تقرير عن دراسة "دور مراكز الأبحاث في الوطن العربيِّ: الواقع الراهن وشروط الانتقال إلى فاعلية أكبر"

خالد وليد محمود
5/26/2013

تتميز دراسة الباحث خالد وليد محمود بطرحها لقضية هامة يعاني منها الوطن العربي تعكس أزمة التخلف الحضاري فيه، وهي معضلة البحث العلمي وما تعكسه من ورائها من وضعية مراكز الأبحاث والدراسات في العالم العربي، التي تعد بمثابة المحاضن الإستراتيجية لإنتاج المعرفة العلمية وتطوير المناهج وتفعيل المقاربات العلمية والمعرفية في خدمة معركة النهوض.

وتشير الدراسة إلى أن مراكز الأبحاث والدراسات تمثل أحد الدلائل الهامّة على تطور الدولة وتقييمها للبحث العلمي واستشرافها آفاق المستقبل؛ وذلك وَفق المنظور المعرفي لتطور المجتمعات الإنسانية عمومًا، وانطلاقًا من عدّ تلك المراكز مؤشرًا للمنجزات الحضارية والنهضوية والثقافية، وعنوانًا للتقدم وأحد مؤشِّراته في التنمية ورسم السياسات.

وتعد عملية دراسة القضايا والمشكلات التي تواجه المجتمع والدولة وتحليلها، من أهم الأدوار التي تضطلع بها المراكز البحثية عمومًا؛ إذ تهدف من خلالها إلى معرفة الأسباب التي تكمن وراءها، وبلورة الرؤى والمقترحات العلمية المتعلِّقة بها، ووضع الحلول المناسبة لها.

كما أبرز الباحث في الدراسة التأثير الدال لهذه المراكز كأحد الفاعلين في رسم التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وأحد المؤثِّرين فيها، وأحد المشاركين في وضع الحلول لها؛ وذلك من خلال توظيف البحث العلمي في خدمة قضايا المجتمع، بتقديم الرؤى وطرح البدائل والخيارات، بما يدعم عمليات صنع القرارات ورسم السياسات.

توقف الباحث عند إشكالية تعريف مراكز البحث والدراسات، أو ما يسمى بـ"Think Tanks"، فتعريفها لا يزال محل خلاف، وذلك لأن معظم المؤسسات والمراكز المنتمية إلى مجال البحث لا تعد نفسها من صنف "الثينك تانكس"، حسب الدراسة، كما أنها تعلن عن نفسها كمنظمة غير حكومية أو منظمة غير ربحية. ويسوق الباحث تعريف هوارد ج وياردا (Howard J Wiarda) أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورجيا وأستاذ باحث في مركز "ودورو ويلسون في واشنطن"، معتبرًا أنها مراكز للبحث والتعليم، ولا تشبه الجامعات أو الكليات، كما أنها لا تقدم مساقات دراسية؛ بل هي مؤسسات غير ربحية وإن كانت تملك منتجًا وهو الأبحاث. وهدفها الرئيسي البحث في السياسات العامة للدولة، ولها تأثير فعال في مناقشة تلك السياسات. كما أنها تركز اهتمامها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والسياسة العامة، والدفاع، والأمن، والخارجية، كما لا تحاول تقديم معرفة سطحية لتلك المسائل بقدر مناقشتها، والبحث فيها بشكل عميق، ولفت انتباه الجمهور لها.

ورغم غياب الإجماع على تحديد مفهوم مراكز الأبحاث والدراسات؛ فإن دراسة محمود وليد تستخدم مصطلح "مراكز الأبحاث والدراسات"؛ باعتباره مرادفًا لمصطلح "مراكز الفكر"، وتعني مؤسسات بحثية دورها الرئيس هو إنتاج الأبحاث والدراسات في مجالات متعددة، بما يخدم السياسات العامة للدولة وتقديم رؤى مستقبلية تهم الفرد والمجتمع وصانعي القرار.

كما رصدت الدراسة التطور التاريخي لمراكز الأبحاث والدراسات، وإن اختلف الباحثون في تحديد التاريخ الذي نشأت فيه مراكز البحوث والدراسات؛ فالبعض يتحدث عن بدايتها في صورها الأولى التي كانت في الجامعات الأوروبية في القرن الثامن عشر وكانت تعرف باسم "الكراسي العلمية". وقد كان أولها نشأة كراسي الدراسات الشرقية في بولونيا وفي أوروبا وفي باريس؛ فأول ظهور لمركز أبحاث كان في بريطانيا سنة 1831م تحت اسم"المعهد الملكي للدراسات الدفاعية"، كما أنشئت أول وقفية في بريطانيا اسمها وقفية "ديمورنت" في جامعة أكسفورد؛ لتشجيع الدراسات الدينية. وهناك تيار آخر يرى أن مراكز الأبحاث ظاهرة حديثة نسبيًّا في حقل العلاقات الدولية، بدأت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى حيث كانت بمثابة منابر للنقاش الجماعي أو لدراسة القضايا الساخنة التي تشغل المجتمع وصناع القرار.

أما في الولايات المتحدة فقد أُطلق على هذه المراكز اسم (Think tanks) التي ترجمت في العربية إلى (مراكز التفكير) أو (بنوك التفكير) أو (خزانات التفكير)، في حين أُطلق عليها في بريطانيا اسم "مراكز الأبحاث والدراسات"، لكن أثناء الحرب العالمية الثانية استخدمت عبارة (Brain Boxes) أي: "صناديق الدماغ".

وقد كان أول ظهور لمركز أبحاث في الولايات المتحدة، وذلك من خلال تأسيس معهد كارنيجي للسلام سنة 1910م، وتلا ذلك إنشاء معهد بروكينجز 1916م، ثم معهد هوفر 1918م، ومؤسسة القرن 1919م. وعرفت مرحلة ما بعد الحرب الباردة توسع انتشارها ونشاطها ونفوذها في الدول الديمقراطية.

انتقلت الدراسة إلى تصنيف عدد مراكز الأبحاث حسب المناطق، حيث تضم إفريقيا 550 مركزًا بحثيًّا، وآسيا 1197، وأوروبا 1790، في حين يبلغ عددهم في أمريكا اللاتينية والكاريبي 722، وفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 329، أما أمريكا الشمالية فهي تضم 1912.

ومن جهة أخرى، أبرز البحث تعدد المجالات البحثية التي اشتغلت بها؛ من الأبحاث التاريخية، إلى الدراسات السياسية والإستراتيجية، إلى المراكز ذات الاهتمامات الأمنية والاقتصادية. وتورد الدراسة عدد مراكز الأبحاث في بعض الدول إلى غاية سنة 2011م؛ ففي الولايات المتحدة يوجد 1815 مركزًا بحثيًّا، وفي الصين 420، والهند تبلغ 292، ثم المملكة المتحدة 286، وألمانيا 194، وفرنسا 176. وقد أشار الباحث إلى تعدد معايير تصنيف مراكز الأبحاث حسب التخصصات والمجالات البحثية، وأيضًا حسب طبيعة مصدر التمويل، ودرجات الاستقلالية عن الدولة، أو طبيعة توجهاته السياسية والأيديولوجية، وأيضًا حسب أساليب العمل.

غير أن الدور الذي اضطلعت به المراكز البحثية في الوطن العربيِّ، مختلفٌ عمَّا هو عليه الأمر في الغرب؛ وذلك بسبب المعيقات والمصاعب والتحديات التي تواجهها، ولأنَّها لم تتبوَّأ مكانها الحقيقي، ولم تمارس دورها الحيوي في المشاركة في صنع القرار، أو في تقديم ما يلزم من مشورة ومن دراسات رصينة، وبدا دور معظمها "باهتًا" وغير فاعل في عملية التنمية المجتمعية بكافة أبعادها، ليس بسبب عجزها عن أداء هذا الدور؛ بل بسبب المعوِّقات الكثيرة التي تحيط بها، وعدم تكليفها بهذه المهام بحكم طبيعة الحياة السياسية العربية، وطبيعة أنظمتها، وبُعدها عن العمل المؤسَّسي المعمول به في الولايات المتحدة والغرب.

وإذا كان لمراكز التفكير والبحث والدراسات أدوارًا في: إنتاج البحوث والدراسات، ودعم صناع القرار، عبر: تحديد الأولويات، واقتراح البدائل، وطرح الخيارات والسيناريوهات، وتحديد كلفة كل بديل، فضلاً عن إنتاج معرفة مرتبطة بالواقع، مستمدة ذلك من رُوح البحث والتطوير والابتكار في التأثير على السياسات وتصويبها، وبناء الإستراتيجيات، وتطوير المقاربات والرؤى والنماذج والمناهج في التعاطي مع قضايا الدولة والمجتمع والإنسان؛ فإن أحد أبرز أزمات مراكز الأبحاث في الوطن العربي هو تأسيسها بمنطق احتواء نخب فكرية وأكاديمية مستقلة، بغرض ابتلاع النخب الفاعلة في مؤسسات بحثية رسمية وإقبارها؛ لتصبح ناطقًا باسم خيارات الدولة وأرقامها الدالة على الاستقرار والسلم والاستمرار، مما يحولها إلى مراكز فاقدة للاستقلالية وتابعة لسياسات دولة، وقائمة على تبرير أيديولوجيتها التسلطية. بل إن الدراسة تعتبر أن الدور الأساسي لمراكز الأبحاث العربية هو إعداد تقارير أمنية استخباراتية فتكون بذلك بعيدة عن أهدافها ومشروعها العلمي والمعرفي.

وقد يبرز ذلك حتى في المراكز التي أُنشئت بمبادرات غير رسمية؛ حيث تظل هواجس التمويل والتوجهات الأيديولوجية تسهم إما في تباعد كلي بين مراكز الأبحاث وصانع القرار في الوطن العربي، أو في التماهي التام مع بنية القرار السياسي العربي؛ مما يجعل مهام مراكز البحث والتفكير هشة وأدوارها ضعيفة، لا سيما فيما يتصل بالتأثير في صانع القرار وفي رسم السياسات العامة، وذلك مقارنة بنظيرتها في الغرب والولايات المتحدة.

كما أن الإطلاع على بيئة مراكز الأبحاث العربية وبرامجها ونشاطاتها -لمعرفة مدى مشاركتها في رسم السياسات العامة ومساعدة صانع القرار- مسألة تحتاج لدراسة معمقة وواعية على أسس منهجية وعلمية؛ فلم تحرز مراكز الأبحاث بعدُ مكانة محورية في هذا السياق، وذلك لأسباب تتصل مباشرة بخصوصية البيئة التي تعمل فيها، وبالإشكاليات والتحديات التي تؤثر في دورها وعملها وحراكها سواء في مجال البحث العلمي أو في مجال صنع السياسات العمومية.

إن ضعف مراكز الأبحاث والدراسات في بعض الدول العربية يعود إلى: غياب المؤسسية، وضعف التمويل المحلي، وانعدام الهوية الواضحة للمراكز البحثية، كما أنها لا تقوم بدور ينسجم مع طبيعة عملها على أرض الواقع. وما ينبغي ملاحظته هو أن هنالك خلطًا بين: مراكز الدراسات، ومكاتب الاستشارات؛ وذلك لغياب إطار قانوني ينظم هذا القطاع.

وعلى الرغم من أهمية الأبحاث العلمية في عملية صناعة القرار في الدول الغربية، وفي تقديم علاج لأهم القضايا المطروحة؛ فإن الأمر لا يبدو منطبقًا كليًّا على مراكز الأبحاث المنتشرة في الساحة العربية؛ إذ لا توجد علاقة واضحة المعالم بين صانع القرار والمراكز، وذلك لأسباب عديدة منها: قلة المراكز التي تقدم أوراقًا علمية لصناع القرار، وعدم ارتياح الحكومات للمراكز البحثية، واقتناع صانع القرار بأن الدراسات والمراكز الغربية الأجنبية هي الأجدى، مفضلاً التعاقد مع مراكز بحثية دولية لإجراء دراسات عن الواقع المحلي.

ويرصد الباحث أهم تحديات مراكز الأبحاث والدراسات في الوطن العربي في كل من الإشكالات الآتية:

- مشكلة التمويل.

- مشكلة الإنفاق على البحث العلمي.

- الافتقار إلى الموضوعية والاستقلالية في العمل.

- غياب العمل المؤسساتي.

- ضعف آليات العمل والتعاون والشراكات.

- ضعف مصادر المعلومات والمعطيات، وعدم توفر قواعدها وَفق النظم المعلوماتية الحديثة.

- ضعف البيئة المولدة للإبداع والجالبة للكفاءات.

- التسييس المفرط في مشروعاتها وتوجهاتها.

- غياب أدوات ومعايير قياس أداء المؤسسات البحثية.

كما يطرح البحث بعض المقترحات للخروج من الأزمة التي تشهدها مراكز البحث العربية، مركِّزًا على الأبعاد الآتية:

- إعادة النظر في: ارتباطها الإداري والتنظيمي، ودورها في التنمية، وتحليل السياسات، ومستوى مساهمتها في معالجة قضايا المجتمع، ومواكبة التغيرات المتلاحقة التي يعيشها العالم في مجالات اختصاصها.

- تبني آليات عمل أكثر مرونةً وتفاعلاً مع المشاكل والقضايا الملحة.

- وضع إستراتيجيات يكون فيها لمراكز الأبحاث الدور الفاعل في تحديد المشاكل والمواضيع التي تتطلب اتخاذ القرارات.

- استعادة دورها كأداة فعالة لإنتاج المشاريع الإستراتيجية وخلايا التفكير لتعمل على: إنضاج المشاريع العلمية، وبلورة الإشكالات القائمة، ودراستها وَفق تكامل منهجي علمي انسجامي.

- توفير البيئة المناسبة والديمقراطية للقائمين على العمل البحثي في تلك المراكز، وفتح نافذة للتواصل بينها وبين غيرها من المراكز من جهة، وبينها وبين صناع القرار من جهة أخرى، فضلاً عن تفعيل دورها الريادي في صناعة القرار السياسي الصائب.

وفي الختام أشار البحث إلى أن مراكز الأبحاث في الوطن العربي في تصاعد وانتشار وتنامٍ دالٍّ وملحوظ في جل أقطار العالم العربي، لكنها لم تأخذ مكانتها الحقيقية بعد، داعيًا إلى أنها في الوضع الحالي لابد أن يصبح لها دور رائد في خدمة قضايا المجتمع، وأن يكون وجودها خادمًا للمصالح الكبرى والعليا للدولة والمجتمع والأمة.

cialis dosage maximum cialis dosage for bodybuilding cialis dosage when
cialis dosage maximum cialis dosage for bodybuilding cialis dosage when
sex problems with diabetes maximum cialis dosage
sex problems with diabetes go maximum cialis dosage
sex problems with diabetes go maximum cialis dosage
viagra side effects blood pressure http://viagraforsaleuk1.com how to buy viagra online
prescription savings card sporturfintl.com cialis discounts coupons
printable cialis coupon blog.suntekusa.com coupon for cialis
cialis discount coupons online go cialis coupon
cialis discount coupons online go cialis coupon
cialis discount coupons online blog.suntekusa.com coupon prescription
discount card for prescription drugs free prescription cards discount discount prescriptions coupons
prescription drugs coupons discount prescriptions coupons cialis coupons printable
maps click mpa in n/mm2
maps open mpa in n/mm2
cordarone kontrol celticcodingsolutions.com cordarone
cordarone kontrol celticcodingsolutions.com cordarone
arcoxia 30 mg forum mostefaiamine.com arcoxia tablete cijena
cipralex dosierung igliving.com cipralex alkohol
cipralex 5mg cipralex absetzen cipralex escitalopram
cipralex 5mg cipralex absetzen cipralex escitalopram
zithromax penicillin zithromax 500 mg zithromax antibiotic
vaniqa comprar blog.rewardsrunner.com vaniqa venezuela
flagyl click flagyl for bv
ventolin smpc onlineseoanalyzer.com ventolin doping
tamoxifen dosering site tamoxifen dosering
discount card for prescription drugs emergent-ventures.com prescription discounts cards
levitra 20 mg levitra hap levitra
levitra 20 mg open levitra
abortion doctor link information on abortion
purchase low dose naltrexone naltrexone alcoholism medication naltrexone 4.5 mg side effects



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة