مدخل تأسيسي لقضايا الهوية والتحيز اللغوي

مراد ليمام
9/13/2014


سرت العادة في التفكير الكلاسيكي بأن يسند مقول القول إلى صاحبه انطلاقًا من البداهة الظنية المتمثلة في سيادة الاعتقاد القائل بأننا نؤلف وحدة ما نقول حين تلفظنا، آخذين على عواتقنا فعل التأليف. غير أن التطور العجيب الذي شهدته العلوم الإنسانية منذ أزيد من قرن، أفضى إلى تناسل اتجاهات تحظى بشرف السبق والاستئثار في وضع اللبنات التأسيسية وتخطيط الإجابات الواعدة للغة المحملة بالقصدية والبعيدة تمام البعد عن معاني المعاجم لتحتضن دلالات المتكلمين. ففي إطار السعي الحثيث لصك نظرية تتجاوز التصور الذاتي الذي يروم نحو مقام الإفصاح عن مفرادتنا حينما نتكلم، برزت تصورات ترمي تفكيك هذا الوهم ببيان أنه ربما يوجد في كل ما نقول أصوات عديدة، بل إن الملفوظ نفسه قائم على جمهرة من الأصوات؛ صوت المتكلم وصوت القائلين الذين يعبرون عن وجهات نظرهم من خلال التلفظ المتكئ على جريان أشكال لغوية لا يمكن أن تزداد دون أن تتغير طبيعتها بين متكلمين يعيشون في مجتمع ما. فالمعطى التصوري للملفوظ لا ينحصر في كونه نسقا منتظما محكم التناسق، وإنما حوار بين ملفوظات مختلفة.

انطلاقًا من هذه الملاحظة؛ نستنتج أنه ينبغي إقامة الملفوظ في علاقة مع حقل مجاور يحوي ملفوظات أخرى بوصفها خطابات داخلية، وكأن الملفوظ هو ذاك الجزء من الكل الذي يحدد بنظام الخطاب، قابل لأن يشتغل بذاته ويقيم علاقات مع عناصر أخرى مشابهة له. في هذا الاستعمال يشير نظام الخطاب إلى ذلك النسق الكفيل بإنتاج الملايين من مقامات التلفظ المتقدمة، والتي تعكس مختلف غايات الإنسان بوصفه كائنًا عاقلاً ولغويًا يستطيع بفعل قدرته تأسيس وجود محكوم بطموحات ذات طبيعية اجتماعية وسياسية وأخلاقية. فما يصنعه الإنسان ويقيمه ويسعى إلى تطويره باستمرار يوسع مجاله الثقافي والحضاري.

فالثقافات والحضارات باعتبارها أساليب حياة تترجم ضروبًا من السلوك والتفكير تمارسها المجتمعات في طقوسها الاجتماعية اليومية على شاكلة تمثيلات لفظية تشكل مصدرًا للمعرفة بالذات والعالم والآخرين. إن روح الحضارات المجسدة في العادات والمواقف والعلاقات هي التي تنظم كيفية عمل الثقافات بكل منها، فأي تغيير في روحها يؤثر في المؤسسات التي تدعم الروح وتجسدها، وبتعبير أدق؛ إن جوهر الحضارة الممثل في فهمها الذاتي لأصلها ومصيرها هو ترميز لغوي، إذ لن تمتلك أي وحدة أو سلامة من دون ذلك.

لن يقوم نظام الحضارة والثقافة كما نتصوره إلا على الأساس اللغوي، ولعل أكبر مظهر لتصورنا هذا هو تفكيرنا في الإرث المشترك من الذكريات والعادات التاريخية بوصفها نظامًا حضاريًا شاملاً لأنساق جاهزة من الأفكار والقيم، لا يتحقق إلا عن طريق التقاليد اللغوية المشتركة والمنقولة. إن أول نقطة يرسو عندها تصورنا تكمن في أن الفهم الإنساني للحياة داخل إطار حضاري ما، ينبني على أساس شبكة التعبيرات والتمثيلات اللفظية التي تمنحنا إياها اللغة، حيث ترسم تلك التمثيلات شبكة من البنى الرمزية تؤطر دلاليات الفهم الإنساني وفعله في اللحظة التي تتولى الذات أمر العناية بها من منطلق أنها تشكل هويتها، على أن الهوية المقصودة هنا هوية لغوية.

فاللغة تمنح للموجودات الموضوعية تمثيلات لفظية ترادف الحقائق الأنطولوجية التي تسبق العالم، مادامت تترجم الشروط المنطقية لكل تجربة ولكل وعي. من هنا يصبح للوجود معنى لغوي يطابق حالة الشعور والوعي، إذ ليس هناك وجود آخر خارج تصور الوعي اللغوي أو من أجله يصير الموضوع موضوعًا إلا إذا كان على علاقة باللغة والفكر. إن هذا الأخير غير قابل للالتقاط وهو في حالة من التساوي الكامل مع الذات مادام متجردًا من كل طابع ومن كل تعين، فالفكر على هذا النحو ليس له سمة مميزة، إنما هو فراغ كامل. أما في اللحظة التي يقرر فيها مبارحة حالته الأصلية، فإنه يصير كلامًا ضمنيًا، مما يعني أن الفكرة تولد مع لفظها، ولن يكون لها قوام إلا عندما تنفصل عن لحظة الفراغ المطلق أو العدم. إن الدعوة في أن يكون الإنسان هو ذاته تتطلب تجاوز فكرة التصور الشفاف للفكر أمام ذاته، إذ لابد من فعل المغايرة في نطاق مسافة زمانية - مكانية يواجه فيها الفكر العالم الخارجي الذي يظهر في الآن ذاته داخله. إن الفكر موجود حين يخرج من نفسه إلى ضده، وحين يفعل ذلك لا ينتقل إلا إلى نفسه مادام هذا الضد نابعًا من كون انفصاله لا يتحقق إلا وهو حامل معه كل ما ينفصل عنه.

إن الفكر الذي يواجه العالم الخارجي لا يواجهه بوصفه عالمًا خارجًا عنه، وإنما هو كذلك داخل فيه. فعلى الرغم من كونه آخرًا مفارقًا له، إلا أنه خارج منه، ويجري في إطار الفكر الطامح لإشراك الخارج في صمته اختراقه بكلامه، فيغدو عندها التلفظ أخص ما تختص به هوية الإنسان، فكل منطوقات هذا الأخير تنفلت من عقال التعبير وتعلو فوق هباء تمثيل الأشياء ليصدح صوت الوجود المعبر عن المواقع النائية لمساحات العالم. إن ما نسميه فكرًا ليس بالمعطى منذ البدء، بل لابد أن يخرج من ذاته ليواجه قوى العالم التي تتضاد معه باعتبارها أشياء غريبة عن حياته الخاصة وعن ذاتيته، غير أن انصرافه نحو التمثيلات اللفظية التي تستوطن الأنظمة العقائدية والدينية والسياسية تزوده بمرشد ودليل للحصول على فهم ذاتي. فكل مظاهر التمثيل اللفظي تخضع لترابطات وقوانين وقواعد معينة تشمل ما في الحياة من تبدل وتغير وتطور وسيرورة، فهي المعادل الموضوعي للبنية الثقافية القائمة بالألفاظ والترميزات التي تنقسم وتشكل دوالاً وفق ضرورات الفكر، وبالتالي يصبح البحث في الوجود الإنساني بحثًا في رد فعل الفكر المقذوف به في نظام من أنظمة حضارة التعبير والتواصل اللغويين، والتي تشترط اندماج وامتصاص كل التمايزات الخطابية داخل هوية لغة واحدة يكون فيها المتكلمون مشتركين في تصور المعنى الأساسي الذي يمكن من تشييد صرح نظام الخطاب.

على هذا الأساس لا تبقى للرموز اللغوية حيادية ما مادام التفكير يعمل داخل الترميز، أي في خِضمه، حيث التلفظ هو مرجعيته ذاتها، فيكون الملفوظ المنجز بعلاماته هو ما يعنيه معناه، فالثقافي والفكري يترعرعان على الزاد اللغوي. بدون ريب يتمتع العالم بوجود قبلي سابق على فعل التفكير نفسه، أما ما يأتي به الفكر حين تخارجه، فهو البرهان على حضور هذا الوجود بوصفه إمكانية لغوية للتفكير، فيكون حاصله من جنس اللغة المعروضة في سياقي الزمان والمكان، قابلة لسرد قصة تكوينها في وسط تاريخي وجغرافي هو محل إنتاجها.

فعندما ننظر إلى اللغة من خلال المبادئ المفسرة لاشتغال الألسن باعتبارها فكرًا ينتمي إلى واقع ما؛ نستنتج أنها تعكس صورة منه. من هنا بالضبط يقطع كل لسان الواقع كما يشاء، وينظم المعقولات ويولد تأويلات العالم، فالمدلولات اللسانية ليست متطابقة من لسان لآخر طالما اللسان هيكلة للواقع، وتقطيع تصوري لمعطيات العالم، على أن تعقيد العالم يؤدي حتمًا إلى تأويلات متباينة، ويقودنا هذا النوع من التحليل إلى المطابقة بين الفكر واللغة شريطة الإقرار بأن الأفكار المولدة نتيجة فعل التفكير هي أفكار ذات بنية خصوصية تتمايز حسب طبيعة الألسن التي تلتقط المظاهر المتنوعة للواقع لتنظمها بأجدر ما يناسب كتجسيد للوسط الحضاري أو نظام الخطاب الكفيل بتوليدها.

حسب هذا المنظور؛ يصبح اللسان طريقة تمثيل خاصة للفكر في الواقع طبقًا لانتقاء خاص يتم وفق وجهة نظر معينة، تختزنه الذاكرة الجماعية بوصفه سلسلة من القيم التي تمتلكها الذات وتحينها العلامة اللغوية في حقل ثقافي يعبر عن تجربة إنسانية شديدة الخصوصية. فالواقع بعملة البدائل يتجاوز الفكر و علاماته الملحوظة والمجسدة له. لذلك لا نغالي إن قلنا إن التجربة الإنسانية قاصرة عن استيعاب الكم اللامتناهي للمعطيات التي يوفرها العالم بموضوعاته. على هذا الأساس تغدو منجزات الفكر، المجسدة في علامات الألسن، انتقاءًا خاصًا يترك بالضرورة سلسلة أخرى من المعطيات جانبًا، مادام هو بالأصل غير قادر على إعطاء تمثيل كلي وتام للعالم الخارجي دفعة واحدة، ويقودنا هذا التمييز نحو الزعم بأن التمثيلات اللفظية للسان ما ليست سوى استبعاد لمعطيات بعينها وانتقاء لأخرى، اتخذت شكل بنى رمزية استقرت عليها الفعالية الإنسانية حين إنتاجها لذاتها في ممارستها الفعلية وفق ما يفي بحاجاتها ضمن وسط جغرافي ومرحلة تاريخية اجتماعية تعكس بالضرورة رؤية الإنسان للعالم وطبيعة علاقته بالأشياء.

إن كل إبداع ثقافي، فرديًا كان أم جماعيًا، هو رافد من روافد الأفق الفكري واللغوي المرهون بظروف تاريخية واجتماعية محددة، فالقيم الثقافية هي بالضرورة قيم إنسانية، من منطلق أنها تخص الإنسان، لكنها تتمايز بتمايز السياقات، حيث تختلف جذريًا مظاهر السلوك الاجتماعي اليومي التي ترتدي أشكالا محددة وخاصة في التطبيق العملي داخل كل مجتمع تبعًا لعاداته وتقاليده وقيمه.

فطرافة المعنى في الحضاري والثقافي في أنه لا يمكن أن ينوجد بدون لغة وفكر مادامت بنية اللغة توجد سلسلة من التقطيعات المفهومية التي تؤدي إلى تشييد صلاحية الكون في العالم. فالمعايير الاجتماعية والتلميحات المعاصرة تشكل مخططات لفظية تستدعي صياغة المعارف والذكريات التي يتم استدعاؤها لتساعد الإنسان على استيعاب الحقيقة، مادام بناء المعنى تحدده قدرة الذات ومعرفتها بالأنساق. إن المعنى الحضاري والثقافي بنية ذاتية ترتبط بالمجموع المرجعي الذي تتضمنه التمثيلات اللفظية المندغمة بالفكر، كما أن المعنى المحدد هو تجربة شديدة الفردية يستحيل أن تتكرر بنفس الصورة طالما يظل صانعه ذو طبيعة زمنية ومكانية تحدد نقاط الأثر الإنساني التاريخي في نظام خطاب معين.

هكذا نلقى أنفسنا نشير إلى الأهمية الإيجابية والبناءة التي يوليها الناس للتاريخ المشترك ولمفهوم الانتماء المبني على هذا التاريخ. فالمغزى الذي يتضح هو أن لا أحد يستطيع التفكير من فراغ، بل لابد من مواقف ومعتقدات أساسية ومعينة تؤثر في طبيعة تفكيرنا. إن ما يسمى ثقافة أو حضارة يتضمن قائمة استثنائية ومحددة من القيم المخزنة في الذاكرة اللغوية الجماعية والتي يمكن أن تصوغ تفكيرنا. والحق أن الثقافة أو الحضارة الواحدة من الممكن أن تحتوي على تنويعات داخلية مضمرة، فما نعنيه بهما هو ذاك التقطيع المفهومي الذي ينقل الخارجي إلى ميدان الفكر اللغوي حيث تتقلص الممكنات الدلالية اللانهائية للعالم داخل إطار سقف دلالي موحد اصطلحنا على تسميته "نظام الخطاب"، يتأسس هذا الأخير على مصادر معينة للمعرفة بالذات والعالم، فيثبت بعضًا منها ويغيب أو يقصي أخرى، ليؤسس ثوابت يتلبس حالاتها ويبين قيمها، حتى يشيد صرحًا معماريًا صالحًا لسكنى الجماعة. إنه نظام مندغم بمكونات الوعي الجمعي لجماعة بشرية ما، يتضمن مصادرة المطلوب حين تحيزه وغلبته على مصادر دون أخرى، فيسود وتحال إليه كل معرفة بالجماعة، فما يسمى بالثقافة يمكنها أن تسوق بضاعتها على أنها علامة مسجلة وحصرية تحت متطلبات الهوية اللغوية القائمة على التفكير.

فمهما أصاب مفهوم الهوية عند البعض من إهمال واهتراء، فإننا نؤكد على أن قدرة الفكر اللغوي على تصنيف معين يراعى فيه التحيز لأجزاء مقابل أخرى، يولد بصورة معقولة شعورا بالهوية، والحقيقة أن الناس في العالم يمكن تصنيفهم وفقًا للعديد من نظم التحيز مثل القومية، والطبقة، والمكانة الاجتماعية، والسياسة، لكن التصنيف العمدة الذي يحظى بشرف التقوم مؤسس على أن الإنسانية يمكن تصنيفها، أولاً وقبل كل شيء، إلى حضارات، كل واحدة منها محكومة بنظام خطاب معين يعكس أشكالاً محددة من الوعي الاجتماعي في مجال الدين و السياسة و الأخلاق.

أخشى أن يولد تصورنا هذا لدى البعض إدراكًا ضبابيًا إلى حد ما، وهو إدراك ربما يرى في تصورنا دعوة ضمنية للتعصب والتطرف الذي كانت من تجلياته وضع إنساني بئيس يعكس ديانات متناحرة، وأنظمة فاشية متوحشة، بالإضافة إلى أحزاب وتكتلات لا يوازيها في فظاعة كثرتها سوى هول تناقضاتها، والرفض المشترك لبعضها البعض. لذلك نميز في هذا الصدد بين التحيز باعتباره صانع نظم الخطاب واختلافاتها الهوياتية، طبقًا لتصنيفات المعرفة الإنسانية كما سلف الذكر، وبين التطرف الذي يحمل خصوصية الصورة المرآوية لهوية ثقافية ما، فيسقطها على شمولية الإنسانية. إنه تصور مزيف للوجود، يصيب صاحبه بتمركز ذاتي لا علاج له، أو كبر معرفي يدفعه إلى الاعتقاد بأنه نوع فريد يخص الإنسانية الظافرة بشروطه، وكأنه استثناء تاريخي تعالى فوق التاريخ العام، وبالتالي احتقار كل من لا يتحدث عن الوجود بلغته المفاهيمية.

لقد أنتجت المركزية الغربية - مثلاً - من نفسها مركزية فكرية تدعي الكونية والحداثة، فحملت خصوصياتها المثالية لنمذجة المجموع الإنساني، ورمت كل ثقافة لم تحاكي دوافعها النمطية في التحقيب الحضاري - الذي يفهم في ارتباطه بأفقها التاريخي - بالبربرية والرجعية والتخلف التاريخي، أفضت هذه النظرة الاختزالية إلى نفي دور الثقافات الأخرى في بناء الحضارة الإنسانية، ويظهر ذلك جليًا في تقديم أسطورة المعجزة اليونانية، وربطها مباشرة بأوروبا، باعتبارها مصدر التوازن التاريخي بين الجذور الضاربة في أعماق التاريخ، والفروع الناهضة على سطوحه. وعلى ضوء هذا تفتقت مقولة الغرب المحملة بأسوء التعميمات وأفجعها، حيث أمسى التاريخ الغربي هو التاريخ كله، والثقافة الغربية هي الثقافة النموذج والمرجع. تجلى هذا الحراك في تقويض الفسيفساء الثقافية والهوياتية الأخرى بإرغامها على أن ترتد في محاولة لتثبيت إبستيمية الأصل الغربي والواحد ذي الجذور الإغريقية. لقد سقطت المركزية الغربية في شراك التعصب لما حاولت الالتفاف على التعدد والتنوع وفق قوالب خصوصية صيرورتها التاريخية، والطامحة لإعادة إنتاج الديمومة كما هي ماثلة في نظام خطابها.

رغم جدارة محاولات التقويض وإعادة الإنتاج التي استبدت بالمركزية الغربية الواقعة في شراك أمراض الهوية، استطاعت التلوينات الهوياتية الأخرى من أن تحافظ بشكل متفاوت على أولوياتها التفضيلية، لكن سرعان ما أصيبت هذه التلوينات بعدوى أمراض الهوية حين عملت على ترسيخ جدلية النقائض الدورية بين الأنا والآخر، فانتهت بالانغلاق على ضرب من الغائية المفزعة. لقد قادت أمراض الهوية الأطراف الأخرى إلى السقوط في مخاطر الانزلاق الثقافي القائم على الزج بنظم خطابها من مواطن التحيز الصحي إلى متاهات التطرف المرضي، حينما شرعت في إثارة إحراجات الهوية. إن المجازفة بإعادة ترتيب متطلبات الولاءات الثقافية قادت من مساءلة الذاكرة الجماعية المشتركة وتطويرها إلى تشييد صروح واهية تقوم على مهاجمة تناقضات الآخر عبر نزعة سلفية طائفية، لم تضف هذه النعرات جديدًا فيما يخص تطوير إمكانات الهوية سوى رفضها ما ليس منها وما هو مخالف لها، كما أنها محتاجة في الآن ذاته إلى العالم البراني والمعادي. إنها طفيليات هوياتية مادامت لا تولد أولوياتها التفضيلية من إنباتها الظافر لذاتها، ومن تصوراتها التلقائية النابعة من حركية الفكر المتحيز لأناه. إنها أشباح هوياتية ليس لها أصل، بل أيقونته المشوهة والمحرفة بعد أن أضاعت نظام خطابها وبعثرته بتصنع نظام فوقي لا يحيل إلى الواقع، خصوصًا حينما تعدم في العلامة اللغوية كل مرجع سوى نقائض الآخر المعادي.

إن هذا التحقق المصطنع وهذه الجريمة الكاملة، تمت وتتم بتواطئ المركزية الغربية التي أرادت إلغاء كل الجوانب الحضارية والروحية للآخر، الذي كانت من ردات فعله أن اصطنع ثقافة هوياتية ترتاب من الحقيقة ومن الواقع وزئبقيته لفائدة استقلالية واهية، تقوم على مبدأ التطرف والتصنع الهائل لمحددات الفعل القائم على المحفزات الخارجية.

لعل مشروع تثبيت العالم، أو النزعة المحمومة بالفكر الأحادي والواحدي، لم يقفا عند حدود المركزية الغربية، بل تم اختلاق ما ينوب عنها في دعوتها داخل الثقافات الأخرى بشكل يصب في مصلحتها في نهاية المطاف، ويكفي أن نحيل – مثلاً - إلى الخطابات العربية الداعية إلى تفتيت عظام الجغرافيا حتى تتيه في المتعدد، مع زلزلة مسطح الذاكرة الجماعية الذي يغلف الواقع ويحميه، فتردم المرجعيات وتطمس وقائع التاريخ المشترك لفائدة الكوني، بل من العرب من تقوقع في شرنقة الاستهلاك الاجتراري للصروح المعمارية الغربية الموصدة الأبواب والنوافذ، منبهرين بأدواتها ومفاهيمها، متشبعين في الآن ذاته بحس المقارنة التاريخية وبفكرة التقدم، فقد عمل هؤلاء على ضم المفاهيم - بوصفها إطارات مقولية - بعد عزلها عن نظام خطابها، ثم حشوها داخل الواقع العربي، انطلاقًا من افتراض مثالي يقوم على مبدأ المماثلة الطامح في المضي قدمًا نحو مسار تاريخي لا مهرب منه، من أجل الظفر بمكاسب التقدم أو استيعاب مكتسباته دون قطع أشواطه التاريخية.

و إذا كنا نرفض نظرية الحضارات المتبارية، كما هي في عالم هنتنغتون المتخيل، فإننا لا نثق وبنفس القدر في المخادعة الكامنة في برنامج الحوار بين الحضارات. ففي الصراع يولد الإرهاب بوصفه الابن الشرعي لتاريخ من الدموية والتعصب، وفي الحوار الداعي للنمذجة وفق منطق الواحد والوحيد تدمر الثقافات في تطلعها إلى الكوني. الواقع إن الهوية الثقافية تموت حين تطرفها نحو الخصوصية، وهو موت طبيعي، في حين أنها تموت من فقدانها لكل الخصوصية ومن استئصال لكل قيم، وهو انتحار باسم الحوار المتطلع إلى المطابقة مع الكوني.

هذا الوضع الشامل يعطينا الحق في أن نموقع الهوية الثقافية فوق مسطح التحيز الواقع بين سكنى الحوار والصراع، يتقاسم عناء التجربتين، فيثبت عرش موطنه بينهما. إذا كان الأمر بهذه الطرافة والغرابة؛ فمرد ذلك أننا لا نثق في النظرة الاختزالية لفكرة الصراع أو الحوار، وإن كنا ضمنيا ننحاز إلى الحوار القائم على التثاقف ضمن فكرة الاختلاف المؤسس لمنطق الهوية المنخرطة في سيرورة التحيز.

و مادمنا بصدد الحديث عن إثبات مقومات الهوية الثقافية القائمة على فكرة التحيز عمومًا واللغوي خصوصًا، وفي إطار تشييد صلاحية نظام الخطاب المتكئ على التحيز اللغوي والداعي إلى تخصيص جديد يدنو من فكرة الحوار بقدر ما يبتعد عن فكرة الصراع مع الآخر؛ نرى أنه ينبغي الإقرار بحتمية التحيز بوصفه الخطوة الأولى للانفلات من القبضة المهينة لنظام الخطاب الغربي. إن نكتة الإشكال تكمن في أن علينا أن نجيب عن أسئلة تخص سبل تطوير إمكاناتنا الهوياتية والمرتبطة براهنيتنا، مع إمكانية الاستفادة من منجزات التجربة الحضارية الغربية وسبل نظرها العقلي. إن تعاملنا مع منجزات الحضارة الغربية في الميادين المعرفية يستلزم ضربًا من اليقظة، لا سيما عند هجرة المصطلحات في ميادين العلوم الإنسانية من المناخ الثقافي والأرضية اللغوية التي ترعرعت فيها إلى لغة أخرى. فلقد ترتب عن انتقال العديد من المصطلحات إلى البيئة العربية دون خلخلتها عسر في التوظيف المفهومي، لأن التشكيل الحضاري للمفاهيم والمصطلحات هو بالضروري تحيز لغوي لعلاقة الدال بالمدلول وفق نواحي نظام الخطاب.

إن الربط بين الدال والمدلول ليس بالهين، فالمدلول تقطيع للواقع وتنظيم للمعقولات وتوليد وتأويل للعالم طبقًا للأنظمة التي يندرج فيها، متضمنًا في طياته حمولة تاريخية وثقافية، من الصعب أن يفصح عنها التقطيع الصوتي الموافق له، ما دام الدال بنية سكونية خارج الزمن، إذ يستلزم التعبير عن مدلول مركب الاختيار من بين عدد لا بأس به من الدوال، لأن إيجاد المكافئ الصوتي للمعنى يتطلب انتقاءًا واستبعادًا وتهميشًا. في إطار هذه العملية؛ يحصل قدر من التحيز إما للدال على حساب المدلول أو العكس، فالعلاقة بينهما أبعد ما تكون عن البساطة، فالدال ليس أمرًا واضحًا محدد المعالم، بل هناك معناه الظاهر وتضميناته الكامنة، أما المدلول فهو الآخر غاية في التركيب، وقد يشير إلى حالة عاطفية أصلها إما مادي أو عقلي، ومحاولة الربط بينهما ليس بالأمر الهين والبسيط ما داما مؤطرين بمقولتي الزمان والمكان الإنسانيتين، كما أن بنية الدال بنية لغوية، بينما بنية المدلول تاريخية اجتماعية متحركة ومتغيرة. على هذا الأساس تصبح عملية اختيار الدال للمدلول أو العكس عملية اختيار وإبقاء وتأكيد واستبعاد وتهميش وتحيز.

ختامًا؛ تستبد قضايا الهوية والتحيز اليوم بالهموم النظرية والعملية، متحولة إلى جزء لا يتجزأ من المشهد السياسي والإعلامي والثقافي المعاصر، بعد أن كانت شأنًا داخليًا يخص كل جماعة. ولا شك أن إثارة قضايا مثل هذه ليست بالأمر الهين، لاسيما وأن إعادة فتح سيرتها تصطدم بنظرية متميزة الضخامة، إما عن الحوار أو الصراع بين الحضارات، لذلك حاولنا التأصيل لمفهوم الهوية ضمن منظور التحيز، على أن التحيز ليس إيجابية ولا سلبية ولا بديلاً، بل هو من نسق آخر، إنه من جنس الذي يفشل كل فكر وحيد مسيطر لكنه ليس فكرًا مضادًا أو وحيدًا، إنما هو ابتكار للمبدأ ولمبادئ المبدأ الخاصة به.

cialis dosage and frequency site cialis dosage recommendations
cialis dosage and frequency site cialis dosage recommendations
sex problems with diabetes maximum cialis dosage
sex problems with diabetes go maximum cialis dosage
sex problems with diabetes open maximum cialis dosage
acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise
viagra side effects blood pressure http://viagraforsaleuk1.com how to buy viagra online
generic cialis pro cialis coupon codes discount cialis online discount
prescription drugs coupons discount card for prescription drugs cialis coupons printable
prescription coupon card click coupons for prescriptions
maps site mpa in n/mm2
cordarone kontrol click cordarone
loperamide policereference.co.uk loperamide 2mg
diflucan djelovanje diflucan diflucan djelovanje
vaniqa comprar vaniqa chile vaniqa venezuela
vaniqa comprar blog.rewardsrunner.com vaniqa venezuela
adalat oros site adalate vidal
flagyl femchoice.org flagyl for bv
lamivudine acute hepatitis b lamivudine wiki lamivudine history
levitra 20 mg levitra hap levitra
the cost of abortion click depression after abortion
vivitrex naltrexone alcoholism medication low dose naltrexone side effects autism



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة