من العقل السلبي إلى العقل المبدع: قراءة في مساهمات عبد الوهاب المسيري المنهجية في البحث الاجتماعي(2/2)

هشام المكي
12/29/2012

- الجزء الثاني

أ. من الموضوعية الفوتوغرافية إلى الموضوعية الاجتهادية.

يقول المسيري: "إن النقل الفوتوغرافي أمر مستحيل، إذ يقوم العقل حتما بعمليات حذف وإبقاء  وتضخيم وتهميش، ومن ثم نجد أن الفكر الغربي الذي يطرح نفسه بحسبانه فكرا  موضوعيا ، هو في واقع الأمر فكر يخبئ مفاهيم محددة (وإلا لما كان فكرا ولأصبح مجرد أفكار). ولذا فالموضوعية في السياق الغربي تعني في واقع الأمر نقل الأفكار الغربية الكامنة بلا وعي وبدون إدراك"(17).

إن رفض الموضوعية المتلقية عند المسيري مؤسس على أساس علمي، مفاده أنه من المستحيل على العقل البشري أن يتعامل بحياد تام مع معطيات الواقع، حتى لو حرص صاحبه على ذلك. وهذا ما تؤكده الدراسات العلمية الحديثة في مجال علم النفس المعرفي والنظريات المفسرة للإدراك.

وكنت قد بينت هذا الأمر بتفصيل في دراسة حول كيفية تأثير الصورة الإعلامية على المشاهدين، حيث تعمل هذه الأخيرة على إنشاء نموذج إدراكي يتوسط بين الوجود والعقل المدرِك له(18)، وهذا ما يؤكده بناصر البعزاتي في قوله: "إن الإدراك، مثل كل الأفعال المعرفية، ليس وظيفة فيسيولوجية فحسب، بل هو نشاط تتفاعل فيه عوامل ثقافية متشعبة. فالذات المدركة تنتمي إلى سياق ثقافي واجتماعي، وتتأثر به، كما تتأثر بالذاكرة الجماعية التي تميز المجموعة البشرية التي ينتمي إليها؛ ولا وجود لفعل إدراكي خارج الذات"(19).

ويتابع في موضع آخر"... ولذلك، فإن كل فعل إدراكي متلازم مع فعل تأويلي لا يفارقه؛ ومن الخطأ الحديث عن نشاط إدراكي خارج أي تأويل. وهذا الأخير يكون بحسب ما يتهيأ له الفرد من كفاءة وخبرة"(20).

والآن، مادامت الموضوعية مستحيلة علميا وعمليا، فلا بد من ضمان قدر كاف من التجرد وحد أدنى من الموضوعية بشكل من الأشكال. فما السبيل إلى ذلك؟

إنه "الموضوعية الاجتهادية"، التي يقدمها المسيري بديلا عن الموضوعية بمعناها الشائع، ويعرفها المسيري قائلا: "وهي ألا ينقل الإنسان الواقع بحذافيره وكأنه ببغاء أو آلة تصوير بلهاء، وإنما يُعمِل عقله وخياله فيربط بين التفاصيل، ويجرد منها أنماطا متكررة تساعده على فهم الواقع بطريقة أعمق وأشمل"(21).

وإذا كان النموذج الموضوعي يقوم على حدين متقابلين هما الموضوعية والذاتية، فالموضوعية الاجتهادية عند المسيري قد تحررت من هذين الحدين، واستعاضت عنهما بمصطلحي: "أكثر تفسيرية" و"أقل تفسيرية"؛ لذا يصرح المسيري: "ونحن نفضل استخدام هذين العبارتين بدلا من عبارتي "ذاتي" و"موضوعي"، لأنهما تؤكدان دور العقل الإنساني، وتستعيدان البعد الاجتهادي غير النهائي في عملية رصد الواقع، على عكس "موضوعي" و"ذاتي" اللتين تدوران في إطار الموضوعية السلبية المتلقية.

ويمكن القول إن هذين المصطلحين أكثر علمية ودقة، لأن العالم صاحب الأطروحة لن يقول’’هذه هي الرؤية الموضوعية‘‘، ومن ثم يضفي عليها قدرا كبيرا من النهائية، بل سيقول بكل تواضع: ’’هذا هو اجتهادي الذي أعتقد أنه أكثر تفسيرية، وأرجو أن تقوموا باختبار ما توصلت إليه‘‘"(22).

وعرض نتائج البحث على الاختبار، عملية أقرب إلى حقل الدراسات الاجتماعية التي تقوم على اختبار الفرضيات، وبالتالي فنموذج الموضوعية الاجتهادية جدير بالتجريب، خصوصا وأنه يولي العقل مكانة خاصة، ويشجع على الإبداع: "إن جوهر البحث والإبداع – في تصوري وتصور كثيرين غيري- هو أن يكتشف الإنسان علاقة بين شيئين أو ظاهرتين لم يكتشفها أحد من قبل ويربط بينهما، ثم يجرد من عملية الربط هذه نمطا عاما (نموذجا تفسيريا) يتجاوز الظاهرتين، له مقدرة تفسيرية معقولة، ثم يرى الواقع من جديد في ضوء هذه العلاقة الجديدة"(23).

ب. من العقل السلبي إلى العقل التوليدي.

فالموضوعية الاجتهادية إذن تفتح آفاق الإبداع أمام العقل، وتعلي من شأنه، فلا يعد صفحة بيضاء تتلقى معطيات الواقع، وتكتفي بتصنيفها وتسجيلها فقط، بل هو عقل مبدع، يسميه المسيري عقلا "توليديا"، ويدافع عنه قائلا: " ولذا ارتبط رفضي للموضوعية الفوتوغرافية بتبني نموذج معرفي وتحليلي جديد للعقل بحسبانه كيانا توليديا وليس مجرد وعاء مادي متلق للمعلومات"(24).

ويدعم المسيري رؤيته هذه بأدلة متنوعة، تتراوح بين الديني منها والعلمي، واللساني... فتجده يستلهم المرجعية الدينية ليقول: "وفكرة العقل التوليدي فكرة أساسية في المنظومة الإسلامية، فالإنسان يولد على الفطرة، أي عنده مقدرات داخلية على الخير.."(25) ، ثم ينفتح على الأدب ليقول: "والعقل التوليدي فكرة مركزية في الشعر الرومانتيكي، خاصة في شعر وليام وردزورث وكوليردج..."، ليتجه بعد  ذلك إلى اللسانيات البنيوية مع كلود ليفي شتراوس الذي يحكي عنه بأنه "...يذهب إلى أن العقل يحوي كل الأبنية التي تبدعها يد الإنسان وأن دراسة هذه الأبنية في واقع الأمر دراسة لبنية العقل الإنساني نفسه. ومن ثمة فهو يرى أن ثمة تماثلا بين كل الأبنية الفكرية الإنسانية من جهة وبين عقل الإنسان من جهة أخرى..."(26).  ثم يستمر المسيري في دعم رؤيته بالحديث عن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، وعالم اللغة الأمريكي نعوم تشومسكي، وعالم النفس السويسري جون بياجي.. في سعة أفق ورؤية موسوعية يبلور من خلالها الواحد الثابت من رحم المتعدد المختلف؛ إنها حقيقة واحدة لا غير، لكن تأثيرها بالغ الخطورة على المستوى الإبستمولوجي: عقل الإنسان "ليس مجرد مخ مادي: صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات المادية، وإنما هو عقل له مقدرة توليدية، كما أنه مستقر كثير من الخبرات والمنظومات الأخلاقية والرمزية، ومستودع كثير من الذكريات والصور المخزونة في الوعي واللاوعي"(27).

ج. من الرصد المباشر إلى تبني النموذج منهجا للتحليل.

عندما يصدر الإنسان في سلوكاته وأفعاله عن عقل توليدي مبدع، فهذا يعني أنه ينفتح على احتمالات متعددة ولانهائية، وعلى المستوى الإبستمولوجي يطرح هذا الأمر إشكالا منهجيا كبيرا: يتعلق الأمر بالثبات المنهجي للدارس: فهل يسلك كل باحث على هواه، ويتبع دفة عقله "المبدع" تقوده أنَّى شاءت وأرادت؟ أم أن هناك وجهة ما تقود بحثنا وتوجهه؟

ثم، كيف يتعامل مع الظواهر الإنسانية المتغيرة تبعا "لشطحات" عقله المبدع؟ ألا تقتضي مناهج البحث الموحدة قدرا من ثبات وتشابه الظواهر المدروسة حتى نستطيع تعميم النتائج؟

خصوصا وأن الإنسان كما يراه المسيري، لا يختزل في بعده المادي فقط، أو يسوى بظواهر الطبيعة ويصير جزءا مصمتا منها(28)، بل هو أكثر مخلوقات الله تعقيدا وتركيبا؛ وهكذا فهو "لا يسلك كرد فعل للواقع المادي بشكل مباشر، وإنما كرد فعل للواقع كما يدركه هو بكل تركيبيته، ومن خلال ما يسقطه على الواقع من أفراح وأتراح، وأشواق ومعان، أو رموز وذكريات، وأطماع وأحقاد، ونوايا خيرة و شريرة، ومن خلال منظومة من المنظومات الأخلاقية والرمزية والإيديولوجية"(29).

وأمام تركيبية الظاهرة الإنسانية هذه، ما السبيل إلى دراسة ما يرتبط بها من قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية؟ خصوصا وأن مستوى الثبات السلوكي أو الموضوعي (بالمعنى التقليدي) صغير جدا؟

فهل يدرك المسيري أبعاد هذا المأزق المنهجي الذي وضعنا فيه؟

طبعا، هو يقره ويدرك أبعاده، بل أكثر من ذلك... هو يقترح له مخرجا؛ حيث يقول: "وبسبب تركيبية الإنسانية هذه، ونظرا لأنه لا يستجيب للواقع المادي مباشرة وإنما يستجيب له من خلال إدراكه له، نرى أنه لا يمكن لأي دارس أن يحيط بأبعاد أي ظاهرة إنسانية (سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية)  إلا بالغوص في أكثر مستويات التحليل عمقا، أي المقولات والصور الإدراكية التي يدرك من خلالها نفسه وواقعه ومن حوله من بشر ومجتمعات وأشياء"(30).

وهنا يقترح المسيري أسلوبا عميقا من التحليل، يقوم على المقولات والصور الإدراكية، فكيف يتحدد مفهوم الصور الإدراكية أولا؟ وثانيا، هل هو على مستوى من النضج، ليصير منهجا بحثيا متكاملا، وقابلا للتبني والتجريب والاختبار؟

يشرح المسيري الصور الإدراكية على النحو التالي: "هذه المقولات والصور تشكل خريطة يحملها الإنسان في عقله، ويتصور أن عناصرها وعلاقات هذه العناصر بعضها ببعض تشكل عناصر الواقع وعناصره، وهذه هي الخريطة الإدراكية. وهذه الخرائط الإدراكية التي يحملها الإنسان في عقله ووجدانه تحدد ما يمكنه أن يراه في هذا الواقع الخام، فهي تستبعد وتهمش بعض التفاصيل فلا يراها، وتؤكد البعض الآخر بحيث يراها مهمة ومركزية"(31).

وأفضل وسيلة بحثية للتعامل من هذه الخرائط الإدراكية، واستخراجها، وقراءتها أو تأويلها هو النموذج. "والنموذج هو بنية تصورية يجردها عقل الإنسان من كَمّ هائل من العلاقات والتفاصيل والحقائق والوقائع، فهو يستبعد بعضها باعتبارها غير دالة (من وجهة نظره( ويستبقي البعض الآخر، ثم يربط بينها وينسقها تنسيقا خاصا بحيث تصبح (حسب تصوره) مترابطة، ومماثلة في ترابطها للعلاقات الموجودة بين عناصر الواقع.

وهذا يعني أن عقل الإنسان ليس خاملا، يتلقى الواقع بشكل سلبي ويسجله بشكل مباشر، وإنما هو مبدع وخلاق، يعيد صياغة الواقع من خلال النماذج المعرفية والإدراكية أثناء أبسط عمليات الإدراك. أي أن استخدام النماذج مسألة حتمية تدخل في صميم عملية الإدراك، ومن ثم فعملية الإدراك هي ذاتها عملية تفسير. ورغم أن النموذج بنية تصورية، فإن من الممكن اختباره لاكتشاف مقدرته التفسيرية والتصنيفية"(32).

وفي حقيقة الأمر، لم يكتف المسيري بصياغة فكرة "النموذج التفسيري" نظريا فقط، بل شكلت هذه الفكرة الخيط الناظم لكل كتاباته وأعماله، وإن كان توظيف النموذج والموضوعية الاجتهادية بديلا عن الموضوعية المتلقية، قد كان واضحا بشكل أكبر في كل دراساته عن الصهيونية، خصوصا حينما أبدع "نموذجا تفسيريا" جديدا تماما لدراسة الصهيونية، أطلق عليه إسم: "الجماعات الوظيفية".

كما أن "النموذج التفسيري" نظم رؤيته للغرب وحضارته، ليبدع نموذجا تفسيريا آخر أطلق عليه "مسلسل التحديث والعلمنة"، من خلال اعتماد مفهوم جديد للعلمانية.

خاتمة:

إذا كنا في الصفحات السابقة، قد حاولنا قدر المستطاع بيان أهمية مساهمات المسيري المنهجية في البحث الاجتماعي، ودافعنا عن أهميتها وقدرتها على إنتاج المعرفة المبدعة، فنحب أن نختم بدعوة عموم الباحثين والمهتمين منهم خصوصا بفكر عبد الوهاب المسيري، بمحاولة اختبار هذه العدة النظرية المهمة في دراسات تطبيقية، لاختبار مقدرتها التفسيرية عمليا. وذلك لجملة من الأسباب، نورد أهمها:

- إذا اقتصرنا فقط على عرض أفكار المسيري وشرحها، فلا نكون قد أنجزنا شيئا غير إيجاز المفصل، وتركيز الواسع، وقد نكون إلى الموضوعية المتلقية أقرب، ومن باب أولى أن يكون شكرنا للمسيري من جنس ما حبذه ودعا إليه رحمه الله.

- إن أكبر عرفان للمفكر عبد الوهاب المسيري رحمه الله، هو أن يظل فكره حيا، يثير نقاشات ويفتح آفاقا... وخير ما يحقق ذلك، هو توظيف هذا الفكر، وتعريضه للاختبار والنقاش.. فنبث روحا خالدة في مشروع فكري لا يزعم الكمال لنفسه، لكنه ينفتح على الإنساني، يمتح منه، ويستمد بقاءه من إنسانيته.

- إن أكبر دليل على صواب وتوفيق "النموذج"، هو اختباره عمليا. وبالتالي قد تكون الدراسات التطبيقية الناجحة، إثباتا لما ساقه المسيري، ومشجعة لباحثين آخرين ليخوضوا التجربة، ويطوروا نماذجهم الخاصة، ويرفعوا من كفاءتها.

|1|2|


الهوامش:

17.  المسيري، عبد الوهاب، رحلتي الفكرية، مرجع سابق، ص: 325.

18.  لمزيد من التوضيح، أنظر: المكي، هشام، بين الصورة واللغة: هل أصبحت الحياة طقسا ثابتا للمحاكاة؟، إسلامية المعرفة، فصلية فكرية محكمة، يصدرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، السنة 15، العدد 59، شتاء 1431هـ/2010م، ص: 119.

19.  البعزاتي، بناصر، الاستدلال والبناء: بحث في خصائص العقلية العلمية، المغرب: دار الأمان، المركز الثقافي العربي، ط1، 1999، ص 231.

20.  البعزاتي، بناصر، الاستدلال والبناء: بحث في خصائص العقلية العلمية، مرجع سابق، ص: 235.

21.  المسيري، عبد الوهاب، رحلتي الفكرية، مرجع سابق، ص: 340.

22.  المسيري، عبد الوهاب، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مرجع سابق، ص: 446.

23.  المسيري، عبد الوهاب، رحلتي الفكرية، مرجع سابق، ص:340.

24.  المسيري، عبد الوهاب، رحلتي الفكرية، مرجع سابق، ص:343.

25.  نفسه، ص: 344.

26.  نفسه، ص: 344.

27.  المسيري، عبد الوهاب، رحلتي الفكرية، مرجع سابق، ص: 349.

28.  هذا التصور هو الذي يقود باحثي علم الاجتماع إلى تشبيه الظواهر الاجتماعية بظواهر الطبيعة، ودراستها بالمناهج الوضعية..

29.  المسيري، عبد الوهاب، رحلتي الفكرية، مرجع سابق، ص:349.

30.  المسيري، عبد الوهاب، رحلتي الفكرية، مرجع سابق، ص: 350.

31.  نفسه، ص: 350.

32.  المسيري، عبد الوهاب، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مرجع سابق، ص: 444.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة