استطلاع معهد "بيو" العالم الإسلامي بين الوحدة والتنوع: قراءة في واقع التدين في العالم الاسلامي(2/2)

تقرير/ مركز نماء للبحوث والدراسات
1/28/2013

- الجزء الثاني: الممارسة التعبدية

ثانيا البعد التعبدي الشعائري (الطقوسي):

إذا كان البعد العقدي يتسم بنوع من الصعوبة المنهجية في عملية الرصد، من حيث ضبط المؤشرات الخاصة بمدى انسجام الفرد المسلم مع الاسلام كدين معياري، أو من حيث انسجام مجموع المعتقدات مع ما يتمثله الشخص المسلم، فإن رصد البعد التعبدي يتميز بنوع من الوضوح المنهجي، وهو ما يمكن الباحثين في حقل السوسيولوجيا الدينية من الكشف حقيقة عن نوعية السلوك التعبدي ومدى حصول نوع من التناغم أم لا مع تعاليم الدين، ومن جهة أخرى يمكن للباحثين من وضع مؤشرات كمية قابلة للتعميم في ضوء الدراسات المقارنة عبر المناطق المختلفة من العالم، في هذا الصدد، فإن نتائج الاستطلاع الذي بين أيدينا جاءت لتؤكد عددا من الفرضيات المرتبطة بتميز المسلمين في أداء الشعائر التعبدية، واختلافهم عن بقية الديانات الأخرى، وبشكل خاص، مكنتنا هذه النتائج من رسم صورة عن خريطة ممارسة الشعائر التعبدية في عدد من البلدان الاسلامية، مما سيفتح المجال لدراسات أخرى مقارنة يمكنها ان تتقدم في تطوير عدد من المؤشرات التركيبية حول أداء الشعائر التعبدية ، وبصورة أكثر عمقا من رصد العوامل المغذية لارتفاع أو تراجع أداء هذه الشعائر، بمعنى آخر الوصول إلى مقاربات  أكثر تفسيرية في هذا المجال.

1) إقامة الصلاة:

تمثل الصلاة الركن الثاني في الدين الاسلامي، وهي من أعظم العبادات ولهذا جاءت الأحاديث النبوية الشريفة مؤكدة هذا الأمر العظيم، وجعلت أداء الصلاة معيارا للايمان وللحكم على الفرد المسلم. ولعنا نلاحظ أنه منذ ظهور السوسيولوجيا الدينية إلى حيز الوجود، فقد اعتمدت على مؤشرات كمية في رصد تدين الانسان. ولهذا كان  لزاما لاستطلاع كبير يهم تتبع أداء المسلمين في الجانب التعبدي من رصد هذه الشعيرة ومدى اختلاف أدائها بين بلد وآخر، ومنطقة وأخرى، وأيضا من جيل لآخر .

في مباشرة عملية الاستقصاء، طرح السؤال بهذه الصيغة: هل تصلي الصلوات الخمس كلها؟ ام أنك تصلي فقط بعضها؟ فكانت النتائج التالية:

سجلت منطقة الساحل وجنوب الصحراء اقوى النسب، فأداء الصلوات الخمس كلها مرتفع حيث سجلت اعلى نسبة بدولة غانا (91) أما بقية الدول فهي تتراوح نسبها مابين 90 و60، مع تسجيل نسبة منخفضة لدولة موزنبيق (32).

تلي هذه المنطقة من حيث الأهمية، منطقة جنوب شرق آسيا، حيث سجلت نسبة (75) عن التايلاند من الذين يؤدون جميع الصلوات. وفي منطقة جنوب آسيا نجد أفغانستان تصل بها النسبة إلى (88) وهي أعلى نسبة في هذه المنطقة. ثم بعد ذلك تأتي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا،حيث تتدنى النسب العامة عن المنطقتان السابقتان، وتسجل أعلى نسب في أداء الصلوات كلها في العراق (83) تليها فلسطين (69). أما في منطقة وسط آسيا فإن كازاخستان تسجل بها أدنى نسبة (2) من يؤدون الصلوات الخمس، وهي نسبة جد ضعيفة وتؤشر على ضمور البعد التعبدي في حياة مسلمي هذا البلد الآسيوي الذي عانى من المد الشيوعي سنين عديدة، وربما يؤشر ذلك على ترسخ الثقافة الشيوعية وذوبانها في مخيال ووجدان أجيال متلاحقة من المسلمين، وهو ما يطرح تحديات حقيقة في وجه التلاحق الفكري والثقافي بين بيقة الشعوب خصوصا المتاخمة لهذا البلد.

ومن بين المؤشرات الذكية التي استخلصها البحث الأول من نوعه في العالم الاسلامي، نجد المقاربة حسب السن، فقد توصل أنه كلما ارتفع السن إلا وارتفع معه التدين بصفة عامة وأداء الصلوات بشكل خاص، في هذا السياق، يذكر التقرير مقارنة بين مجموعة من الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث أن نسبة الشباب الذين تقل اعمارهم عن 34 سنة في العراق مثلا يؤدون الصلاة عدة مرات في اليوم تصل إلى (82) بينما ترتفع النسبة عند من هم  فوق 35 سنة إلى (90). إلا أن الاستثناء الوحيد سجل في روسيا حيث نسبة الشباب تتفوق على الكهول والشيوخ في أداء الصلوات، إذ تصل إلى (48) في حين عند من هم أكبر من 35 سنة، تصل إلى (41). ولعل لهذه النتائج دلالات عميقة، خصوصا مع وجود استثناءات مما يفتح الباب للعديد من الافتراضات، من قبيل هل هناك في روسيا حاليا موجة من التدين تهم الأجيال الشبابية؟ وهل الأمر مرتبط بانتشار السلوك الديني عبر الانترنيت ودور الفضائيات في تشكيل وعي المسلم المعاصر؟ أم أن الأمر مرتبط بوجود صحوة دينية داخلية تركز على الشباب أكثر من الأجيال الأخرى؟ هذه الافترضات تحتاج من الباحثين لمزيد من التطوير.

بالموازاة مع هذه المؤشرات، شكل رصد حركية المسلمين اتجاه المسجد وأداء الصلوات مؤشرا من بين المؤشرات السابقة لابراز مدى الحفاظ على الصلاة في المسجد أم أنها تؤدى فقط في البيت أو العمل، وهذا المؤشر فيما نعتقد متوافق مع الأحاديث النبوية الكثيرة التي كانت تحض على أداء الصلاة في المسجد "وأنها تفضل بسبع وعشرين درجة عن صلاة الفد"، إلا أن واقع المسلمين المعاصر، وطبيعة الزمن اليومي ووثيرة الحياة الادارية غيرت من سلوك المسلمين وجعلت مسألة الحفاظ على الصلاة في المسجد مسألة في غاية الصعوبة، وذلك بالنظر للاكرهات الموضوعية التي نجمت عن آثار التحديث المهمينة على كل بلاد العالم. ولهذا فالنتائج المتوصل إليها في هذه الدراسة تؤكد هذا المعطى، حيث أن أكبر نسبة سجلت للمحافظة على الصلاة في المسجد جاءت من دول الساحل جنوب إفريقيا، فغانا مثلا عبر ما نسبته (83) عن أدائهم الصلاة في المسجد أكثر من مرة في الأسبوع، وتأتي بعدها ليبيريا (75).

وفي التصنيف الثاني، تأتي منطقة جنوب شرق آسيا، حيث سجلت نسبة  (50)، في  أندونيسيا، ممن يؤدون الصلاة في المسجد أكثر من مرة في الأسبوع. أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فقد سجلت الاردن نسبة (27).

لا شك أن هذه النتائج تطرح على المتتبع عدة أسئلة وملاحظات، إذ كيف يمكن تفسير ارتفاع التردد على المسجد في دول الساحل وجنوب إفريقيا وبعدهم منطقة جنوب شرق آسيا وبعدها تأتي  في مرتبة تالية منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟ لا نشك أن هذا مجال للبحث والتقصي المستقبلي، مما يمكنه ان يمكن باحثينا في معرفة هذا المعطى.

2) قراءة القرآن:

تعد قراءة القرآن إحدى التجليات الشعائرية التي تبرز مدى الارتباط بالدين الاسلامي، إذ أن القرآن هو كلام الله المرسل للناس عامة وللمسلمين بشكل خاص، ولهذا فقراءته تذكر المؤمنين بحقائق الغيب وبقدرة الله عز وجل والمصري الانساني ومآل أهل الجنة ونعيمهم ووعيد الله عز وجل للمشركين وغيرها من الحقائق الوجودية والخالدة، وقد رغب الرسول صلوات الله عليه وسلم في قراءة القرآن والمداومة على ذلك، ولهذا كان منطلق الدراسة البحثية التي بين أيدينا للكشف عن حجم الارتباط بالقرآن الكريم في حياة المسلمين، وقد جاء في صيغة السؤال ثلاثة اختيارات: هل تقرأ القرآن كل يوم؟ أم تقرأه في أقل من أسبوع؟ أم أنك لا تقرأه بتاتا؟

في الاجابة عن هذه الاسئلة، كانت النتائج جد معبرة، إذ أن منطقة الشرق الأوسط سجلت أعلى النسب في قراءة أو استماع القرآن حيث سجلت نسبة (52) في كل من الأردن وفلسطين، بينما المناطق الأخرى، جاءت متأخرة، وقد عزاه التقرير لمشكل اللغة العربية مما يحد من إمكانية استعمالها في قراءة القرآن الكريم، إلا أن المقاربة حسب الجنس بينت أن نفس الخلاصة التي توصل إليها في ما يخص الصلاة تبقى صالحة في قراءة القرآن، إذ أن كبار السن يقرأون القرآن أكثر من فئة الشباب، والرجال أكث من النساء، لكن مع وجود استثناءات ففي باكستان مثلا تتفوق النساء  عن الرجال بنسبة (46)، إلا أن جارتها أفغانستان، نجد ان الرجال يتفوقون في قراءة القرآن بنسبة (51)، أكثر من النساء (26). ويمكن تفسير ذلك بنسب الأمية المرتفعة وسط النساء في هذا البلد الذي لا زال يحرمهن من حقهن في التعليم.

3) الزكاة:

تحتل الزكاة الركن الثالث من أركان الاسلام، وهي بدون شك تؤسس لمجتمع متضامن ومتعاون، ومن خلال الزكاة يمكن إقامة مجتمع العدالة الاجتماعية، لكن هذه الفريضة الحيوية في حياة المسلمين لازالت تؤدى بطريقة فردية وتتوقف على مدى ارتباط المسلمين بقيمهم معتقدا وسلوكا عمليا. باستثناء دولتي ماليزيا وباكستان اللتين تسهر الدولة على جمع وتوزيع أموال الزكاة، فإن غالبية الدول لا زالت تعتمد على قناعات الأفراد، وهناك بعض الحالات التي تتدخل الجمعيات الدعوية في توزيع وجمع الزكاة سواء في مقرات الجمعيات أو في المساجد، إلا أن هذه الممارسة عرفت مجموعة من الاكرهات خصوصا بعد أحداث 11 من سبتنبر من سنة 2001، حيث شنت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دول العالم التي تدور في فلكها، حملات لوقف تدفق الأموال كيفما كانت وأبنما كانت.

من خلال الاستطلاع، تطالعنا النتائج عن كون المسلمين في الدول المبحوثة (39) دولة عبروا عن كونهم يدفعون الزكاة، بنسب عالية، وهو ما يؤشر على مكانة هذه الفريضة في نفوس المسلمين، وأنها لم تغب عنهم رغم أن التشريعات القانونية التي برزت مع حقبة الاستعمار، أدخلت مفهوم الضريبة، كمفهوم جديد في وعي المجتمعات المسلمة.

وعليه، فإن القراءة المقارنة بين المناطق والدول، تكشف أن أندونيسيا وماليزيا وتايلاند والمغرب وافغانستان تسجل أعلى المستويات ما بين 90 و98، وتسجل منطقة وسط أسيا أضعف النسب ككزاخستان والتي عبر فقط (36) عن تأديتهم لهذه الفريضة، وهو ما ينسجم مع النتائج الخاصة بأداء الصلاة.

في منطقة جنوب وشرق اوربا، تسجل النسب ضعفا، باستثناء البوسنة هيرزيكوفين حيث عبر ما نسبته (81) عن تأديهم للزكاة.

4) صيام رمضان:

يعتبر المسلمون أن  الصيام مدرسة حقيقية للمؤمن، إذ أن هذه الشعيرة تمكن الفرد المسلم من التحرر من الشهوات والعادات اليومية بشكل باهر، فالقدرة على الصيام تعطي الفرد المسلم المكانة الأخلاقية التي يحظى بها في هذا الكون، وفي الصيام يتحقق القرب من الله لانه تشبه بأخلاق الملائكة، وفي الصيام تقل عناصر التشويش في حياة المسلم.

بالنظر لقيمة لهذه الشعيرة، فإن الاستطلاع الذي نحن بصدده، طرح سؤالا محددا حول العينة المستجوبة: هل تصوم رمضان؟

وقد حملت لنا الاجابات، مجموعة من النتائج المهمة، فمنطقة جنوب شرق آسيا تحقق أعلى النسب، وهي المناطق التي تقع فيها بلدان التايلاند بنسبة (100) وهي نسبة تمثل تقريبا عدد المسلمين في هذا البلد الآسيوي ، وإندونيسيا (99) وماليزيا (99) .

أما منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فتحتل فيها المملكة المغربية نسبة هامة (98)، وتتراوح نسب التعبير عن الصيام في هذه المنطقة تباعا ما بين (95 و(86) وما يمكن تسجيله هو أن مسلمي لبنان( 88) أكثر صياما من مسلمي الأردن (86)، مما يطرح عدة استفسارات؟؟.

فيما يخص بقية المناطق، نلاحظ أن منطقة الساحل جنوب إفريقيا حققت هي الأخرى نسبا عالية، فالكامرون عبر مسلموها عن نسبة (100) واتشاد (98)، والسينيغال (98)، بينما سجلت أدنى نسبة في دولة الكنغو الديمقراطية (69).

وتمثل بلدان منطقة آسيا الوسطى، نسبا ضعيفة في الاقبال على هذه الفريضة،كازاخستان (30) وأزبكستان (50) وأزريبدجان (43)، باستثناء تادجكستان ( 88) وتركيا (84).

عموما ما يمكن أن نقرأه في النتائج أنها تؤشر على حضور قوي لهذه الشعيرة، وأنها ترتفع في مناطق جنوب شرق آسيا مما يطرح مجموعة من التحديات من قبيل كيف يمكن فهم مسألة الازدواجية في السلوك الديني للمسلمين في هذه المناطق؟ كيف ترتفع نسب التدين من خلال هذه  المؤشرات وغيرها، وتبرز بالمقابل مؤشرات اخرى عن ارتفاع ظاهرة الدعارة خصوصا في التايلاند بلد السياحة الجنسية كما يشاع؟ إنها أسئلة بل إشكالات تحتاج لنوعية جديدة من الدراسات عبر المناطقية.

5) الحج :

يمثل الحج تجربة عظيمة الآثر في حياة المسلم، "فمن حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" إنه الطهارة الكبرى من كل الأدران التي تعلق بمسارات المسلم، ولان هذه الشعيرة تحتل هذه المكانة فإن قلوب المسلمين تشرئب للقيام بها، وتتطلع إلى زيارة قير الرسول (ص). ولا يجادل أحد في قيمة هذه الشعيرة ومكانتها في قلوب المسلمين، ولكن السؤال السوسيولوجي هو سؤال فلسفي يبحث عن تمثلات المسلمين حول هذه الشعيرة، وكيفية ممارستها ومسارتاها، لأنها تجربة فريدة في حياة المسلم، وقد سبق للأنثروبولوجي المغربي "عبد الله حمودي" أن كتب عن رحلته للحج(4) والتي خرجت عن الدراسة الموضوعية إلى نوع من القذف والسخرية من بعض الشعائر التعبدية، كتسابق الحجاج بالمتوحش وبتشبيه مخيمات  حجز أضاحي العيد  بمخيمات الحجز والاعتقال، فإن الكتاب يعد في نظرنا مهما لكونه سلط الضوء على شعيرة قلما تخضع للدراسة والبحث.

لم يستطلع البحث الذي بين أيدينا واقع شعيرة الحج كمعطى سوسيولوجي، بقدر ما حاول أن يرصد وثيرة أداء الفريضة ومستوى حضورها في المناطق المختلفة من العالم الاسلامي، وعليه، فإن النتائج المحصلة لم تكن مفاجئة ولا محيرة بل إنها أفصحت عن واقع موضوعي، فالنسبة الأهم  تمثلها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، بواقع ( 17)، ولتدقيق المعطيات في نفس المنطقة، فإن كلا من  مصر ولبنان تسجلا أعلى النسب ب (20)، بينما الأردن ب (18) وفلسطين (17) والعراق (12)، في حين سجل المغرب (6) وتونس (4) وقد يستخلص القارئ بعض الخلاصات الساذجة عن هذه النسب المتدنية في كل من المغرب وتونس، لكن المطلع على سير عملية الحج خصوصا في السنوات الأخيرة، انها بدات تخضع لنظام الكوطا لكل بلد، نظرا لتزايد الأعداد الكبير ة التي ترغب في الحج، وعلى سبيل المثال فإن عدد الراغبين للحج في المملكة المغربية وصل في سنة 2010 أزيد من 200 ألف طلب، بينما النسبة المخصصة لا تتزاوج 30 ألف مما يعني أن الاقبال على الفريضة في ارتفاع، والأمر الأهم هو أن نسبة الشباب أصبحت ظاهرة بارزة في السنوات الأخيرة.

هذا دون ان ننسى أن العامل الجغرافي، حيث البعد والقرب من مكة يؤثر في عملية الحج، فطبيعي أن تكون نسب الذين حجوا بيت الله الحرام في مصر ولبنان وفلسطين والأردن مرتفعة بالنسبة لدول شمال إفريقيا.

فيما يخص بقية المناطق، فجنوب شرق آسيا نسبة الذين حجوا لم تتزاوج (8)، أما في منطقة جنوب آسيا (6) بينما سجلت أدنى نسبة في كلا من منطقتي وسط آسيا وجنوب شرق أوربا ب (3).

ثالثا: البعد التجريبي (الانتماء)

يمثل مفهوم  الانتماء إحدى النماذج التفسيرية التي صاغها علماء الاجتماع الديني للتعبير عن "مجمل المواقف التي تميز الانضمام إلى جماعة أو مؤسسة ذات طابع ديني، أو مجمل آليات الانضمام والانخراط والمشاركة الشكلية في حياة هيئة، تتمتع بتنظيم معين، ولها صبغة دينية دائما(5)، وقد حدد معهد "بيو" للدراسات والأبحاث، التيار الصوفي كإحدى التيارات المتواجدة في الساحة الاسلامية، لكي يستطلع آراء المستجوبين حول الانخراط في هذ التيار، ولاشك أن طرح مثل هذا السؤال إنما ينم عن رغبة في معرفة مدى تماهي المسلمين مع التيار الصوفي باعتباره أحد التيارات التي لا تفتؤ تقدم نفسها كبديل عن القلق الذي يعتصر آلام المسلمين بل الانسانية جمعاء، ولانها تقدم الدواء الروحي الرباني لمعالجة القلوب المريضة.

وتأتي أهمية هذا السؤال، لكون العديد من الدوائر الغربية وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية، كانت تصدر العديد من التقارير والتي تتحدث عن أن مواجهة الحركات الاسلامية السياسية يجب أن تتحول إلى مواجهة ناعمة وبأساليب من الداخل وليس بإثارة حروب مفضوحة، وفي هذا السياق بدأ الحديث عن المراهنة عن التيار الصوفي باعتباره نموذجا للتدين المسالم و"الناعم" والذي لا يطمح للاستيلاء على السلطة ولا يزعج الغرب وأمريكا، إذ أن هذا التيا لا يطرح في أجنداته مفهوم المقاطعة أو الحرب الحضارية، بقدر ما يسعى إلى تحقيق "السلم " والأمن العالميين".

وقد قد لافتا أن ينتبه التقرير الحالي، إلى أهمية هذا السؤال، وهكذا كشفت النتائج عن مفاجئات عديدة، لا شك أنها ستقلب كل الأحكام النمطية التي كان يروج لها البعض عن حجم هذا التيار ومدى حضوره في الساحة الاسلامية، إذ سجل الاستطلع ضعف حضور التيار الصوفي في العالم الإسلامي باستثناء دول الساحل جنوب إفريقيا والتي تتواجد في قلبها دولة السينغال، والتي ينتمي ما نسبته (92) من مسلميها للتيار الصوفي، وأيضا أزيد من 15 دولة إفريقية كلها تحقق نسبا تتراوح ما بين (55 و8) للمنتمين للتيار الصوفي. ولتفسير هذه النتيجية فإن الارث التاريخي المرتبط بحضور الزاوية التيجيانية والقاديرية والمريدية في السينيغال، والتي من خلالها ثم نشر الدين الاسلامي إلى بقية مناطق إفريقيا، يعكس شدة التماهي بين الاسلام والطريقة الصوفية. فكأنهم يقولون "من لا طريقة له فلا إسلام له" إنه الشعار الذي يتخذه مسلموا دول الجنوب الافريقي، ولا زال هذا الثقل التاريخي حاضرا، حيث أن الممارسة الدينية في دولة السينيغال توحدت مع الطرقة الصوفية لدرجة يصعب معها الاسلام بدون فهم الطرق الصوفية.

لكن بقية النتائج تحمل معها أكثر من دلالة، ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نجد أن النسب تنحدر لمستويات جد ضعيفة، فالمغرب عبر فقط (1) .

فيما يخص بقية النتائج، فإن منطقة حنوب آسيا تسجل نسبا مرتفعة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث نجد مثلا ان  بانغلاديش يعتبر ما نسبته (26) من المسلمين أنهم ينتمون للطريقة الصوفية.

وفي منطقة جنوب وشرق أوربا، فإن روسا تسجل نسبة (19) من المنتسبين للطريقة الصوفية، وألبانيا (13).

وعموما فإن مجمل النتائج تبين لنا، أن الانخراط في التيار الصوفي لا يشكل قاسما مشتركا بين جميع المسلمين، ولأن دائرته  انتشاره جد محدودة ومرتبطة بالمناطق التي تمازج فيها الانتماء للدين الاسلامي بطريقة صوفية معينة. .

|1|2|


الهوامش:

4.      يتعلق الأمر بكتاب "حكاية حاج: موسم في مكة" تأليف، عبد الله حمودي،ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار الساقي، 2010.

5.      علم الاجتماع الديني: الاشكالات والسياقات" سابينو، إنزو باتشي، ترجمة : عز الدين عناية، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث"كلمة"2011،ص:104.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة