قراءة نقدية لكتاب: «سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين»

مراد ليمام
8/23/2014


قد يكون من باب المغالطة والتعسف تقويض المسار العلمي لعبد السلام ياسين حين اتهامه بأنه كان يسعى بطريقة سياسية - دينية إلى قلب نظام الحكم الذي عانى منه كثيرًا. وتتنوع صور معاناته في جهات شتى، لعل أبرزها التنكر لإنجازاته في مضمار الكتابة التي نحت منحنى التحدي لعالم كامل، من خلال الكشف المستمر عن رعب الدوغمائيات (العربية والغربية) في المحيط الاجتماعي والسياسي والتاريخي. فقبل موته وبعد موته سنقول أنه مازال غائبًا باعتباره فاعليته في المكتبة العربية والمغربية على الخصوص، وغيابه هذا بمثابة إعلان عن حرب قائمة أو عن انجراح سلوك يتنور وهو دام في مسيرته وتفكره. إن تناسي جود قريحته وطي صفحة إبداعاته اعتراف آلم وصادم عما لاقاه على أيدي غيره، تمسي عندها لحظة النبش في المتون مكاشفة لتاريخ ضار وتدوينًا لوثيقة كلام يأبى التكتم والصمت.

فمتون عبد السلام ياسين تفيض بوازع قهري ومضن بما يشغله داخليًا، وتخص معنى حياتنا ومعنى وجودنا في هذه الأرض. ولعل هذا الاهتمام دليل على عدم اطمئنانه للإجابات التي قدمت عن سؤالي الإنسان ووظيفته في هذه الحياة، مما جعله يغير زاوية النظر، حيث أمضى عقودًا زمنية باحثًا في الثقافات والأفكار، متحريًا تفعيلات الدين ليفحص الإنسان من منظور القرآن والسنة دون إهمال إمكانات النظر العقلي، كما كان ذلك حافزًا من أجل صياغة مذهبه الخاص الذي أعلنه في مفهومي العدل والإحسان.

على هذا الأساس حاول الدكتور إدريس مقبول في مؤلفه (سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين) إماطة اللثام عن العديد من أفكار عبد السلام ياسين، جاعلاً إياها تصطف تحت عبارة المدرسة الفكرية بحد تعبيره. وعلى العموم؛ يجب أن يستحضر التفكير في المدرسة الفكرية لعبد السلام ياسين مختلف أنماط حضورها الثقافي داخل المجتمع: حضورها الخطابي والمؤسسي داخل المجال العمومي.

داخل هذا الإطار يصبح مؤلف الدكتور مقبول حديثًا عن شرعية معرفية معينة للخطاب الديني، تسعى لأن تنازع خطابات أخرى داخل المجال العمومي والخاص، إذ يحاول الباحث أن يؤسس هذه الشرعية على أساس نظري معين: يكون هذا الأساس مرتكزه القرآن وطريقه السنة. وقد عبر عبد السلام ياسين عن ذلك بما أسماه «المنهاج النبوي»، ويعتبر إدريس مقبول هذا الأخير «نظرية في الوجود والعلم والعمل والذوق» (ص 45). فالشرعة والمنهاج هما بمثابة الينابيع العميقة التي يستقي منها الإنسان وعيه بذاته، إذ يمثلان شكلاً كاملاً من الحضارة الإنسانية بأسرها، يلخص في ذاته ما هو مشتت في الطبائع القومية.

إن مؤلف (سؤال المعنى) يعتبر نظرة استكشافية مطعمة بحس الاعتداد بالذات واستقطابيتها من خلال تصور ملهم الجماعة عبد السلام ياسين، ولكن الأهم هو البعد الثقافي الذي يدعم مكانتها ويخص موقفها عبر السعي إلى بناء شرعية فكرية واجتماعية وسياسية وتربوية وفنية تروم تأصيل مفاهيم الدين والتدين في مجتمعات أضحى فيها المعنى ضربًا من ترف الأنا الأثري. ولتوضيح هذه المسائل أكثر؛ لابد من الإشارة إلى أننا سنقوم بقراءة المدرسة الفكرية لياسين على ضوء قراءة إدريس مقبول، وبعبارة أدق؛ تندرج محاولتنا ضمن قراءة القراءة (Meta-méta lecture).

فإذا كان الأستاذ مقبول في قراءته يمتحن منهجيته في المعالجة داخل حيز نظري يمكّنه من البرهنة على قضايا المعنى في مدرسة ياسين، فإن قراءتنا لن تأتي ردًا على القراءة السابقة، أو نقضًا لتحليلها. فحوى القول أن قراءتنا تطمح لاكتشاف ما لم يكشف عنه القارئ المحلل حين حفظه للأثر وأرشفته، علمًا أن هذه الأخيرة تخلق أثرًا إضافيًا فوق أثر المفاهيم والمعاني التي رمى صاحب النص الأصلي إلى قولها.

إن اقتفاءنا لآثار المدرسة عند ياسين أمر لا يخلو من مخاطرة، فبقدر ما يحاول الباحث صون أفكار ياسين فإنه يعمل على محوها، ويبقى عسيرًا الزعم بتلخيص محاور أطروحاته حرفيًا، مادام المطلب في الأصل مطلبًا يتعذر بلوغه، ومبتغى يستحيل تحقيقه. فالقراءة المرآوية لا تتأبى نتيجة القصور المعرفي للقارئ، وإنما موطن الإشكالية يكمن في كون النص يحمل بذاته أكثر من قراءة. فلا تكون قراءة القارئ (إدريس مقبول) استكشافًا للنص بقدر ما هي استكشاف لذاته بحسب الانتماء المذهبي وربما في محاولة للإجابة عن سؤال الجماعة بعد وفاة عبد السلام ياسين.

يبدو لنا أن توطين قراءتنا على هذا النحو، تشبه وضع رحالة بين عالمين، ما دامت كل قراءة تختلف بطبيعتها عما تقرأه. ولا بد من الإقرار أن ما دعانا إلى هذه القراءة هو الاعتراف بالآخر بوصفه شريكًا في التخاطب، لنا ما له من الحقوق، بالإضافة إلى ما وجدناه من أفكار سديدة أصبحت بمثابة العملة النادرة. لكن ذلك لا يعني أننا نوافقه في كل ما قاله، بل تأتي قراءتنا ضمن زاوية تطمح تعميق النظر في بعض القضايا التي أثارت العديد من اللغط، وأسالت الكثير من المداد.

إن مسألة المعنى عند المرحوم ياسين تنطوي على إشارات تخص التدابير التي ينبغي اتباعها صونا للمعنى وللإنسان في انسيابهما الوجودي في ثنايا العالم، وحصول ذلك يستدعي ضربًا من المقتضيات، تستخرج من ارتباط الإنسان بإله تظهره السماء، ويستمد ما قلناه دعواه من التصريح الآتي: «يبدأ سؤال المعنى في فكر الأستاذ ياسين وفلسفته من الحفر في طبقات تاريخ التواصل الأول بين السماء والأرض» (ص26).

فانكشاف الله بواسطة السماء، هو انجلاء يظهر المعنى الإنساني في المسمى قلبًا حين إنصاته للرنين الخفي والأصلي. والمغزى من ذلك؛ أن للإنسان القدرة على استدعاء الله واستلهام أحكامه عبر تشريع يناصر نعمة الحضور الإلهي. ويبرز ذلك بجلاء حين سماع القلب للنداء الإلهي الأصيل الذي تتكلم به الأشياء من خلالنا: «فالسماع عند ياسين ليس سماع المستقيل ولا المنقطع عن ضوضاء العالم، بل سماع الذي لا ينفصل عن واقعه» (ص 26).

وبلغة أدق؛ الإنسان منادًا عليه من فوق، فهو حارس السماء وراعيها على الأرض، فهو يسعى من أجل الظفر بما تهتف به السماء بغية التكلم به، حيث يمتد المعنى من الدنيا نحو الآخرة، أي من حياة الموت إلى موت الموت.

إن فكرة الموت بنظر عبد السلام ياسين إجراء توليدي كفيل بضخ المعنى في حياتنا من خلال بيان ما يريد أن يكونه الإنسان. لكن فهم الموجود الإنساني في فكر ياسين هو إمكان إنساني واحد ووحيد يستقي مرجعيته المطلقة من الإسلام وشريعته، وبفضل هذه المرجعية يتم تقديم العمليات الأكثر وضوحًا وتجليًا لتجربة أكثر سعادة، على أن السعادة المقصودة هنا سعادة معنوية تستوحي منجزاتها من إيمان قلبي محض، هو في توق أبدي إلى سماع الفيوض الحكمية الربانية.

إن مسألة السماع تقتضي حركتين: حركة النزول تجاه عالم محايث مرئي، بغية تحقيق قيم العدل الإلهي وتجسيدها. ثم حركة الصعود عن تعطش ولهفة نحو عالم غيبي مفارق (الآخرة) ترادف فيه الجنة طريق سلوك الإحسان. غير أن شروط بلوغ ذلك تستدعي برأي عبد السلام ياسين حرية ترادف التحرر من الهوى والنزوعات الدفينة من جهة، كما تقتضي الانعتاق من قيود الخوف وأغلاله من جهة أخرى. فالحرية في نظر ملهم الجماعة تجمع بين قيمتين: هناك، أولاً: المسؤولية التي تقود نحو الالتزام بشروط النداء والاستجابة الإيمانية دون الخضوع لعبودية الضرورة الطبيعية. ثانيًا، هناك: التحلي بالشجاعة اللازمة قصد تمزيق شرنقة الجبن والخوف بثورة يكون مطمحها استعادة الكرامة الإنسانية.

من الواضح أنه على الرغم من توسيع مهام العقل إلى مشارف الأشياء، لم يكلفه عبد السلام ياسين بسن القوانين الأخلاقية بل تركه للدين، مما يدل على أن العقل بات غير قادر على النظر في مسائل من قبيل البعث والخلود طمعًا في السعادة القصوى. من هنا بالضبط تأتي وظيفة القلب الذي بات موضوعه الإيمان الديني الذي يوجد وراء حدود الطبيعة والعقل، لأنه آت وحيًا من السماء، فحركة العقل المسلم ونصوص الوحي متمسكان أشد التمسك بالقرآن الكريم، مما جعل ياسين يصف هذه الصيرورة الدينامية باجتراح مفهوم خاص لذلك هو المنهاج النبوي.

فمن مرتكزات المنهاج النبوي الدعامة الإيمانية ، وهي أحد الأسس القاعدية الجوهرية لتحرير الحقل المفاهيمي من سلطان الخرافة والوهم بتصحيح عقيدة المسلم الفرد، على اعتبار أن ثمة قوة غامضة جاءت بالإنسان إلى الوجود الذي يظل إشكاليًا. فمهمته تهذيب الأخلاق وتقويم الطبيعة الإنسانية بأن يضفي عليها قيمًا حتى يكتمل الإنسان بأن يملي عليه قلبه يقينيات، فتستكين حيرة السؤال أمام اتساق الإجابات. إن الدعامة الإيمانية التي ينهض عليها مفهوم المنهاج النبوي تجعل الإيمان القلبي ذا إلهام نبوئي تتصل فيه النفس بالوحي اتصال استمداد. والجدير بالنظر في هذا المجال تمييز عبد السلام ياسين بين نوعين من التحصيل المعرفي حين جعل القلب أرقى من العقل في النبوءة مادام تحصيل المعرفة الحقيقية (العلم المفرد) خاضعًا للاصطفاء. وقد ساق عبد السلام ياسين ذلك من أجل وضع حد لما يمكن للعقل تحصيله، فليس من مهامه النظر في الغيبيات.

وبالفعل إذ نظن أن إقحام العقل في موضوع يظهر قابليات للتجلي تنفلت من إمكانات نظره أمر مستحيل، لأن الدين يقوم على جملة من الأحداث والقصص والتعاليم لا يمكن نسبتها إلى العقل كلية، مادامت هي في الأصل من باب المقدس الذي يتطلب التسليم والإيمان لا التحليل البرهاني. ويجب أن نعترف في الوقت نفسه بأن المنهاج النبوي يدفع بالعقل نحو مقام الإفصاح عن حدود قدرته على المعرفة. إن وضع العقل موضع تساؤل شرط أساسي لينال الحق في الخضوع لأوامر الوحي ونواهيه بغية تطهير القوة الإدراكية الإنسانية من عوائقها وأوهامها الزائفة. ولعل هذا هو ما قصده عبد السلام ياسين حين قوله : «ويبقى العقل خادمًا لأوامر القلب المفعم بحب الله، القائم بحق الله، الفاعل بإرادة قوية لا تتنكر لقدر الله، ولا تحيد عن مقتضى سنة الله» (ص64).

بات من الواضح أن أهم ما يميز المنهاج النبوي اعترافه بأهمية الوحي، باعتباره منطويًا على درر عقلية تمكن القلب البشري من الإنصات لندائه والاتصال بإلهامه والتفاعل معه باعتباره معقل المبادئ الأخلاقية. كما بنى عبد السلام ياسين منهاجه النبوي على جملة من التقابلات لتفكيك عقلانية الحضارة الغربية، وما استتبعها من علوم مسكونة بوهم التفوق وهواجس التعدي على الآخر حتى بلوغ حد السيطرة الأحادية. إن العلوم المهووسة بالنزعة الموصوفة بالعقلانية تخضع العقل لعبودية الالتزام بالغاية النفعية المترتبة عليه، تغدو عندها قيمة الإنسان صعبة المنال، بل تظل موضوع استفهام تنخره توترات القلق واللامعنى، فلا تتحقق مشروعية الإنسان إلا بمقدار فقدانه.

إزاء هذا الوضع، يدعو ياسين إلى حال من الصحوة تميز بين نظام الحتميات الملموسة ونظام القيم والغايات، بين العالم الدنيوي والعالم الغيبي وهو عالم المستقبل والآخرة. وقد استعمل هذه التقابلات للتمييز بين العلم المفرد القائم على العقل الكامل، فنكون إزاء حقيقة قلب تعقل أي أن فعله هو العقل. ثم بين العلم بصيغة الجمع المحكوم بالعقل المعاشي الذي يفترض فيه ياسين خدمة تطلعات القلب إلى خالقه حتى لا ينساق وراء الأهواء والفلسفات المادية.

إن كلام عبد السلام ياسين يشرح لنا بوضوح معنى الدين من منظور المنهاج النبوي بوصفه دينا يوجد بنظامه المستقل والخاص في تخوم القلب المنصت لنداء الوحي. إلا أن هناك توافقًا ما مع العقل، على أن العقل هنا هو ذو طبيعة دينية إيمانية أي: «على مستوى العقيدة التي تسكن القلب وتحدد خريطته المعرفية ورؤيته للعالم، وعنها تصدر ما يسمى الخلفية الإبستمولوجية للعلوم» (ص88). ومؤدى هذا الكلام؛ أن عدم قدرة الإنسان على فهم الطبيعة الاختيارية والتحكمية للرحمة الإلهية، وبحكم أن السماع والإنصات هما اللذان يؤهلان الإنسان لأن ترعاه العناية الإلهية بلطفها، يصبح الاتكال على الإيمان القلبي مهما حتى يعرف الإنسان ما يجب عليه فعله فيحض بالجود الإلهي.

إن في هذا التصور اكتشافًا لما يتقوم به الإنسان إنسانًا، وما به شرف عن الحيوان. فرد السماع القلبي إلى هبة إلهية تفيد في المنهاج النبوي اتصال الوجود الإنساني بالوجود الإلهي من غير حلول أو اتحاد (ص97). فحركة السماع تدفع الإنسان إلى حيز الوجود، وجوده في إنسانيته، فإذا هو معانق إياها بقلبه. فتشوق القلب بحافز السماع إلى المدارك العلوية يتأسس على القرآن والسنة بوصفهما مصدرين أساسيين لكل تمثل موحد ومنسجم للعالم، فبهما تتحدد إنسانية الإنسان فيضبط موضعه ومصيره اللذان هما في بداية الأمر ونهايته مخلوق رباني، وعلامة دالها الجسد الذي يحجب في جوفه مدلولا مطبوعا بطابع رباني.

إن مهمة المنهاج النبوي تحرير الإنسان بواسطة فعل القلب، تأكيدًا أن من ماهية الإنسان أن يكون كائنًا منصتا للنداء الخفي، الذي يتسرب إلى ذاته بإملاء من الوحي وكأنه صورة للنفس وهي تنزل من سماء الله. وبغية تحقيق ذلك؛ نجد عبد السلام ياسين يستنجد بالتربية باعتبارها تدبيرًا أخلاقيًا من شأنه تبليغ الإنسان إلى كماله، على أن الإنسان الذي يقصده عبد السلام ياسين ليس إنسان ديكارت ولا الإنسان السوبرمان لينتشه، ذلك الإنسان الكافر بالمسيحية التأثيمية الذي غادر موروث القيم البالية ليلعب لعبة الخلق = خلق القيم، ولكن بدلاً من ذلك إنسان أصغى لنداء الوحي فتلقى المدارك العلوية ذوقيا من الله.

فالخطاب التربوي للمنهاج النبوي يتوقف على المنطلقات الفكرية والتصورية لكل من الإنسان والعالم والثقافة. إن العالم في نظر الإنسان المسلم له دلالة مادية على قدرة الله، بل إنه لدليل قطعي على وجود عالم الغيب، وما العالم الماثل أمامنا إلا مجال لتجلي القدرة الإلهية. أما الإنسان فيتنزل ضمن هذا العالم بوصفه عنصرًا من عناصره، وباعتباره كائنًا منصتا للقدرة الإلهية فيه.

إن رؤية المنهاج النبوي للعالم والإنسان رؤية متعالية سبحانية تتأسس على القرآن والسنة، وهذان الأخيران يشكلان نسقًا معرفيًا يفجر مختلف البنى الرمزية في الثقافة الإسلامية. من هنا بالضبط تكون مهمة التربية بناء شخصية الإنسان المسلم بشكل يستجيب لثوابت الثقافة الإسلامية. وبتعبير أدق؛ التربية هي الحاضنة التي يتم فيها إيقاظ قلب الإنسان وعقله من سباتهما الدوغمائي العميق، فيمتلئ الفؤاد بالإيمان ليكون عبدًا لله ويكتسب العقل طرقًا ومناهج في التفكير يعي الإنسان بواسطتها ذاته والوسط الذي يعيش فيه: «كوسيلة لمعرفة الواجب الديني والتعامل مع الخلق ومع الأشياء» (ص114).

بناء عليه، يدعو ياسين إلى عملية التحويل الثقافي حتى تصبح وظيفة الأجهزة التعليمية وظيفة حيوية حين جعلها «محاضن للتربية الإيمانية في الاعتبار الأول» (ص116)، بعيدًا عن جراثيم اللائكية والإلحاد.

إن المسلك الذي يقترحه المنهاج النبوي بواسطة التربية هو الانتقال بالإنسان للإعلان عن حقوق الله في مجتمع أخوي تحكمه المواطنة القلبية. إذ ينتقد ياسين مفهوم المواطنة والمجتمع المدني القائمين على فكرة السماح للناس ببسط حريتهم الأنانية طالما تظل متناغمة مع حرية الآخرين دون أن تعلن موقفها من قيمتها الأخلاقية، إذ تكتفي الدولة هنا بتحديد الإطار القانوني الصوري الذي يضمن التمتع بالحرية وبثمار العمل دون حرمان، بل يرفض ياسين مبدأ الحريات الفردية وحيادية مؤسسات الدولة عن التدخل في تحديد نموذج الحياة الجيدة، فقيم المواطنة والمجتمع المدني القائمين على الحيادية والصورية والإجرائية والبرغماتية تتصادم مع قيم المجتمع الأخوي والمواطنة القلبية.

لذلك يدعو مرشد الجماعة إلى تأمل سياسي يتجاوز علاقات الهيمنة والنفوذ بين الناس في المجتمع المدني، وتعويضها بعلاقات تحل فيها الرحمة - بعد الإقلاع عن حب الدنيا وعبودية الهوى - محل القوة كآلية لضبط علاقات الأفراد. إن ما يطمح إليه ياسين هو دولة يتحدد هدفها في حماية الأفراد من أنفسهم بقيادتهم نحو ما ينبغي أن يكونوا عليه، بأن تشيع بينهم أخلاقًا إيمانية تربوا عليها تهدم أنانيتهم . كما تعلمهم: «أن حق الإنسان الذي يشده إلى الحياة الكريمة على الأرض هو سعيه من أجل تحقيق العدل، وحقه الذي يرفع منزلته ويربطه بعالم السماء هو الإحسان - أن تعبد الله كأنك تراه -» (ص135).

وهكذا يمكن القول أن مبتغى ياسين هو جعل المنهاج النبوي أداة تزود الإنسان بمرشد ودليل في الحياة، ومعيار أخلاقي في السلوك. لذلك نجده يحاول أن يجترح تصورًا للدولة تتحدد فيه من خلال المشاركة في إقامة نظام عادل والدفاع عنه وفق المثل الديني التي ترتضيه، فيكون هذا المثل الأعلى بمثابة المعيار المعتمد لتحديد خيرية السلوك من عدمه، إذ لابد للمرء من حدود فاصلة بين الأخلاقي واللأخلاقي، على أن الأخلاقي المقصود هنا لا يلتمس ماهيته من طبيعة الإنسان ولا في ظروف العالم الموجود فيه، بل لابد من البحث عنه بطريقة إيمانية باعتباره صادرًا عن الله بطريق الوحي. ربما تكون رغبة ياسين في إقامة صرحه المنهاجي في الأخلاق والسياسة والدين ضرورية لوضع حد لنظام الإقصاء لحظة الانكسار التاريخي المتمثل في الخروج من الخلافة إلى الملك فضياع الشورى، إذ نجده يسائل شرط إمكان التأريخ لتاريخ لم يكتب بعد، إنه نقد يستمد منبعه من القلب المفهومي الذي أحدثه الانكسار التاريخي، والذي يبرز ضرورة اعتراف كل خطاب ديني بالإسلام المستحق (غير المكتوب) تجاه الموضوع المنقود.

في مسعاه التحليل؛، يطمح ياسين إلى جعل الإسلام المستحق يفصح عن نفسه ابتداء من عملية إرغامه على الصمت بموجب «الذهنية التقليدية التي تدين بالولاء غير المشروط للسلطان» (ص150). إن الحديث عن التاريخ الإسلامي المكتوب خاضع لإيقاع زمن لا يفتح فضاءه إلا عبر احتجازه لتاريخ إسلام آخر (غير المكتوب)، بيد أن الكلام عن هذا الأخير يظل متعذرًا ولا يمكن متابعته إلا بمقدار ما هو أثر إقصاء من ذاك العنف الأصلي المتمثل في لحظة الانكسار، لحظة انتقال السلطة السياسية من الخلافة الراشدة إلى الملكية. ففي النهاية ليس هناك ما هو أكثر استبدادًا وتسلطًا من هذا الإسلام المكتوب الذي أراد إنقاد نفسه لحظة الانكسار فاحتكم إلى تسوية أوضاعه مع الإسلام المستحق.

لقد أوجد النظام السلطاني ظلاً له في الشورى، إلا أنه استبعدها وكان عليه من أجل ذلك تشييد صروح الاستبداد والتسلط، إذ اعتقد أن بمقدوره أن يخنق الشورى فيه من خلال تحشيد الولاءات المذهبية والطائفية. وبالفعل تحقق له ذلك، حيث نعاين الانتقال من مرسوم الإقصاء الإسلامي إلى مرسوم الإقصاء السياسي - الاجتماعي اللذان أعلنا ولادتهما في مرسوم الدولة السلطانية.

في هذا السياق، سياق حل مشكل الإقصاء لتاريخ لم يكتب قط، تاريخ المعاناة من تصدعات الصمت التي تسكننا وتسكن تاريخنا، يطلق ياسين صرخة المتمرد الداعية إلى الانعتاق من هباء الفقه التاريخي المدون وتجاوز لحظة الإعاقة التي أفرزت تاريخًا معطوبًا، ومما يضفي على دعوته مزيدًا من الهالة والتشويق، حرص صاحب المنهاج النبوي على الارتفاع فوق التاريخ باعتماد مفهوم «الاعتبار التاريخي والقراءة البصائرية». يبدو أنه صار علينا التعالي في قراءة التاريخ، فالقيم المدفونة في خضمه ربما تتطلب من المرء الاعتداد بالمنهاج النبوي باعتباره بوصلة تسعف في تركيب نموذج ذهني تستخرج عناصره من التاريخ، وبشكل أكثر دقة؛ بإمكان المرءالقول، إننا وفي نطاق معين يمكننا تجاوز المعنى المتخثر الجامد نحو معنى متطلع انطلاقًا من الفعل المبادر والمتمثل في صناعة التاريخ.

إن صناعة التاريخ تتوسل بوحدة الحاضر كجسر للزمان يتحقق بواسطته السماع، سماع ما حدث وما سيحدث، على أن النتيجة الأساسية لهذا المشهد تتمثل في أن الحاضر والماضي يمكن تفسيرهما بوصفهما ركيزتين لكلية المستقبل، علمًا بأن المستقبل المقصود هنا «يتجاوز الآتي من الزمن الدنيوي إلى الآخرة وما بعد الموت» (ص161). فالمعرفة بموتنا تزودنا بالسياق الأساسي لإدراك تجربتنا عن المستقبل، كما تمكننا من حسن التواجد باعتباره صورة للسماع الساعي إلى تملك الأصالة المنبثقة من تجليات الإيمان القلبي الخاشع المصغي.

ولعل عبد السلام ياسين يريد أن يرى فيما هو أعم من التاريخ نفسه، ما يؤسسه ويتجاوزه نحو أهداف عليا ترجع إليه وتتسجل فيه بوصفها محركات. فلم يعد بإمكان التاريخ الزحف إما بذاته أو لذاته إلا إذا تمكن القلب الإيماني عن طريق السماع من اقتناص بعض دلالاته بوصفها معان أو تأويلات تمثل بحثًا عن الأزمنة الضائعة، لا من أجل استردادها، بل لصناعة تاريخ مقص وكتابة صيرورة في هذا الحاضر الآخر المختلف. على أن الصناعة هنا لا تعني إعادة إنتاج للشبه الطوباوي، أو تكرارًا للذاكري، بل انفلاتًا منهما استجابة لأسئلة تخص راهنيتنا.

وإذا كان المنهاج النبوي قد حدد ما يعتبر سلوكًا إسلاميًا، فإنه لم ينس ربط تقويم الفنون بالمعرفة القرآنية باعتبارها معرفة ذوقية تتوسط بين النسبي والمطلق. من هنا تكون مهمة الجمال التوفيق بين الميدان الحسي والمقصود الروحي المرادف لحقيقة رسالة الوحي الشفافة.

ويقرّ عبد السلام ياسين أن هذا التصور في مجال الجماليات والفن، يمثل نقطة تأسيسية لمفهوم الجمال و«لنظرية الفن في الإسلام من خلال نظرية المنهاج النبوي ... التي تستوحي رؤية معرفية تفاصيلها من روح التفاعل مع القرآن الكريم على الخصوص في مبادئه العليا» (ص174)، ولذلك رأى ياسين في الجمال صورة المطلق في الوجود الحسي، بمعنى التحقيق الواقعي للمثل الأعلى في شكل الظاهرة المحسوسة، تمسي عندها المضامين التي يجسدها الفن تجليًا لأعمال المقصود الروحي بإخضاع العالم المادي لتحول عميق تتحقق عبره قيم المثل الأعلى في المحسوس الواقعي، ولا تنفصل هذه الوجهة عن كون الجمال يظل مفارقًا ومحايثا لهذا العالم، وبالتالي يصبح الجميل في شكل من أشكاله يتضمن قصدية محايثة بغرض تأسيس أحكام ذوقية مشتركة بين الأفراد.

فإلى جانب الأحكام الجمالية التي تعبر عن التعجب الدائم في عالم الآيات عبر الإحساس بالنقص والضعف الممزوج بالتقديس، نجد الأحكام الجمالية التي تترجم المتعة الحسية من خلال الإحساس باللذة والمتعة الحسية وما يزاملهما من بهجة حين إظهار الجمال أي التجمل، ولا ينفصل هذا الأخير عما يدعوه عبد السلام ياسين بالجماليات النبوية التي تتضمن أحكاما حول الجميل تمتزج داخل المجتمع، حيث يطمح الفرد المسلم إلى التحلي بمظاهر الجاذبية حتى يكون مقبولا فتتوطد العلاقات بين الأفراد. والغاية من ذلك صياغة أحكام جمالية تحول الذوق داخل الأفراد إلى ثقافة مشتركة «فيربى النشئ على دوام الطهارة والنظافة، والسواك والتطيب» (ص185).

إن الجمال الفني هو نفسه الجمال الأخلاقي، فنقول إن الصلة بين الجمال وفعالية الفن تجعل من الإنسان والحياة والعالم امتلاء لكل فراغ روحي. إن ما يميز تصور عبد السلام ياسين هو ارتكازه على رؤية جمالية إيمانية تقوم في أساسها على الكشف عن الحقيقة الكامنة في الإبداع الفني، الذي يتيح فرصة الإفصاح عن المثل الأعلى. كما أن ارتباط خصائص الفن بالرسالية والتوحيد والأخلاقية يجعلنا نعتبر الجميل مرتبطًا أشد الارتباط بأسلوب إظهار الحقيقة التي طمستها فلسفات الفن المادية ومذاهبه الفكرية. فالفن لا يكون فنًا إلا بإخراجه الجميل الذي يمكننا من أن نعانق تجربة روحية مخالفة لما هو معتاد. إن الإبداع الفني الأصيل الذي يخرج جمال المقصود الروحي لا يبلغ ذروته إلا حين استسلامه لنداء الحقيقة وهي تحدث.

ختامًا؛ إن إقبالنا على جملة الإشكالات الياسينية التي تطلعنا إلى إحكام معاشرتها والعمل على إصابة تضاريس انتظامها الداخلي، اصطدمت بصعوبات التقلب بين ما هو فلسفي وما هو ديني، وبين ما هو علمي وما هو فني. لذلك عسر علينا أحيانًا التعامل مع سبل أفكار ياسين المخضرمة بين حقول فكرية مختلفة والتي حاول أن يؤسس لها موقعًا يطفو فوق تلك الحقول. فأسلوبه لا هو حصرًا بالفلسفي أو الديني الصرف، ولو أن منهاجه يروم الدفاع عن الإسلام. لنقل إذن إن أسلوبه البرزخي لا يقترح نظرية مغلقة أو نسقًا دوغمائيًا مكتفيًا بذاته، بل يؤسس مدخلاً لبحث مستجد يشي بعوالم وآفاق يمكن تشييدها بناء على مقدماته.

فهل سيحظى دارسوه وأتباعه بشرف تقاسم عناء تجربته الفكرية باتخاذ تأملاته مادة لتشييد صروح أرسى أُسُسَها فينالوا شرف سكناها؟ أم أن الأرض ستهوى إن تصدعت الأسس وفقد كل دليل للمعنى عند الجماعة؟

 

sex problems with diabetes go maximum cialis dosage
cialis generique en http://cialis20mgsuisse.com/generique/en cialis generique en
prescription drug cards go discount drug coupon
prescription drug cards site discount drug coupon
printable cialis coupon coupon for prescriptions coupon for cialis
discount card for prescription drugs mha.dk discount prescriptions coupons
prescription drug cards prostudiousa.com coupons for cialis
prescription drugs coupons discount prescriptions coupons cialis coupons printable
prescription drugs coupons cialis coupons free cialis coupons printable
venlafaxine 37.5 mg venlafaxine vergeten venlafaxine 37.5 mg
maps open mpa in n/mm2
cipralex dosierung igliving.com cipralex alkohol
diflucan djelovanje open diflucan djelovanje
vermox brez recepta vermox vermox prezzo
flagyl click flagyl for bv
lasix dosis lasix precio lasix indicaciones
oxcarbazepine mylan bilie.org oxcarbazepine mylan
oxcarbazepine mylan oxcarbazepine oxcarbazepine mylan
the cost of abortion farsettiarte.it depression after abortion



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة