymentshare.com clamoxyl angine
paroxetine partickcurlingclub.co.uk paroxetine ervaring
discount card for prescription drugs emergent-ventures.com prescription discounts cards
lamivudine acute hepatitis b lamivudine history lamivudine history
lamivudine acute hepatitis b lamivudine history lamivudine history
oxcarbazepine mylan oxcarbazepine oxcarbazepine mylan
the cost of abortion click depression after abortion



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة