القيادة الإسلامية وفق القرآن والسنة

الأستاذ أبو زيد المقرئ الإدريسي
12/19/2012

1- تمهيد: إشكال منهجي:

يعترضنا إشكال منهجي بالغ الحرج في ما يتعلق بتأصيل نظرية القيادة من القرآن والسنة، وهو إشكال يمتد إلى كثير من القضايا والمواضيع التي يسعى الباحثون المعاصرون إلى تأصيلها من القرآن على الخصوص. ويتعلق الأمر بشح النصوص المباشرة في الموضوع، مما يضطر الباحث بنوع من التجوز إلى البحث في النصوص غير المباشرة، وهي دائما وافرة وغزيرة وهنا ينتصب استفهام منهجي بل وأخلاقي، هل اللجوء إلى النصوص غير المباشرة هو نوع من انقلاب منهجي على الحقيقة؟ بمعنى وضع العربة أمام الحصان، وتحكيم العقل في النقل، وتقديم الفقه على التفسير، بما قد يفهم منه تقديم التراث على الوحي!

لتوضيح ذلك في الحالة التي نحن بصددها، أشير إلى أن أغلب الباحثين في موضوع تأصيل القيادة من القرآن والسنة، يلجؤون إلى شبكة واسعة من النصوص، موجهة أصلا إلى المكلفين عموما، ولا تختص بالقيادة، وقد يكون لها وجه من أوجه الارتباط ببناء نظرية القيادة في الإسلام فيما يتصل بالمفاهيم أو الميادين أو المستويات أو الشروط أو القضايا التي تؤسس مفهوم القيادة، ولكنه ارتباط بعدي، يتأتى من توسيع النظر في هذا المجال، وقد يتأتى من قراءة التجربة الإسلامية، أو حتى الإنسانية، الممتدة على طول التاريخ السياسي للأمم. ربما يتأتى ذلك من النظر في ما أنجزه الفكر السياسي والفكر التربوي والفكر الإداري، في الموضوع. ثم السعي بأثر رجعي إلى إعادة استكشافه في ثنايا نصوص الوحي. وهذا يطرح علينا سؤال النزاهة، ويثير إشكالية الإسقاط البعدي لمفاهيم خارج نصوص الوحي على هذه النصوص، التي تصبح قابلة لاستيعاب أي نوع من المفاهيم، والتعايش مع كل أشكال النظريات في الموضوع(1).

قد يتجه الباحث في هذا الاتجاه، تحت ضغط الرغبة في البحث عن مناطات للموضوع في القرآن والسنة، ولكن ينبغي توخي الحذر الشديد من الوقوع في منزلق الافتراء على النص باسم "التأصيل". صحيح أنه ليس كل إسقاط مُتمَحلا، ولكن يثور سؤال منهجي آخر يتصل بالضوابط العلمية والمنهجية للممارسة الإسقاط السليم، بعيدا عن التكلف بل والاختلاق أحيانا، كلما كان هناك رابط معقول بين الفكرة البعدية والنص القبلي.

وسوف نلتزم بكل نزاهة في هذا العرض، بالمزاوجة بين التضييق المنهجي للموضوع بالوقوف على النصوص المباشرة، مع التوسع المحدود في المفاهيم القريبة في إطار ما يسمح به الإسقاط السليم حتى لو كان بمفاهيم بعدية على نصوص قبلية، إلا أن الرابط ينبغي أن يكون قريبا ومعقولا وطبيعيا، وذلك سعيا منا إلى تجنب محذوري إفقار الموضوع أو تمييعه(2).

2- معجم القيادة في القرآن والسنة:

لم يستخدم القرآن الكريم مصطلح القيادة بلفظه، كما لم يستخدم مشتقاته على مستوى جذر الكلمة(ق و د)، أما مشتقات جذر(ق د و) فقد استخدمت مرتين فقط:" أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ "[الأنعام-90] " وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ"[الزخرف-23]. وأما على مستوى المعنى فنجد استخدامات قرآنية عدة مثل كلمة الإمامة ومشتقاتها:"واجعلنا للمتقين إماما"[الفرقان-74]. وكلمة الحكم ومشتقاتها، من مثل قوله تعالى:" وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ"[الجاثية-16]. وكلمة الخلافة، من مثل قوله تعالى:" يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ"[ص-26].

وكذلك في الحديث النبوي، لم ترد كلمة قيادة بلفظها في الكتب التسعة، ولكن مشتقاتها وردت أكثر من 330 مرة، منها حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أنا قائد المرسلين ولا فخر"(سنن الدارمي)(3).

وقد استعمل القرآن الكريم أيضا مصطلح أمة مرة واحدة بمعنى القيادة: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا"[النحل-120](4). وكذلك من المصطلحات الدالة على القيادة مصطلح الأسوة، فقد ورد في القرآن في ثلاثة مواضع منسوبا في أولاها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"[الأحزاب-21]، وورد في ثانيها منوطا بسيدنا إبراهيم عليه السلام وأتباعه:" قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ"[الممتحنة-4]، وتم التأكيد في ثالثها على الأسوة بشكل مفتوح:"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"[الممتحنة-6].

وليس بمستغرب أن يكون مصطلح الأسوة من مصطلحات القيادة لأن التأسي لا يكون إلا بالقادة ذوي الكاريزما الباهرة، ومن هنا وجه الإشارة فيما سلف إلى مصطلح الإقتداء الذي يقاسم مصطلح الأسوة المعنى، كما يقاسم مصطلح القدوة اللفظ.

3- الشروط العامة للقيادة في القرآن والسنة:

ونقصد بالشروط العامة أنها لا تتعلق بنوع واحد من أنواع القيادة، كالقيادة السياسية أو التربوية أو الإدارية أو غيرها، فهذه لكل واحدة منها على حدة، شروط مخصوصة تكميلية أو تحسينية، وربما أساسية. أما الشروط العامة، فالمقصود بها الشروط التي لا تكون القيادة قيادة بدونها، ولا يصلح القائد أن يكون قائدا إلا إذا تحلى بها:

1- القصدية:

وذلك بموجب الوعي بوجود غاية من خلق الإنسان وسعيه في الأرض، تستوجب هذه الغاية أن يكون ذا رسالة محددة المعالم، منوطة به، وأن يعي بأنها أساس محاسبته بين يدي الحق والخلق سواء بسواء. وذلك بموجب قوله تعالى:" أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ"[المؤمنون-115].

فالقائد الفاعل لا يلغو، لا قولا ولا فعلا، وهو دائم الضجر من الأشياء التي لا تجدي نفعا. ذلك أن القصدية محرك للسعي، ومنتج للعمل:" وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ "[النجم-39/41]، ولعل هذا يتصادى مع قول الفيلسوف ديفيد تورت "لا يكفي أن تكون كادحا، فالنمل أشد كدحا، ولكن المهم ما الذي تكدح من أجله"(5).

2- الإبداع:

لعل أهم عناصر الإبداع، في أغلب النظريات المفسرة له هي معاداة التقليد، وحسن البصيرة، وترك الأحكام الجاهزة، والقدرة على المبادرة، والنفسية الإيجابية. وهذه العناصر التي تتجمع فتشكل الإبداع، كلها ندب إليها الوحي بإلحاح وتكرار. فقد حارب الإسلام الآبائية:" قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ"[الزخرف-23]، كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من المقلد الإمعة، في قوله:"لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا"(جامع الترمذي). وبشأن البصيرة، فقد أمر بها الأنبياء:"عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي"[يوسف-108] وذلك حتى يقتحموا العقبات دون تردد أو خوف.

كما نهى الإسلام عن الأحكام المسبقة والآراء الجاهزة ودعا للتبين وعدم التسرع في الحكم:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ "[الحجرات-6]، كما نهى الإسلام عن الانبهار بالأقوياء، ودعا إلى مفاصلتهم سبيلا وحيدا للنجاة من النار:" إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا"[الأحزاب-67]، وبشأن العقلية الإيجابية، والتفاؤل حث النبي صلى الله عليه وسلم:" عَجِبْتُ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ، كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ، كَانَ خَيْرًا لَهُ"(مسند الإمام بن حنبل). كما أن من مقتضيات التفاؤل النظر إلى ما وراء العسر من رجاء اليسر، حتى لا يكون هناك مستحيل مع الإرادة والإصرار:"إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"[الشرح-6].

3- الشورى:

يستحيل على قائد أن يقود مجموعته كبرت أو صغرت في أي اختبار أو مهمة أو تحد كبر أو صغر، دون أن يستعين بالشورى الواسعة والملزمة. وفي هذا الصدد مدح القرآن الكريم المجموعة المسلمة بأنها " وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ"[الشورى-38]، كما وجه الأمر الصارم للقيادة العليا الإسلامية، النبي الكريم:"وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ"[آل عمران-159]. وقد أحسن القائد تلقي الأمر ومارسه على أوسع نطاق، رغم أنه النبي المعصوم، وكانت الشورى مناط نجاته وفلاحه، حتى في المجالات التي يتبادر إلى الذهن أن الشورى فيها غير ضرورية، أو قد تكون مضرة، مثل المجال العسكري. فقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم الشورى في كل معاركه، وأولها معركة بدر التي مارس فيها الشورى في أولها في موقفه مع الأنصار، ومارسها في الوسط في موقفه مع الحباب بن المنذر، ومارسها في الأخير في قضية الأسرى. ولم يكتف بتنفيذ الشورى وإنما حث عليها غيره أيضا:"مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ"(المعجم الأوسط للطبراني).

4- التأمل الخلاق:

لا ينجح القائد أبدا في تدبير مهام قيادته إذا كان أسير النظرة السطحية أو العجلى، ولهذا تنصح كل نظريات القيادة، "بالنظر إلى الأشياء المألوفة نظرة غير مألوفة، وبمجاوزة الواقع وحتى المتوقع، والسباحة في عالم المتخيل، بل وتحكيم الخيال أحيانا"(6). وقد نبه القرآن إلى ذلك باستعمال عبارات شهيرة من مثل"أولم ينظروا"،"فاعتبروا يا أولي الأبصار" وغيرها كثير من مثل قوله تعالى:"أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ  فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ"[الأعراف-185].

5- المصداقية:

أشرنا سابقا إلى علاقة القيادة بالقدوة والأسوة. وتجد هذه العلاقة صداها في كون القائد مضطرا إلى التوجيه، بل وإلى الأمر والنهي، بل وإلى المعاقبة على المخالفة. ولكي ييسر على نفسه المهمة وجب أن يبدأ بنفسه، ويعطي القدوة منها، وينتصف منها أمام أتباعه قبل خصومه. كذلك فعل رب العزة وهو لا يُسأل عما يفعل:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا"(حديث قدسي، مسند أحمد بن حنبل)، من أجل هذا لم يستعمل القرآن لفظة شديدة الوطأة، هي لفظة "المقت" إلا مرتين، إحداها في قوله تعالى:"كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ"[الصف-3]، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، صارما مع نفسه إلى درجة الحزم المطلق:" لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"(مسند بن حنبل). فلا عجب أن نجد الدراسات التطبيقية في القيادة توجه للقائد التحذيرات الآتية:

- لا تقترف ما تنهى عنه.

- كن عدلا في أفعالك وأقوالك.

- كن عادلا بين شركاءك.

- كن معتدلا في أفكارك وقراراتك.

- فكر مليا قبل اتخاذ القرارات.

- أنت بين شركاءك كما تبدو لأول وهلة.

- لا تكن حازما فقط، وكن الأحزم(7).

ولعل هذا هو السر في كون القرآن الكريم خلد تلك المحاورة النادرة بين الله عز وجل وعبده إبراهيم، حين بشره بالقيادة، فأرادها إبراهيم خالدة متواترة في عقبه من بعده، فكان الاعتراض على هذه الرغبة، على شكل استثناء لمن يظلم:" قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"[البقرة-124].

6- الاستيعاب:

توقف القرآن الكريم مرات متعددة عند خاصية حسن الخلق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وإنك لعلى خلق عظيم"، إلا أن وجه الصلة بينه وبين شخصية القائد هو أن الخلق الحسن يساعد على حسن استيعاب الأتباع والخصوم على السواء. ولهذا كان من السمات القيادية البارزة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة اللين والحلم والصبر على الأذى ومسايرة المحاور بالنزول عنده إلى مستواه وإلى القضية التي تشغله، حتى لو كانت هذه القضية تافهة في موازين الرسالة. يبين القرآن الكريم بوضوح هذا الرابط في قوله تعالى:" فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ  وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ"[آل عمران-159]، إلا أن هذا الدين لا يتنافى مع الحزم وإلا لتحول إلى نقطة ضعف وعنصر نقص تعوق القيادة عن أداء مهمتها الرئيسية التي هي:"فن سوق الناس إلى الهدف"(8). ولهذا كانت تتمة الآية ضرورية في هذا السياق:" فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ"[آل عمران-159].

ولعل من أهم المقتضيات الخارجية لخلق الاستيعاب هو فن الابتسامة الدائمة والذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمارسه ويتقنه دوما حتى وُصف من أصحابه بالبسّام. بل "كان أحيانا يضحك حتى تبدو نواجده"، وكانت "تتهلل أسارير وجهه" فكأن "الشمس تجري في محياه".

ولعل من أهم المقتضيات الاجتماعية حسن مخالطة الأصحاب، حتى لا يكاد يميز القائد عنهم شيء في لباسه أو طعامه أو ركوبه أو شارته. ولقد كان الرسول الأكرم المثال النادر لهذه الخصيصة، إذ كان يدخل عليه الأعرابي وهو في جمع من أصحابه فيقول: "أيكم محمد". كان "يجلس كما يجلس العبد، ويأكل كما يأكل العبد". وكان إذا صافح أحدهم لا يسحب يده حتى يكون الشخص المصافح له من يفعل ذلك. وكان في مجلسه مع العدد الكثير من الجلساء يُحسن الإقبال عليهم، "حتى يظن كل واحد منهم أنه الأثير لديه".

كما أنه لعل أهم مقتضى داخلي، يتعلق بالشعور والإحساس، هو سلامة الصدر تجاه محيط القائد، ومن يتعامل معهم، وعموم المرتبطين به. وإنما يكون المدخل في الغالب إلى المؤامرات والدسائس، أو إلى المكر والخديعة، وقد يصل الأمر إلى النكب والابتلاء، متصلا بغياب هذا الشرط المعنوي. ولقد حقق النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، على صعوبة توافره لدى القائد. والأعجب منه أنه وفره بطريقة مناقضة لتوجه القادة السياسيين عادة. فعوض أن يشجع على تبليغه بأخبار وسلوكات من حوله، حتى يأمن غائلتهم على الأقل، فإنه كان ينهى عن ذلك:"لا تحدثوني عن أصحابي، فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر"!(أخرجه أحمد في"المسند"، وأبو داود في"السنن"). ولعل من أهم ثمار هذا الموقف المتسامي، ألا يكون له صلى الله عليه وسلم "خائنة الأعين": فحين اضطر إلى العفو عمن لا يستحق، وعلّق بعد انصرافه على أصحابه بقوله:" لو أن أحدكم عاجله. وأجابوه: لولا أشرت إلينا يا رسول الله. كان جوابه الحازم" لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ"!(سنن أبي داود).

فلا عجب إذن أن يأمنه حتى المنافقون على أنفسهم، وأن يعيشوا في ظل دولته آمنين على أنفسهم، وهم يمكرون به بالليل والنهار، رغم أنه كان قد أوحي إليه بأسماءهم واحدا واحدا، وكان يُطلع على أفعالهم وخطواتهم واحدة بواحدة.

7- القوة المادية والفكرية:

لقد بين القرآن الكريم بوضوح، في حالة طالوت ملك بني إسرائيل أن القوة معيار أساس في التفاضل بين المتنافسين على القيادة السياسية، وربما على غيرها من أنواع القيادات الأخرى. وإذ اكتفى القرآن بذكر أن بني إسرائيل قد وجه إليهم الأمر لطاعة طالوت والتجهز بالجهاد تحت قيادته، بمبرر وحيد وبدهي وهو الاصطفاء الإلهي"إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا"[البقرة-247]، وإذ اعترض بنو إسرائيل، وأفصحوا عن رغبة جلية في منافسة المرشح الإلهي:"وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ "[البقرة-247]، فإن الوحي قد أفصح سعيا إلى الحزم عن المعيار الفيصل للاختيار، فإذا به القوة ولا شيء غير القوة:"إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ"[البقرة-247]، إنها القوة في تجلياتها المادية(الجسم) وتجلياتها الفكرية(العلم).

أما العلم، فلا شك أن من أبده البدهيات أن يكون القائد على علم، وخصوصا ما يتصل بالمجالات المعرفية المباشرة التأثير في مجال قيادته.(الإمام: فقه العبادات- مدير الشركة: علم الإدارة، القائد السياسي: علوم السياسة والديبلوماسية والإستراتيجيا). ولعل هذا ما دفع فقهاء السياسة الشرعية، إلى اشتراط أن يكون الإمام بالغا درجة الاجتهاد، وحتى من اعترض منهم على هذا الشرط، فإن اعتراضه لم يكن من قبيل تصور عدم الحاجة إلى هذا الشرط، وإنما كان اعتراضه من قبيل صعوبة توفره في المرشح للخلافة دائما. وحتى لا ينقص القائد من معرفة لا سبيل إلى حسن الأداء بدونها، فليزم أن يستدركه باختيار العلماء والخبراء والمختصين، ومداومة مشاورتهم والإصغاء إليهم، كل حسب تخصصه في المجال الذي يكون فيه معرفة القائد ناقصة أو متجاوزة.

ولعل هذا الشرط، من زمن طالوت إلى زمننا هذا، يزداد حدة وإلحاحا. فليس هناك أخطر من القائد الجاهل، وما يَسْتجره الجهل من غرور ورعونة وتسرع، يؤدي إلى اتخاذ القرارات الكارثية، ولن استدل هنا بأمثلة من حكام الاستبداد، فهؤلاء دليل على البداهة، وإنما سأستدل بنموذج لأكثر دول العالم ديمقراطية، وهو الرئيس الأمريكي جورج بوش الثاني، الذي جمع بين الجهل والغباء فأورد العالم المهالك، إذ سهل بجهله استغلال اليمين المتطرف الأمريكي لمكانه في البيت الأبيض، ليفرض مخططاته الشريرة على العالم وخصوصا المسلمين فكانت أفغانستان والعراق وفلسطين من أبرز ضحايا فترة حكمه. ولقد صدقت رئيسة الديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي "نانسي بيلوسي"، على عهده حين خاطبته في الكونغرس ردا على دفاعه عن قراره بغزو العراق، بقولها:"سيدي الرئيس أنت غبي وكذاب".

وإذا كان شرط العلم ما زال على أهميته بل ويزداد، فإن شرط القوة البدنية قد يبدو اليوم غير ضروري بالنظر إلى أن الحاكم لم يعد يحتاج إلى أن يكون مصارعا ولا حتى فارسا، ولكن الحقيقة أن السلامة البدنية على الأقل ما زالت شرطا ضروريا في سلامة القيادة والتسيير. ولهذا تحرص القوى الحية من الدول الديمقراطية على تتبع الأحوال الصحية للحاكم رئيسا كان أو ملكا ولا تتسامح مع أي محاولة لإخفاء تطور سلبي يتعلق بها، وتعتبر ذلك من الخيانة، ومن قبيل خداع الشعب. وكلنا نذكر كيف غضب الفرنسيون حين نشر الطبيب الخاص للرئيس ميتران مذكراته وذكر فيها الأحوال الصحية المتردية لميتران خلال ولايته الثانية، والتي أخفيت عن الرأي العام حين ترشحه لتلك الولاية. وكان الموقف نفسه من الشعب الأمريكي حين ظهرت مذكرات طبيب روزفلت، ومن الشعب الصيني حين نشرت مذكرات طبيب ماوتسي تونغ.

خاتمة:

هذه بعض معالم الرؤية القرآنية والنبوية في مجال القيادة، حاولنا أن نبقى فيها لصيقين بنصوص الوحي المباشرة في الموضوع، ولو شئنا أن نتوسع - بعيدا عنها- في كتب التراث خصوصا كتب السياسة الشرعية حين حديثها عن شروط الإمامة الكبرى، لما وسعتنا المجلدات.


المراجع:

* أبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية.

* بريان أونيل، اختبر مهاراتك القيادية.

* جمال ماضي، القيادة المؤثرة.

* داني هوفر، القيادة في الأزمات.

* رمضان الزيان، خصائص القيادة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة.

* زياد علي، الفكر السياسي والقانوني عند محمد بن علي الشوكاني.

* سعيد حوى، فصول في الإمرة والأمير.

* سنن الدارمي.

* صحيح البخاري.

* صحيح مسلم.

* عبد العالي الميتي، القيادة المبادئ والوظائف.

* عماد الدين خليل، حول القيادة والسلطة في التاريخ الإسلامي.

* محمد شاكر الشريف، الطريق إلى الخلافة إمام الحرمين الجويني.

* محمد عبد النبي، في ظل السيرة.

* محمد علي غانم الطويل، كيف تكون قائدا مبدعا.

* محمد محمد أمزيان، في الفقه السياسي: مقاربة تاريخية.

* مسند الإمام أحمد بن حنبل.

* المصحف الشريف.

* المعجم الأوسط للطبراني.

* المعجم المفهرس لألفاظ الحديث.

* المعجم المفهرس لألفاظ القرآن.

الدراسات والمقالات:

* عبد الله بن محمد العمرو، المنهج في رعاية القادة في العهد النبوي وعهد الخلافة الراشدة، مجلة جامعة الإمام، عدد52، 1426هـ.

* عبد الوهاب الشرعبي، من دلالة الكتاب والسنة في أمر القيادة.


الهوامش:

1.      لإعطاء المثال على الإسقاطات المضحكة نذكر بالشيخ الطنطاوي الجوهري رحمه الله، المفسر المصري المشهور حين سعى لتأصيل نظرية داروين في القرآن من خلال قوله تعالى:"وقد خلقكم أطوارا"![نوح-14].

2.      للدلالة على خطورة المنزلق المشار إليه، فقد ذهب بعض الباحثين مثلا إلى استخلاص خمسين صفة قيادية عند تمحيصها لا تصمد منها عشر صفات يستطيع الباحث المدقق الاقتناع بسهولة أنها موجهة إلى خصوص القيادة، أما الباقي فجلي أنه موجه إلى عموم المكلفين. أنظر على سبيل المثال رمضان الزيان: خصائص القيادة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة، بحث منشور على الرابط الالكتروني: www.ahlalhdeeth.com/vb/attachment.php?attachmentid

3.      نقلا عن رمضان الزيان خصائص القيادة الإسلامية في ضوء القيادة والسنة، ص1017 بتصرف، مرجع سابق.

4.      ورد مصطلح أمة أيضا بمعنى القيادة السلبية وذلك في قوله تعالى:"إنا وجدنا آبائنا على أمة"[الزخرف-22،23]. وبالمناسبة فإن مصطلح إمام آنف الذكر، وهو الأظهر للدلالة على القيادة في القرآن، يرد أيضا بمعنى سلبي في قوله تعالى:"وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار"[القصص-41]. وهذا ليس بمستغرب من القرآن الكريم، إذ غالبا ما ترد فيه شبكة المصطلحات محايدة، تستعمل سلبا وإيجابا، من ذلك مصطلحات العمل والمكر.

5.      نقلا عن عبد العالي حميتي، القيادة: المبادئ والوظائف، ص18.

6.      نفسه، ص21.

7.      نفسه، ص23.

8.      طارق السويدان: التربية على القيادة من الأسرة إلى المجتمع. محاضرة ألقاها في ضيافة جمعية الحضن. الدارالبيضاء. المغرب. ربيع 2009.

cialis generique en cialis generique en cialis generique en
viagra online billig viagra pillen kruidvat viagra prijs apotheek
generic cialis pro cialis coupon codes discount cialis online discount
prescription savings card sporturfintl.com cialis discounts coupons
prescription coupons link cialis coupons from manufacturer
prescription coupons link cialis coupons from manufacturer
coupons for drugs go coupons for cialis
prescription drug cards prostudiousa.com coupons for cialis
prescription drugs coupons cialis coupons free cialis coupons printable
prescription coupon card click coupons for prescriptions
maps open mpa in n/mm2
januvia 100 mg hinta carp-fishing.nl januvia hinta
cipralex 5mg open cipralex escitalopram
allopurinol bpac a1softec.com allopurinol bp 100
vaniqa comprar blog.rewardsrunner.com vaniqa venezuela
tamoxifen dosering site tamoxifen dosering
discount card for prescription drugs emergent-ventures.com prescription discounts cards
oxcarbazepine mylan oxcarbazepine oxcarbazepine mylan
revia side effects naltrexone alcoholism medication injections for alcoholics to stop drinking



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة