فيينا: صناعة الحداثة

نهى سعداوي
12/30/2016

فيينا: صناعة الحداثة[1]

أندريا جيبونس[2]

ترجمة: نهى سعداوي

 

ساهمت الثقافة الفيينية بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين وبداية الحرب العالمية الأولى بعدد كبير من الأفكار في تشكيل القرن العشرين. في هذه المقالة، تكتشف الباحثة أندريا جيبسون العاصمة النمساوية، فيينا، كموطن للتحليل النفسي، الصهيونية والإيديولوجيا النازية من ضمن تيارات سياسية وفنية أخرى.

 حوالي سنة 1900 كانت لحظة فارقة في فيينا. فحين تبدأ قيم/مبادئ إمبراطورية هابسبورغ في التفكك وتتعالى مطالب الحقوق، سيعيش مجموعة من الفنانين، المعماريين، الموسيقيين، علماء الاجتماع والسياسيين تجارب ستغيّر مجالاتهم الخاصة. بالنظر لفن جوستاف كليمت، معمار أدولف لوس، سيكولوجيا سيجموند فرويد، تيارات الشيوعيين الصاعدة، النسوية، دراسات الجيروساليم وأوائل تجارب ادولف هتلر وتيودور هرتزل، من الواضح أنّ فيينا كانت مركز نشأة الحداثة كما نعرفها.

يلتف طريق فيينا الدائري الأثري "رينغ ستراشه Ringstrasse" كسوار أو حلقة حول داخل المدينة. بنيت "حلقة فيينا" في أواسط القرن التاسع عشر وهي عبارة عن مجموعة شوارع واسعة وواجهات أرستقراطية لمحلّات ومساكن، مبنى برلمان ومتاحف عامة كبرى بحجارة على الطراز اليوناني القديم وعصر النهضة الإيطالية، عوضت دفاعات العصر الوسيط لتحيط المدينة القديمة بطرقاتها الضيقة وزواياها الخطرة التي توجد على امتدادها الكاتدرائية، قصور القرون الوسطى والكنائس. يمثّل "رينغ ستراشه" انتصار واقع جديد على ملكية تتلاشى بصعود الليبرالية بالتوازي مع صعود التجار والطبقات الوسطى.

  هنا وقف هتلر في صميم الفقر وكتب أنه لا يستطيع رفع عينيه عن هذه المباني الضخمة.

"عصر الأمن الذهبي" هكذا يصف الكاتب ستيفان زويج  Stefan Zweig العصر الذي تجسّده ذات البنايات. يوما بعد يوم، اعتقد الكل في سير التطور البطيء والثابت بأقصى درجات اليقين، لكن هذا اليقين قد بدأ سلفا بالتفكك مع امبراطورية هابسبورج نفسها حتى حين كان يجري استكمال "رينغ ستراشه". كان التشيك، المورافيون والبوهيميون يطالبون بالحكم الذاتي وحقهم في لغاتهم الخاصة. كما لم تلعب إمبراطورية النمسا-المجر أي دور في التدافع الأوربي على المستعمرات الإفريقية. اشتغل الشك في الثوابت القديمة عملت ليصهر المثل الأخلاقية القديمة ويعيد تشكيل معنى ثقافة النخبة.

فيينا هذه اللحظة بالنسبة لنا الآن، كما حاول عدة كتّاب دراسة وتحليل كيف أصبحت مركز تجديد، أوشكت على التجمّد في الزمن. في عمله الضخم عن فيينا نهاية القرن، قال كارل شورسكي أنّ تراجع الليبرالية قاد البرجوازية للتجريب. عدم قدرتهم على خلق تغيير سياسي دفعهم لتركيز جهودهم على الجماليات والقيم في الفنون والعلوم الاجتماعية قبل كلّ شيء بالنسبة لستيفن بيلر، كان الصدام لدى العديد من الرموز الثقافية الهامة بين خلفيتهم اليهودية وتعقيدات معاداة السامية في فيينا. تدور هذه الروايات المتعددة حول نفس الأحداث والأسماء المألوفة، سرد يتجه غالبا للتعتيم على اتساع نطاق التمرد في المجال الاجتماعي والسياسي واتجاهه أيضا بعيدا نحو الفن، الجماليات والحياة الفكرية.

 

حقوق المرأة وفيينا الحمراء

 كانت النساء جزءا من هذه الثورة، يطالبن بحقوقهن السياسية، الاقتصادية والفكرية ويُثرن نقاشات حول طبيعة الجنس الأنثوي وما يناسبه من أدوار (ما أن/بما أنهن قد) نحتن طريقا في مجال الفنون والثقافة والموسيقى. كتبت اوغست فيكار، روزا مايردر وماري لانج وتظاهرن بلا كلل. حطمت السي جيروساليم حواجز الجندر في العلوم الاجتماعية لتكتشف عالم الفقر والدعارة، العالم السفلي في فيينا. تداخل تحركّهن أحيانا مع تحرّك الفقراء والطبقة العاملة الذين وجدوا في الاشتراكية حلّا لفقرهم، تواضع مساكنهم، قلة حيلتهم وفرصهم وتمثيلهم. ستصبح فيينا الحمراء شهيرة كمحاولة لخلق يوتوبيا اشتراكية في خضم  التضخم المالي في فترة ما بين الحربين.

 

نشأة الفكر النازي

بحدّة أكبر، نشأ أيضا نوع آخر من الآراء السياسة: شعبوية، مثيرة للمشاكل، عدائية ومصدر تهديد. صرخ جورج ريتر فون شونرير واستعر انتصارا للقومية الألمانية ومعاداة للسامية. استخدم كارل ليوجر نفس الأسلوب الحماسي لربط معاداة السامية مع الكاثوليكية المحافظة. حين استلم ليوجر منصبه كمحافظ فيينا في 1897، يقول تشورسكي، مثّل ذلك نهاية الليبرالية الكلاسيكية. أدولف هتلر، الذي كان يعيش فقيرا ومحبطا كفنان، سيتبنى نفس أسلوب فون شونرير وليوجر والكثير من مضامين خطابهما ليُنشأ الفكر النازي. هكذا يصبح من غير المفاجئ، أنّه في هذا المكان والزمان سيخطر تدريجيا ببال ثيودور هرتسل أن اليهود يمكن أن يكونوا آمنين في وطن لهم، مبشرا بالنازية كقوة حديثة في العالم.

 

الثورة في الفنون

كانت هذه الفترة التي شهدت أزمة اجتماعية وأخلاقية واسعة الانتشار إطارا لحركة التمرّد في الفنون والعلوم التي استهلّت الحداثة. سعى الشباب "Die Jungen" لبلوغ الحقيقة الخاصة بهم في خضم تفكك التقدم الذي لم يشكّك فيه آباؤهم أبدا. قاد جوستاف كليمت مجموعة من الفنانين للتخلي عن نقابة الفنون القائمة. عرفت المجموعة باسم 'Secession/انفصال" وكان شعارها "للعصر فنه، للفن حريته". رسم كليمت "Nuda veritas الحقيقة العارية" للعدد الاول من مجلة المجموعة التي أطلقوا عليها اسم "Ver Sacrum/ الربيع المقدس. اللوحة عبارة عن امرأة عارية تحمل مرآة وتجبر مراقبيها على النظر إلى وجوههم ومواجهة ما يشاهدون فيها. سيتحدّى كلّ من الينا لوكش-ماكوفسكي وتيريزا ريس، اوسكار كوكوشكا وايجون شيالي مثاليات الجمال والمواضيع المثلى للتجسيد في أعمالهم، وهكذا تتغير نظرة الناس للفن والفنان ونظرة الفنانين لأنفسهم.

 

صورة: الحقيقة العارية، جوستاف كليمت. لوحة جوستاف كليمت الحقيقة العارية،تختصر الطبيعة الثورية للحركة الانفصالية في الفن التي تتحدى مفاهيم الفن والفنان.

حقوق الملكية: صور الفن التشكيلي/صور التراث/صور جيتيGetty

 

سيجموند فرويد

نشر سيجموند فرويد كتابه تفسير الأحلام سنة 1899. وقد بُني أساس التحليل النفسي على تحليل أحلامه والأزمات الخاصة التي أحاطت وفاة والده، بالإضافة لمعاداة السامية التي تسببت في ركوده المهني وقلقه السياسي. لم يجد فرويد حل هذه الأزمات في تحليل واقع سياسي بشع بل في العمل على حوادث في طفولته ، شبابه وجنسانيته التي أصبحت ملموسة عبر أحلامه. يتجلى تركيزه على الباطن وقوة اللاوعي  من خلال الفنون والفهم اليومي لحيواتنا الخاصة، حيث أصبحت  مفاهيم مثل عقدة أوديب أمرا معتادا. لعبت أفكار فرويد  دورا محوريا في الكيفية التي ننظر بها لأنفسنا في العالم الحديث، والطريقة التي نفهم ونفسر بها التفاعل بين الماضي والحاضر. وكما أشارت استير ليسلي "مثل كارل ماركس، وضع -فرويد- فهما للأساليب التي يؤثر بها الماضي في الحاضر والحاضر في الماضي- مثل نظرية  Nachträglichkeit، العمل المؤجل، التي يؤثر فيها الماضي على الحاضر وربما أيضا الفكرة الفرويدية أنّ الذاكرة في صيغتها المجزّأة تؤكّد دور النّسيان وإعادة البناء الخلاقة للماضي في الحاضر كجزء من تشكيل نظرية ديناميكية للنفس.

صورة (١):

المحلل النفسي النمساوي سيجموند فرويد في مكتبه في فيينا، 1937

يعتبر سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي وقد غيّرت أعماله بشكل دائم فهمنا للاوعي البشري.

حقوق الملكية: مجموعة بورجيرون/ار دي اي/أرشيف هولتون/صور جيتي Getty

 

أدولف لووس والمعمار الحديث

يعتبر أدولف لووس رائد البناء الحديث، دافعا للأمام فكرة معمار مجرّد من الزخرفة. وقد حقّق هذا في كتاباته التي نُشر بعضها في مجلة "الربيع المقدس" وفي شكل مبانيه قبل كلّ شيء. تخلّى لووس عن الواجهات والديكور ليركّز بدل ذلك على الغرض الحقيقي من المبنى، مساحاته الداخلية وسلامة المواد المستخدمة. كانت الهياكل الحديثة الصارخة التي نأخذها مسلّمة ثورية، إذ تنتصب ببساطتها في تناقض تام مع زخرفة "رينج شتراسه" التي تجسد روح العصر السابق. صمم لووس "المقهى المتحفCafé Museum" الذي كان من شأنه أن يصبح مكانا رئيسيا لتجمّع الحداثيين من الفنانين والكتّاب. (مثّل انتشار ثقافة مقهى فيينا اجتماعيا ولو جزئيا حاضنة الحداثة على أقلّ تقدير، وقد خلق وعزّز نبذ القديم وتبني الجديد.)

 

صورة (٢):

بوستر محاضرة: "منزلي في ميتشلربلاتز My House on Michaelerplatz"، أدولف لوس

كان لوس رائد المعمار الذي نبذ معالم الزخرفة ليعتمد خطوطا نظيفة وناعمة. كان عمله "جمالية حديثة" أعادت تعريف البناء للقرن العشرين.

 

الموسيقى الحديثة

في فيينا، عاش موزارت، هايدن، بيتهوفن وبرامس وألّفوا موسيقاهم. فالس شتراوس صوّر جوهر عالم الليبرالية المذهّب تماما مثلما فعل "رينغ ستراشه". سيساعد جوستاف ماهلر في إارسال عالم الموسيقي ليتداعى أمام الأشكال الجديدة، بتحوّله من اليهودية إلى الكاثوليكية ليتولى منصب المايسترو في دار أوبرا فيينا بين سنتي 1897 و1907. سيدفع شوينبيرج نحو الحداثة بأكثر من هذا، متحديا الكمال الكلاسيكي المتمثل في التناغم والانسجام في لوحاته، وقبل كل شيء في موسيقاه. كان يرى الجمال في الأشكال والتنافرات الجديدة كليا، مفتتحا مدى جديدا من الاحتمال في التأليف. جعل اختراعه لتقنية الاثنا عشر صوتا التهاون في استهلاك الفن مستحيلا، تماما كما فعل فرويد وحركة الانفصال بالفن والحلم.

ذهبت الثوابت القديمة ودخل كامل مدينة فيينا والأراضي الشاسعة لإمبراطورية هابسبورغ حالة من الاحتقان والاضطراب عبر عملية تفكك ستؤدي لقيام الحرب العالمية الأولى لكن، قبل أن تصل سنة 1914 بالانهيار إلى نهايته، نعمت فيينا بلحظة نادرة من التألق الجمالي المبتكر، لا تزال تشكّل نظرتنا للعالم اليوم.

 



[1] نشر المقال الأصلي باللغة الإنجليزية على موقع The British Library على الرابط:

http://www.bl.uk/20th-century-literature/articles/vienna-modernity-in-the-making

[2] كاتبة وجغرافية حضرية مختصة في علاقات التعاون التأسيسي بين الناس والمدن التي يعيشون فيها، جامعة بين الاقتصاد السياسي والنظرية الثقافية، اهتمت في عملها بتأثير العرق، الجندر، الثقافة والحركة الاجتماعية في المدن من خلال البحث الأرشيفي، الأدب والأثنوجرافيا.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة