التجربة النهضوية التركية: كيف قاد حزب العدالة والتنمية تركيا إلى التقدم؟

أسامة شحادة
4/8/2013

 

العنوان هو لكتاب جديد للباحث التركي محمد زاهد جول، صدر عن مركز نماء للبحوث والدراسات بالرياض مطلع هذا العام (2013)، في 240 صفحة من القطع المتوسط، وجاء في أربعة فصول.

ويمتاز المؤلف بإجادته للغة العربية. ولذلك، جاء كتابه شيق العبارة، سلس الأفكار، فلم يكن بحاجة إلى جسر الترجمة الذي يضع في الغالب من قيمة الكتاب الأصلي بسبب "فرق الترجمة" إذا جاز التعبير!

الكتاب يشد القارئ؛ فهو يمتاز بالوضوح والبساطة في عرض الأفكار، كما يمتاز بتقديم حقائق رقمية عن النتائج التي قدمها حزب العدالة والتنمية في تجربته في الحكم منذ العام 2002 وحتى اليوم، في مختلف المجالات وعلى كافة الأصعدة؛ الاقتصادية والصحية والتعليمية والعسكرية والعمرانية، وحقوق العمال والمرأة والأسرة وغيرها.

وينطلق جول من أهمية توافق الأمة مع هويتها، وخطر قيام السلطة بالتصادم مع هذه الهوية، لأن الخاسر دوماً في هكذا صدام هو السلطة. فقد أثبتت وقائع التاريخ أن العلمانيين هم من يخسرون كلما صادموا هوية الأمة التي هي الهوية الإسلامية.

ولذلك، يرى المؤلف أن أصل نجاح حزب العدالة والتنمية هو في "اكتشاف الذات بقناعاتها الفلسفية والدينية معا ودون تعارض، واكتشاف الذات بماضيها التاريخي والمعاصر ودون تناقض، واكتشاف الذات بمقدراتها الاقتصادية والسياسية بترابط ودون تباغض، واكتشاف الذات بمميزاتها الحضارية الحوارية ودون تصادم".

ويرى جول أيضا أن الإصلاح كان عملية عثمانية داخلية، بدأت بمبادرة من السلطنة بصدور الفرمان الكلخاني الأول من السلطان عبدالمجيد خان، بتاريخ 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 1839. وكان الهدف من العملية معالجة الخلل والضعف الناشئ في الدولة، وإعادة حالة القوة والإعمار والراحة بمقتضى القوانين الشرعية. ولكن حصل نزاع بين طرفين من العثمانيين، هما الإصلاحيون والمحافظون، وكانت تقابلهما جماعة من المتغربين الساعين إلى علمنة الدولة العثمانية، والذين نجحوا في إقامة الجمهورية بعد إلغاء الخلافة العثمانية.

وهنا يسرد جول سريعا المحطات التي تقلبت فيها تركيا منذ إلغاء الخلافة، وحتى وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة؛ وأن تركيا لم تتقدم أحوالها في ظل العلمنة المتشددة، بل تدهورت أحوالها السياسية والاقتصادية، إذ تعاقبت الانقلابات العسكرية فيها، وتدنّت قيمة العملة التركية (الليرة)، ولم يعد للدولة مكانة مرموقة لا في الشرق ولا في الغرب.

وهنا يرصد المؤلف أن تركيا - شعباً ودولة- ظلت تتقلب وتقترب من التصالح مع هويتها طيلة هذه السنوات تدريجياً، وهو ما لا يدركه كثيرون. فقد عَدّل الدستور في العام 1961 صفة الدولة من "تركيا جمهورية علمانية" إلى "تركيا دولة علمانية ديمقراطية". وهذا التعديل أنتج نجاح الإسلاميين في تأسيس حزب ذي مرجعية إسلامية هو حزب "النظام الوطني"، بقيادة المهندس نجم الدين أربكان، العام 1970، وذلك بعد مسيرة شاقة من محاولة الإسلاميين الأتراك ممارسة السياسة وإنشاء أحزاب سياسية تعرضت للحل عدة مرات، مثل حزب "حماية الإسلام" (1946)، وحزب "المحافظين"، وحزب "الأمة" (1948) الذي ألغي العام 1953.

ويجب هنا أن نتنبه إلى الفارق الزمني بين تأسيس أول حزب إسلامي في تركيا العام 1970، وبين تأسيس أول حزب إسلامي في العالم العربي، وهو حزب التجمع اليمني للإصلاح، العام 1990؛ أي إن التجربة الحزبية التركية تتفوق على مثيلاتها العربية بفارق 20 عاماً على الأقل!

ومن أهم معالم التجربة الحزبية الإسلامية التركية عند أربكان، والتي لم تلتفت إليها الأحزاب الإسلامية في عالمنا العربي، التركيز على اقتصاد الصناعة. يقول أربكان: "لا يمكن التقدم من خلال السياحة والزراعة. من يقول ذلك غافل عن الحقيقة. إن ما يلزمنا هو ثورة صناعية لتطوير الصناعات الثقيلة. فإذا لم نصنع نحن محركاتنا، ولم نصنع مصانعنا، فلن نتمكن من مقارعة الغرب". وهذا ما سار عليه أربكان في حياته المهنية. فهو مهندس تخرج من ألمانيا العام 1956، وكان أثناءها يعمل رئيساً لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات "كلوفز-هومبولدت-دويتز"، وقام بعدة ابتكارات لتطوير صناعة محركات الدبابات التي تعمل بكل أنواع الوقود. وعندما رجع إلى تركيا، ساهم في تأسيس مصنع "المحرك الفضي" لتصنيع محركات الديزل، وكان في الثلاثين من عمره. وقد بدأ إنتاج المصنع العام 1960، وهو ينتج اليوم نحو ثلاثين ألف محرك ديزل سنويا.

وكان من سياسة أربكان التي ما يزال ينتهجها حزب العدالة والتنمية، التركيز على الأفكار والمشاريع، وليس الشعارات التي تجلب عليه التبعات بدون نتائج؛ وإن كان في آخر حياته قد تورط في إطلاق بعض الشعارات التي استغلها خصومه فأقصوه من اللعبة السياسية.

ومن هنا، كانت انطلاقة حزب العدالة والتنمية تستند إلى تاريخ عريق من العمل الحزبي الإسلامي أو المحافظ، مع قيامه بتطوير خطابه ومراعاة ظروفه. فقد قدم نفسه على أنه حزب نصف ليبرالي وإسلامي معتدل، ولكنه ديمقراطي بالكامل. ولذلك، تعامل مع العلمانية من منظور جديد. فهو رفض المفهوم الأوروبي للعلمانية، وقدم رؤيته الخاصة في ذلك، وهي أن العلمانية: "الدعوة للعلم وتحرير تفكير الإنسان وعقله، ورفض الأفكار التي تلغي حرية الإنسان وتحرمه من عقله وتمنعه من اتباع العلم واكتشاف الحياة وتسخيرها لمصلحة الإنسان والناس والبشرية جمعاء".

وبناء على ذلك، فقد عمل حزب العدالة والتنمية على أن تكون أهدافه هي أهداف كل الشعب التركي، إذ قام منطقه على العمل مع الشعب التركي بكافة قومياته وتياراته الفكرية وتقاسيمه السياسية. ولذلك، يحصل الحزب بسبب هذه الأهداف المشتركة والأداء والنتائج القوية على أصوات تفوق عدد مؤيديه الملتزمين، ويبقى في السلطة لعدة دورات انتخابية.

ويصعب جداً هنا سرد الأرقام التي أوردها الكاتب لنتائج أداء حزب العدالة في الحكم منذ العام 2002، ولكن أعتقد أن على كل السياسيين الإصلاحيين الحقيقيين الاطلاع على هذه النتائج والأهداف، وأن يعملوا على تطبيقها في بلدانهم، بدلاً من الشعارات الجوفاء التي لم تمنع فساداً ولم تحقق إصلاحاً.

يختم جول كتابه بفصل مهم عن كيفية الاستفادة العربية من تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، ويبدأ من الديمقراطية؛ إذ ينبه إلى أنها لم تعد قضية عابرة، بل أصبحت هي الأيديولوجيا التي يحملها الغرب ويحارب من أجلها. وينقل عن صمويل هنتنغتون، صاحب نظرية صدام الحضارات، أن الغرب يربط بين الديمقراطية وبين تسع قضايا هي: الفردية، والليبرالية، والدستورية، وحقوق الإنسان، والمساواة، والحرية، وحكم القانون، والسوق الحرة، وفصل الكنيسة عن الدولة.

ولذلك، فإن العالم العربي في مرحلة الربيع العربي سيواجه قضية الديمقراطية وصويحباتها، ولكن بالمفهوم والأيديولوجيا الغربيين، والتي ستحاسب الدول العربية القديمة والحديثة عليها!

وهنا يطرح المؤلف تجربة تركيا في استيراد الديمقراطية بالمفهوم الغربي، وكيف أن الشعب التركي لم يسعد بها، لأنها تقوم على مبادئ تتصادم مع هوية الأمة الإسلامية. ولكن حين تمكنت تركيا من المزاوجة بين الهوية الإسلامية والديمقراطية، حصل لها الاستقرار والتقدم.

يختم جول كتابه بخمسة شروط للاستفادة من التجربة التركية، هي:

1- تجديد الدماء السياسية وإشراك الشباب، والثقة بالمجتمع وأفراده؛ فما فائدة التعليم إذا كان المتعلمون لا يفهمون ولا يمكن الثقة بآرائهم؟!

2- ترسيخ مفهوم أن السلطة هي خدمة للشعب، وليست مغنما واقعاً في سلوك الدولة والمعارضة.

3- سؤال الإنجاز هو الفيصل في تقويم المسؤولين. ولا يكفي الفصل، بل يجب التحقيق والعقوبة في حالة التقصير الضار.

4- العمل المؤسسي وفق خطط مدروسة وواضحة.

5- وصول نتائج النهضة لكل مواطن ولكل بيت.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة