جغرافيَّات العَولَمة: قراءة في تحديات العولَمة الاقتصادية والسياسية والثقافية (1/2)

د. ورويك موراي
5/13/2013

الكتاب:

جغرافيات العولمة: قراءة في تحديات العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية

المؤلف:

د.ورويك موراي

المترجم:

د.سعيد منتاق

الإصدار:

سلسة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-

الكويت، عدد 397، فبراير 2013م

الصفحات:

440 صفحة

 

بين يدي الكتاب:

يعتبر هذا الكتاب أحد الإصدارات المهمة لسلسلة كتب عالم المعرفة، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت.

ويحمل الكتاب المترجم إلى اللغة العربية نفس عنوانه في الأصل الإنجليزي، لكاتبه المرموق "د.ورويك موراي"، أستاذ دراسات الجغرافيا البشرية والتنمية في جامعة فيكتوريا بنيوزيلندا، وهو مفكر مرموق في مجال الجغرافيا البشرية، ومتخصص في مناطق أمريكا اللاتينية، وقد صدر له ما يقرب من ثمانين كتابًا.

كما أن مترجم الكتاب "د.سعيد منتاق"، أستاذ للدراسات الإنجليزية بجامعة محمد الأول بالمغرب، وله العديد من الدراسات حول ما بعد الحداثة والإسلام والدراسات الثقافية، باللغتين الإنجليزية والعربية، كما أن له ترجمات فكرية وأدبية عديدة.

ويناقش هذا الكتاب، على امتداد صفحاته الأربعمائة والأربعين، مفاهيم العولمة المتعددة ونظرياتها وعملياتها وتأثيراتها من منظور جغرافي، مع عرض أهم الأفكار التي تناولت عمليات العولمة وبرامجها، وتقديم معالم دراسات إضافية وامتدادات بحثية.

وينقسم الكتاب إلى ثلاث أبواب تتدفق من النظري إلى الملموس ومن العام إلى الخاص، ومن العالمي إلى المحلي.

الباب الأول: "جغرافية محولة"، ويناقش في (الفصل الأول) مفهوم العولمة ويقومها نقديًّا، ثم يواصل في (الفصل الثاني) مناقشة "وجهات نظر" و"نظريات" متعددة بخصوص العولمة، ليتناول بالتفصيل في (الفصل الثالث) الآثار الفضائية للآراء المتعددة ويضعها في السياق التاريخي.

أما الباب الثاني: "مجالات متغيرة"، فيجزئ عملية العولمة ونتائجها ويحللها في مجالات متداخلة في ثلاثة فصول: المجال الاقتصادي (الفصل الرابع)، والسياسي (الفصل الخامس)، والثقافي (الفصل السادس)، مؤكدًا الصلات والانقطاعات بين التغيير في هذه المجالات المتعددة.

أما الباب الثالث: "تحديات عالمية"، فيبحث في مجالين لهما أهمية خاصة بالنسبة إلى المتخصصين في الجغرافيا البشرية: التنمية والتفاوت (الفصل السابع )، والبيئة (الفصل الثامن)، مع تعقب التحديات التي تنتجها العولمة في هذين المجالين.

وفي (الفصل التاسع والأخير)، يجمع المؤلف بين التحليلات النظرية والتاريخية والتجريبية؛ لكي يتم التفكير مليًّا في الطبيعة المتغيرة للعولمة، وآثارها في الجغرافيا على أرض الواقع، والطريقة التي تُدرس بها ويُبحث فيها، ويُعطى اهتمام خاص لاحتمال قيام عولمة تقدمية تحويلية بديلة، والدور الذي قد تمارسه الجغرافيا في مساعدة تحقيق ذلك.

هناك مجموعة من الأسئلة حاول الكتاب مناقشتها والإجابة عنها، تتعلق بتعريف العولمة، ومحالة فهمها، وكشف دوافعها، ورصد مساهمتها في تجانس المجتمع العالمي، وتأثيراتها على التدويل من جهة، أو تراجع القوة الدولية القومية من جهة ثانية.

كما يتناول آثار العولمة المضرة بالبيئة، و"العالم الفقير"؛ والكيفية التي تغير بها مفاهيمنا عن الفضاء والمكان والقياس.

ولا ينسى المؤلف أن يناقش إمكان وكيفية إصلاح العولمة، والدور المنتظر من الجغرافيا والجغرافيين في تحقيق عولمة تقدمية بديلة.

الباب الأول: جغرافيات مُحوَّلَة

يقدم هذا الباب مفهوم العولمة ويقومها نقديًا في الفصل الأول، ثم يواصل في مناقشة وجهات نظر ونظريات متعددة تتعلق بتعريف العولمة في الفصل الثاني، ليتناول بالتفصيل الآثار الفضائية للآراء المتعددة ويضعها في السياق التاريخ في فصله الثالث والأخير.

الفصل الأول: ماتت الجغرافيا؟ ظهور العولمة

يمثل هذا الفصل مقدمة عامة للكتاب، حيث يعرض المؤلف في نهايته أهم محتويات الكتاب، وتوجهات أبوابه وفصوله.

لكن قبل ذلك، يحرص المؤلف على وضع إطار مفاهيمي مضبوط يتناول المفاهيم والمصطلحات الخاصة بالتناول الجغرافي لقضايا العولمة. كما يصحح الكثير من التصورات الشائعة سواء عن أدوار الجغرافيا، أو عن العولمة نفسها.

حيث ينتقد التمثلات الشعبية الخاطئة عن معنى الجغرافيا، لذا يهدف من خلال كتابه إلى توضيح ما يلي: مع التغيير الأساس الذي تحدثه العولمة في طريقة تدفق الأشخاص والسلع والمعلومات وتفاعلهم، تنشأ جغرافيات جديدة ومعقدة.

كما يقوم الكتاب على فرضية أنَّ فَهم العولمة ومحاولة ضبطها وإصلاحها، يتطلب أخذ الجغرافيا بجدية أكبر.

ويحرص المؤلف على إبراز تعقيدات العولمة، كظاهرة قد تكون أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه للبعض: سواء من خلال مناقشته للخطابات المناهضة للعولمة، ولأسسها وتاريخها وتحولاتها؛ أو من خلال عرض مختلف المواقف العالمية بخصوص العولمة والتي تتراوح بين تأييد هذه الأخيرة أو رفضها أو طرح عولمة بديلة.

عمومًا، تقدم الجغرافيا البشرية إطارًا متميزًا لفهم تعقيدات العولمة بثلاث طرق على الأقل:

1. هذا الحقل المعرفي يهتم بطبيعته بالفضاء، لا سيما تفاعل العمليات والبنيات والذوات الفاعلة على مستويات مختلفة من التحليل.

2. الجغرافيا البشرية تؤهل خطابات العولمة، من خلال تحذيرها من عبثية الفصل بين المحلي والعالمي اللذان تجمعهما علاقة جدليّة.

3. الجغرافيا البشرية هي بطبيعتها انتقائية، حيث يتناول الجغرافيون العمليات الاقتصادية والثقافية والسياسية والبيئية، وتأثيراتها الفضائية على أفعال الناس.

عمومًا، ترتبط الجغرافيا باعتبارها حقلاً معرفيًا بالعولمة من خلال أربع طرق:

- الجغرافيا والعولمة.

- الجغرافيا في العولمة.

- جغرافيات العولمة.

- جغرافيات مع العولمة أو ضدها.

ولأنّ الكتاب يتبنى الطريقة الثالثة، وهو اختيار يبدو واضحًا من خلال عنوانه: "جغرافيات العولمة"، فإنّه سيركز على نقض فكرة أن العولمة تجعل العالم متجانسًا، والتركيز بدل ذلك، على دراسة التفاوت الذي يصبح أكبر يومًا بعد يوم؛ فواقع العولمة يكشف شبكات من الامتياز، مع فواصل كبيرة من الفقر والحرمان. ومن خلال تصور العولمة على أنها "تطور زمكاني متفاوت للرأسمالية"، يصبح دور الجغرافيا هو فهم "فضاءات التدفقات" وأيضا فهم "فضاءات الأماكن".

الفصل الثاني: العولمة عبر الفضاء – نظريات متنافسة

يبدأ المؤلف الفصل الأول من كتابه بجولة تاريخية تتلمس بعض محاولات التفكير التي صاغت تأملات قريبة من مفهوم العولمة، فيتحدث عن "عالمية" سان سيمون وكونت ودوركهايم وآخرين.. أو التوسع الجغرافي للطبقة الصناعية عند كارل ماركس بحثًا عن المواد الخام واليد العاملة الرخيصة.. ليختم بمفهوم القرية العالمية الذي أبدعه مارشال مكلوهان في سياق اتصالي محض.

بعد ذلك ينتقل إلى عرض نماذج من الأطروحات المعاصرة حول العولمة، من خلال تصنيفها إلى ثلاثة مجموعات: المتحمسون للعولمة، والمشككون فيها، والمؤمنون بالتحول.. ليعمل فيما بعد على عرض الآثار الجغرافية لهذه الأطروحات الثلاثة عن العولمة، من خلال اعتماد أربعة مقاييس حاسمة لقياس العولمة وتأويلها في إطار الاتجاهات الثلاثة أعلاه؛ ويتعلق الأمر بـ:

- اتساع شبكات العولمة.

- كثافة ترابط العولمة.

- سرعة تدفقات العولمة.

- نزوع تأثيرات ترابط العولمة.

وبخصوص مفهوم الفضاء، هناك على الأقل ثلاث صياغات لمفهوم الفضاء ترتبط بالطريقة التي نفهم بها العالم:

- الفضاء المطلق: أي أنه معطى أنطولوجي، خارجي، له معنى محايد ومستقل عن إدراكنا له.

ـ فضاء خرائطي: يقاس بالكيلومترات والأميال...

- الفضاء النسبي: يُدرَك من قبل الناس ويختلف إدراكه تبعا لثقافاتهم ومواردهم، يبني النشاط والتجربة الإنسانية، ويُبنى أيضا بهما.

- الفضاء المجازي: لا يحيل على أي وحدة إقليمية، مثل الفضاء الإلكتروني الذي يوفر فضاءات مجازية جديدة للتفاعل، على رأسها الواقع الافتراضي: إنه فضاء مجازي، لا يوجد على أرض الواقع، لكن قد تكون له آثار حقيقية.

وفي الأخير، يوافق المؤلف رأي عدد من الجغرافيين، حول وجود ارتباك هائل بشأن وضع مفاهيم لقوة "العولمة" السببية، لا سيما في دراسات عديدة حيث الخطوط بين العولمة خطابًا وعملية ونتيجة غير واضحة، وذلك لأنّ العمليات المادية هي نفسها متشابكة داخل شبكة من الخطابات التي يجب فصل العمليات المادية عنها؛ على الرغم ـ طبعًا ـ من أن الخطابات نفسها تؤثر في العمليات والنتائج المادية".

في هذا السياق، ليس للعولمة قوة محددة في حد ذاتها ومن نفسها، فهي أولا، تُكوِّن القياسَ، حيث تؤدي العولمة إلى انهيار المقاييس وزيادة التداخل بينها، وهذا لا يعني أن القياس لا وجود له، ولكنه أصبح أكثر مرونة، فالعملية المهيمنة إذن في هذا الصدد هي أنّه في التجربة المعيشة للبشر ينمو المحلي، ويتقلص العالمي، مؤديًا إلى نتائج "عالمية محلية" جديدة، مما يتطلب تحول الحكومات والأعمال والأشخاص – والفاعلين عمومًا – لأنشطتهم وردودهم قصد التعامل مع الوضع الجديد.

وثانيًا، هناك جغرافية للعولمة باعتبارها خطابًا: بمعنى، كيف تستعمل – ويُساء استعمالها – من لدن مجموعات اجتماعية مختلفة لتبرير تدخلات وقراءات معينة. باختصار، العولمة مشروطة تاريخيًا وفضائيًا وسياسيًا، للرد عليها بفعالية في أي حالة يجب أن تفهم داخل سياق تلك الحالة.

وخلاصة كل هذه النقاشات حسب المؤلف، هي أنّ الجغرافيا مهمة في الحقيقة، إذ تتغير قيود الجغرافيا مع تحول الفضاء والقياس، ولكن هذا يحدث جغرافيات جديدة للأماكن القديمة والحديثة، التي هي من دون شك أصعب للفهم من أي وقت مضى.

الفصل الثالث: العولمة عبر الزمن- تواريخ متنافسة

يرفض المؤلف في هذا الفصل رأيين شائعين بخصوص العولمة: الأول هو أنّ العولمة قد أُلقيت على العالم مثل بطانية، حيث يعتبر أن هذا اعتقاد خاطئ، لأنّ تأثير العولمة كشبكة، لا يقع على كل الناس بشكل متساوٍ، كما لا تجعل كل الأمكنة متشابهة، ولكن كل شيء يُحدد تبعًا لعلاقته بها.

أما الرأي الثاني الذي يرفضه المؤلف، فهو أنّ العولمة حديثة ووليدة العصر الحالي، إذ يعتبر أنها لها عمقًا تاريخيًا، تحدد من خلال موجات تاريخية متباينة.

وليصل إلى هذا الاستنتاج الثاني، بدأ بعرض ومناقشة التأويلات المختلفة لتاريخ العولمة، تبعًا للاتجاهات الثلاثة التي تحدث عنها سلفًا: المتحمسون، والمشككون والمؤمنون بالتحول.. حيث يعرض في كل مرة الرؤية التاريخية للعولمة لهؤلاء، ثم يعقبها بمناقشة نقدية.

إذ يعرض الفصل أربعة إطارات تاريخية: تبدأ بمناقشة رأي المتحمسين للعولمة، ثم المشككين فيها. وتختم بتحليل تاريخي للمنظور المؤمن بالتحول: الأول ذو سند اجتماعي، والثاني يتأسس على منظور الاقتصاد السياسي.

ولا ينسى الكاتب أن يقدم إطارًا تاريخيًا أكثر بساطة لتأويل الموجات التاريخية المختلفة للعولمة، يرفض فيه فكرة أن العولمة شيء جديد، حيث يعتبرها مجموعة من العمليات والنتائج التي تجلت عبر أشكال وموجات مختلفة عبر الزمن والفضاء معًا، فهي مسارات مترابطة تاريخيًا، لكنها غير خطية ومتعددة.

وجذور ذلك الترابط يمكن اقتفاء أثرها بالعودة إلى الإمبراطوريات الأوروبية العالمية الأولى، والمنطق الذي يقوم عليه توسع نظام العالم قد تغير قليلاً، لكونه نظامًا للتراكم الرأسمالي من خلال تقلص الزمن- الفضاء. ورغم كون الظروف والتكنولوجيات المسهلة تطورت فوق الإدراك، فعولمة اليوم ليست جديدة تماما كما يعتقد الرأي الشائع، ولكنها بالتأكيد مختلفة جدًا عن أشكالها السابقة.

|1|2|



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة